الْفَصْلُ التَّاسِع: لُعْبَةُ السَّيِّدِ مَرْوَان

الْفَصْلُ التَّاسِع: لُعْبَةُ السَّيِّدِ مَرْوَان

9 0

كَانَتْ كَلِمَةُ "أَبِي" الَّتِي هَمَسَتْ بِهَا "سلمى"، هِيَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي كَشَفَ كُلَّ شَيْء.

نَظَرَ "الشيخ زيدان" مُبَاشَرَةً إِلَى "مروان باشا". لَمْ يَعُدْ فِي عَيْنَيْهِ غَضَبٌ، بَلْ بُرُودٌ كَبُرُودِ خَصْمِهِ.

"أَنْتَ تُهَدِّدُهَا بِوَالِدِهَا." قَالَ "زيدان" بِهُدُوء.

اِبْتَسَمَ "مروان" اِبْتِسَامَةً وَاسِعَة. "أَنَا لَا أُهَدِّدُ أَحَدًا. أَنَا أُقَدِّمُ 'رِعَايَةً'. وَالِدُ الدكتورة سلمى رَجُلٌ مُسِنٌّ، وَيَحْتَاجُ إِلَى رِعَايَةٍ خَاصَّةٍ جِدًّا. وَأَنَا أُوَفِّرُهَا لَهُ فِي أَحَدِ مَرَافِقِي الْخَاصَّةِ. هِيَ تَعْمَلُ، وَأَنَا أَهْتَمُّ."

"هَذَا... هَذَا احْتِجَاز!" صَاحَ "حاتم".

"سَمِّهِ كَمَا تُرِيدُ." قَالَ "مروان" وَهُوَ يُشْعِلُ سِيجَارًا فَاخِرًا. "الْأَسْمَاءُ لَا تُغَيِّرُ الْوَاقِع. الْوَاقِعُ أَنَّ الدكتورة سلمى لَدَيْهَا الْعِلْم، وَأَنْتَ لَدَيْكَ الْخَرِيطَة، وَأَنَا... أَمْلِكُ كِلَيْكُمَا."

سَادَ الصَّمْتُ.

"حاتم" كَانَ يُفَكِّرُ فِي الْقَفْزِ عَلَى "مروان"، لَكِنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنَ الرَّجُلِ ذِي النَّدْبَةِ الْوَاقِفِ كَالصَّخْرَةِ عِنْدَ الْبَابِ جَعَلَتْهُ يَتَرَاجَع. الْعُنْفُ لَنْ يَكُونَ الْحَلَّ هُنَا.

"مَا الَّذِي تُرِيدُهُ بِالضَّبْطِ يَا مروان؟" سَأَلَ "الشيخ زيدان".

"مَا كُنْتُ أُرِيدُهُ دَائِمًا." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَنْفُثُ الدُّخَانَ. "أُرِيدُ 'الْخَبِيئَةَ'. أُرِيدُ مَكْتَبَةَ ابْنِ سِرَاج."

"وَبَعْدَ أَنْ تَجِدَهَا؟" سَأَلَ "حاتم" بِتَحَدٍّ.

"أَبِيعُهَا؟" ضَحِكَ "مروان". "أَنْتُمْ لَا تَفْهَمُونَ. هَذِهِ الْكُتُبُ لَيْسَتْ لِلْبَيْع. هِيَ لِلْقُوَّةِ. 'الْخَبِيئَةُ' لَا تَحْوِي كُتُبًا عَادِيَّةً، بَلْ تَحْوِي 'أُصُولًا' كَانَ يُعْتَقَدُ أَنَّهَا فُقِدَتْ. كُتُبٌ عَنِ السَّيْطَرَةِ، عَنِ الْكِيمْيَاءِ الَّتِي تُشْبِهُ السِّحْر، عَنِ الْفَلَكِ الَّذِي يَتَنَبَّأُ بِالْكَوَارِث. مَنْ يَمْلِكُهَا... لَا يَحْكُمُ فَقَطْ، بَلْ يُقَرِّرُ الْمَصِير."

"أَنْتَ مَجْنُون." هَمَسَ "حاتم".

"الْجُنُونُ هُوَ أَنْ تَمْلِكَ الْقُوَّةَ وَلَا تَسْتَخْدِمَهَا." رَدَّ "مروان" بِبُرُود. "وَالْآنَ... الْوَقْتُ يَمُرُّ. اللُّعْبَةُ وَاضِحَة."

وَقَفَ "مروان" وَسَارَ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ "حاتم".

"سَيِّد حاتم. أَنْتَ مُمَيَّزٌ. أَنْتَ لَمْ تَجِدِ الْخَرِيطَةَ فَقَطْ، بَلْ أَنْتَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَطِيعُ التَّعَامُلَ مَعَهَا. الرَّقُّ الْقَدِيمُ هَشٌّ، وَلَوْلَا مَهَارَتُكَ، كَانَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى غُبَارٍ."

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى "سلمى". "وَالدكتورة سلمى، الْعَقْلُ الْوَحِيدُ الْقَادِرُ عَلَى فَهْمِ حِسَابَاتِ ابْنِ سِرَاج الْفَلَكِيَّةِ."

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى "الشيخ زيدان". "وَأَنْتَ... أَنْتَ 'الْقَامُوسُ'. أَنْتَ الَّذِي يَفْهَمُ 'رُوحَ' الْقَاهِرَةِ الَّتِي كُتِبَتْ بِهَا الشِّفْرَة."

"أَنْتُمْ الثَّلَاثَةُ." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَفْرِدُ يَدَيْه. "أَنْتُمْ فَرِيقِي الْجَدِيد."

"نَحْنُ لَنْ نَعْمَلَ لَدَيْكَ!" صَاحَ "حاتم".

"بَلَى سَتَفْعَلُون." قَالَ "مروان" بِهُدُوءٍ مُمِيت. "سَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ الدكتورة سلمى تُرِيدُ أَنْ تَرَى وَالِدَهَا بِخَيْر."

نَظَرَتْ "سلمى" إِلَى الْأَرْض، وَقَدِ انْهَزَمَتْ.

"وَسَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأَنَّنِي أَقْتَرِحُ 'مُقَايَضَةً'."

"مُقَايَضَة؟" سَأَلَ "زيدان".

"نَعَم. أَنَا لَا أُرِيدُ الْقَتْلَ، فَهُوَ يُسَبِّبُ الْفَوْضَى." قَالَ "مروان". "سَاعِدُونِي فِي الْعُثُورِ عَلَى 'الْخَبِيئَةِ'. سَلِّمُونِي الْمَكْتَبَة. وَفِي الْمُقَابِل..."

"فِي الْمُقَابِلِ، سَأُعْطِيكُمْ حَيَاتَكُمْ. سَيَعُودُ وَالِدُ الدكتورة سلمى إِلَى بَيْتِهِ، وَسَتَعُودُونَ أَنْتُمْ إِلَى كُتُبِكُمْ وَغُبَارِكُمْ."

"وَكَيْفَ نَثِقُ بِكَلِمَتِكَ؟" سَأَلَ "زيدان".

ضَحِكَ "مروان". "أَنْتُمْ لَا تَثِقُونَ. لَكِنْ لَيْسَ لَدَيْكُمْ خَيَارٌ آخَر. إِمَّا أَنْ تَعْمَلُوا مَعِي وَتَأْمُلُوا فِي النَّجَاةِ، أَوْ تَرْفُضُوا وَأَبْدَأُ أَنَا بِإِزَالَةِ الْعَقَبَاتِ... وَأُولَى الْعَقَبَاتِ سَتَكُونُ وَالِدَ الدكتورة سلمى."

تَدَخَّلَ "الشيخ زيدان" قَبْلَ أَنْ يَنْفَجِرَ "حاتم" مُجَدَّدًا.

"مُوَافِقُون."

نَظَرَ "حاتم" وَ "سلمى" إِلَى الشَّيْخِ بِصَدْمَة.

"مُوَافِقُون." كَرَّرَ "زيدان" بِثَبَات. "لَكِنْ بِشُرُوطِنَا."

"شُرُوط؟" رَفَعَ "مروان" حَاجِبَهُ بِتَسْلِيَة.

"نَعَم. أَوَّلًا: نَعْمَلُ نَحْنُ الثَّلَاثَةُ مَعًا فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. لَا انْفِرَادَ بِأَحَد. ثَانِيًا: لَا يَلْمِسُنَا رِجَالُكَ."

"وَالثَّالِثُ؟" سَأَلَ "مروان".

"الثَّالِثُ..." قَالَ "زيدان". "أَنْ نَرَى الدكتورة سلمى تَتَحَدَّثُ مَعَ وَالِدِهَا يَوْمِيًّا بِأَنْفُسِنَا، لِنَتَأَكَّدَ أَنَّهُ بِخَيْر."

فَكَّرَ "مروان" لِلَحْظَة. "شُرُوطٌ مَعْقُولَةٌ."

اِلْتَفَتَ إِلَى "حاتم". "الْآنَ... الْخَرِيطَة."

مَدَّ "مروان" يَدَهُ.

"حاتم" نَظَرَ إِلَى "الشيخ زيدان"، فَأَوْمَأَ لَهُ الشَّيْخُ بِرَأْسِهِ عَلَامَةَ أَنَّهُ لَا مَفَرّ.

بِيَدٍ تَرْتَعِشُ غَضَبًا، أَدْخَلَ "حاتم" يَدَهُ فِي جَيْبِهِ الدَّاخِلِيِّ، وَأَخْرَجَ الرَّقَّ الْقَدِيم.

الْوَرَقَةُ الَّتِي بَدَأَتْ كُلَّ هَذَا.

سَلَّمَهَا إِلَى "مروان".

أَمْسَكَ "مروان" بِالْخَرِيطَةِ كَمَا يُمْسِكُ الْمَلِكُ بِصَوْلَجَانِهِ. "رَائِع."

"الْآنَ..." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ جِدَارٍ ضَخْمٍ مِنَ الْكُتُبِ فِي الْقَاعَة. "اللُّعْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَبْدَأ."

ضَغَطَ عَلَى كِتَابٍ مُعَيَّنٍ عَلَى الرَّفِّ.

سَمِعَ "حاتم" صَوْتَ تُرُوسٍ تَتَحَرَّكُ، وَبَدَأَ الْجِدَارُ الْكَامِلُ لِلْكُتُبِ يَتَحَرَّكُ...

كَاشِفًا عَنْ بَابٍ سِرِّيٍّ يَقُودُ إِلَى... مَعْمَلٍ مُجَهَّزٍ بِأَحْدَثِ الْأَجْهِزَةِ، وَطَاوِلَةٍ كَبِيرَةٍ فِي الْمُنْتَصَف.

"تَفَضَّلُوا." قَالَ "مروان" وَهُوَ يُشِيرُ لَهُمْ بِالدُّخُولِ. "غُرْفَةُ الْعَمَلِيَّاتِ الْجَدِيدَةُ لَكُمْ. أَمَامَكُمْ ٤٨ سَاعَةً لِتَجِدُوا لِي 'النُّقْطَةَ' الْأُولَى... وَإِلَّا سَيَبْدَأُ الْعَدُّ التَّنَازُلِيُّ لِوَالِدِ الدكتورة سلمى."

[نِهَايَةُ الْفَصْلِ التَّاسِعِ]

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الخبيئة

المؤلف روايات الحارة
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (33)
الفصل 1: الْفَصْلُ الْأَوَّل: الْوَرَقُ يَتَكَلَّم
2025/11/12
الفصل 2: الْفَصْلُ الثَّانِي: الرَّجُلُ ذُو الْعَيْنَيْنِ الْبَارِدَتَيْن
2025/11/12
الفصل 3: الْفَصْلُ الثَّالِث: خِزَانَةُ ابْنِ سِرَاج
2025/11/12
الفصل 4: الْفَصْلُ الرَّابِع: لُغْزُ الْأَفْعَى
2025/11/12
الفصل 5: الْفَصْلُ الْخَامِس: عُيُونٌ عَلَى النُّجُوم
2025/11/12
الفصل 6: الْفَصْلُ السَّادِس: الرِّسَالَةُ الَّتِي تَعْبُرُ الْأَسْطُح
2025/11/12
الفصل 7: الْفَصْلُ السَّابِع: الدَّعْوَة
2025/11/12
الفصل 8: الْفَصْلُ الثَّامِن: قَصْرُ الْجَامِع
2025/11/12
الفصل 9: الْفَصْلُ التَّاسِع: لُعْبَةُ السَّيِّدِ مَرْوَان
2025/11/12
الفصل 10: الْفَصْلُ الْعَاشِر: غُرْفَةُ الْأَسْرَار
2025/11/12
الفصل 11: الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَر: خَرِيطَةُ الظِّلَال
2025/11/12
الفصل 12: الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَر: سِرْدَابُ الْخَيَال
2025/11/12
الفصل 13: الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَر: بَوَّابَةُ الظَّل
2025/11/12
الفصل 14: الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَر: النَّفَسُ الْأَوَّل
2025/11/12
الفصل 15: الْفَصْلُ الْخَامِسُ عَشَر: غُرْفَةُ الانْتِظَار
2025/11/12
الفصل 16: الْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَر: لَيْلَةُ الانْتِظَار
2025/11/12
الفصل 17: الْفَصْلُ السَّابِعُ عَشَر: اصْطِفَافُ النُّحَاس
2025/11/12
الفصل 18: الْفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَر: مَصْيَدَةُ الْجِصّ
2025/11/12
الفصل 19: الْفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَر: قَلْبُ التِّنِّين
2025/11/12
الفصل 20: الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ: الْكِتَابُ الْمَعْدِنِيّ
2025/11/12
الفصل 21: الْفَصْلُ الْوَاحِدُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَبْرُ الْمُذْهَب
2025/11/12
الفصل 22: الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: مَا تَحْمِلُهُ الْأَوْرَاق
2025/11/12
الفصل 23: الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَبْنَاءُ الزُّقَاق
2025/11/12
الفصل 24: الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْعَوْدَةُ إِلَى الزُّقَاق
2025/11/12
الفصل 25: الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الطُّعْمُ يَنْتَظِر
2025/11/12
الفصل 26: الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: لُعْبَةُ الظِّلَال
2025/11/12
الفصل 27: الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَجْهًا لِوَجْه
2025/11/12
الفصل 28: الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَجْهًا لِوَجْه
2025/11/12
الفصل 29: الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَلْبُ الْمِصْيَدَة
2025/11/12
الفصل 30: الْفَصْلُ الثَّلَاثُونَ: كَسْرُ الْأَقْفَال
2025/11/12
الفصل 31: الْفَصْلُ الْوَاحِدُ وَالثَّلَاثُونَ: مَخْزَنُ الْبَارُود
2025/11/12
الفصل 32: الْفَصْلُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْبَابُ الْوَحِيد
2025/11/12
الفصل 33: الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: الْوَصِيَّة (النهاية)
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة