كَانَ "حاتم" يَرْكُضُ فِي الظَّلَامِ الْبَارِدِ لِشَبَكَةِ الْأَقْبِيَةِ.
لَمْ يَكُنْ خَائِفًا. كَانَ يَشْعُرُ بِالْغَضَبِ وَالْأَدْرِينَالِينِ يَجْرِيَانِ فِي دَمِهِ. كَانَ يَعْرِفُ هَذِهِ الْمَمَرَّاتِ مُنْذُ كَانَ طِفْلًا. كَانَ هَذَا "مَلْعَبَهُ".
بَعْدَ دَقِيقَتَيْنِ مِنَ الرَّكْضِ فِي مَمَرَّاتٍ مُتَعَرِّجَةٍ، وَصَلَ إِلَى سُلَّمٍ حَجَرِيٍّ صَاعِدٍ.
فِي نِهَايَتِهِ، كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ نُقْطَةُ ضَوْءٍ خَافِتَةٍ.
دَفَعَ "حاتم" غِطَاءً خَشَبِيًّا... وَخَرَجَ إِلَى... مَخْزَنٍ صَغِيرٍ لِأَحَدِ الدَّكَاكِينِ الْقَدِيمَةِ.
كَانَ "عَمْرو" (الْفَتَى السَّرِيعُ) يَنْتَظِرُهُ هُنَاكَ.
"سَيِّد حَاتِم! لَقَدْ فَعَلْتَهَا!" هَمَسَ "عَمْرو" بِحَمَاسٍ. "الْأَلْعَابُ النَّارِيَّةُ أَحْدَثَتْ فَوْضَى كَبِيرَةً. رِجَالُهُ فِي الشَّارِعِ لَا يَعْرِفُونَ مَاذَا يَحْدُثُ!"
"أَحْسَنْتَ يَا عَمْرو." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ. "الْآنَ... إِلَى الشَّيْخِ زَيْدَانَ. بِسُرْعَةٍ. مِنْ الْأَسْطُحِ."
لَمْ يَسْتَخْدِمَا الشَّوَارِعَ.
بِخِفَّةٍ يَعْرِفُهَا أَبْنَاءُ الْمِنْطَقَةِ فَقَطْ، قَفَزَ "عَمْرو" وَتَبِعَهُ "حاتم" فَوْقَ أَسْطُحِ الْبُيُوتِ الْمُتَلَاصِقَةِ. كَانَتْ "طَرِيقًا سَرِيعًا" خَفِيًّا فَوْقَ رُؤُوسِ رِجَالِ "مروان".
بَعْدَ خَمْسِ دَقَائِقَ، وَصَلَا إِلَى بَيْتِ "عَمْرو".
دَخَلَ "حاتم" إِلَى الْغُرْفَةِ الَّتِي يَخْتَبِئُ فِيهَا "الشيخ زيدان" وَ "سلمى" وَوَالِدُهَا.
كَانَتْ "سلمى" تَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، تَضُمُّ وَالِدَهَا الْعَجُوزَ الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ يَرْتَعِشُ.
عِنْدَمَا رَأَتْ "حاتم" يَدْخُلُ سَالِمًا، لَمْ تَصْرُخْ، لَكِنَّ دُمُوعَ الرَّاحَةِ انْهَمَرَتْ مِنْ عَيْنَيْهَا.
"نَجَحْتَ يَا بُنَيَّ." قَالَ "الشيخ زيدان" بِفَخْرٍ.
"نَجَحْنَا." صَحَّحَ "حاتم". "لَقَدْ كَسِبْنَا الْمَرْحَلَةَ الْأُولَى."
"وَمروان؟" سَأَلَتْ "سلمى" بِقَلَقٍ.
"مروان... مَحْبُوسٌ." قَالَ "حاتم". "مَحْبُوسٌ دَاخِلَ مَعْمَلِي. رِجَالُهُ بِالْخَارِجِ يَظُنُّونَ أَنَّنِي أَنَا السَّجِينُ."
"وَالْحَارِسُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي الْقَبْوِ؟" سَأَلَ "زيدان".
"سَيَنَامُ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يُلْقِي بِمَسَدَّسِ الْحَارِسِ عَلَى الطَّاوِلَةِ. "لَقَدْ أَصْبَحَ لَدَيْنَا سِلَاحٌ."
"إِذًا... اِنْتَهَى الْأَمْرُ؟" قَالَتْ "سلمى" بِأَمَلٍ.
"لَا." قَالَ "حاتم". "مروان لَنْ يَبْقَى مَحْبُوسًا طَوِيلًا. رِجَالُهُ سَيَكْسِرُونَ الْبَابَ فِي النِّهَايَةِ. وَالْأَهَمُّ... الْكِتَابُ لَا يَزَالُ مَعَهُ."
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ... رَنَّ جَرَسٌ.
لَمْ يَكُنْ جَرَسَ هَاتِفٍ عَادِيٍّ.
كَانَ الْهَاتِفَ الَّذِي أَعْطَاهُ "مروان" لِـ "الشيخ زيدان".
كَانَتِ "السَّاعَةُ" قَدْ مَرَّتْ.
نَظَرَ الثَّلَاثَةُ إِلَى الْهَاتِفِ الْأَسْوَدِ وَهُوَ يَرِنُّ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
"لَا تَرُدَّ." قَالَتْ "سلمى" بِخَوْفٍ.
"بَلَى." قَالَ "حاتم" بِهُدُوءٍ. "يَجِبُ أَنْ نَرُدَّ."
اِلْتَقَطَ "حاتم" الْهَاتِفَ. ضَغَطَ زِرَّ الرَّدِّ وَوَضَعَهُ عَلَى أُذُنِهِ.
لَمْ يَتَكَلَّمْ.
جَاءَ صَوْتُ "مروان" مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى. لَمْ يَكُنْ صَوْتًا وَاثِقًا، بَلْ كَانَ صَوْتًا مَكْتُومًا وَيَصْرُخُ بِغَضَبٍ مِنْ دَاخِلِ الْمَعْمَلِ الْمُغْلَقِ.
"سلمى! أَيْنَ أَنْتِ؟ لِمَاذَا تَأَخَّرْتِ؟ هَلْ تَظُنِّينَ أَنِّي أَمْزَحُ؟ سَأَقْتُلُهُ! سَأَقْتُلُ حَاتِم الْآنَ!"
اِبْتَسَمَ "حاتم" اِبْتِسَامَةً بَارِدَةً.
"أَهْلًا يَا مروان." قَالَ "حاتم" بِهُدُوء.
سَادَ صَمْتٌ مُفَاجِئٌ عَلَى الْخَطِّ الْآخَرِ.
"حاتم؟!"
"نَعَمْ." قَالَ "حاتم". "أَنَا أَتَحَدَّثُ إِلَيْكَ مِنْ خَارِجِ الْمَعْمَلِ. مِنْ مَكَانٍ فِيهِ هَوَاءٌ نَقِيٌّ."
"كَيْفَ...؟ وَرَجُلِي؟!"
"رَجُلُكَ يَأْخُذُ قَيْلُولَةً فِي قَبْوِي الْبَارِدِ." قَالَ "حاتم". "أَمَّا أَنَا، فَأَنَا أَشْرَبُ الشَّايَ مَعَ الشَّيْخِ زَيْدَانَ وَالدكتورة سلمى... وَوَالِدِهَا."
سَمِعَ "حاتم" صَوْتَ شَيْءٍ يُكَسَّرُ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ. صَرْخَةُ غَضَبٍ مَكْتُومَةٌ.
"لَقَدْ خَدَعْتَنِي!" صَاحَ "مروان".
