فِي الْمَعْمَلِ الْمُغْلَقِ، أَلْقَى "مروان" الْهَاتِفَ عَلَى الْأَرْضِ بِعُنْفٍ.
كَانَ يَدُورُ فِي الْمَكَانِ كَذِئْبٍ مَحْبُوسٍ فِي قَفَصٍ. الْغُبَارُ، وَرَائِحَةُ الْفُرْنِ، وَالْكِتَابُ الثَّقِيلُ فِي يَدِهِ... كُلُّهَا أَشْيَاءُ بَدَأَتْ تَخْنُقُهُ.
"سَيِّدِي؟" قَالَ الْحَارِسُ الْوَاقِفُ عِنْدَ الْبَابِ. "مَا هِيَ الْأَوَامِرُ؟"
"هُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ ذَكِيٌّ." هَمَسَ "مروان" لِنَفْسِهِ. "يَظُنُّ أَنَّهُ أَمْسَكَ بِي."
اِبْتَسَمَ "مروان" اِبْتِسَامَةً مُرْعِبَةً. "لَكِنَّهُ نَسِيَ أَنَّ الْأَقْفَالَ صُنِعَتْ لِتُكْسَرَ."
اِتَّجَهَ "مروان" إِلَى الْبَابِ الْحَدِيدِيِّ الثَّقِيلِ الَّذِي يُغْلِقُ الْمَعْمَلَ، وَبَدَأَ يَطْرُقُ عَلَيْهِ بِقُوَّةٍ.
"يَا أَغْبِيَاءَ! يَا مَنْ بِالْخَارِجِ!"
مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِلْبَابِ، جَاءَ صَوْتُ رِجَالِهِ الْمُرْتَبِكِينَ. "سَيِّدِي؟ هَلْ أَنْتَ بِالدَّاخِلِ؟"
"أَيْنَ تَظُنُّنِي؟!" صَرَخَ "مروان". "الْمُرَمِّمُ هَرَبَ! أَنَا مَنْ بِالدَّاخِلِ! اِكْسِرُوا هَذَا الْبَابَ الْلَعِينَ... الْآنَ!"
فِي بَيْتِ "عَمْرو"...
كَانَ "حاتم" وَ "الشيخ زيدان" يَسْمَعَانِ صَوْتَ الطَّرْقِ الْعَنِيفِ الْقَادِمِ مِنْ بَعِيدٍ.
"لَقَدْ بَدَأَ." قَالَ "حاتم".
"سَيَخْرُجُ فِي غُضُونِ دَقَائِقَ." قَالَتْ "سلمى" وَالذُّعْرُ يَعُودُ إِلَى صَوْتِهَا. "لَيْسَ لَدَيْنَا وَقْتٌ. يَجِبُ أَنْ نَهْرُبَ مِنْ الْقَاهِرَةِ كُلِّهَا!"
"لَا." قَالَ "حاتم" بِهُدُوءٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ "الشيخ زيدان" وَ "سلمى".
"لَا هُرُوبَ هَذِهِ الْمَرَّةَ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَرْفَعُ الْمَسَدَّسَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ حَارِسِ الْقَبْوِ.
"مَاذَا تَعْنِي؟" سَأَلَ "زيدان".
"أَعْنِي أَنَّ 'مروان' سَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ وَهُوَ يَحْمِلُ الْكِتَابَ. سَيَكُونُ فِي أَقْصَى دَرَجَاتِ غَضَبِهِ. سَيُطْلِقُ رِجَالَهُ فِي كُلِّ زُقَاقٍ لِيَجِدُونَا. وَسَيَجِدُونَنَا."
أَكْمَلَ "حاتم": "وَحَتَّى لَوْ هَرَبْنَا... سَيَبْقَى وَالِدُكِ هَدَفًا. وَسَنَبْقَى نَحْنُ أَهْدَافًا لِبَقِيَّةِ حَيَاتِنَا. هُوَ لَنْ يَتَوَقَّفَ أَبَدًا."
"وَمَا الْحَلُّ؟" سَأَلَتْ "سلمى" بِيَأْسٍ.
"الْحَلُّ هُوَ أَنْ نُوَاجِهَهُ." قَالَ "حاتم". "الْآنَ. وَهُوَ مُشَتَّتٌ وَغَاضِبٌ."
"نُوَاجِهُهُ؟" قَالَ "زيدان". "إِنَّهُ جَيْشٌ يَا حَاتِم. وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ."
"لَا." قَالَ "حاتم". "نَحْنُ لَسْنَا ثَلَاثَةً. نَحْنُ 'الْقَاهِرَةُ الْقَدِيمَةُ'."
نَظَرَ "حاتم" إِلَى "عَمْرو". "يَا عَمْرو. أَتَعْرِفُ 'مَخْزَنَ الْبَارُودِ' الْقَدِيمَ الْخَالِيَ خَلْفَ وَكَالَةِ الْجَوْهَرِيِّ؟"
"بِالطَّبْعِ يَا سَيِّدَ حَاتِمَ. نَلْعَبُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ."
"جَمِيلٌ." قَالَ "حاتم". "الْآنَ... اِسْمَعُوا خُطَّتِي."
خَارِجَ الْمَعْمَلِ...
بَعْدَ عَشْرِ دَقَائِقَ مِنْ ضَرْبٍ مُتَوَاصِلٍ بِمِطْرَقَةٍ حَدِيدِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، تَحَطَّمَ الْقُفْلُ وَانْفَتَحَ الْبَابُ.
خَرَجَ "مروان باشا" إِلَى ضَوْءِ النَّهَارِ كَالثَّوْرِ الْهَائِجِ. كَانَ الْغُبَارُ يُغَطِّي "رُوبَهُ" الْحَرِيرِيَّ، وَكَانَ يَضُمُّ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ إِلَى صَدْرِهِ.
"أَيْنَ هُمْ؟!" صَرَخَ فِي رِجَالِهِ.
"لَا نَعْلَمْ سَيِّدِي. الدُّخَانُ فِي الزُّقَاقِ (مِنَ الْأَلْعَابِ النَّارِيَّةِ) سَبَّبَ فَوْضَى..."
"أَغْبِيَاءُ!" صَفَعَ "مروان" أَقْرَبَ رَجُلٍ إِلَيْهِ. "أُرِيدُهُمْ. أُرِيدُ 'حاتم' حَيًّا. الْبَاقُونَ... لَا يُهِمُّونَنِي."
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، جَاءَ "عَمْرو" رَاكِضًا فِي الزُّقَاقِ، يَلْهَثُ وَيَتَصَنَّعُ الْخَوْفَ.
"سَيِّدِي! سَيِّدِي الْبَاشَا!" صَاحَ "عَمْرو" وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ "مروان".
أَمْسَكَ بِهِ أَحَدُ الْحُرَّاسِ بِعُنْفٍ. "مَاذَا تُرِيدُ أَيُّهَا الْفَتَى؟"
"أَنَا... أَنَا رَأَيْتُهُمْ!" قَالَ "عَمْرو" وَهُوَ يَرْتَعِشُ.
تَوَقَّفَ "مروان". "أَيْنَ؟"
"الرَّجُلُ الْعَجُوزُ (زيدان)... وَالْفَتَاةُ (سلمى)... وَالْعَجُوزُ الْآخَرُ (وَالِدُهَا). إِنَّهُمْ يَخْتَبِئُونَ... فِي 'مَخْزَنِ الْبَارُودِ' الْقَدِيمِ. رَأَيْتُهُمْ يَدْخُلُونَ مُنْذُ دَقَائِقَ."
"وحاتم؟ أَيْنَ الْمُرَمِّمُ؟" سَأَلَ "مروان".
"لَمْ... لَمْ أَرَهُ مَعَهُمْ." كَذَبَ "عَمْرو".
"مروان" فَكَّرَ لِثَانِيَةٍ. الْخُطَّةُ وَاضِحَةٌ فِي رَأْسِهِ: لَقَدْ تَخَلَّى "حاتم" عَنْهُمْ لِيَهْرُبَ، وَتَرَكَهُمْ لِيُوَاجِهُوا مَصِيرَهُمْ. أَوْ...
"إِنَّهُ فَخٌّ." قَالَ "مروان".
"رُبَّمَا سَيِّدِي." قَالَ "عَمْرو" بِبَرَاءَةٍ مُصْطَنَعَةٍ. "لَكِنَّهُمْ هُنَاكَ بِالْفِعْلِ."
نَظَرَ "مروان" إِلَى الْفَتَى. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى رِجَالِهِ.
"سَيِّدِي،" قَالَ أَحَدُ الْحُرَّاسِ، "الْمَخْزَنُ لَيْسَ لَهُ سِوَى مَدْخَلٍ وَاحِدٍ. إِذَا كَانُوا بِالدَّاخِلِ، فَهُمْ فِي مِصْيَدَةٍ."
"جَيِّدٌ." قَالَ "مروان". "سَأَحْصُلُ عَلَى الرَّهَائِنِ الثَّلَاثَةِ... وَسَيَأْتِي 'حاتم' رَاكِعًا لِيُبَادِلَ بِهِمْ. تَحَرَّكُوا!"
اِتَّجَهَ "مروان" وَرِجَالُهُ نَحْوَ مَخْزَنِ الْبَارُودِ.
مَا لَمْ يَعْلَمْهُ "مروان"، هُوَ أَنَّ "حاتم" كَانَ قَدْ خَرَجَ بِالْفِعْلِ مِنْ مَخْرَجٍ آخَرَ لِلْقَبْوِ... وَكَانَ يَرْكُضُ الْآنَ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ...
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّلَاثِينَ]
روايات الحارة