دَفَعَ "مروان" "حاتم" و "سلمى" جانبًا بِعُنْفٍ لِيَصِلَ إِلَى الْخِزَانَةِ أَوَّلًا.
كَانَ الْغِلَافُ الْمَعْدِنِيُّ الثَّقِيلُ قَدْ أُزِيحَ بِالْكَامِلِ، كَاشِفًا عَنْ قَلْبِ الْكِتَابِ.
لَمْ تَكُنْ صَفَحَاتٍ وَرَقِيَّةً.
كَانَتْ أَوْرَاقًا رَقِيقَةً جِدًّا مِنَ "الْفِضَّةِ" اللَّامِعَةِ، مَنْقُوشٌ عَلَيْهَا بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ رُسُومَاتٌ فَلَكِيَّةٌ وَمُعَادَلَاتٌ كِيمْيَائِيَّةٌ (سِيْمِيَائِيَّةٌ) غَامِضَةٌ. كَانَتْ تُشْبِهُ صَفَحَاتٍ مِنْ نُورٍ سَائِلٍ.
"إِنَّهَا... إِنَّهَا هِيَ." هَمَسَ "مروان" بِنَشْوَةٍ وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ الْمُرْتَعِشَةَ لِيَلْمِسَ الْمَعْدِنَ الْبَارِدَ. "عِلْمُ الْأَوَّلِينَ. قُوَّةُ التَّنَبُّؤِ."
كَانَ "مروان" مَسْحُورًا بِالْكَامِلِ.
الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ كَانَ يَقِفُ خَلْفَهُ، مُوَجِّهًا سِلَاحَهُ نَحْوَ "حاتم" وَ "زيدان" وَ "سلمى"، لِيَضْمَنَ أَلَّا يَقُومَ أَحَدٌ بِأَيِّ حَرَكَةٍ.
"مروان." قَالَ "الشيخ زيدان" بِصَوْتٍ هَادِئٍ. "لَقَدْ حَصَلْتَ عَلَى مَا تُرِيدُ. الْآنَ... دَعْنَا نُفَكِّرُ كَيْفَ نَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْقَبْرِ. الْهَوَاءُ يَنْفَدُ."
ضَحِكَ "مروان" ضِحْكَةً مُجَلْجِلَةً وَهُوَ يُقَلِّبُ الصَّفَحَاتِ الْفِضِّيَّةَ. "تَخْرُجُونَ؟"
اِلْتَفَتَ "مروان" إِلَيْهِمْ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِجُنُونِ الِامْتِلَاكِ. "أَنَا هُوَ مَنْ سَيَخْرُجُ."
"مَاذَا تَقْصِدُ؟" سَأَلَ "حاتم".
"هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّنِي سَأَتْرُكُ 'شُهُودًا' عَلَى مَكَانِ الْخَبِيئَةِ؟ شُهُودًا يَعْرِفُونَ كَيْفَ تُفْتَحُ؟"
"لَكِنَّكَ حَبَسْتَ نَفْسَكَ مَعَنَا!" صَاحَتْ "سلمى". "الْبَابُ مُغْلَقٌ عَلَيْنَا جَمِيعًا!"
"هَذَا مَا ظَنَنْتُمُوهُ." ابتسم "مروان".
أَغْلَقَ "مروان" الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ بِعُنْفٍ، وَحَمَلَهُ بِيَدَيْهِ كَأَنَّهُ طِفْلٌ وَلِيدٌ.
"الْأَفْعَى... الْبِدَايَةُ هِيَ النِّهَايَةُ." قَالَ "مروان". "ضَغْطَتِي الْغَبِيَّةُ أَغْلَقَتِ الْبَابَ الْخَارِجِيَّ. لَكِنَّ فَتْحَ الْكِتَابِ... كَانَ هُوَ الْمِفْتَاحُ لِشَيْءٍ آخَرَ."
"مَاذَا؟" سَأَلَ "زيدان" بِقَلَق.
"لَمْ تَلْحَظُوا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟" قَالَ "مروان". "بِمُجَرَّدِ أَنْ فُتِحَ الْكِتَابُ، الْهَوَاءُ هُنَا... أَصْبَحَ أَنْقَى."
كَانَ "مروان" مُحِقًّا. كَانَ هُنَاكَ تَيَّارُ هَوَاءٍ بَارِدٍ خَفِيفٍ يَأْتِي مِنْ... لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ.
"ابْنُ سِرَاج بَنَى مَخْرَجًا لِلطَّوَارِئِ." قَالَ "مروان". "مَخْرَجٌ لَا يُفْتَحُ إِلَّا بَعْدَ فَتْحِ الْكِتَابِ. مَخْرَجٌ لِلْفَائِزِ."
"أَيْنَ هُوَ؟"
"مروان" لَمْ يَرُدَّ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، نَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ ذِي النَّدْبَةِ. "الْعَقْدُ انْتَهَى يَا 'رَعْدُ'. تَخَلَّصْ مِنْهُمْ."
الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ رَفَعَ مَسَدَّسَهُ بِثَبَاتٍ نَحْوَ "الشيخ زيدان".
"لَا!" صَرَخَ "حاتم" وَهُوَ يَتَأَهَّبُ لِلْقَفْزِ.
"سَلَامًا أَيُّهَا الْعُقُولُ الْقَدِيمَةُ." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ جِدَارٍ مُظْلِمٍ فِي الْقَاعَةِ.
"حاتم! الْخِزَانَةُ!" صَاحَ "الشيخ زيدان" فَجْأَةً.
نَظَرَ "حاتم" إِلَى الْخِزَانَةِ الْحَجَرِيَّةِ الْفَارِغَةِ أَمَامَهُ.
"مَاذَا؟"
"الْقَاعِدَةُ! الْقَاعِدَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْكِتَابُ!"
نَظَرَ "حاتم" إِلَى الْقَاعِدَةِ الْحَجَرِيَّةِ. الْآنَ فَقَطْ لَاحَظَ شَيْئًا.
كَانَ هُنَاكَ نَقْشٌ وَاحِدٌ مَخْفِيٌّ تَحْتَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْكِتَابُ... رَمْزُ "الْأَفْعَى" مَرَّةً أُخْرَى.
لَكِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَى لَمْ تَكُنْ تَأْكُلُ ذَيْلَهَا. كَانَتْ "مَفْتُوحَةَ الْفَمِ".
"إِنَّهُ لَيْسَ مَخْرَجَ طَوَارِئٍ..." صَاحَ "زيدان". "إِنَّهُ الْفَخُّ الْأَخِيرُ!"
كَانَ "مروان" قَدْ وَصَلَ إِلَى الْجِدَارِ الْمُظْلِمِ وَضَغَطَ عَلَى حَجَرٍ فِيهِ. بَدَأَ الْجِدَارُ يَتَحَرَّكُ، كَاشِفًا عَنْ نَفَقٍ صَاعِدٍ.
"وَدَاعًا." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَبْتَسِمُ.
فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ، الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ ضَغَطَ عَلَى الزِّنَادِ.
"اِضْغَطْ عَلَى الْأَفْعَى يَا حَاتِم!" صَرَخَ "زيدان".
"حاتم"، بِحَرَكَةٍ يَائِسَةٍ، لَمْ يُفَكِّرْ. ضَغَطَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ عَلَى رَمْزِ الْأَفْعَى الْمَفْتُوحَةِ فِي قَاعِ الْخِزَانَةِ.
سَمِعَ "حاتم" صَوْتَ إِطْلَاقِ النَّارِ.
وَفِي نَفْسِ الْجُزْءِ مِنَ الثَّانِيَةِ، سَمِعَ صَوْتَ انْهِيَارٍ هَائِلٍ.
لَمْ تَكُنْ رَصَاصَةً.
لَقَدْ كَانَ صَوْتَ الْقُبَّةِ الزُّجَاجِيَّةِ (قُبَّةِ اللَّازَوَرْدِ) فِي الْقَاعَةِ الْعُلْيَا... وَهِيَ تَتَحَطَّمُ.
"الْخَبِيئَةُ تَدْفِنُ نَفْسَهَا!" صَاحَتْ "سلمى".
الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ، الَّذِي كَانَ عَلَى وَشْكِ إِطْلَاقِ النَّارِ، اِلْتَفَتَ لِلْأَعْلَى بِذُعْرٍ، فَقَدْ بَدَأَتِ الْأَحْجَارُ تَتَسَاقَطُ مِنْ سَقْفِ السُّلَّمِ الْهَابِطِ.
"سَيِّدِي!" صَرَخَ الرَّجُلُ نَحْوَ "مروان".
"مروان" كَانَ قَدْ هَرَبَ بِالْفِعْلِ دَاخِلَ النَّفَقِ الصَّاعِدِ.
"حاتم" نَظَرَ حَوْلَهُ. الْقَاعَةُ تَنْهَارُ.
"مِنْ هُنَا!" صَرَخَ "حاتم" وَهُوَ يَجْذِبُ "سلمى" وَ "زيدان" نَحْوَ النَّفَقِ الَّذِي فَتَحَهُ "مروان". "إِنَّهُ طَرِيقُنَا الْوَحِيدُ لِلْخُرُوجِ!"
اِنْدَفَعَ الثَّلَاثَةُ نَحْوَ الْمَخْرَجِ الْجَدِيدِ.
"اِنْتَظِرُوا!" صَرَخَ الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ وَهُوَ يُحَاوِلُ اللَّحَاقَ بِهِمْ.
وَلَكِنْ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى النَّفَقِ، سَقَطَتْ كُتْلَةٌ حَجَرِيَّةٌ عِمْلَاقَةٌ مِنَ السَّقْفِ الْمُنْهَارِ... وَسَحَقَتْهُ فِي مَكَانِهِ.
دَخَلَ "حاتم" و "سلمى" و "زيدان" إِلَى النَّفَقِ الصَّاعِدِ... وَبَدَأُوا يَرْكُضُونَ بِكُلِّ قُوَّتِهِمْ نَحْوَ الضَّوْءِ الْبَعِيدِ، بَيْنَمَا كَانَ "سِرْدَابُ الْخَيَالِ" يَنْهَارُ بِالْكَامِلِ خَلْفَهُمْ.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة