أَخَذَ "الشيخ زيدان" نَفَسًا، وَبَدَأَ النُّزُول.
كانت درجات السُّلَّمِ الحجرية ضيقةً، وحَادَّةَ الْحَوَافِّ. صدى خطواته كان يتردد في الظلام كأنه يسبقه.
ثم جاء دور "حاتم". كان قلبه يَدُقُّ بعنف.
خلفه مُبَاشَرَةً، كان يسمع صوتَ أنفاسِ الرجلِ ذي الندبة، وصوتَ احتكاكِ المعدنِ الباردِ لِفُوَّهَةِ المسدسِ بسترةِ "سلمى".
وفي النهاية، كان "مروان باشا" ورجاله الآخرون.
كانوا ينزلون في صمتٍ مَهِيب.
الهواءُ أصبح أبرد. الرطوبةُ تَكَثَّفَتْ على الجدران، مما جعل الحجارةَ لَزِجَةً.
كان "حاتم" يُوَجِّهُ ضوء كشافه على الجدران وهو ينزل.
"هذا..." هَمَسَ لـ "زيدان" الذي أمامه. "هذا ليس نَحْتًا... هذا بناء."
"ماذا تقصد؟"
"انظر. الحجارةُ مُتَسَاوِيَةٌ. هذا السرداب لم يُحْفَرْ في الصخر. لقد بُنِيَ بِدِقَّةٍ... ثُمَّ دُفِنَ."
"ابْنُ سِرَاج بَنَى قَلْعَةً تَحْتَ الْأَرْضِ." قال "زيدان".
بعد ما بَدَا كأنه مئة درجة، وَصَلَتْ قَدَمُ "الشيخ زيدان" إلى أرضٍ مُسَطَّحَة.
"توقفنا." قال الشيخ.
تجمعوا كلهم في الأسفل. لم تكن قاعة، بل ممرٌ آخر، لكنه مُخْتَلِف.
كان الممر واسعًا، وسقفه مُقَبَّبٌ كأنه ممرٌ في مسجد.
لكن... كان مُغْلَقًا.
أَمَامَهُمْ مُبَاشَرَةً، وَقَفَ جِدَارٌ صَخْرِيٌّ آخر. طريقٌ مسدود.
"ما هَذَا الْهَرَاء؟!" صرخ "مروان" بغضب، وَصَدَى صَوْتِهِ ارْتَدَّ في الممر. "هل هذه نكتة؟"
"حاتم" تَقَدَّمَ نحو الجدار. "سلمى، الحسابات... هل نحن في المكان الصحيح؟"
"سلمى" كانت تفحص هاتفها (الذي كان لا يزال يلتقط إشارة غريبة من الآلة الفلكية بالأعلى). "نعم. النقطة... خلف هذا الجدار. أنا متأكدة."
"إذًا." قال "مروان" وهو يلتفت للرجل ذي الندبة. "أَحْضِرِ الْحَقِيبَةَ. يبدو أننا سنفتح الباب بِطَرِيقَتِنَا."
"لا! انتظر!" صرخ "حاتم" وهو يرفع يده.
"ماذا الآن أيها المُرَمِّم؟ هل ستُخْبِرُنِي أن هذا الباب أيضًا يفتح 'بِالنَّفَسِ'؟" سأل "مروان" بسخرية.
"حاتم" لم يَرُدّ. بل اقترب من الجدار وأَطْفَأَ كشافه.
"أَطْفِئُوا الْأَضْوَاءَ. جميعكم."
"لا أوامر منك." قال الرجل ذو الندبة.
"افعل ما يقول!" أَمَرَ "مروان".
أُطْفِئَتِ الكشافات. غَرِقَ المكان في ظلامٍ مُطْبِقٍ... إلا من شيءٍ واحد.
"انظروا." هَمَسَ "حاتم".
كانت هناك خطوطٌ رَفِيعَةٌ جدًا... "تَتَوَهَّجُ" في الظلام.
خطوطٌ فُسْفُورِيَّةٌ باهتةٌ جدًا، تَرْسُمُ شَكْلَ "بَابٍ" وَهْمِيٍّ على الجدار.
"ما هذا؟" سألت "سلمى".
"إنه 'طِلَاءٌ'..." قال "حاتم" وهو يُشْعِلُ كشافه مرةً أخرى. "طِلَاءٌ فُسْفُورِيٌّ صَنَعَهُ 'ابْنُ سِرَاج' مِنْ مَوَادَّ عَضَوِيَّةٍ. إنه يمتص الضوء... ثم يُطْلِقُهُ في الظلام. لقد رَسَمَ لنا الباب."
"حاتم" اقترب من الجدار المضيء. "إنه ليس حجرًا."
مَرَّرَ "حاتم" أداةَ ترميمِهِ الرفيعة على سطح الجدار.
"إنه 'جِصٌّ' (plaster). جِصٌّ مدهونٌ ومَنْقُوشٌ بِاحْتِرَافِيَّةٍ لِيُشْبِهَ الحجر."
"وما الفائدة من كل هذا؟" سأل "مروان".
"إنها 'مَصْيَدَةُ الْمُرَمِّم'." قال "حاتم" وهو يشعر بِقُشَعْرِيرَةِ إعجابٍ بـ "ابْنُ سِرَاج".
"إنه فخٌّ ذَكِيٌّ جدًا." أكمل "حاتم". "أي شخصٍ غبيٍّ سيرى جدارًا حجريًا مسدودًا، سيستخدم القوة... سيستخدم 'الديناميت'."
نظر "حاتم" إلى "مروان".
"هذا الجدار الجِصِّيُّ رَقِيقٌ جدًا." قال "حاتم". "لو استخدمنا المتفجرات، الِاهْتِزَازُ وَحْدَهُ كافٍ لِيُدَمِّرَ 'الخبيئة' الحقيقية التي تَقَعُ خلفه مُبَاشَرَةً. ابْنُ سِرَاج كان يَحْمِي الكُتُبَ مِنْ أمثالك... مِنْ رِجَالِ الْقُوَّةِ الْغَاشِمَةِ."
"مروان" صَرَّ على أسنانه. "إذًا... كيف نفتحه يا خبير؟"
"حاتم" تَحَسَّسَ الجدار الجِصِّيّ. "نحن لا نَفْتَحُهُ. نحن... نَقْطَعُهُ."
بَدَأَ "حاتم" يَطْرُقُ بِرِفْقٍ على الجدار، يستمع إلى الصدى.
"هُنا. النقطة الأضعف."
رَفَعَ "حاتم" أَدَاتَهُ الْحَادَّةَ... وَغَرَسَهَا في الجِصّ.
كان الأمر سَهْلًا كَقَطْعِ كَعْكَةٍ جَافَّة. بَدَأَ "حاتم" يَقْطَعُ بِدِقَّةٍ حول حَوَافِّ "الباب" الذي رَسَمَهُ الضوء الفسفوري.
"سلمى"، قال "حاتم" وهو يعمل، "النور الأخضر الذي خَرَجَ من الآلة... هل لا يزال يعمل؟"
"لا." قالت "سلمى" وهي تنظر للأعلى. "لقد تَوَقَّفَ بمجرد أن انْزَلَقَ الباب الأول. كأنه أَدَّى مُهِمَّتَهُ."
"إذًا... ليس لدينا وقتٌ طويل."
انْتَهَى "حاتم" من قَطْعِ مُحِيطِ الباب. وَقَفَ هو و "الشيخ زيدان" وَدَفَعَا الْقِطْعَةَ الْجِصِّيَّةَ مَعًا.
سَقَطَتِ الْقِطْعَةُ بِصَوْتٍ مَكْتُومٍ على أرضيةٍ مُغَطَّاةٍ بالتراب... في الغرفة التالية.
"أخيرًا!" قال "مروان" وهو يَدْفَعُ "حاتم" لِيَدْخُلَ أولًا.
سَلَّطَ "حاتم" كشافه على الغرفة الجديدة.
لم تكن مكتبة.
كانت قاعةً ضخمةً، أَشْبَهَ بِضَرِيحٍ، وفي المنتصف...
كَانَتْ هُنَاكَ "خِزَانَةٌ" حَجَرِيَّةٌ عِمْلَاقَةٌ، مَنْقُوشٌ عليها مِئَاتُ الرُّمُوزِ الْفَلَكِيَّةِ، وَمُغْلَقَةٌ بِقُفْلٍ نُحَاسِيٍّ أَخْضَرَ ضَخْمٍ.
"الْخَبِيئَةُ." هَمَسَ "الشيخ زيدان".
"مروان" كاد أن يَرْكُضَ نحوها، لَكِنْ...
"انتظروا!" صرخ "حاتم" بِرُعْبٍ.
تَوَقَّفَ الجميع.
"ماذا؟!"
"حاتم" كان يُسَلِّطُ ضوء كشافه على الأرض... حول الخزانة.
"الأرضية... الأرضية تتحرك."
لَمْ تَكُنْ أَرْضِيَّةً.
كَانَتْ... حَشَرَاتٍ.
آلَافُ الْخَنَافِسِ السَّوْدَاءِ اللَّامِعَةِ، تَزْحَفُ فَوْقَ بَعْضِهَا، وَتُغَطِّي كُلَّ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ حَوْلَ الْخِزَانَةِ، كَأَنَّهَا "خَنْدَقٌ" حَيٌّ يَحْرُسُهَا.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّامِنِ عَشَرَ]
روايات الحارة