لم يكن الصوت مجرد "أزيز". كان كأنه أنينٌ معدنيٌّ عميق.
بدأت الكرات النحاسية التي تُمَثِّلُ الكواكب تدور ببطءٍ حول الشمس النحاسية في المنتصف. لم تكن تدور بشكلٍ عشوائيّ، بل كانت تتحرك بسرعاتٍ مختلفةٍ ومدروسة.
"إنها... إنها تعمل." قالت "سلمى" بصوتٍ يملؤه الانبهار، وقد نَسِيَتْ للحظةٍ أنهم سجناء. "إنها تُحَاكِي حركة الكواكب الحقيقية!"
"وما الفائدة؟" قال "مروان" بنفاد صبر. "هل سَنَقِفُ لِنُشَاهِدَ دَرْسًا في الفلك؟ أين الباب؟"
"لا!" صرخت "سلمى". "انظر! إنها تضغط الوقت!"
كانت الكرات تدور أسرع فأسرع. كانت تُنَفِّذُ دوراتٍ كاملةً في ثوانٍ.
"إنها... إنها تَحْسِبُ الزمن." قالت "سلمى". "إنها تُعِيدُ تمثيل المئتي عامٍ الماضية منذ زمن 'ابْنُ سِرَاج'!"
كان شعاع الضوء الذهبي القادم من القبة لا يزال مُسَلَّطًا على "الشمس" النحاسية.
وفجأة، بعد دقيقةٍ كاملةٍ من الدوران السريع، بَدَأَتِ الآلة تُبْطِئُ... وتُبْطِئ.
حتى تَوَقَّفَتْ تمامًا.
تَوَقَّفَتِ الكرات في "اصطفافٍ" مُعَيَّنٍ.
"هذا هو." هَمَسَتْ "سلمى". "هذا هو اصطفاف اليوم."
"لم يحدث شيء." قال "مروان" وهو يرفع يده لِيُشِيرَ إلى حقيبة المتفجرات. "لقد خَدَعَنَا."
"لا! انتظر!" صرخ "حاتم" فجأة.
"حاتم" كان يُرَاقِبُ الآلة بعين المُرَمِّم، عين الخبير بالتفاصيل.
"الضوء!" أشار "حاتم". "الشمس النحاسية... انظر!"
عندما اصْطَفَّتِ الكواكب، بَرَزَ "ثُقْبٌ" دقيقٌ جدًا في "الشمس" النحاسية، لم يكن ظاهرًا من قبل.
شعاع الضوء الذهبي القادم من السقف... دَخَلَ مباشرةً في هذا الثقب.
لِثَانِيَةٍ، ابْتَلَعَتِ الآلةُ الضوء.
ثُمَّ...
انْبَثَقَ شعاعُ ليزرٍ أخضرُ رفيعٌ وقويٌّ... ليس من الشمس، بل من إحدى الكرات النحاسية الصغيرة (التي تُمَثِّلُ الأرض).
اخترق الشعاع الأخضر هواء القاعة، وَسَقَطَ مباشرةً على الجدار المقابل.
سَقَطَ على حجرٍ واحدٍ مُعَيَّنٍ، لا يُمَيِّزُهُ شيء.
"هناك!" قال "حاتم".
"ماذا ننتظر؟" قال "مروان" وهو يندفع نحو الحجر.
"لا تلمسه!" حَذَّرَهُ "الشيخ زيدان". "ابْنُ سِرَاج لا يضع أبوابًا عادية!"
تَوَقَّفَ "مروان" على بُعْدِ خطوةٍ من الحجر المضيء.
"حاتم." أَمَرَ "مروان". "أنت الخبير. افحصه."
تَقَدَّمَ "حاتم" بحذر. كان الحجر دافئًا مكان الضوء الأخضر.
فَحَصَ "حاتم" حَوَافَّ الحجر. لم يكن بابًا. كان جزءًا من الجدار.
لكن... كان عليه نَقْشٌ خَفِيفٌ جدًا، لم يَظْهَرْ إلا تحت الضوء الأخضر.
كان "رمز الأفعى التي تلتهم ذيلها" (الأوروبوروس).
"إنه الرمز الأول." قال "حاتم". "نقطة البداية والنهاية."
"إذًا ماذا؟ هل نضغط عليه؟" سأل "مروان".
"حاتم" تَلَمَّسَ الرمز. شعر بِخَطٍّ رفيعٍ جدًا في منتصف الرمز.
"إنه... إنه يَنْقَسِمُ."
"حاتم" أخرج "أداة ترميمٍ" رفيعةً (التي لا تزال معه) وَوَضَعَهَا في الشَّقِّ.
"إنها ليست للضغط. إنها لِلدَّوَرَان."
أَمْسَكَ "حاتم" بالرمز بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَأَدَارَهُ...
سَمِعَ الجميع صوتَ رَمْلٍ يَنْسَابُ بِغَزَارَةٍ دَاخِلَ الجدران.
ثُمَّ...
بَدَأَ الجدارُ "يَهْتَزُّ".
"تراجعوا!" صرخ "حاتم".
بِصَوْتِ احْتِكَاكٍ مُرْعِب، بَدَأَ الجدارُ الحجريُّ الكاملُ يَنْزَلِقُ... لَا لِلْأَسْفَلِ هَذِهِ الْمَرَّةَ... بَلْ "لِلْجَانِبِ"، كَاشِفًا عَنْ سُلَّمٍ حَجَرِيٍّ ضَيِّقٍ يَهْبِطُ إِلَى ظَلَامٍ أَكْثَرَ قَتَامَةً.
ظَهَرَتْ "الخبيئة" الحقيقية.
"أخيرًا." هَمَسَ "مروان" بانتصار.
نَظَرَ إلى الثلاثة. لم يَعُدْ "حاتم" و "سلمى" و "زيدان" ذَوِي فَائِدَةٍ كَبِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لَهُ الْآن.
"الشيخ زيدان." قال "مروان". "بِمَا أَنَّكَ الْأَكْبَرُ سِنًّا... تَفَضَّلْ أَنْتَ أَوَّلًا."
فَهِمَ "زيدان" أَنَّهُ يُرْسِلُهُ لِيَكُونَ كَاشِفَ الْأَفْخَاخِ الْأَوَّل.
"لا." قال "حاتم" وهو يَقِفُ أَمَامَ الشَّيْخِ لِيَحْمِيَه.
"مروان" أَشَارَ بِرَأْسِهِ فَقَطْ.
الرجل ذو الندبة رَفَعَ مَسَدَّسَهُ وَوَضَعَ فُوَّهَتَهُ الْبَارِدَةَ مُبَاشَرَةً عَلَى صُدْغِ "سلمى".
"حاتم" تَجَمَّدَ.
"كما قُلْتُ." قَالَ "مروان" بِهُدُوء. "الشيخ زيدان أَوَّلًا. ثُمَّ الدكتورة سلمى. ثُمَّ أَنْتَ يَا سَيِّد حَاتِم."
"وَأَنَا وَرِجَالِي... سَنَكُونُ خَلْفَكُمْ مُبَاشَرَةً."
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خِيَار.
أَخَذَ "الشيخ زيدان" نَفَسًا عَمِيقًا، وَأَشْعَلَ كَشَّافَهُ، وَوَضَعَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى الْهَابِطَةِ إِلَى قَلْبِ الْخَبِيئَة.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ السَّابِعِ عَشَرَ]
روايات الحارة