"أَنْتَ مَنْ خَدَعَ نَفْسَهُ." قَالَ "حاتم". "اللُّعْبَةُ اِنْقَلَبَتْ يَا بَاشَا. الْآنَ... أَنْتَ هُوَ السَّجِينُ. وَالْكِتَابُ الَّذِي مَعَكَ... مُجَرَّدُ قِطْعَةِ مَعْدِنٍ ثَقِيلَةٍ لَا تُسَاوِي شَيْئًا."
"سَأَخْرُجُ مِنْ هُنَا!" هَدَّدَ "مروان". "سَأُكَسِّرُ الْبَابَ! وَسَأَجِدُكُمْ! سَأُدَمِّرُ هَذَا الزُّقَاقَ حَجَرًا حَجَرًا!"
"رُبَّمَا." قَالَ "حاتم". "لَكِنْ لَدَيَّ عَرْضٌ أَخِيرٌ لَكَ."
"عَرْضٌ؟ أَنْتَ مَنْ يَعْرِضُ؟"
"الْكِتَابُ مُغْلَقٌ، وَالْمِفْتَاحُ دُفِنَ فِي السّردَابِ." قَالَ "حاتم" (وَهُوَ لَا يَزَالُ يَكْذِبُ بِشَأْنِ الْمِفْتَاحِ). "لَكِنَّنِي الْمُرَمِّمُ الْوَحِيدُ الَّذِي رَأَى آلِيَّتَهُ. أَنَا الْوَحِيدُ الَّذِي أَسْتَطِيعُ صُنْعَ وَاحِدٍ جَدِيدٍ. وَأَنْتَ تَعْرِفُ ذَلِكَ."
"مَا هُوَ عَرْضُكَ؟" سَأَلَ "مروان" بِصَوْتٍ يَقْطُرُ كَرَاهِيَةً.
"تُرِيدُ الْكِتَابَ مَفْتُوحًا؟ سَأَفْتَحُهُ لَكَ." قَالَ "حاتم". "مُقَابِلَ شَيْءٍ وَاحِدٍ... الْحُرِّيَّةُ. تُعْطِينَا جَوَازَاتِ سَفَرٍ جَدِيدَةً، وَمَبْلَغًا مِنَ الْمَالِ، وَتَذَاكِرَ طَيَرَانٍ لَنَا نَحْنُ الْأَرْبَعَةِ (هُوَ وَسلمى وَوَالِدُهَا وَزيدان) لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ اللَّيْلَةَ. بِمُجَرَّدِ أَنْ نَصِلَ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ... سَأُرْسِلُ لَكَ 'شَرْحًا' تَفْصِيلِيًّا لِكَيْفِيَّةِ صُنْعِ الْمِفْتَاحِ."
"أُسَلِّمُكُمْ لِلشُّرْطَةِ أَسْهَلُ!"
"بِأَيِّ تُهْمَةٍ؟" قَالَ "زيدان" الَّذِي أَخَذَ الْهَاتِفَ. "بِتُهْمَةِ أَنَّنَا لَمْ نُسَاعِدْكَ فِي سَرِقَةِ تُحْفَةٍ أَثَرِيَّةٍ مِنْ سِرْدَابٍ غَيْرِ قَانُونِيٍّ؟ أَنْتَ الطَّرَفُ الْأَضْعَفُ الْآنَ يَا مروان."
سَادَ الصَّمْتُ. "مروان" كَانَ مَحْبُوسًا مَعَ الْكَنْزِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ اِسْتِخْدَامَهُ.
"سَأُفَكِّرُ." قَالَ "مروان" وَأَغْلَقَ الْخَطَّ.
نَظَرَ "حاتم" إِلَى "زيدان". "هَلْ سَيُوَافِقُ؟"
"سَيُوَافِقُ." قَالَ "زيدان". "الْجَشَعُ أَقْوَى مِنَ الْغَضَبِ. لَكِنَّهُ لَنْ يَتْرُكَنَا نَرْحَلُ بِهَذِهِ السّلاسَةِ. اِسْتَعِدُّوا... لِلْخُطْوَةِ الْأَخِيرَةِ."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة