"بَعْدَ غَدٍ."
ظَلَّتِ الْكَلِمَتَانِ تَرِنَّانِ فِي الْغُرْفَةِ الصَّامِتَة.
كَانَ "حاتم" أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّم، وَكَانَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ نَبْرَةَ هَزِيمَة. "إِذًا... هُوَ يَعْرِف. مروان كَانَ يَعْرِفُ الْمِيعَادَ طُولَ الْوَقْت."
"لَا." قَالَتْ "سلمى" وَهِيَ لَا تَزَالُ تُحَدِّقُ فِي الشَّاشَة. "هُوَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِف. هُوَ كَانَ 'يَشُكُّ'. لَقَدْ قَرَأَ الْأَسَاطِيرَ مِثْلَنَا. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ 'الْمُعَادَلَةَ'. الْأَرْقَامُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى خَرِيطَتِكَ هِيَ الَّتِي أَكَّدَتِ التَّارِيخ."
قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ "الشيخ زيدان"، انْفَتَحَ الْبَابُ السِّرِّيُّ (بَابُ الْكُتُب) بِبُطْء.
دَخَلَ "مروان باشا".
لَمْ يَكُنْ يَبْتَسِمُ هَذِهِ الْمَرَّة. كَانَتْ مَلَامِحُهُ جَادَّةً وَتَحْمِلُ تَرَقُّبًا شَدِيدًا.
"أَرَى أَنَّكُمْ وَصَلْتُمْ لِشَيْءٍ مُهِمّ." قَالَ "مروان".
لَمْ يَرُدَّ أَحَد.
"دكتورة سلمى." قَالَ "مروان" بِهُدُوءٍ آمِر. "مَا هُوَ التَّارِيخ؟"
أَغْلَقَتْ "سلمى" الشَّاشَةَ بِسُرْعَة. "نَحْنُ لَا نَزَالُ نَعْمَل. الْحِسَابَاتُ مُعَقَّدَة."
"لَا تُحَاوِلِي." قَالَ "مروان" وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الرَّجُلِ ذِي النَّدْبَةِ الْوَاقِفِ كَالصَّقْرِ عِنْدَ الْبَاب. "لَا وَقْتَ لَدَيْنَا لِلْأَلْعَابِ. أَعْلَمُ أَنَّكِ وَجَدْتِهِ. وَالْآنَ... أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ 'مَتَى'. لَكِنَّكُمْ لَا تَعْرِفُونَ 'أَيْنَ'."
اِلْتَفَتَ الثَّلَاثَةُ إِلَيْه.
"الْخَرِيطَةُ الَّتِي مَعَكُمْ." أَشَارَ "مروان" إِلَى الرَّقِّ الْقَدِيمِ عَلَى الطَّاوِلَة. "تُظْهِرُ 'خَطَّ' كَوْكَبَةِ التِّنِّينِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ بَابُ زُوَيْلَةَ، وَسَبِيلُ الْعَيْنِ، وَالْمِئْذَنَةُ."
"كَيْفَ...؟" هَمَسَ "حاتم".
"هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ يُحَاوِلُ حَلَّ هَذَا اللُّغْزِ؟" ضَحِكَ "مروان". "أَنَا أَبْحَثُ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا! أَعْرِفُ الْخَطَّ. لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ 'النُّقْطَةَ' الْمُحَدَّدَةَ عَلَيْهِ. أَيْنَ هِيَ 'الْخَبِيئَةُ' بِالضَّبْطِ؟"
"هَذَا مَا نَحْنُ هُنَا لِأَجْلِهِ." قَالَ "الشيخ زيدان" بِثَبَات.
"رَائِع." قَالَ "مروان". "الْيَوْمُ الْأَوَّلُ انْتَهَى. أَمَامَكُمْ ٢٤ سَاعَةً أُخْرَى لِتَجِدُوا لِي تِلْكَ النُّقْطَة. وَإِلَّا... سَيَبْدَأُ الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ بِجَعْلِ الْأُمُورِ أَكْثَرَ إِيلَامًا."
خَرَجَ "مروان" وَأُغْلِقَ الْبَابُ السِّرِّيُّ خَلْفَهُ.
عَادَ الصَّمْتُ الثَّقِيلُ إِلَى الْمَعْمَل.
"إِنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ." قَالَ "حاتم" بِإِحْبَاط. "نَحْنُ فَقَطْ نُؤَكِّدُ لَهُ مَعْلُومَاتِهِ."
"لَا." قَالَتْ "سلمى" وَهِيَ تُعِيدُ فَتْحَ الشَّاشَاتِ. "هُوَ يَعْرِفُ الْقِشْرَةَ، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللُّبَّ. هُوَ لَا يَمْلِكُ الْمُعَادَلَةَ الَّتِي وَجَدْتُهَا. هُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مُجَرَّدُ أَمَاكِنَ، لَكِنَّهَا 'أَدَوَاتُ قِيَاسٍ'."
"مَاذَا تَعْنِينَ؟" سَأَلَ "زيدان".
"ابْنُ سِرَاج كَانَ يَسْتَخْدِمُ الْقَاهِرَةَ كَأَدَاةٍ فَلَكِيَّةٍ." قَالَتْ "سلمى" وَالْحَمَاسُ يَعُودُ إِلَى صَوْتِهَا. "هُوَ لَا يَقْصِدُ الْأَمَاكِنَ نَفْسَهَا، بَلْ 'ظِلَالَهَا'."
