أُغْلِقَ جدارُ الكُتُبِ السري خلفهم بصوتٍ مكتوم.
لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ أثرٌ لِقَصْرِ "مروان" الْفَاخِر. لقد دَخَلُوا عَالَمًا آخَر.
الْمَعْمَلُ كَانَ مُذْهِلًا.
"حاتم" نَسِيَ لِلَحْظَةٍ أَنَّهُ سَجِين. كان ينظر حوله بِدَهْشَةِ خَبِير.
طاولاتٌ مِنْ الفولاذ (الاستانلس ستيل) مجهزة بأحدث أجهزة فحص الرُّطُوبَة، ومَجَاهِر (ميكروسكوبات) رَقْمِيَّة، وشاشاتٌ عِملاقةٌ تُغَطِّي الجدران. كَانَ مَزِيجًا غَرِيبًا بين مَعْمَلِ "ناسا" ومكتبةٍ أثرية.
"لَمْ يَبْخَلْ بِشَيْء." هَمَسَ "حاتم" لـ "زيدان".
"الْمَالُ يَشْتَرِي الْأَدَوَاتِ، لَكِنَّهُ لَا يَشْتَرِي الْعُقُول." رَدَّ "زيدان" وهو ينظر نحو "سلمى".
كانت "سلمى" تقف بِجَانِبِ الشاشات، تَرْتَعِشُ بِشَكْلٍ لَا يَكَادُ يُلْحَظ.
الرجل ذو الندبة وَقَفَ عِنْدَ البابِ السريِّ مِنْ الدَّاخِل، وَضَمَّ يَدَيْهِ أَمَامَهُ. كَانَ حَارِسَهُمْ... وَسَجَّانَهُمْ.
"حَسَنًا." قَطَعَ "حاتم" الصمت. صَوْتُهُ كَانَ حَادًّا وَمَلِيئًا بِالْغَضَبِ الْمَكْتُوم. اِتَّجَهَ نَحْوَ "سلمى".
"يَبْدُو أَنَّكِ تَعْرِفِينَ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ. أَمْ أَنَّ هَذَا كَانَ جُزْءًا مِنَ التَّمْثِيلِيَّةِ أَيْضًا؟"
رَفَعَتْ "سلمى" وَجْهَهَا. عَيْنَاهَا كَانَتَا حَمْرَاوَيْن، لَكِنَّهُمَا كَانَتَا تَحْمِلَانِ نَظْرَةَ غَضَبٍ أَيْضًا.
"اُخْرَسْ! أَنْتَ لَا تَعْلَمُ شَيْئًا!"
"أَعْلَمُ أَنَّنَا هُنَا بِسَبَبِكِ!" صَاحَ "حاتم".
"يَا أَوْلَاد!" قَاطَعَهُمَا "الشيخ زيدان" بِصَوْتٍ قَوِيٍّ كَأَنَّهُ فِي مِنْبَرِ الْأَزْهَر. "مروان يُرِيدُ هَذَا. يُرِيدُنَا أَنْ نَتَخَانَقَ كَالْأَطْفَالِ بَيْنَمَا هُوَ يَنْتَظِرُ فِي الْخَارِج. نَحْنُ الْآنَ فَرِيقٌ وَاحِدٌ، سَوَاءٌ أَرَدْنَا أَمْ لَا."
نَظَرَ "زيدان" إِلَى "سلمى" بِنَظْرَةٍ أَبَوِيَّةٍ حَزِينَة. "أَنَا أُصَدِّقُكِ يَا بُنَيَّتِي. وَالِدُكِ... سَيَكُونُ بِخَيْر."
كَادَتْ "سلمى" أَنْ تَنْهَارَ بَاكِيَةً، لَكِنَّهَا تَمَاسَكَتْ وَمَسَحَتْ عَيْنَيْهَا. "الْوَقْتُ." قَالَتْ بِصَوْتٍ مُخْتَنِق. "الْوَقْتُ لَيْسَ فِي صَالِحِنَا."
"مروان" كَانَ قَدْ تَرَكَ لَهُمُ الْخَرِيطَةَ (الرَّقَّ الْقَدِيم) عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ تَحْتَ ضَوْءٍ قَوِيّ.
اِجْتَمَعَ الثَّلَاثَةُ حَوْلَهَا. كَانَ مَشْهَدًا سِرْيَالِيًّا: الْمُرَمِّم، وَالْعَالِمُ الْأَزْهَرِيُّ، وَالْبَاحِثَةُ الشَّابَّة.
"هَذِهِ هِيَ الْحِسَابَاتُ." قَالَ "زيدان" مُشِيرًا إِلَى الْأَرْقَامِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالْحِبْرِ السِّرِّيِّ. "هِيَ الَّتِي لَمْ نَفْهَمْهَا."
جَلَسَتْ "سلمى" أَمَامَ أَحَدِ أَجْهِزَةِ الْحَاسُوبِ. الْتَقَطَتْ صُورَةً عَالِيَةَ الدِّقَّةِ لِلْخَرِيطَةِ بِالْأَرْقَام.
"هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ حِسَابٍ." قَالَتْ "سلمى" بَعْدَ دَقَائِقَ مِنْ إِدْخَالِ الْأَرْقَامِ فِي بَرْنَامَجٍ فَلَكِيٍّ مُعَقَّد. "إِنَّهَا... إِنَّهَا مُعَادَلَةٌ."
"مُعَادَلَةٌ لِمَاذَا؟" سَأَلَ "حاتم" الَّذِي كَانَ يَقِفُ خَلْفَهَا يَتَفَحَّصُ عَمَلَهَا بِدِقَّة.
"لِتَحْدِيدِ 'نُقْطَةِ الصِّفْر'." قَالَتْ "سلمى" وَأَصَابِعُهَا تَطِيرُ عَلَى لَوْحَةِ الْمَفَاتِيح. "ابْنُ سِرَاج كَانَ عَبْقَرِيًّا. هُوَ لَمْ يَرْسُمْ خَرِيطَةَ 'مَكَانٍ'، بَلْ خَرِيطَةَ 'زَمَانٍ'."
"اِشْرَحِي أَكْثَرَ." طَلَبَ "زيدان".
"الْكَوْكَبَةُ الَّتِي رَبَطَهَا بِأَرْضِ الْقَاهِرَةِ... 'التِّنِّين'... هِيَ لَيْسَتْ ثَابِتَةً فِي السَّمَاءِ. كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَرَّكُ."
أَظْهَرَتْ "سلمى" عَلَى الشَّاشَةِ خَرِيطَةً لِلسَّمَاءِ تَتَحَرَّكُ بِسُرْعَةٍ عَبْرَ الْقُرُون.
"هُوَ يَقُولُ إِنَّ 'الْخَبِيئَةَ' لَا تُفْتَحُ إِلَّا عِنْدَمَا تَتَعَامَدُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الشَّمْسُ، وَنَجْمُ 'عَيْنِ التِّنِّين'، وَالْمَكَانُ الْأَرْضِيُّ الَّذِي اخْتَارَهُ."
"وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فِي السَّنَةِ؟" سَأَلَ "حاتم".
"لَا." قَالَتْ "سلمى". "وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كُلَّ عِدَّةِ قُرُون. مِثْلَ كُسُوفِ الشَّمْسِ، لَكِنَّهُ أَكْثَرُ نُدْرَةً. إِنَّهُ 'يَوْمُ الْاصْطِفَافِ الْعَظِيمِ'."
"وَمَتَى هُوَ الْيَوْمُ التَّالِي؟" سَأَلَ "زيدان".
أَدْخَلَتْ "سلمى" آخِرَ رَقْمٍ فِي الْمُعَادَلَةِ... وَضَغَطَتْ "إِنْتَرْ" (Enter).
ظَهَرَ الْبَرْنَامَجُ يَقُومُ بِحِسَابَاتٍ مُعَقَّدَةٍ... ثُمَّ... ظَهَرَ التَّارِيخ.
جَمَدَتْ "سلمى" فِي مَكَانِهَا.
"مَاذَا؟" سَأَلَ "حاتم" بِقَلَق. "بَعْدَ مِئَةِ عَامٍ؟"
"لَا." قَالَتْ "سلمى" بِصَوْتٍ يَرْتَعِشُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى التَّقْوِيمِ عَلَى الشَّاشَة.
"التَّارِيخُ... هُوَ بَعْدَ غَدٍ."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْعَاشِرِ]
روايات الحارة