كَانَ "حاتم" يَجْلِسُ فِي الظَّلَامِ الْبَارِدِ لِلْقَبْوِ، قَلْبُهُ يَدُقُّ كَأَنَّهُ طَبْلٌ.
مِنْ خِلَالِ الْفَتْحَةِ الضَّيِّقَةِ فِي الْأَرْضِيَّةِ، كَانَ يَرَى أَحْذِيَةَ الرَّجُلَيْنِ الْعَسْكَرِيَّةَ وَهِيَ تَدُوسُ عَلَى بَقَايَا أَدَوَاتِهِ الْمُحَطَّمَةِ.
"لَيْسَ هُنَا." قَالَ أَحَدُهُمَا.
"هُوَ هُنَا." قَالَ الْآخَرُ. "الْفُرْنُ لَا يَزَالُ سَاخِنًا. رُبَّمَا هَرَبَ عِنْدَمَا سَمِعَنَا."
"فَتِّشْ فِي الْخَلْفِ."
ظَلَّ "حاتم" ثَابِتًا كَالصَّخْرِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَيَّ صَوْتٍ، أَيَّ نَفَسٍ عَالٍ، سَيَكْشِفُ مَكَانَهُ.
الْمَسَدَّسُ الْقَدِيمُ كَانَ بَارِدًا فِي يَدِهِ. هَلْ سَيَعْمَلُ أَصْلًا؟
فَوْقَ الْأَسْطُحِ، كَانَتْ "سلمى" تُشَاهِدُ رَجُلًا ثَالِثًا يَقِفُ كَحَارِسٍ فِي مُدْخَلِ الزُّقَاقِ، يُغْلِقُ الطَّرِيقَ.
"لَقَدْ حَاصَرُوهُ." هَمَسَتْ لِـ "الشيخ زيدان".
"تَمَهَّلِي يَا بُنَيَّتِي." قَالَ "زيدان". "حاتم لَيْسَ فِي الْمَعْمَلِ. حاتم 'تَحْتَ' الْمَعْمَلِ."
فِي الْقَبْوِ، بَدَأَ أَحَدُ الرِّجَالِ يَقْتَرِبُ مِنْ مَكَانِ الْبِلَاطَةِ الْأَرْضِيَّةِ.
"مَا هَذَا؟" قَالَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُشِيرُ بِحِذَائِهِ إِلَى الْفَتْحَةِ. "تَبْدُو... مُخْتَلِفَةً."
قَلْبُ "حاتم" تَوَقَّفَ.
"لَا تَلْمِسْهَا!" جَاءَ صَوْتُ "مروان" عَبْرَ جِهَازِ الِاتِّصَالِ، وَاضِحًا جِدًّا. "هَذَا مَا يُرِيدُهُ. إِنَّهُ فَخٌّ."
"سَيِّدِي؟"
"اُخْرُجَا مِنَ الْمَعْمَلِ الْآنَ." أَمَرَ "مروان". "اُخْرُجَا وَأَغْلِقَا الْبَابَ الْخَارِجِيَّ بِالْأَقْفَالِ. إِذَا كَانَ بِالدَّاخِلِ، فَقَدْ أَصْبَحَ سَجِينَنَا. وَإِذَا كَانَ بِالْخَارِجِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ الْعَوْدَةَ."
"حاتم" سَمِعَ الْأَمْرَ.
"مروان" كَانَ أَذْكَى مِمَّا تَوَقَّعَ. لَمْ يَنْدَفِعْ.
سَمِعَ "حاتم" صَوْتَ خُطُوَاتِهِمَا وَهِيَ تُغَادِرُ... ثُمَّ صَوْتَ الْبَابِ الْحَدِيدِيِّ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ يُغْلَقُ، وَصَوْتَ سَلَاسِلَ ثَقِيلَةٍ تُلَفُّ حَوْلَهُ.
لَقَدْ حُبِسَ بِالْفِعْلِ.
اِنْتَظَرَ "حاتم" عَشْرَ دَقَائِقَ كَامِلَةً فِي الظَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الْبِلَاطَةَ وَيَخْرُجَ.
كَانَ الْمَعْمَلُ صَامِتًا.
اِتَّجَهَ نَحْوَ الْبَابِ الْخَارِجِيِّ. كَانَ مُغْلَقًا بِسَلَاسِلَ مِنْ الْخَارِجِ، كَمَا تَوَقَّعَ.
أَخْرَجَ "حاتم" الْهَاتِفَ الْقَدِيمَ (هَاتِفَ الْأَقْمَارِ الصِّنَاعِيَّةِ) مِنْ جَيْبِهِ.
"الْآنَ... تَبْدَأُ اللُّعْبَةُ." هَمَسَ.
كَانَ لَدَيْهِ رَقْمٌ وَاحِدٌ فَقَطْ مُخَزَّنٌ عَلَيْهِ. رَقْمٌ لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ مُنْذُ وَفَاةِ جَدِّهِ.
ضَغَطَ "حاتم" زِرَّ الِاتِّصَالِ.
رَنَّ الْهَاتِفُ مَرَّةً... مَرَّتَيْنِ...
"نَعَمْ؟" جَاءَ صَوْتٌ حَادٌّ وَمُهَذَّبٌ.
"سَيِّد مروان باشا؟" قَالَ "حاتم" بِهُدُوء.
عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي قَصْرِهِ، نَظَرَ "مروان" إِلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ. كَانَ الرَّقْمُ "مَجْهُولًا".
"مَنْ يَتَحَدَّثُ؟" سَأَلَ "مروان" بِحَذَرٍ.
"أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ." قَالَ "حاتم". "أَنَا الْمُرَمِّمُ."
اِبْتِسَامَةٌ بَارِدَةٌ رُسِمَتْ عَلَى وَجْهِ "مروان". "إِذًا... نَجَوْتَ. أَنَا مُعْجَبٌ."
"لَا وَقْتَ لِلْإِعْجَابِ." قَالَ "حاتم". "أَنْتَ تَمْلِكُ الْكِتَابَ، لَكِنَّهُ مُغْلَقٌ. وَالْمِفْتَاحُ دُفِنَ فِي السّردَابِ."
"اللعْنَة!" هَمَسَ "مروان". كَانَ يَظُنُّ أَنَّ "حاتم" أَخَذَ الْمِفْتَاحَ. "إِذًا مَا الْفَائِدَةُ مِنْ هَذِهِ الْمُكَالَمَةِ؟"
"الْفَائِدَةُ أَنَّكَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى الْمِفْتَاحِ." قَالَ "حاتم".
"مَاذَا؟"
"أَنَا صَنَعْتُهُ مَرَّةً." كَذَبَ "حاتم" كَذْبَةً عَبْقَرِيَّةً. "أَنَا الْمُرَمِّمُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ تُصْنَعُ هَذِهِ الْآلِيَّاتُ. أَنَا أَسْتَطِيعُ صُنْعَ مِفْتَاحٍ آخَرَ. أَوْ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ... أَسْتَطِيعُ فَتْحَهُ بِدُونِ مِفْتَاحٍ."
سَادَ الصَّمْتُ عَلَى الْخَطِّ. كَانَ "مروان" يُفَكِّرُ. "الطُّعْمُ" كَانَ لَذِيذًا.
"أَنَا أَسْمَعُكَ." قَالَ "مروان".
"أُرِيدُ مُقَايَضَةً." قَالَ "حاتم". "حَيَاةُ وَالِدِ الدكتورة سلمى... مُقَابِلَ فَتْحِ الْكِتَابِ."
"هَذَا مُنَاسِبٌ." قَالَ "مروان". "الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ؟"
"الْمَكَانُ هُوَ مَعْمَلِي." قَالَ "حاتم". "الزَّمَانُ هُوَ الْآنَ. تَأْتِي وَحْدَكَ. أَنْتَ وَالْكِتَابُ وَالرَّهِينَةُ (وَالِدُ سلمى). أَيُّ حَرَكَةٍ غَبِيَّةٍ مِنْ رِجَالِكَ... وَسَيَبْقَى الْكِتَابُ مُغْلَقًا لِلْأَبَدِ."
"وَكَيْفَ أَضْمَنُ أَلَّا تَنْصِبَ لِي فَخًّا؟" سَأَلَ "مروان".
"لِأَنَّكَ حَبَسْتَنِي." قَالَ "حاتم". "أَنَا أَتَحَدَّثُ إِلَيْكَ مِنْ دَاخِلِ الْمَعْمَلِ. رِجَالُكَ بِالْخَارِجِ. أَنَا سَجِينُكَ. لَيْسَ لَدَيَّ مَكَانٌ لِأَهْرُبَ إِلَيْهِ. تَعَالَ وَخُذْ مَا تُرِيدُ."
أَغْلَقَ "مروان" الْخَطَّ.
نَظَرَ إِلَى الْكِتَابِ الْمَعْدِنِيِّ. "إِذًا... الْفَأْرُ دَخَلَ الْمِصْيَدَةَ بِنَفْسِهِ."
"جَهِّزُوا السَّيَّارَةَ." قَالَ "مروان". "وَأَحْضِرُوا الْعَجُوزَ (وَالِدَ سلمى)."
فِي الْمَعْمَلِ، "حاتم" أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا.
اِتَّجَهَ نَحْوَ الْبِلَاطَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَفَتَحَهَا.
"يَا شَيْخُ زَيْدَانُ! يَا سَلْمَى!" هَمَسَ فِي الْقَبْوِ (الَّذِي كَانَ مُتَّصِلًا بِبَيْتِ 'عَمْرو' عَبْرَ شَبَكَةِ الْأَقْبِيَةِ الْقَدِيمَةِ). "إِنَّهُ قَادِمٌ."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة