كان الدخان الأبيض يتصاعد من مدخنة معمل "حاتم" في خطٍ رفيعٍ وثابت، كأنه ريشةٌ بيضاءُ تُرْسَمُ في سماء القاهرة الصافية.
في "قصر الجَامِع"، كان "مروان باشا" يكسر تُحْفَةً زجاجيةً ثمينةً بِيَدِهِ من شدة الغضب.
"مات؟!" صرخ "مروان" في وجه أحد رجاله. "رعد... أفضل رجالي، مات مَدْفُونًا تحت كومةٍ من الحجارة؟"
"سيدي، السرداب انهار بالكامل. لا يمكن أن يكون أحدٌ قد نجا."
"لا!" قال "مروان" وهو يَمْسَحُ الدم عن يده. "الكتاب... الكتاب المعدني... لقد فَتَحَ لهم مخرجًا. أنا رأيتهم يركضون فيه."
كان "مروان" قد وَصَلَ إلى نهاية النفق الذي هَرَبَ منه، ليجد نفسه في "وكالة الجوهري". لكنه خرج قبل الانهيار بلحظات، بينما ابْتَلَعَ الانهيارُ "حاتم" والآخرين... أو هكذا ظَنَّ.
"سيدي، لقد هَرَبْتَ بالكتاب. هذا هو المُهِمُّ."
"المُهِمُّ؟" ضحك "مروان" ضحكةً مريرة. أشار إلى الكتاب المعدني الثقيل، الذي كان يَقْبَعُ على مكتبه كقطعةٍ غامضةٍ لا قيمة لها.
"إنه مُغْلَقٌ! لقد أُغْلِقَ ثانيةً بمجرد أن تَرَكْنَا القاعة."
كان "مروان" يظن أن "حاتم" قد أخذ المفتاح المعدني الصغير معه بعد أن فَتَحَ الكتاب. لم يكن يعلم أن المفتاح لا يزال في القفل، مدفونًا تحت أطنانٍ من الصخور.
"أصبح لدي أغلى صُنْدُوقٍ مُغْلَقٍ في العالم." قال "مروان" بغضب.
في هذه اللحظة، رَنَّ هاتفه. كان الرجلُ المُكَلفُ بِمُرَاقَبَةِ معمل "حاتم".
"سيدي... لدينا شيءٌ غريبٌ جدًا."
"تكلم!"
"معمل المُرَمِّم... المدخنة... إنها تُخْرِجُ دخانًا. أحدهم بالداخل. أحدهم أَشْعَلَ الفُرْنَ."
تَجَمَّدَ "مروان".
ابتسامةٌ بَطِيئَةٌ ومُرْعِبَةٌ رُسِمَتْ على وجهه.
"إذًا... الْقِطُّ عَادَ إِلَى عَرِينِهِ." هَمَسَ "مروان".
"حاتم... حَيٌّ."
أَغْلَقَ "مروان" الهاتف.
"إنه يَتَحَدَّانِي." قال "مروان" لرجاله. "إنه يظن أنه في مأمنٍ في زُقَاقِهِ. إنه يظن أنني سأذهب إليه... إنه يُرِيدُ الْمُقَايَضَةَ. يُرِيدُ والد الدكتورة سلمى... مُقَابِلَ فَتْحِ الْكِتَابِ."
"هل نذهب ونَقْبِضُ عليه سيدي؟"
"لا." قال "مروان". "ليس بهذه السرعة. سنلعب لُعْبَتَهُ. هو يملك 'المفتاح' (أو هكذا أظن)، وأنا أملك 'الرهينة'."
في نفس الوقت، فوق أسطح القاهرة...
كانت "سلمى" و "الشيخ زيدان" يختبئان في غرفةٍ صغيرةٍ فوق سطح بيت "عَمْرو".
"الدخان!" قالت "سلمى" وهي تُشِيرُ من النافذة الصغيرة. "لقد فَعَلَهَا! حاتم يُنَادِيهِ!"
"إنه يُنَادِي قَدَرَهُ." قال "الشيخ زيدان" بقلق. "مروان لن يأتي لِيُفَاوِضَ. سيأتي لِيَقْتُلَ وَيَسْتَوْلِيَ."
"يجب أن نُسَاعِدَهُ!"
"وكيف؟" قال "زيدان". "نحن هُنا، وهو هُناك. وَعْدُنَا لَهُ كَانَ أَنْ نَبْقَى مُخْتَبِئِينَ."
"سلمى" كانت تَعَضُّ على شَفَتِهَا بِتَوَتُّرٍ. "والدي... إذا قُتِلَ حاتم، سيقتل مروان والدي فورًا لأنه لم يَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ."
"لا." قال "زيدان" وهو يُفَكِّرُ بِعُمْقٍ. "حاتم ليس غبيًا. إنه يَعُدُّ لِشَيْءٍ في ذلك القبو."
في المَعْمَلِ...
كان "حاتم" قد انتهى من استعداداته.
القبو الذي يَقَعُ تحت أرضية المعمل كان أكبر مما يَبْدُو. كان شبكةً من الممرات الضيقة التي تَعُودُ للعصر الفاطمي.
وَضَعَ "حاتم" الهاتفَ الفضائيَّ القديم في جيبه. المَسَدَّسُ كان ثقيلًا ومُخِيفًا في حزامه.
لَمْ يَكُنْ مُحَارِبًا، لكنه الْيَوْمَ سَيُدَافِعُ عَنْ بَيْتِهِ.
سَمِعَ صَوْتَ خُطُوَاتٍ بِالْخَارِجِ.
لَيْسَتْ خُطُوَاتِ "مروان" الْوَاثِقَةِ، بَلْ خُطُوَاتٌ حَذِرَةٌ لِرِجَالٍ يَتَسَلَّلُونَ.
"لَقَدْ بَدَأَ الْأَمْرُ." هَمَسَ "حاتم" لِنَفْسِهِ.
أَطْفَأَ كُلَّ الْأَضْوَاءِ، وَنَزَلَ إِلَى الْقَبْوِ، وَأَغْلَقَ الْبِلَاطَةَ الْأَرْضِيَّةَ فَوْقَهُ... تَارِكًا فَتْحَةً صَغِيرَةً جِدًّا لِلرُّؤْيَةِ.
جَلَسَ فِي الظَّلَامِ الْبَارِدِ، وَهُوَ يُمْسِكُ بِالْمَسَدَّسِ الْقَدِيمِ... وَيَنْتَظِرُ.
دُفِعَ بَابُ الْمَعْمَلِ الْمُحَطَّمِ بِبُطْءٍ.
دَخَلَ رَجُلَانِ... لَمْ يَكُنْ "مروان" بَيْنَهُمَا. كَانَا مِنْ رِجَالِهِ، يَتَفَحَّصَانِ الْمَكَانَ بِأَسْلِحَتِهِمَا.
"الْمَكَانُ فَارِغٌ." قَالَ أَحَدُهُمَا فِي جِهَازِ اِتِّصَالٍ. "لَكِنَّ الْفُرْنَ سَاخِنٌ. لَقَدْ كَانَ هُنَا."
ظَلَّ "حاتم" حَابِسًا أَنْفَاسَهُ فِي الْقَبْوِ.
"فَتِّشُوا الْمَكَانَ." جَاءَ صَوْتُ "مروان" عَبْرَ الْجِهَازِ. "اِقْلِبُوهُ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ. أُرِيدُهُ حَيًّا!"
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة