صَمَتَ صوتُ احتكاكِ الحجر.
انْكَشَفَ الظلامُ داخل الخزانة.
لَمْ يَنْتَظِرْ "مروان" لَحْظَةً. أَشْعَلَ كشافًا مُرَكَّزًا وَسَلَّطَهُ بِقُوَّةٍ إِلَى الدَّاخِل.
كَانَ "حاتم" و "سلمى" و "الشيخ زيدان" يَحْبِسُونَ أَنْفَاسَهُمْ خَلْفَه.
"أَيْنَ هِيَ؟" هَمَسَ "مروان" بِخَيْبَةِ أَمَلٍ لِلَحْظَة.
الْخِزَانَة... كَانَتْ فَارِغَةً تَقْرِيبًا.
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مَكْتَبَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا تَوَقَّعَ "الشيخ زيدان". وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذَهَبٌ أَوْ جَوَاهِر.
كَانَ الدَّاخِلُ مُبَطَّنًا بِقُمَاشِ قَطِيفَةٍ (مخمل) أَسْوَدَ، قَدْ تَحَلَّلَ مُعْظَمُهُ بِفِعْلِ الزَّمَن.
وَفِي الْمُنْتَصَف، عَلَى قَاعِدَةٍ حَجَرِيَّةٍ صَغِيرَة...
كَانَ يَقْبَعُ "كِتَابٌ" وَاحِدٌ فَقَطْ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كِتَابًا عَادِيًّا.
كَانَ ضَخْمًا، بِحَجْمِ كِتَابٍ مُقَدَّسٍ، وَلَكِنَّ غِلَافَهُ لَمْ يَكُنْ جِلْدًا أَوْ وَرَقًا.
كَانَ غِلَافًا مِنْ مَعْدِنٍ دَاكِنٍ، يُشْبِهُ النُّحَاسَ الْقَدِيم، وَقَدْ غَطَّتْهُ نُقُوشٌ مُعَقَّدَةٌ لِدَوَائِرَ فَلَكِيٍَّ.
"هُوَ ذَا." هَمَسَ "مروان" بِنَشْوَة.
مَدَّ يَدَهُ لِيَلْتَقِطَهُ.
"لَا تَلْمِسْه!" صَرَخَ "حاتم" بِشَكْلٍ غَرِيزِيٍّ.
تَوَقَّفَتْ يَدُ "مروان" فِي الْهَوَاءِ. "مَاذَا الْآنَ أَيُّهَا الْمُرَمِّمُ؟ هَلْ هُنَاكَ خَنَافِسُ أُخْرَى؟"
"لَا." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يُسَلِّطُ كَشَّافَهُ عَلَى الْكِتَابِ الْمَعْدِنِيِّ. "إِنَّهُ... مُكَهْرَب."
"مَاذَا؟"
"لَا أَعْرِفُ." قَالَ "حاتم". "لَكِنْ... اِنْظُرْ إِلَى النُّقُوشِ. إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نُقُوشٍ. إِنَّهَا 'أَسْلَاكٌ'. كَأَنَّهَا دَائِرَةٌ كَهْرَبَائِيَّةٌ بِدَائِيَّة."
"سلمى" دَقَّقَتِ النَّظَرَ. "إِنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى الْحَرَارَة! الْآلَةُ الْفَلَكِيَّةُ فَوْق... لَا بُدَّ أَنَّهَا تَبُثُّ طَاقَةً مَا... تَشْحَنُ الْغِلَاف."
"إِنَّهُ يَحْمِي نَفْسَه." قَالَ "الشيخ زيدان". "ابْنُ سِرَاج كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْمَعْدِنَ سَيَصْدَأُ، لَكِنَّهُ أَيْضًا مَوْصِلٌ جَيِّدٌ لِمَا لَا نَفْهَمُه."
"مروان" كَانَ قَدْ فَقَدَ صَبْرَهُ. "إِذًا... هُوَ مُجَرَّدُ صُنْدُوقٍ آخَرَ مُغْلَق؟"
"لَا." قَالَتْ "سلمى" وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى الْغِلَاف. "لَيْسَ مُغْلَقًا بِقُفْل. إِنَّهُ مُغْلَقٌ... بِشَيْءٍ آخَر."
عَلَى وَاجِهَةِ الْغِلَافِ الْمَعْدِنِيِّ، كَانَتْ هُنَاكَ آلِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مُعَقَّدَةٌ: ثَلَاثَةُ أَقْرَاصٍ نُحَاسِيَّةٍ تَدُورُ، كُلُّ قُرْصٍ عَلَيْهِ رُمُوزٌ.
"شِفْرَةٌ أُخْرَى؟!" قَالَ "مروان" بِغَضَبٍ. "لَقَدْ مَلَلْتُ مِنْ أَلْعَابِهِ!"
"هَذِهِ هِيَ النِّهَايَة." قَالَ "الشيخ زيدان". "هَذَا هُوَ الْبَابُ الْأَخِيرُ. 'خِزَانَةُ الْعِلْم'."
"سلمى"، قَالَ "حاتم"، "مَا هِيَ الرُّمُوزُ عَلَى الْأَقْرَاص؟"
اِقْتَرَبَتْ "سلمى" وَسَلَّطَتْ كَشَّافَهَا.
"إِنَّهَا... لَا أَفْهَمُهَا. لَيْسَتْ أَبْرَاجًا فَلَكِيَّةً. إِنَّهَا رُمُوزٌ... كِيمْيَائِيَّةٌ قَدِيمَةٌ. رُمُوزُ السِّيْمِيَاءِ."
"سِيْمِيَاء؟"
"الْقُرْصُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ رَمْزُ الْهَوَاءِ... وَالنَّارِ... وَالْمَاءِ... وَالتُّرَابِ." قَالَتْ "سلمى" بِحَيْرَة.
"وَالْقُرْصُ الثَّانِي... رُمُوزُ الْمَعَادِنِ: الذَّهَبُ، الْفِضَّةُ، الْحَدِيدُ."
"وَالثَّالِثُ؟" سَأَلَ "حاتم".
"الثَّالِثُ... عَلَيْهِ رَمْزٌ وَاحِدٌ فَقَطْ يَتَكَرَّرُ." قَالَتْ "سلمى". "رَمْزُ 'الْأُورُوبُورُوس'... الْأَفْعَى الَّتِي تَلْتَهِمُ ذَيْلَهَا."
"الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ." هَمَسَ "الشيخ زيدان".
نَظَرَ "حاتم" إِلَى "زيدان". "مَا الْحَلُّ يَا شَيْخُ؟ لَيْسَ لَدَيْنَا وَقْتٌ. مروان لَنْ يَنْتَظِرَ."
"مروان" بِالْفِعْلِ كَانَ قَدْ أَشَارَ لِلرَّجُلِ ذِي النَّدْبَةِ لِيَسْتَعِدَّ بِالْمُتَفَجِّرَاتِ. "هَذِهِ آخِرُ فُرْصَةٍ لَكُمْ. إِمَّا أَنْ تَفْتَحُوهَا بِذَكَائِكُمْ، أَوْ سَأَفْتَحُهَا بِقُوَّتِي."
"التُّرَابُ... الْهَوَاءُ... النَّارُ..." كَانَ "الشيخ زيدان" يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ. "إِنَّهَا لَيْسَتْ شِفْرَةً، إِنَّهَا 'وَصْفَةٌ'. ابْنُ سِرَاج كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ 'التَّرْمِيمِ'!"
نَظَرَ "حاتم" إِلَى الشَّيْخِ.
"أَنْتَ مُرَمِّمٌ يَا حَاتِم!" قَالَ "زيدان" بِحَمَاس. "كَيْفَ تُعَالِجُ مَخْطُوطَةً قَدِيمَةً جِدًّا؟"
"أَنَا..." بَدَأَ "حاتم" يُفَكِّرُ. "أَنَا أُنَظِّفُهَا مِنَ 'التُّرَابِ' أَوَّلًا. ثُمَّ أُعَرِّضُهَا 'لِلْهَوَاءِ' لِتَجِفَّ. ثُمَّ..."
"ثُمَّ 'الْمَاءُ'!" قَالَتْ "سلمى". "الْبُخَارُ الَّذِي اسْتَخْدَمْتَهُ لِفَرْدِ الرَّقِّ!"
"لَا." قَالَ "حاتم". "الْمَاءُ يُدَمِّرُ الْوَرَقَ الْهَشَّ. أَنَا أَسْتَخْدِمُ 'النَّارَ' أَوَّلًا... حَرَارَةً خَفِيفَةً جِدًّا لِقَتْلِ الْفِطْرِيَّاتِ... ثُمَّ 'الْهَوَاءَ' لِلتَّبْرِيدِ... ثُمَّ 'التُّرَابَ' (مَسْحُوقٌ خَاصٌّ) لِامْتِصَاصِ الدُّهُونِ... ثُمَّ 'الْمَاءَ' (الْبُخَارَ) فِي النِّهَايَةِ لِتَرْطِيبِهَا."
"إِنَّهُ التَّرْتِيبُ!" صَاحَ "زيدان". "جَرِّبْهُ يَا حَاتِم! الْقُرْصُ الْأَوَّلُ: نَارٌ، هَوَاءٌ، تُرَابٌ، مَاءٌ!"
تَقَدَّمَ "حاتم" وَأَدَارَ الْقُرْصَ الْأَوَّلَ عَلَى الرُّمُوزِ بِالتَّرْتِيبِ الَّذِي قَالَهُ.
"طَقْ."
فُتِحَ الْقُرْصُ الْأَوَّلُ.
"رَائِعٌ!" قَالَتْ "سلمى". "الْقُرْصُ الثَّانِي... الْمَعَادِنُ. ذَهَبٌ، فِضَّةٌ، حَدِيدٌ."
"هَذِهِ لَدَيْكِ." قَالَ "زيدان" لِـ "سلمى". "أَنْتِ الْفَلَكِيَّةُ. مَا هُوَ تَرْتِيبُهُمْ؟"
"فِي الْفَلَكِ الْقَدِيمِ." قَالَتْ "سلمى" وَهِيَ تُفَكِّرُ بِسُرْعَة. "الشَّمْسُ (الذَّهَبُ) أَوَّلًا. ثُمَّ الْقَمَرُ (الْفِضَّةُ) ثَانِيًا. ثُمَّ الْمِرِّيخُ (الْحَدِيدُ) ثَالِثًا."
أَدَارَتْ "سلمى" الْقُرْصَ الثَّانِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ.
"طَقْ."
فُتِحَ الْقُرْصُ الثَّانِي.
لَمْ يَتَبَقَّ سِوَى الْقُرْصِ الثَّالِثِ... رَمْزُ الْأَفْعَى.
"إِنَّهُ لَا يَدُورُ." قَالَ "حاتم" وَهُوَ يُحَاوِلُ تَحْرِيكَهُ. "إِنَّهُ زِرٌّ. يَجِبُ أَنْ نَضْغَطَهُ."
"اِنْتَظِرْ!" قَالَ "زيدان". "لِمَاذَا الْأَفْعَى؟ الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ."
كَانَ "مروان" قَدْ فَقَدَ صَبْرَهُ تَمَامًا. دَفَعَهُمْ جَانِبًا. "لَا وَقْتَ لِذَلِكَ."
وَضَغَطَ "مروان" بِقُوَّةٍ عَلَى رَمْزِ الْأَفْعَى.
لَمْ يُفْتَحِ الْكِتَابُ.
وَلَكِنْ...
سُمِعَ صَوْتُ "طَقَّةٍ" عَالِيَةٍ جِدًّا... لَكِنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَأْتِ مِنَ الْكِتَابِ.
جَاءَ مِنْ... خَلْفِهِمْ.
مِنَ الْمَمَرِّ الَّذِي دَخَلُوا مِنْهُ.
اِلْتَفَتَ الْجَمِيعُ بِرُعْبٍ.
الْجِدَارُ الْجِصِّيُّ الَّذِي كَانُوا قَدْ قطعوه... كَانَ يَرْتَفِعُ بِسُرْعَةٍ لِيُغْلِقَ الْمَكَانَ مَرَّةً أُخْرَى.
"لَا!" صَرَخَ "حاتم".
حَاوَلَ الرَّجُلُ ذُو النَّدْبَةِ أَنْ يُطْلِقَ النَّارَ عَلَى آلِيَّةِ الْإِغْلَاقِ، لَكِنَّ الْأَوَانَ كَانَ قَدْ فَاتَ.
بِصَوْتِ اصْطِدَامٍ مَهِيبٍ، أَُغْلِقَ الْجِدَارُ الْجِصِّيُّ.
ثُمَّ...
سَمِعُوا صَوْتَ احْتِكَاكٍ أَقْوَى. كَانَ صَوْتَ الْبَوَّابَةِ الْحَجَرِيَّةِ الْعِمْلَاقَةِ (الَّتِي فَتَحَهَا "زيدان" بِالنَّفَسِ) وَهِيَ تُغْلَقُ أَيْضًا.
"مَاذَا... مَاذَا فَعَلْتَ؟" هَمَسَتْ "سلمى" لِـ "مروان".
"مروان" كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْبَابِ الْمُغْلَقِ بِعُيُونٍ جَاحِظَةٍ.
"لَقَدْ كَانَ فَخًّا." قَالَ "الشيخ زيدان" بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَمُرْعِب. "الْأَفْعَى... الْبِدَايَةُ هِيَ النِّهَايَةُ. لَقَدْ حَبَسْتَنَا يَا مروان. لَقَدْ حَبَسْتَنَا جَمِيعًا مَعَ خَبِيئَتِكَ."
[نِهَايَةُ الْفَصْلِ الْعِشْرِينَ]
روايات الحارة