أُغْلِقَ الْبَابُ الْخَارِجِيُّ. سَمِعَ "حاتم" صَوْتَ السَّلَاسِلِ الْحَدِيدِيَّةِ وَهِيَ تُلَفُّ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ الْخَارِجِ.
أَصْبَحَ الْمَعْمَلُ هَادِئًا بِشَكْلٍ مُمِيتٍ.
لَمْ يَتَبَقَّ فِي الْغُرْفَةِ الْمُدَمَّرَةِ سِوَى "حاتم"، وَ "مروان باشا"، وَحَارِسُهُ الشَّخْصِيُّ الْجَدِيدُ الَّذِي وَقَفَ كَالظِّلِّ عِنْدَ الْبَابِ.
كَسَرَ "مروان" الصَّمْتَ. "إِذًا... أَيُّهَا الْمُرَمِّمُ الْعَبْقَرِيُّ. أَمَامَكَ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ قَبْلَ مُكَالَمَةِ الدكتورة سلمى الْأُولَى. أَنْصَحُكَ أَنْ تَبْدَأَ الْعَمَلَ."
"لَا أَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ وَأَنْتَ تَقِفُ فَوْقَ رَأْسِي." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يُحَاوِلُ إِعَادَةَ طَاوِلَتِهِ الْمَقْلُوبَةِ إِلَى مَكَانِهَا.
"أَعْطِنِي بَعْضَ الْمَسَاحَةِ. الْعَمَلُ دَقِيقٌ."
"بِالطَّبْعِ." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ مُحَطَّمٍ، وَيَضَعُ الْكِتَابَ الْمَعْدِنِيَّ الثَّقِيلَ فِي حِجْرِهِ كَأَنَّهُ كَنْزٌ. "الْحَارِسُ سَيَبْقَى هُنَا. وَأَنَا سَأُرَاقِبُكَ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ."
"أَحْتَاجُ أَدَوَاتِي." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الْفَوْضَى.
"اِبْحَثْ عَنْهَا."
بَدَأَ "حاتم" يُمَثِّلُ. بَدَأَ يَبْحَثُ بَيْنَ الْأَدَوَاتِ الْمُبَعْثَرَةِ عَلَى الْأَرْضِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْذِبُ. لَا يُوجَدُ "مِفْتَاحٌ" يُمْكِنُ صُنْعُهُ. الْمِفْتَاحُ الْحَقِيقِيُّ دُفِنَ فِي السّردَابِ.
كَانَ "حاتم" يَشْتَرِي الْوَقْتَ فَقَطْ.
"قُلْ لِي يَا مروان..." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَتَظَاهَرُ بِفَحْصِ قِطْعَةِ مَعْدِنٍ. "مَا الَّذِي يَجْعَلُكَ مُتَأَكِّدًا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الْعَنَاءِ؟ لَقَدْ فَقَدْتَ رَجُلَكَ الْأَفْضَلَ... وَكَادَتْ رُوحُكَ أَنْ تُفْقَدَ مَعَهُ."
اِبْتَسَمَ "مروان". كَانَ فِي مَزَاجٍ جَيِّدٍ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ اِنْتَصَرَ.
"لِأَنَّهُ لَيْسَ كِتَابَ تَنَبُّؤَاتٍ يَا حَاتِم. إِنَّهُ كِتَابُ 'صِنَاعَةٍ'."
"صِنَاعَة؟"
"جَدِّي... كَانَ وَاحِدًا مِنْ رِجَالِ 'ابْنِ سِرَاج'." قَالَ "مروان" فَجْأَةً، مِمَّا صَدَمَ "حاتم".
"لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ 'الْحَفَظَةِ'. كَانَ مِنَ 'الْخَدَمِ'. قَضَى جَدِّي عُمْرَهُ يَحْرُسُ الْأَسْرَارَ مِنْ أَجْلِ أُنَاسٍ يَرَوْنَ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنْهُمْ. وَمَاتَ فَقِيرًا."
"وَعِنْدَمَا مَاتَ،" أَكْمَلَ "مروان"، "تَرَكَ لِي شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ. لَيْسَ مَالًا، بَلْ قِصَّةً... قِصَّةَ هَذَا الْكِتَابِ."
"هُوَ لَا يَتَنَبَّأُ بِالْمُسْتَقْبَلِ." قَالَ "مروان" وَهُوَ يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنِ الْغِلَافِ الْمَعْدِنِيِّ. "هُوَ 'يَصْنَعُهُ'. هَذِهِ الصَّفَحَاتُ الْفِضِّيَّةُ... إِنَّهَا لَيْسَتْ لِلْقِرَاءَةِ."
"إِذًا لِمَاذَا؟"
"إِنَّهَا 'قَوَالِبُ'." قَالَ "مروان". "ابْنُ سِرَاج وَصَلَ إِلَى سِرِّ 'الذَّهَبِ الْأَبْيَضِ'. لَيْسَ الْبِلَاتِينَ. بَلْ شَيْءٌ آخَرُ. مَادَّةٌ تَسْتَطِيعُ حِفْظَ الطَّاقَةِ وَتَوْلِيدَهَا إِلَى الْأَبَدِ. هَذِهِ الْأَوْرَاقُ هِيَ الْوَصْفَةُ!"
"أَنْتَ لَا تُرِيدُ أَنْ تَحْكُمَ الْعَالَمَ بِالسِّحْرِ... أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَحْكُمَهُ بِالْكَهْرَبَاءِ الْمَجَّانِيَّةِ." فَهِمَ "حاتم".
"بِالضَّبْطِ." ضَحِكَ "مروان". "مَنْ يَمْلِكُ الطَّاقَةَ... يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ. وَالْآنَ... كَفَى ثَرْثَرَةً. أَيْنَ مِفْتَاحِي؟"
"حاتم" نَظَرَ إِلَى الْفَوْضَى. "أَحْتَاجُ إِلَى 'نَارٍ' قَوِيَّةٍ لِصَهْرِ الْمَعْدِنِ. فُرْنِي لَا يَكْفِي. أَحْتَاجُ إِلَى الْكِيرِ (مَوْقِدِ الصَّهْرِ) الْقَدِيمِ... إِنَّهُ فِي الْقَبْوِ."
"قَبْوٌ؟" رَفَعَ "مروان" حَاجِبَهُ. "أَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفِعْلِ؟"
"خَرَجْتُ مِنْ مَدْخَلِهِ." قَالَ "حاتم". "لَكِنَّ الْأَدَوَاتِ الثَّقِيلَةَ فِي الدَّاخِلِ."
"اِذْهَبْ وَأَحْضِرْهُ."
"إِنَّهُ ثَقِيلٌ. وَأَحْتَاجُ إِلَى إِضَاءَةٍ لِأَجِدَهُ. سَأَنْزِلُ."
"لَا." قَالَ "مروان" بِشَكٍّ. "الْحَارِسُ سَيَذْهَبُ مَعَكَ."
"كَمَا تُرِيدُ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَشْعُرُ بِقَلْبِهِ يَدُقُّ. هَذِهِ كَانَتْ خُطَّتُهُ.
دَفَعَ "حاتم" الْبِلَاطَةَ الْأَرْضِيَّةَ مَرَّةً أُخْرَى، كَاشِفًا عَنِ الظَّلَامِ الْبَارِدِ لِلْقَبْوِ.
"اُنْزِلْ أَوَّلًا." أَمَرَ الْحَارِسُ "حاتم"، وَهُوَ يُوَجِّهُ كَشَّافَهُ وَمَسَدَّسَهُ لِلْأَسْفَلِ.
نَزَلَ "حاتم" الدَّرَجَاتِ الْخَشَبِيَّةَ الْقَدِيمَةَ. تَبِعَهُ الْحَارِسُ بِحَذَرٍ.
"مروان" كَانَ يَنْتَظِرُ فِي الْأَعْلَى، يَحْرُسُ الْكِتَابَ.
الْقَبْوُ كَانَ أَشْبَهَ بِمَتَاهَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ مَمَرَّاتٍ مُنْخَفِضَةٍ.
"أَيْنَ هُوَ؟" سَأَلَ الْحَارِسُ بِقَلَقٍ، فَهُوَ لَمْ يُحِبَّ هَذَا الْمَكَانَ الضَّيِّقَ.
"فِي الْخَلْفِ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ مَمَرٍّ جَانِبِيٍّ مُظْلِمٍ.
كَانَ "حاتم" يَمْشِي أَمَامَ الْحَارِسِ. وَصَلَا إِلَى نِهَايَةِ الْمَمَرِّ.
"لَا أَرَى شَيْئًا." قَالَ الْحَارِسُ وَهُوَ يَرْفَعُ كَشَّافَهُ.
"إِنَّهُ هُنَا." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يَتَظَاهَرُ بِأَنَّهُ يَبْحَثُ خَلْفَ بِرْمِيلٍ قَدِيمٍ.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، فَوْقَ الْأَسْطُحِ، كَانَتْ "سلمى" تَقُولُ لِـ "الشيخ زيدان": "لَا أَسْتَطِيعُ الِانْتِظَارَ! سَيَقْتُلُهُ!"
"تَمَهَّلِي يَا بُنَيَّتِي." قَالَ "زيدان". "حاتم لَدَيْهِ خُطَّةٌ. هُوَ يَعْرِفُ الْقَبْوَ... وَيَعْرِفُ مَخَارِجَهُ."
أَشَارَ "زيدان" إِلَى "عَمْرو" (الْفَتَى السَّرِيعِ) الَّذِي كَانَ يَقِفُ مَعَهُمْ. "اِذْهَبْ الْآنَ يَا عَمْرو. إِلَى الْمَخْرَجِ الثَّانِي لِلْقَبْوِ. كَمَا اِتَّفَقْنَا. اِنْتَظِرْ إِشَارَتِي."
فِي الْقَبْوِ، اِنْحَنَى الْحَارِسُ لِيَنْظُرَ خَلْفَ الْبِرْمِيلِ.
وَفِي هَذِهِ الثَّانِيَةِ، تَحَرَّكَ "حاتم".
لَمْ يَسْتَخْدِمِ الْمَسَدَّسَ الْقَدِيمَ. بَلْ أَمْسَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ كَانَ قَدْ خَبَّأَهُ فِي الْمَمَرِّ... "جَرَّةٌ" فَخَّارِيَّةٌ مَلِيئَةٌ بِالرَّمْلِ الثَّقِيلِ.
هَوَى "حاتم" بِالْجَرَّةِ بِكُلِّ قُوَّتِهِ عَلَى مُؤَخِّرَةِ رَأْسِ الْحَارِسِ.
سَقَطَ الرَّجُلُ دُونَ أَنْ يُصْدِرَ صَوْتًا.
أَخَذَ "حاتم" مَسَدَّسَ الْحَارِسِ الْحَدِيثَ وَكَشَّافَهُ.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ لَدَيْهِ ثَوَانِيَ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ "مروان" فِي النِّدَاءِ.
وَبِالْفِعْلِ، جَاءَ صَوْتُ "مروان" مِنْ الْأَعْلَى: "هَلْ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ بِالْأَسْفَلِ؟"
"حاتم" لَمْ يَرُدَّ.
بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، اِتَّجَهَ إِلَى الْجِدَارِ الْخَلْفِيِّ لِلْقَبْوِ... وَبَدَأَ يَطْرُقُ عَلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ مُعَيَّنَةٍ... كَأَنَّهَا شِفْرَةٌ.
"مَا هَذَا الصَّوْتُ؟!" صَاحَ "مروان" مِنْ الْأَعْلَى، وَهُوَ يَشْعُرُ بِالْقَلَقِ. "أَجِبْنِي!"
فِي بَيْتِ "عَمْرو"، سَمِعَ "الشيخ زيدان" الطَّرْقَاتِ الْخَافِتَةَ تَأْتِي مِنْ أَرْضِيَّةِ الْبَيْتِ (فَالْأَقْبِيَةُ مُتَّصِلَةٌ).
"الْآنَ!" صَاحَ "زيدان".
"حاتم" فِي الْأَسْفَلِ، سَمِعَ صَوْتَ انْفِجَارٍ مَكْتُومٍ... لَيْسَ فِي الْمَعْمَلِ... بَلْ فِي الْخَارِجِ!
كَانَ "عَمْرو" وَبَقِيَّةُ فِتْيَانِ الزُّقَاقِ قَدْ أَشْعَلُوا "أَلْعَابًا نَارِيَّةً" كَثِيفَةً فِي مُدْخَلِ الزُّقَاقِ، مِمَّا أَحْدَثَ فَوْضَى وَدُخَانًا كَثِيفًا.
"مروان" فِي الْمَعْمَلِ سَمِعَ الِانْفِجَارَاتِ وَظَنَّهَا هُجُومًا.
"مَا الَّذِي يَحْدُثُ بِالْخَارِجِ؟!" صَرَخَ "مروان" فِي جِهَازِ الِاتِّصَالِ لِرِجَالِهِ الْمُتَبَقِّينَ خَارِجَ الْمَعْمَلِ.
اِسْتَغَلَّ "حاتم" اللَّحْظَةَ.
لَمْ يَصْعَدْ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ. بَلْ رَكَضَ فِي الِاتِّجَاهِ الْمُعَاكِسِ دَاخِلَ مَتَاهَةِ الْأَقْبِيَةِ... نَحْوَ الْمَخْرَجِ الثَّانِي... نَحْوَ "الشيخ زيدان".
تَرَكَ "مروان باشا" وَحْدَهُ... مَحْبُوسًا دَاخِلَ الْمَعْمَلِ مَعَ الْكِتَابِ الْمُغْلَقِ.
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ]
روايات الحارة