"خَنَافِسُ." هَمَسَتْ "سلمى" بِرُعْبٍ وَهِيَ تَتَرَاجَعُ خُطْوَةً لِلْخَلْفِ، تَصْطَدِمُ بِـ "حاتم".
كَانَ الْمَنْظَرُ كَأَنَّهُ مِنْ كَابُوس. أَرْضِيَّةُ الْقَاعَةِ تَمُوجُ بِطَبَقَةٍ سَوْدَاءَ لَامِعَةٍ مِنَ الْحَشَرَاتِ الَّتِي تَحْرُسُ الْخِزَانَة.
"مروان" نَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ ذِي النَّدْبَة. "أَحْرِقْهَا."
"لَا!" صَرَخَ "الشيخ زيدان" فَجْأَةً.
تَوَقَّفَ الْجَمِيعُ.
تَقَدَّمَ "الشيخ زيدان" إِلَى حَافَّةِ الْخَنْدَقِ الْحَيِّ، وَسَلَّطَ كَشَّافَهُ عَلَيْهَا.
"لَا تَخَافُوا." قَالَ "زيدان" بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَوَاضِح. "هَذِهِ لَيْسَتْ أَفْخَاخًا."
"وَمَاذَا تُسَمِّيهَا؟!" قَالَ "مروان" بِغَضَب.
"هَذِهِ 'خَنَافِسُ الْمَوْتَى'." قَالَ "زيدان". "إِنَّهَا لَا تُؤْذِي الْأَحْيَاءَ. إِنَّهَا تَنْجَذِبُ فَقَطْ إِلَى الرُّطُوبَةِ وَالْأَوْرَاقِ الْقَدِيمَةِ الْمُتَحَلِّلَةِ. إِنَّهَا... 'حُرَّاسٌ' سِلْبِيُّونَ."
"وَمَاذَا يَعْنِي هَذَا؟" سَأَلَ "حاتم".
"يَعْنِي أَنَّهَا لَنْ تَلْمِسَنَا." قَالَ "زيدان". "هِيَ تَحْمِي الْخِزَانَةَ مِنَ الْفِئْرَانِ وَالرُّطُوبَةِ، لَيْسَ مِنَّا."
وَلِكَيْ يُثْبِتَ نَظَرِيَّتَهُ، مَدَّ "الشيخ زيدان" عَصَاهُ الْخَشَبِيَّةَ وَوَضَعَهَا بِبُطْءٍ وَسَطَ بَحْرِ الْخَنَافِسِ.
لَمْ تَهْرُبِ الْحَشَرَاتُ، وَلَمْ تَهْجُمْ. بَلْ... تَحَرَّكَتْ حَوْلَ الْعَصَا بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا مَاءٌ يَتَجَنَّبُ صَخْرَةً.
"هِيَ لَا تَرَى الْخَشَبَ طَعَامًا. وَلَنْ تَرَانَا طَعَامًا."
رَغْمَ ذَلِكَ، كَانَتْ فِكْرَةُ السَّيْرِ وَسَطَهَا مُقَزِّزَةً.
"أَنَا لَنْ أَخْطُوَ هُنَاكَ." قَالَ "مروان" بِقَرَف.
"لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ." قَالَ "حاتم" فجأة.
كَانَ "حاتم" يُوَجِّهُ كَشَّافَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَ الْخِزَانَةِ مُبَاشَرَةً.
"اُنْظُرُوا! هُنَاكَ مَمَرٌّ!"
كَانَ "حاتم" مُحِقًّا. كَانَ هُنَاكَ "مَسَارٌ" حَجَرِيٌّ ضَيِّقٌ، بَعَرْضِ قَدَمٍ وَاحِدَةٍ، يَمْتَدُّ مِنْ حَافَّةِ الْقَاعَةِ حَتَّى قَاعِدَةِ الْخِزَانَةِ. كَانَ الْمَسَارُ نَظِيفًا تَمَامًا مِنَ الْخَنَافِسِ.
"لَقَدْ تَرَكَ لَنَا طَرِيقًا." قَالَ "حاتم".
"مَنْ سَيَعْبُرُ أَوَّلًا؟" سَأَلَ "مروان".
نَظَرَ "حاتم" إِلَى "سلمى" وَ "زيدان". "أَنَا سَأَفْعَلُ."
وَضَعَ "حاتم" قَدَمَهُ بِثَبَاتٍ عَلَى الْمَسَارِ الضَّيِّقِ. كَانَ الْهَوَاءُ ثَقِيلًا بِصَوْتِ حَرَكَةِ الْحَشَرَاتِ عَلَى جَانِبَيْهِ.
مَشَى بِبُطْءٍ، يُحَافِظُ عَلَى تَوَازُنِهِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَوَقَفَ أَمَامَ الْخِزَانَةِ الْحَجَرِيَّةِ الْعِمْلَاقَة.
تَبِعَهُ الْآخَرُونَ وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ بِحَذَرٍ شَدِيد.
أَخِيرًا، وَقَفَ الْجَمِيعُ أَمَامَ "الْخَبِيئَةِ".
كَانَتْ أَضْخَمَ مِمَّا تَخَيَّلُوا. خِزَانَةٌ مِنْ الْجَرَانِيتِ الْأَسْوَدِ اللَّامِعِ، مَنْقُوشٌ عَلَيْهَا رُمُوزٌ فَلَكِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ تُطَابِقُ مَا رَأَوْهُ فِي الْقَاعَةِ الْعُلْيَا.
وَفِي الْمُنْتَصَفِ، كَانَ "الْقُفْلُ".
قُفْلٌ نُحَاسِيٌّ ضَخْمٌ، غَطَّاهُ الزَّمَنُ بِطَبَقَةٍ خَضْرَاءَ.
لَكِنَّ الشَّيْءَ الْغَرِيبَ... أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكَانٌ لِمِفْتَاحٍ.
"أَيْنَ ثُقْبُ الْمِفْتَاحِ؟" قَالَ "مروان" بِغَضَبٍ وَهُوَ يَتَحَسَّسُ الْقُفْلَ.
"حاتم" تَقَدَّمَ لِيَفْحَصَهُ. "هَذَا لَيْسَ قُفْلًا تَقْلِيدِيًّا."
كَانَ الْقُفْلُ عِبَارَةً عَنْ قُرْصٍ دَائِرِيٍّ مُثَبَّتٍ عَلَى الْخِزَانَةِ، وَعَلَيْهِ نَفْسُ الرُّمُوزِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِلْأَبْرَاجِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْبَوَّابَةِ الْأُولَى.
"إِنَّهَا نَفْسُ الْآلِيَّةِ!" قَالَتْ "سلمى". "هَلْ نَنْفُخُ فِي رَمْزِ 'عُطَارِد' مَرَّةً أُخْرَى؟"
"لَا." قَالَ "الشيخ زيدان". "ابْنُ سِرَاج لَا يُكَرِّرُ أَلْغَازَهُ. لَقَدْ تَجَاوَزْنَا مَرْحَلَةَ الْهَوَاءِ."
"حاتم" كَانَ يُحَرِّكُ الْقُرْصَ الدَّائِرِيَّ. كَانَ يَدُورُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُفْتَحُ.
"إِنَّهَا 'خَزْنَةٌ'." قَالَ "حاتم". "تَحْتَاجُ إِلَى 'شِفْرَةٍ'."
"وَمَا هِيَ الشِّفْرَةُ؟" سَأَلَ "مروان" بِإِحْبَاط.
"سلمى" كَانَتْ تُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ. "الْبَوَّابَةُ الْأُولَى كَانَتْ 'الْهَوَاءَ'. الْبَوَّابَةُ الثَّانِيَةُ كَانَتْ 'النَّارَ' (الضَّوْءَ). الْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعَةُ..."
"الْمَاءُ وَالتُّرَابُ؟" أَكْمَلَ "زيدان".
"لَا." قَالَ "حاتم" الَّذِي كَانَ لَاصِقًا بِالْقُفْلِ. "الْآلِيَّةُ الْأُولَى كَانَتْ نَفْخَةً هَوَائِيَّةً. الثَّانِيَةُ كَانَتْ حَرَارَةً شَمْسِيَّةً."
ثُمَّ صَمَتَ "حاتم".
"مَاذَا؟" سَأَلَتْ "سلمى".
"إِنَّهُ... دَافِئٌ."
"مَاذَا؟"
"الْقُفْلُ النُّحَاسِيُّ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَلْمِسُهُ بِحَذَر. "إِنَّهُ دَافِئٌ قَلِيلًا. كَأَنَّهُ يَحْتَفِظُ بِالْحَرَارَةِ."
"الْحَرَارَةُ..." كَرَّرَ "زيدان". "الْآلَةُ الْفَلَكِيَّةُ لَمْ تَكُنْ فَقَطْ لِتُسَلِّطَ الضَّوْءَ الْأَخْضَرَ. لَقَدْ فَعَلَتْ شَيْئًا آخَرَ."
"لَقَدْ أَرْسَلَتْ إِشَارَةً." قَالَتْ "سلمى". "أَوْ رُبَّمَا... شَحَنَتْ شَيْئًا."
"حاتم" كَانَ يُدَقِّقُ النَّظَرَ فِي الرُّمُوزِ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَلَى الْقُفْلِ.
"إِنَّهَا لَيْسَتْ أَزْرَارًا. إِنَّهَا 'أَقْرَاصٌ' حَرَارِيَّةٌ!"
"مَاذَا تَعْنِي؟" سَأَلَ "مروان".
"أَعْتَقِدُ أَنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى تَسْخِينِهَا... بِتَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ." قَالَ "حاتم".
"تَسْخِينِهَا؟"
"لَدَيَّ وَلَّاعَتِي (قَدَّاحَتِي)." قَالَ "حاتم".
"وَمَا هُوَ التَّرْتِيبُ؟" سَأَلَتْ "سلمى". "هَلْ هُوَ 'عُطَارِد'؟"
نَظَرَ الثَّلَاثَةُ إِلَى الْخِزَانَةِ الْحَجَرِيَّةِ الَّتِي يَقِفُ عَلَيْهَا الْقُفْلُ. كَانَتْ مَنْقُوشَةً بِخَرِيطَةِ النُّجُومِ الْكَامِلَةِ.
"لَا." قَالَ "الشيخ زيدان". "التَّرْتِيبُ كَانَ أَمَامَنَا طُولَ الْوَقْتِ. إِنَّهُ الْمَسَارُ الَّذِي جِئْنَا مِنْهُ. إِنَّهُ مَسَارُ 'التِّنِّينِ'!"
"مِنَ الذَّيْلِ إِلَى الرَّأْسِ!" صَاحَتْ "سلمى". "الرُّمُوزُ الَّتِي عَلَى الْقُفْلِ... هَلْ تُطَابِقُ نُجُومَ التِّنِّينِ؟"
فَحَصَتْ "سلمى" الْقُرْصَ. "نَعَم! نَعَم! هِيَ هِيَ!"
"إِذًا." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يُخْرِجُ وَلَّاعَتَهُ. "لِنُشْعِلِ التِّنِّينَ."
"اِبْتَعِدُوا."
أَشْعَلَ "حاتم" النَّارَ، وَقَرَّبَهَا مِنْ أَوَّلِ رَمْزٍ (الذَّيْلُ).
سَخَّنَهُ لِثَلَاثِ ثَوَانٍ.
"طَقْ."
صَوْتٌ مَعْدِنِيٌّ خَافِتٌ جَاءَ مِنْ دَاخِلِ الْقُفْلِ.
"إِنَّهُ يَعْمَلُ!" هَمَسَ "حاتم".
انْتَقَلَ إِلَى الرَّمْزِ الثَّانِي... "طَقْ."
الثَّالِثُ... "طَقْ."
كَانَ يَسِيرُ بِتَرْتِيبِ النُّجُومِ عَلَى الْخِزَانَةِ.
"مروان" وَرِجَالُهُ كَانُوا يَحْبِسُونَ أَنْفَاسَهُمْ.
وَصَلَ "حاتم" إِلَى الرَّمْزِ الْأَخِيرِ... رَمْزُ "الرَّأْسِ".
قَرَّبَ اللهب...
"كְلَانْكْ!"
صَوْتٌ عَالٍ وَقَوِيٌّ.
ثُمَّ... سَقَطَ الْقُفْلُ النُّحَاسِيُّ الْأَخْضَرُ بِكَامِلِهِ عَلَى الْأَرْضِ الْحَجَرِيَّةِ.
فُتِحَتِ الْخِزَانَةُ.
"أَخِيرًا!" صَرَخَ "مروان" وَهُوَ يَنْدَفِعُ نَحْوَ الْخِزَانَةِ، وَيَدْفَعُ "حاتم" وَ "سلمى" مِنْ طَرِيقِهِ.
وَقَفَ "مروان" وَالرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الْحَجَرِيِّ الثَّقِيلِ لِلْخِزَانَة.
"اِفْتَحُوهَا." أَمَرَ "مروان".
اِسْتَخْدَمَ الرَّجُلَانِ كُلَّ قُوَّتِهِمَا لِإِزَاحَةِ الْغِطَاءِ الثَّقِيلِ...
وَمَعَ صَوْتِ احْتِكَاكٍ مَهِيب... انْكَشَفَ مَا بِالدَّاخِلِ.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ التَّاسِعِ عَشَرَ]
روايات الحارة