كَانَ "حاتم" يَقِفُ فِي الظَّلَامِ الدَّامِسِ، يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ.
الْكِتَابُ الْمَعْدِنِيُّ الثَّقِيلُ أَصْبَحَ فِي يَدِهِ.
كَانَ يَسْمَعُ أَصْوَاتَ رِجَالِ "مروان" فِي عُمْقِ الْمَخْزَنِ، يَصْرُخُونَ بِأَسْمَاءِ بَعْضِهِمْ، وَيُطْلِقُونَ رَصَاصَاتٍ عَشْوَائِيَّةً فِي الظَّلَامِ.
"أَشْعِلُوا الْكَشَّافَاتِ أَيُّهَا الْأَغْبِيَاءُ!" صَاحَ أَحَدُهُمْ.
"كَشَّافَاتُنَا لَا تَعْمَلُ!" صَرَخَ آخَرُ.
كَانَ "حاتم" قَدْ رَأَى بِالنَّظَّارَةِ الْحَرَارِيَّةِ أَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى كَشَّافَاتٍ مُتَّصِلَةٍ بِنِظَامِ كَهْرَبَاءِ الْمَخْزَنِ الْقَدِيمِ... النِّظَامُ الَّذِي أَطْفَأَهُ "حاتم" بِالْكَامِلِ.
لَمْ يَكُنْ لَدَى "حاتم" وَقْتٌ لِلِاحْتِفَالِ.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ "مروان" لَنْ يَبْقَى فَاقِدًا الْوَعْيَ طَوِيلًا.
وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَابَ الْحَدِيدِيَّ الْعِمْلَاقَ لِلْمَخْزَنِ... مُغْلَقٌ مِنْ الْخَارِجِ. "عَمْرو" أَغْلَقَهُ لِيَحْبِسَ "مروان" وَرِجَالَهُ.
لَكِنَّهُ... حَبَسَ "حاتم" مَعَهُمْ أَيْضًا.
"يَا إِلَهِي." هَمَسَ "حاتم". "لَقَدْ أَغْلَقْتُ عَلَى نَفْسِي."
اِتَّجَهَ "حاتم" بِحَذَرٍ نَحْوَ الْبَابِ الْحَدِيدِيِّ، وَهُوَ يَتَجَنَّبُ الصَّنَادِيقَ الْخَشَبِيَّةَ. كَانَ لَا يَزَالُ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ بِالنَّظَّارَةِ.
وَصَلَ إِلَى الْبَابِ. حَاوَلَ فَتْحَهُ. كَانَ مُغْلَقًا بِقُفْلٍ صَدِئٍ ضَخْمٍ مِنْ الْخَارِجِ، كَمَا خَطَّطَ.
"الْخُطَّةُ نَجَحَتْ... أَكْثَرَ مِنَ الْلَازِمِ."
فِي الْخَلْفِ، بَدَأَ الرِّجَالُ الْأَرْبَعَةُ يُدْرِكُونَ أَنَّهُمْ فِي فَخٍّ. بَدَؤُوا يَتَحَرَّكُونَ بِبُطْءٍ نَحْوَ الْمَخْرَجِ الْوَحِيدِ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ.
"حاتم" كَانَ مَحْصُورًا.
"يَا شَيْخُ زَيْدَانُ!" هَمَسَ "حاتم" فِي جِهَازِ الِاتِّصَالِ الصَّغِيرِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ "زيدان" فِي الْخَارِجِ. "أَنَا بِالدَّاخِلِ! أَغْلَقُوا عَلَيَّ مَعَهُمْ!"
جَاءَ صَوْتُ "الشيخ زيدان" قَلِقًا: "يَا بُنَيَّ! لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ... عَمْرو أَغْلَقَ الْبَابَ بِمُجَرَّدِ أَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْعِرَاكِ لِيَحْمِيَ الزُّقَاقَ!"
"لَا وَقْتَ لِلَّوْمِ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَنْظُرُ خَلْفَهُ. كَانَ يَسْمَعُ خُطُوَاتِهِمْ تَقْتَرِبُ. "هَلْ هُنَاكَ مَخْرَجٌ آخَرُ؟"
"لَا." قَالَ "زيدان" بِيَأْسٍ. "مَخْزَنُ الْبَارُودِ لَهُ بَابٌ وَاحِدٌ."
"حاتم" نَظَرَ حَوْلَهُ فِي الظَّلَامِ.
عَيْنَاهُ الْخَضْرَاوَانِ (بِالنَّظَّارَةِ) مَسَحَتَا الْمَكَانَ... وَتَوَقَّفَتَا عَلَى شَيْءٍ.
فِي السَّقْفِ.
"اِنْتَظِرْ." هَمَسَ "حاتم". "هَذَا لَيْسَ بَابًا... إِنَّهُ 'فَتْحَةُ تَحْمِيلٍ'."
كَانَتْ فَتْحَةً خَشَبِيَّةً مُرَبَّعَةً كَبِيرَةً فِي السَّقْفِ، كَانَتْ تُسْتَخْدَمُ قَدِيمًا لِرَفْعِ وَإِنْزَالِ الْبَضَائِعِ الثَّقِيلَةِ مِنَ الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ (الَّذِي كَانَ مُهَدَّمًا الْآنَ).
"يَا شَيْخُ!" قَالَ "حاتم" فِي الْجِهَازِ. "اِجْعَلْ 'عَمْرو' يَصْعَدُ إِلَى السَّطْحِ الْمُجَاوِرِ. هُنَاكَ فَتْحَةٌ خَشَبِيَّةٌ. رُبَّمَا يَسْتَطِيعُ فَتْحَهَا مِنْ الْأَعْلَى!"
"الرِّجَالُ يَقْتَرِبُونَ." قَالَ "حاتم" لِنَفْسِهِ.
كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى "تَشْتِيتِ" اِنْتِبَاهِهِمْ.
رَفَعَ "حاتم" الْمَسَدَّسَ الَّذِي أَخَذَهُ... وَأَطْلَقَ رَصَاصَتَيْنِ فِي الِاتِّجَاهِ الْمُعَاكِسِ تَمَامًا.
"بَام! بَام!"
اِرْتَدَّ الصَّوْتُ كَالْمِدْفَعِ فِي الْمَكَانِ الْمُغْلَقِ.
تَجَمَّدَ الرِّجَالُ الْأَرْبَعَةُ.
"إِنَّهُ هُنَاكَ!" صَاحَ أَحَدُهُمْ. "إِنَّهُ فِي الرُّكْنِ الْأَيْسَرِ!"
بَدَأَ الرِّجَالُ الْأَرْبَعَةُ يُطْلِقُونَ النَّارَ بِجُنُونٍ نَحْوَ الرُّكْنِ الْخَالِي، بَيْنَمَا كَانَ "حاتم" يَجْرِي بِصَمْتٍ فِي الِاتِّجَاهِ الْمُعَاكِسِ، نَحْوَ الْبُقْعَةِ الَّتِي تَقَعُ أَسْفَلَ فَتْحَةِ السَّقْفِ.
كَانَتْ هُنَاكَ بَكَرَةٌ قَدِيمَةٌ تَتَدَلَّى مِنْ السَّقْفِ، وَمَا تَبَقَّى مِنْ حِبَالِهَا الْبَالِيَةِ.
"حاتم" وَضَعَ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ بِحَذَرٍ عَلَى الْأَرْضِ.
قَفَزَ وَأَمْسَكَ بِالْحِبَالِ.
"عَمْرو! الْآنَ!" صَرَخَ "حاتم" فِي الْجِهَازِ.
فِي الْأَعْلَى، سَمِعَ "حاتم" صَوْتَ خَشَبٍ يُكْسَرُ. كَانَ "عَمْرو" وَبَعْضُ أَبْنَاءِ الزُّقَاقِ يَكْسِرُونَ الْقُفْلَ الْخَارِجِيَّ لِلْفَتْحَةِ.
"اِنْفَتَحَتْ!" صَاحَ "عَمْرو".
"حاتم" رَبَطَ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ الثَّقِيلَ فِي الْحَبْلِ. "اِسْحَبُوا!"
بَدَأَ الْكِتَابُ يَرْتَفِعُ فِي الظَّلَامِ.
"لَقَدْ خَدَعَنَا!" صَاحَ أَحَدُ الرِّجَالِ الَّذِينَ رَأَوْا ظِلَّ الْكِتَابِ وَهُوَ يَرْتَفِعُ. "إِنَّهُ عِنْدَ الْبَكَرَةِ!"
بَدَأَتِ الرَّصَاصَاتُ تَنْهَمِرُ نَحْوَ "حاتم".
"حاتم" اِخْتَبَأَ خَلْفَ صُنْدُوقٍ خَشَبِيٍّ ضَخْمٍ.
"الْكِتَابُ وَصَلَ!" صَاحَ "عَمْرو" مِنَ الْأَعْلَى. "اِصْعَدْ يَا حَاتِمُ!"
"لَا أَسْتَطِيعُ! إِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ النَّارَ!"
"حاتم" كَانَ مُحَاصَرًا. إِذَا خَرَجَ لِيَتَسَلَّقَ الْحَبْلَ، سَيَمُوتُ.
نَظَرَ إِلَى الْأَرْضِ. وَجَدَ "مروان" يَبْدَأُ فِي الِاسْتِيقَاظِ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبَةِ.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، جَاءَ صَوْتٌ جَدِيدٌ... مِنْ الْخَارِجِ.
صَوْتُ صَفَّارَات شُرْطَةٍ تَقْتَرِبُ بِسُرْعَةٍ.
"مَا هَذَا؟"
"إِنَّهُ الشَّيْخُ زَيْدَانُ!" صَاحَتْ "سلمى" فِي جِهَازِ الِاتِّصَالِ. "لَقَدَ اِتَّصَلَ بِالشُّرْطَةِ! أَخْبَرَهُمْ عَنْ تِجَارَةِ تُحَفٍ غَيْرِ قَانُونِيَّةٍ فِي وَكَالَةِ الْجَوْهَرِيِّ وَعَنْ سَمَاعِهِ لِإِطْلَاقِ نَارٍ!"
"حاتم" اِبْتَسَمَ.
الرِّجَالُ الْأَرْبَعَةُ بِالدَّاخِلِ سَمِعُوا الصَّفَّارَاتِ أَيْضًا. تَوَقَّفُوا عَنْ إِطْلَاقِ النَّارِ، وَبَدَؤُوا يَتَخَبَّطُونَ فِي الظَّلَامِ بِمَذْعُورٍ.
"يَجِبُ أَنْ نَخْرُجَ!"
"الْبَابُ مُغْلَقٌ!"
كَانَتْ هَذِهِ فُرْصَةَ "حاتم".
خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الصُّنْدُوقِ، وَجَرَى نَحْوَ الْحَبْلِ، وَبَدَأَ يَتَسَلَّقُهُ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ، بَيْنَمَا كَانَ "مروان" يَسْتَيْقِظُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَرَاهُ يَهْرُبُ.
"لَا...!" صَرَخَ "مروان" بِيَأْسٍ.
سَحَبَ "عَمْرو" "حاتم" إِلَى السَّطْحِ...
وَفِي الْأَسْفَلِ، بَدَأَتِ الشُّرْطَةُ تَكْسِرُ الْبَابَ الْحَدِيدِيَّ الْأَمَامِيَّ لِمَخْزَنِ الْبَارُودِ.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ]
روايات الحارة