"اِرْكُضُوا!"
كان صوت "حاتم" هو الشيء الوحيد الذي يَعْلُو فوق صوتِ الانهيارِ الهائلِ خلفهم.
لم يكن النفقُ الذي فتحه "مروان" مُجَرَّدَ ممرٍ بسيط. كان نفقًا قديمًا، صاعدًا، وجدرانه مُغَطَّاةٌ بِطِينٍ جافٍّ.
كان "حاتم" يَجْذِبُ "الشيخ زيدان" بِيَدٍ، وَيُمْسِكُ بِيَدِ "سلمى" بِالْأُخْرَى، دافعًا إياهم للأمام.
خلفهم، كان صوتُ الصخورِ المتساقطةِ يَقْتَرِبُ، وَيَمْلَأُ الْهَوَاءَ بِغُبَارٍ خَانِقٍ.
"لا أستطيع..." لَهَثَ "الشيخ زيدان" وهو يَكَادُ يقع.
"بَلَى تَسْتَطِيعُ!" صرخ "حاتم". "إنه ليس بَعِيدًا! أَرَى الضوء!"
كان ضوءُ النهارِ يَبْدُو كنقطةٍ بيضاءَ بَعِيدَةٍ في نهاية الظلام.
كانوا يَرْكُضُونَ بِكُلِّ مَا تَبَقَّى لَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَصَوْتُ الِانْهِيَارِ يَلْحَقُ بِهِمْ.
"حاتم" دَفَعَ "سلمى" وَ "زيدان" أَمَامَهُ، وَجَعَلَ نفسه آخِرَ مَنْ يَعْبُرُ.
اِنْدَفَعَ الثلاثةُ مِنْ فُوهَةِ النفقِ وَسَقَطُوا عَلَى أَرْضِيَّةٍ خَشَبِيَّةٍ مُغَطَّاةٍ بِالْأَتْرِبَةِ، وَهُمْ يَسْعُلُونَ بِعُنْفٍ.
وَبِمُجَرَّدِ أَنْ خَرَجُوا، سَقَطَتْ كُتْلَةٌ صَخْرِيَّةٌ أَخِيرَةٌ، وَأَغْلَقَتْ مَدْخَلَ النَّفَقِ خَلْفَهُمْ بِشَكْلٍ كَامِلٍ.
اِنْتَهَى الْأَمْرُ. دُفِنَتِ "الْخَبِيئَةُ" لِلْأَبَدِ.
اِسْتَلْقَى "حاتم" عَلَى ظَهْرِهِ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ.
كَانُوا فِي غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ مُظْلِمَة، تَشْبِهُ "مَخْزَنًا" قَدِيمًا.
"أَيْنَ... أَيْنَ نَحْنُ؟" سَأَلَتْ "سلمى" وَهِيَ تَنْظُرُ حَوْلَهَا.
وَقَفَ "الشيخ زيدان" عَلَى قَدَمَيْهِ، وَهُوَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ جِلْبَابِهِ.
"نحن في 'وَكَالَةِ الْجَوْهَرِيِّ'." قال "زيدان" وهو ينظر من شَقٍّ في الباب. "أَعْرِفُ هَذَا الْمَكَانَ. إِنَّهَا إِحْدَى مُمْتَلَكَاتِ 'مروان باشا' الَّتِي يَسْتَخْدِمُهَا كَوَاجِهَةٍ لِتِجَارَةِ التُّحَفِ."
"لَقَدْ هَرَبَ." قال "حاتم" وهو يَقِفُ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَصَوْتُهُ يَقْطُرُ بِالْغَضَبِ. "هَرَبَ بِالْكِتَابِ."
"وَالِدِي!" صَرَخَتْ "سلمى" فَجْأَةً وَهِيَ تَمْسِكُ بِذِرَاعِ "زيدان". "يَا شَيْخُ... لَقَدْ رَآهُ. مروان رَأَى أَنَّنَا نَجَوْنَا. هُوَ الْآنَ سَيَقْتُلُ وَالِدِي!"
"لَا." قال "زيدان" بِثَبَاتٍ. "مروان لَنْ يَقْتُلَهُ الْآنَ. لَقَدْ تَغَيَّرَتِ اللُّعْبَةُ."
"مَاذَا تَعْنِي؟"
"كَانَ يُرِيدُنَا كَمَفَاتِيحَ. وَالْآنَ... هُوَ يَرَانَا كَشُهُودٍ."
أَكْمَلَ "حاتم" الْجُمْلَةَ: "شُهُودٌ يَعْرِفُونَ قِيمَةَ الْكِتَابِ الْحَقِيقِيَّةَ. هُوَ لَنْ يَقْتُلَ وَالِدَكِ... هُوَ سَيَسْتَخْدِمُهُ كَطُعْمٍ لِيَصْطَادَنَا نَحْنُ."
"إِذًا نَحْنُ عُدْنَا لِنُقْطَةِ الصِّفْرِ؟" قَالَتْ "سلمى" بِيَأْس. "هُوَ فِي قَصْرِهِ مَعَ الْكِتَابِ، وَنَحْنُ هُنَا."
"لَا." قال "حاتم".
كَانَ يَنْظُرُ مِنْ نَافِذَةِ الْمَخْزَنِ الْمُغَطَّاةِ بِالتُّرَابِ، يَنْظُرُ إِلَى مِئْذَنَةٍ بَعِيدَةٍ.
"هُوَ لَيْسَ فِي قَصْرِهِ الْآنَ. هُوَ يَظُنُّ أَنَّنَا مَوْتَى تَحْتَ الرُّكَامِ. لَدَيْنَا... لَدَيْنَا بِضْعُ سَاعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَكْتَشِفَ أَنَّ رَجُلَهُ (ذَا النَّدْبَةِ) لَمْ يَعُدْ."
"وَمَاذَا نَفْعَلُ فِي بِضْعِ سَاعَاتٍ؟" سَأَلَ "زيدان". "لَا نَسْتَطِيعُ مُهَاجَمَةَ قَصْرِهِ. لَيْسَ لَدَيْنَا شُرْطَةٌ، وَلَيْسَ لَدَيْنَا سِلَاحٌ."
نَظَرَ "حاتم" إِلَى "الشيخ زيدان"، وَابْتِسَامَةٌ بَارِدَةٌ وَغَرِيبَةٌ عَلَى وَجْهِهِ.
"مَنْ قَالَ إِنَّنَا ذَاهِبُونَ إِلَى قَصْرِهِ؟"
"أَيْنَ إِذًا؟"
"هُوَ أَخَذَ الْكِتَابَ... لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ 'يَقْرَأُهُ'." قَالَ "حاتم". "هُوَ يَحْتَاجُ إِلَى 'مُفَكِّكِ شِفْرَاتٍ'. هُوَ يَحْتَاجُ إِلَى 'مُرَمِّمٍ'."
"يَحْتَاجُ إِلَيْكَ." فَهِمَ "زيدان".
"نَعَم." قَالَ "حاتم". "لَقَدْ كَانَ هُوَ مَنْ يُطَارِدُنَا. الْآنَ... نَحْنُ مَنْ سَنَجْعَلُهُ يَأْتِي إِلَيْنَا."
"كَيْفَ؟"
"سَنَعُودُ إِلَى مَعْمَلِي."
"إِلَى مَعْمَلِكَ؟" قَالَتْ "سلمى" بِذُعْرٍ. "إِنَّهُ أَوَّلُ مَكَانٍ سَيُفَتِّشُ فِيهِ عِنْدَمَا يَعْلَمُ أَنَّنَا أَحْيَاءٌ!"
"بِالضَّبْطِ." قَالَ "حاتم". "لَكِنَّنَا لَنْ نَذْهَبَ لِنَخْتَبِئَ. سَنَذْهَبُ لِنَنْصِبَ لَهُ فَخًّا."
"فَخًّا؟" سَأَلَ "زيدان".
"لَقَدْ دَمَّرَ مَعْمَلِي مَرَّةً." قَالَ "حاتم" وَعَيْنَاهُ تَبْرُقَانِ بِغَضَبٍ بَارِدٍ. "لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ تَحْتَ الْمَعْمَلِ... تَقَعُ أَقْدَمُ أَقْبِيَةِ الْقَاهِرَةِ. مَكَانٌ لَا يَعْرِفُهُ سِوَايَ أَنَا وَجَدِّي."
نَظَرَ "حاتم" إِلَى "زيدان". "مروان يَمْلِكُ الْقَصْرَ. لَكِنَّنَا... نَمْلِكُ الْأَرْضَ الَّتِي تَحْتَ أَقْدَامِهِ."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة