تَجَمَّدَ الدم في عروق "حاتم".
كانت حركته غريزية؛ في أقل من ثانية، كَمَّشَ الرَّقَّ القديم (الخريطة) في قَبْضَتِه، وأخفاه تحت طاولة العمل، في حين ظلت يده الأخرى مُمسكة بالمِبْضَع الدقيق.
لم يكن الرجل الذي دخل مُجَرَّد "ظِلّ". كان كتلةً بشرية.
رجلٌ ضخم الجثة، يرتدي بدلةً سوداء غالية الثمن، لكنها لا تُنَاسِبُه، كأنها مُسْتَعَارَة. كان أصلعًا، وله نَدْبَة (أثر جرح) رفيعة تمتد من زاوية فمه حتى أُذُنِه. لكن الشيء المُرعِبَ حقًا... كان عيناه.
كانتا باردتين كالثلج. عيونٌ لا ترى الأشياء، بل تُقَيِّمُ ثمنها.
نظر الرجل حوله في المعمل بازدراءٍ واضح، كأن رائحة الورق القديم تُزْعِجُه.
"معمل المُرمِّم حاتم؟" سأل بصوتٍ خَشِنٍ عميق.
"أنا هو." قال "حاتم" مُحاولًا أن يُبْقِيَ صوته ثابتًا. "المواعيد انتهت."
تجاهل الرجل الضخم كلماته. خطا خطوةً للداخل، فاهتزت الأرضية الخشبية القديمة تحت قدميه.
"لديك شيءٌ يخصنا."
"لا أعرف عم تتحدث." "حاتم" وَقَفَ ببطء، مُبْقِيًا الطاولة بينهما. "كل ما لدي هُنا هو مِلْكٌ لأصحابه."
"بالضبط." ابتسم الرجل ابتسامةً لم تَصِلْ إلى عينيه. "نحن أصحاب المخطوطة الحمراء. مخطوطة ابن سراج."
قلب "حاتم" هوى. "مروان باشا؟"
"السيد مروان... نَفَدَ صبره." قال الرجل وهو يقترب من الطاولة. "أرسلني لآخذ المخطوطة."
"هي لم تَنْتَهِ بعد." "حاتم" تَمَسَّكَ باحترافيته. "الترميم يحتاج وقتًا. الغلاف..."
"لا يهمنا الغلاف!" قاطعه الرجل بحِدَّة. "يهمنا... الزوائد."
شعر "حاتم" بالبرد يسري في ظهره. "الزوائد؟ لا أفهم ما تقصد. إنها مُجَرَّد مخطوطة شِعْر."
اقترب الرجل الضخم حتى أصبح وجهه فوق الطاولة مباشرةً، وفصلت بينهما العدسة المُكَبِّرَة فقط.
"لا تَلْعَبْ معي أيها المُرمِّم." همس الرجل. "نحن نعرف أن ابن سراج لم يكن يكتب شِعْرًا فقط. كان يُخَبِّئُ الأشياء. والسيد مروان يريد ما كان مخبوءًا."
كان "حاتم" في مَأْزِق. هو يعلم الآن. الرجل لم يأتِ صدفة.
"لقد فَحَصْتُهَا بدقة." كذب "حاتم". "لا يوجد شيء. مُجَرَّد ورق وجلد."
عينا الرجل الضخم ضاقتا. "مُؤْسِف."
مَدَّ يده العريضة، وأزاح المخطوطة الاصلية (مخطوطة الشعر) بعنفٍ من أمامه، فاصطدمت بجدار.
"يا هذا! تَمَهَّلْ!" صاح "حاتم".
"رُبَّمَا يجب أن أبحث بنفسي." قال الرجل وهو يدور حول الطاولة. "بطريقتي."
"حاتم" تراجع للخلف. هو ليس نِدًّا لهذا العملاق. المعمل ضيق، ولا مكان للهرب.
الرجل رفع الطاولة بقوة، وقَلَبَهَا.
تناثرت الأدوات الدقيقة، والأوراق القديمة، وزجاجات الأحبار على الأرض.
"حاتم" سَقَطَ على ظهره.
"أين هيَ؟!" صرخ الرجل الضخم.
"أين الخريطة؟"
إذًا هو يعرف!
قبل أن يهجم الرجل على "حاتم" الذي كان على الأرض، انفتح باب المعمل الخارجي مرةً أخرى، لكن هذه المرة دون جرس.
"ما هذا الصوت يا حاتم؟ هل تُقِيمُ حفلًا ولم تَدْعُنِي؟"
كان صوتًا عجوزًا، لكنه قويٌ وساخر.
التفت الرجل الضخم بذعر.
كان الواقف على الباب رجلًا عجوزًا نحيلًا، يرتدي جلبابًا بسيطًا وطاقيةً بيضاء، لكن عينيه كانتا حادتين كالصقر.
كان "الشيخ زيدان"، جار "حاتم" في الزقاق، والعالم الأزهري الذي يعرف كل حجرٍ في المنطقة.
نظر "الشيخ زيدان" إلى الرجل الضخم، ثم إلى "حاتم" على الأرض، ثم إلى الطاولة المقلوبة.
"أرى أن ضيفك... لا يُجِيدُ آداب الزيارة." قال الشيخ بهدوء.
الرجل الضخم ارتبك. أن يُرَى وهو يهاجم "حاتم" في وضح النهار أمام أحد كبار المنطقة لم يكن ضِمْنَ الخطة.
"هذا... هذا لا يخصك أيها العجوز."
"بلى يخصني." خطا "الشيخ زيدان" للداخل. "حاتم وَلَدُنَا. وأنت... غريب. والغريب في زقاقنا إما ضيفٌ مُكَرَّم، أو... لِصٌّ يُؤَدَّب."
الرجل الضخم نظر إلى "حاتم" على الأرض بتهديدٍ واضح. هو يعلم أن الخريطة معه.
"هذا لم يَنْتَهِ." همس لـ "حاتم".
ثم عَدَّلَ بدلته، ودفع "الشيخ زيدان" من كتفه بخفةٍ (لكنها كانت كافية لإزاحته)، وخرج من الباب واختفى.
"حاتم" كان لا يزال على الأرض يلتقط أنفاسه. يده كانت لا تزال تُخَبِّئُ الرَّقَّ القديم تحت قميصه.
ساعده "الشيخ زيدان" على الوقوف.
"مَنْ كان هذا يا بُنَيَّ؟" سأل الشيخ وهو ينفض الغبار عن "حاتم".
"لا أعلم... أو... أعتقد أني أعلم."
نظر "حاتم" إلى الفوضى التي عَمَّتْ معمله الهادئ. لم يَعُدِ الأمر مُجَرَّد ترميم.
أخرج الخريطة من تحت قميصه. كانت سليمة.
"أعتقد يا شيخ زيدان... أني وَجَدْتُ شيئًا لم يكن يجب أن أَجِدَه."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّانِي]
روايات الحارة