"ظِلَالَهَا؟"
"نَعَم." فَتَحَتْ "سلمى" صُورَةَ الْخَرِيطَةِ الرَّقْمِيَّةِ. "الْيَوْمُ الَّذِي حَدَّدْنَاهُ... يَوْمُ الِاصْطِفَافِ. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفِي سَاعَةٍ مُحَدَّدَةٍ (رُبَّمَا سَاعَةُ الظَّهِيرَةِ)، سَتَقُومُ الشَّمْسُ بِإِسْقَاطِ ظِلٍّ مِنْ 'بَابِ زُوَيْلَةَ' (الْأَفْعَى) لِيَمُرَّ فَوْقَ 'سَبِيلِ الْعَيْنِ'..."
"... وَيَسْقُطُ الظِّلُّ عَلَى الْمَكَانِ الْحَقِيقِيِّ!" أَكْمَلَ "الشيخ زيدان" الْجُمْلَةَ وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَان. "خَرِيطَةٌ مِنْ الظِّلَالِ!"
"بِالضَّبْطِ." قَالَتْ "سلمى". "وَمُهِمَّتُنَا الْآنَ هِيَ أَنْ نَحْسِبَ... أَيْنَ سَيَسْقُطُ ذَلِكَ الظِّلُّ بِالضَّبْطِ."
"لَكِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى مَعْلُومَاتٍ." قَالَ "حاتم" وَقَدْ عَادَ إِلَى وَضْعِ "الْمُرَمِّمِ" الْخَبِير. "نَحْتَاجُ ارْتِفَاعَ بَابِ زُوَيْلَةَ الْأَصْلِيِّ عَامَ ١٨٢٢، لَيْسَ ارْتِفَاعَهُ الْآنَ بَعْدَ التَّرْمِيمِ. وَنَحْتَاجُ إِحْدَاثِيَّاتِ سَبِيلِ الْعَيْنِ بِالسَّنْتِيمِتْرِ."
"مروان لَدَيْهِ قَاعِدَةُ بَيَانَاتٍ ضَخْمَةٌ هُنَا." قَالَتْ "سلمى" وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى الْحَاسُوب. "لَا بُدَّ أَنَّهَا تَحْتَوِي عَلَى خَرَائِطَ الْقَاهِرَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي جَمَعَهَا."
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَدَأَ الثَّلَاثَةُ يَعْمَلُونَ كَفَرِيقٍ وَاحِدٍ حَقِيقِيّ.
"حاتم" كَانَ يَبْحَثُ فِي أَرْشِيفِ الْخَرَائِطِ الرَّقْمِيَّةِ، يُقَارِنُ بَيْنَ خَرَائِطَ فَرَنْسِيَّةٍ قَدِيمَةٍ وَأُخْرَى عُثْمَانِيَّة. "الشيخ زيدان" كَانَ يُرَاجِعُ الْأَسْمَاءَ وَالْمُصْطَلَحَاتِ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّ "سَبِيلَ الْعَيْنِ" هُوَ الِاسْمُ الْحَقِيقِيُّ. وَ "سلمى" كَانَتْ تَدْخُلُ الْأَرْقَامَ فِي بَرْنَامَجِ الِاصْطِفَافِ الْفَلَكِيِّ.
"وَجَدْتُهُ!" صَاحَ "حاتم". "الِارْتِفَاعُ الْأَصْلِيُّ لِلْبَوَّابَةِ كَانَ ٢٤ مِتْرًا، وَلَيْسَ ٢٢ كَمَا هُوَ الْآنَ!"
"أَدْخِلِ الرَّقَمَ!" قَالَتْ "سلمى" بِحَمَاس.
أَدْخَلَتِ الْأَرْقَامَ النِّهَائِيَّة... ضَغَطَتْ "إِنْتَرْ".
عَمِلَ الْبَرْنَامَجُ لِثَوَانٍ... ثُمَّ... رَسَمَ خَطَّ الظِّلِّ الْمُتَوَقَّعِ عَلَى خَرِيطَةِ الْقَاهِرَةِ الْقَدِيمَةِ.
وَكَانَتْ هُنَاكَ "نُقْطَةٌ" حَمْرَاءُ وَاحِدَةٌ تَقَعُ عَلَى مَبْنًى مُهْمَلٍ.
نَظَرَ الثَّلَاثَةُ إِلَى الشَّاشَةِ.
نَظَرَ "الشيخ زيدان" إِلَى الِاسْمِ الْمَكْتُوبِ عَلَى الْخَرِيطَةِ الْقَدِيمَةِ لِذَلِكَ الْمَبْنَى.
"أَعْرِفُ هَذَا الْمَكَانَ." هَمَسَ "الشيخ زيدان" وَقَدْ عَادَ الْقَلَقُ إِلَى صَوْتِهِ.
"مَا هُوَ؟" سَأَلَتْ "سلمى".
"إِنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدًا وَلَا بَيْتًا." قَالَ "زيدان". "إِنَّهُ 'سِرْدَابُ الْخَيَالِ'. مَكَانٌ يُقَالُ إِنَّهُ مَسْكُونٌ... وَمُغْلَقٌ بِأَقْفَالٍ حَدِيدِيَّةٍ مُنْذُ عَامِ ١٩٠٠."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ]
روايات الحارة