"أَقْبِيَةٌ؟" كَرَّرَ "الشيخ زيدان" الكلمة، وَبَدَأَتْ لَمْعَةُ الْفَهْمِ تَعُودُ إِلَى عَيْنَيْهِ. "أَنْتَ تَعْنِي... 'مَنَاوِئَ' الْفُسْطَاطِ الْقَدِيمَةَ؟"
"بِالضَّبْطِ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِهِ. "مَعْمَلِي بُنِيَ فَوْقَ أَحَدِ مَدَاخِلِهَا. جَدِّي كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا كَمَخْزَنٍ طَبِيعِيٍّ لِلْأَوْرَاقِ بِسَبَبِ بُرُودَتِهَا."
"هَذِهِ خُطَّةٌ جُنُونِيَّةٌ يَا حَاتِم." قَالَتْ "سلمى" وَهِيَ تَقِفُ عَلَى قَدَمَيْهَا. "كَيْفَ سَنَصِلُ إِلَى مَعْمَلِكَ أَصْلًا؟ نَحْنُ الْآنَ فِي 'وَكَالَةِ الْجَوْهَرِيِّ'، وَهِيَ مِلْكُ 'مروان'. الْأَبْوَابُ حَتْمًا مُرَاقَبَةٌ."
"مَنْ قَالَ إِنَّنَا سَنَخْرُجُ مِنَ الْبَابِ؟" قَالَ "حاتم".
اِتَّجَهَ "حاتم" إِلَى جِدَارٍ فِي آخِرِ الْمَخْزَنِ الْمُظْلِمِ. كَانَ جِدَارًا عَادِيًّا، لَكِنَّهُ أَخَذَ يَنْقُرُ عَلَيْهِ بِأَدَاتِهِ الْمَعْدِنِيَّةِ.
"مَاذَا تَفْعَلُ؟"
"أَبْحَثُ عَنْ صَوْتٍ مُخْتَلِفٍ." هَمَسَ "حاتم". "هَذِهِ الْوَكَالَاتُ وَالْخَانَاتُ كُلُّهَا مُتَّصِلَةٌ. كَانَتْ تُبْنَى كَشَبَكَةٍ لِلْهُرُوبِ أَيَّامَ الْغَزَوَاتِ."
ثُمَّ تَوَقَّفَ. "هُنَا."
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَابٌ. لَكِنَّ "حاتم" بَدَأَ يُزِيحُ الْغُبَارَ عَنِ الْأَرْضِيَّةِ عِنْدَ قَاعِدَةِ الْجِدَارِ. ظَهَرَ "مِزْلَاجٌ" حَدِيدِيٌّ صَدِئٌ مَخْفِيٌّ فِي الْأَرْضِ.
"سَاعِدُونِي."
اِجْتَمَعَ الثَّلَاثَةُ وَدَفَعُوا الْمِزْلَاجَ بِكُلِّ قُوَّتِهِمْ. بِصَوْتِ احْتِكَاكٍ مُؤْلِمٍ، تَحَرَّكَ الْمِزْلَاجُ.
الْجِدَارُ أَمَامَهُمْ... لَمْ يُفْتَحْ.
بَلْ... "دَارَ" قَلِيلًا، كَاشِفًا عَنْ فَتْحَةٍ ضَيِّقَةٍ جِدًّا.
"إِنَّهَا مِثْلُ بَوَّابَةِ السّردَابِ." قَالَتْ "سلمى".
"بَوَابَاتُ الْقَاهِرَةِ كُلُّهَا أَسْرَارٌ." قَالَ "زيدان". "هَيَّا بِنَا، لَيْسَ لَدَيْنَا وَقْتٌ."
خَرَجُوا وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ إِلَى... زُقَاقٍ ضَيِّقٍ آخَرَ. لَكِنَّهُ كَانَ زُقَاقًا "نَظِيفًا" وَعَامًّا. كَانُوا خَارِجَ سَيْطَرَةِ "مروان" الْمُبَاشِرَةِ.
كَانَتِ الشَّمْسُ قَدْ بَدَأَتْ تَرْتَفِعُ. أَصْوَاتُ الْقَاهِرَةِ تَعُودُ إِلَى الْحَيَاةِ. بَائِعُو الْخُبْزِ، وَصَوْتُ الْأَطْفَالِ.
"يَجِبُ أَنْ نَسِيرَ بِسُرْعَةٍ." قَالَ "حاتم". "مروان يَظُنُّنَا مَوْتَى. لَكِنَّ هَذَا لَنْ يَدُومَ طَوِيلًا. عِنْدَمَا يَتَأَخَّرُ رَجُلُهُ ذُو النَّدْبَةِ عَنِ 'التَّقْرِيرِ'، سَيَبْدَأُ الْبَحْثَ."
"إِلَى مَعْمَلِكَ مُبَاشَرَةً؟" سَأَلَ "زيدان".
"لَا." قَالَ "حاتم". "إِنَّهَا خُطَّةٌ ذَاتُ مَرْحَلَتَيْنِ. أَنْتَ وَالدكتورة سلمى، سَتَذْهَبَانِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ فَقَطْ أَعْرِفُ أَنَّهُ آمِنٌ."
"أَيْنَ؟"
"بَيْتُ 'عَمْرو'." قَالَ "حاتم".
"عَمْرو؟ الْفَتَى السَّرِيعُ؟" سَأَلَ "زيدان".
"نَعَم. بَيْتُهُ هُوَ قَلْبُ شَبَكَةِ الْأَسْطُحِ. لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْكُمْ هُنَاكَ." قَالَ "حاتم". "اِبْقَيَا هُنَاكَ وَلَا تَتَحَرَّكَا. أَنَا سَأَذْهَبُ إِلَى الْمَعْمَلِ وَحْدِي."
"وَحْدَكَ؟" قَالَتْ "سلمى" بِقَلَق. "إِنَّهُ جُنُونٌ. هُوَ يَبْحَثُ عَنْكَ أَنْتَ!"
"بِالضَّبْطِ." قَالَ "حاتم" وَعَيْنَاهُ بَارِدَتَانِ. "أَنَا 'الطُّعْمُ'. هُوَ يُرِيدُ الْمُفَكِّكَ لِشِفْرَةِ الْكِتَابِ. سَأُعْطِيهِ إِشَارَةً بِأَنَّنِي حَيٌّ."
"كَيْفَ؟" سَأَلَ "زيدان".
"سَأُشْعِلُ فُرْنَ التَّرْمِيمِ الْقَدِيمَ." قَالَ "حاتم". "لَهُ مُدْخَنَةٌ يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ فِي الزُّقَاقِ. سَيَعْلَمُ رِجَالُهُ الَّذِينَ يُرَاقِبُونَ الْمَعْمَلَ أَنَّنِي عُدْتُ. سَيُخْبِرُونَ 'مروان'. وَسَيَأْتِي."
"سَيَأْتِي لِيَقْتُلَكَ!" صَرَخَتْ "سلمى".
"سَيَأْتِي لِيُفَاوِضَنِي عَلَى وَالِدِكِ." صَحَّحَ "حاتم". "سَيَأْتِي وَمَعَهُ الْكِتَابُ. هُوَ يَحْتَاجُنِي لِأَفْتَحَهُ لَهُ. وَعِنْدَمَا يَدْخُلُ الْمَعْمَلَ... سَنَكُونُ نَحْنُ مَنْ يُمْسِكُ بِزِمَامِ الْأُمُورِ."
اِفْتَرَقَ الثَّلَاثَةُ. "زيدان" و "سلمى" ذَهَبَا عَبْرَ الْأَزِقَّةِ الْخَلْفِيَّةِ نَحْوَ بَيْتِ "عَمْرو".
بَيْنَمَا سَارَ "حاتم" وَحْدَهُ، بِخُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ، عَائِدًا إِلَى مَعْمَلِهِ الْمُدَمَّرِ.
وَقَفَ أَمَامَ بَابِهِ الْمُحَطَّمِ. كَانَ الْمَكَانُ كَمَا تَرَكَهُ الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ: فَوْضَى عَارِمَةٌ.
نَظَرَ "حاتم" إِلَى زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي الْأَرْضِ.
دَفَعَ بِقَدَمِهِ بِلَاطَةً مُعَيَّنَةً... انْكَشَفَتْ فَتْحَةٌ مُرَبَّعَةٌ سَوْدَاءُ.
كَانَ مَدْخَلُ الْقَبْوِ السِّرِّيِّ.
نَزَلَ "حاتم" دَرَجَتَيْنِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا قَدِيمًا.
فَتَحَهُ. لَمْ يَكُنْ فِيهِ كُنُوزٌ أَوْ مَخْطُوطَاتٌ.
كَانَ فِيهِ... هَاتِفٌ قَدِيمٌ يَعْمَلُ بِالْأَقْمَارِ الصِّنَاعِيَّةِ (تُرَاثٌ مِنْ جَدِّهِ)، وَمَسَدَّسٌ قَدِيمٌ جِدًّا.
أَخَذَ "حاتم" نَفَسًا عَمِيقًا. "لَقَدْ أَرَدْتَ الْحَرْبَ يَا مروان."
ثُمَّ صَعِدَ، وَجَمَعَ بَعْضَ الْأَخْشَابِ... وَأَشْعَلَ النَّارَ فِي فُرْنِ التَّرْمِيمِ.
بَدَأَ الدُّخَانُ الْأَبْيَضُ يَتَصَاعَدُ مِنْ مَدْخَنَةِ الْمَعْمَلِ... كَإِشَارَةٍ تَعْلُو فَوْقَ أَزِقَّةِ الْقَاهِرَةِ الْقَدِيمَةِ.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة