صلوا على خير الأنام 🤎
وفي مصر تحديداً في قصر الصياد :-
حالة من التوتر و العجلة تسيطر علي القصر والعمل به يُقام علي قدمٍ وساق
و الجدة جاكلين تشرف علي التحضيرات
فاليوم ليس كأي يومٍ مرّ عليهم، اليوم سيأتي أحد الشباب لخطبة أصغر حفيدة في العائلة، وعلي ذكرِها، كانت في غرفتها تقف أمام خزانة ملابسها متوترة و الحيرة جالية علي وجهها وتجلس عهد علي أحد المقاعد بتوتر هي الأخري وفجأة قالت بضيق :
- يابنتي بقا وترتيني معاكِ أهدي شوية
انتفضت دارين نفزع من صراخ الأخري المفاجئ وقالت بتوتر :
- أنا خايفة يا عهد أول مرة انحط في الموقف دا، و كمان اللي متقدم الدكتور اللي قالي "مش عايزة تكوني الفرخة اُم الكتاكيت"، عارفة يعني ايه ؟
نفخت عهد بغيظ منها فهي تردد تلك الجملة للمرة التي لا تعلم عددها فقالت بهدوء تحاول امتصاص توتر الأخري :
- واهو دخل البيت من بابُه اهدي بقا اعتبري أن دي اول مرة تشوفيه فيها، حلو كدا؟
أومأت لها دارين بموافقة وهي تقول بتوتر قد خف قليلاً :
- طب ألبس ايه ها، تعالي اختاري معايا
نهضت عهد و وقفت أمام الخزانة تقلب بين ملابسها حتي وقع نظرها علي فستان ما فأخرجته و رفعته أمام دارين التي نظرت له بإعجابٍ وقالت :
- حلو اوي و ماشي مع لون عيوني كمان
خرجت به عهد من غرفة الملابس و وضعته فوق الفراش و خرجت بعدها دارين وفي يدها خمار بنفس لون الفستان و نظرت لعهد وقالت بتوتر :
- مش هحط ميكب خالص هنزل طبيعي احسن
- احسن برضو عشان العريس يشوفك علي الطبيعة
أبتسمت دارين بتوتر وهي تتنفس عدة مرات لتهدئ من توترها
و في الجهة الأخري تحديداً بيت العريس :-
كان يقف أمام مرآته يصفف شعره بعدما ارتدي ملابسه والتي كانت عبارة عن قميص باللون الابيض و بنطالٍ قماشي من اللون الرمادي وهو يدندن بحماس ويقول بسعادة :
- هاتجوز اللي تقولي يا بيبي و يا قلبي ويا روحي، و هدّلع يــا بــشــر، هبقي عــريـــس، الله اكبر أخيراً هاتجوز
جاءه صوت والده الضاحك من خلفه فقال يوسف بلا مبالاة :
- اضحك يا عزيز براحتك، هتجوز اللي تقولي يا بيبي ياخويا خلاص مش هقدروا تقوليلي جايبينك من قدام الأهرامات تاني، هبقي راجل متجوز يابا
ضحك عزيز أكثر وهو يقول من بين ضحكاته :
- هو أنت شوفت البنت و عيليتها وافقوا عشان الفرح دا كله، أهدي يابني
- هتوافق يا حاج متقلقش، وهدّلع و هدّلع و هبقي عريس
أكمل ما يفعله بينما والده يراقبه وهو يضحك علي أفعال ولده الخرقاء المضحكة
بينما في الردهة كان يسير سليم شقيق يوسف وهو يأكل خيارة كعادته وهو يرتدي قميص باللون الاسود و بنطال قماشي باللون البيج ويقول بصوتٍ مرتفع :
- هنخلص من يوسف يا جدعان، هنخلص من صويته أخيراً، زغردي يا ماما هترتاحي منه و مراته هتلبس فيه
وبالفعل زغردت والدته بسعادة وهي تقول بحماس :
- أخوك هيبقي عريس يا واد و هلبس فستان أخيراً
أبتسم سليم بحماس و قال :
- العيلة عندهم فرز اول يا ماما بصي مستوردين شوفيلي هناك بقا عروسة عشان نحسن النسل و يبقي بعيون ملونة أصل العيلة كلها ملونة
- يا صايع يا ضايع ياللي معرفتش اربيك
قالها عزيز بغيظٍ من هذا عديم التربية فأبتسم له سراج وهو يرفع يده التي بها الخيارة ويقول بتحية :
- مكذبتش يا بابا أنا فعلاً مش متربي
- والله ما فيكم حد متربي غير ليليان حبيبة قلب ابوها
وأما عن ليليان فقد انتهت من التجهز و خرجت من الغرفة وهي ترتدي فستاناً باللون الرمادي و حجابٌ باللون الابيض و ولجت لغرفة يوسف فوجدته يقف أمام المرآة يرتب ملابسه بعدما انهي تصفيف شعره فلمحها من المرآة فقال بمرح صحِبته غمزة مرحة :
- مطقمة معايا يا لي لي ولا ايه ؟
أجابته بمرح وهي تغلق الباب خلفها :
- بصراحة آه مطقمة معاك
التفت لها وقال بمشاكسة :
- بس ايه القمر ده، ايه العسل ده، ايه الجمال دا كُله ؟
- بس بقا بتكسف
هتفت بها بخجل وهي تخفي وجهها بكفيها
- بتتكسفي يا بطة ؟
- آه يا غلس يتكسف
ضحك عليها ثم قال وهو ينظر لنفسه في المرآ للمرة العاشرة :
- طب قوليلي ايه رايك فيا؟، شكلي حلو؟
- اوي اوي، شكلك حلو وأوي كمان
نظر لها بمشاكسة وقال وهو يقلدها :
- بس بقا بتكسف
ضحكت علي أسلوبه وقالت مقلدة إياه أيضاً :
- يختي حلوة بتتكسف يا سوفا
ضحك عليها واقترب منها وضع ذراعه فوق كتفها وخرج معها فوجد والديه يجلسان في انتظاره فما أن رأتهما والدتهما هكذا قالت بسعادة وفرحة :
- الله أكبر عليكم، ربنا يحفظكم من عيون الناس وانتوا حلوين كدا
ابتسما لها بحُب وسأل يوسف والده بتعجب :
- اومال سليم فين يا بابا ؟
- سبقنا يسخن العربية عشان نمشي علطول
أومأ له يوسف بفهمٍ وقال :
- طب يلّا عشان منتأخرش
~~~~~~~~~~~~~~~
بعد مدة من الوقت ..
ضغط عزيز علي جرز قصر الصياد فحدثت حالة من الهرج و المرج في الداخل الجميع يركض في اتجاهات مختلفة كل منهم يتجه في جهة حتي ذهب ادهم وفتح الباب وهو يبتسم لهم بهدوء ينافي ما حدث في الداخل وقال بتريحب :
- أهلاً وسهلاً نورتونا، اتفضلوا ادخلوا
ولجوا إلي الداخل فوجدوا الجميع في استقبالهم ورحبوا بهم حتي جلسوا في الردهة أخيراً و كانا والدي يوسف مصدومين بشدة من عدد أفراد تلك الأسرة فعددهم كبير جداً بالنسبة لهم، بينما أبتسم الجد هلال وقال بعدما تم تقديم واجب الضيافة :
- نورتونا يا جماعة والله
أبتسم له عزيز بمجاملة وقال بهدوء :
- بنورك يا هلال بيه، أحنا جايين انهاردة طالبين الآنسة دارين لأبني الدكتور يوسف
أبتسم له هلال ونظر ليوسف وقال بهدوء :
- عرفني بنفسك يا يوسف، عندك كام سنة متخرج منين و بتشتغل فين وكدا
تحمحم يوسف وظهر التوتر عليه فأمسكت ليليان يدأ لتقلل من توتره وهي تنظر له بتشجيع فتحدث أخيراً بهدوء :
- أنا عندي 27 سنة واخد كُلية الطب من جامعة ***** في روسيا تخصص طب نفسي و بشتغل في مستشفي النور مع أحفاد حضرتك وكمان شريك فيها لكن في قسم الأدمان النفسي، و مستويا المادي كويس جداً، أخلاقي الحمد لله كويسة جداً بشهادة الكُل تقدر تسأل عني احفاد حضرتك لأننا عِشرة سنين، حضرتك عايز تعرف عني إيه تاني ؟
- لا يابني، احنا فعلاً سألنا عليكم و سمعنا عنكم أحسن كلام، وأنا عن نفسي مواقف، إيه رأيك يا صقر ؟
أجابه صقر بنبرة جامدة وهو مثبت نظره علي يوسف الذي توتر من نظراته :
- لو دارين وافقت انا موافق ولو رفضت انا كمان رافض، بس كرأي مبدأي أنت يا يوسف شاب محترم سمعتك كويسة بس الرأي الأول و الأخير رأي أختي
كان حاداً بعض الشيئ في حديثه فتحمحم يوسف قبل أن يقول بهدوء :
- طب طب ممكن اتكلم معاها شوية، رؤية شرعية يعني ؟
أومأ له صقر بموافقة ونهض من مكانه و تحرك نحو الغرفة التي في هذا الطابق لكنها تبعد كثيراً من الردهة، يسير بمفرده بعد الجلسات المكثفة بدأ يسير براحة عن ما كان سابقاً و ازداد توازنه ولم يعد يحتاج للعكازين، خطوطه بطيئة قليلاً لكن لا بأس هو افضل بكثير مِما كان سابقاً، طرق الباب بخفة فسمح صوتها يأذن بالدخول فولج ثم أغلق الباب خلفه و رفع عينيه ليراها يقف أمامه ترتدي فستاناً جميلاً هادئاً بشدة من اللون الفيروزي الذي يتماشي مع عينيها، وفوقه خمارٌ من نفس اللون والخجل يظهر عليها، أدمعت عيناه رغماً عنه وهو يري صغيرته التي تربت علي يديه و هو مَن علمها السير تقف أمامه اليوم شابة جميلة جاهزة لمقابلة مَن اتي لخطبتها، سار نحوها حتي وصل إليها وضمها بقوة هو يقول بسعادة :
- مش مصدق أن الطفلة اللي كنت لسة بعلمها المشي واقفة قدامي بالجمال دا وبإيدي هاخدها تقابل عريسها، كبرتي أمتي يا داري؟
ضحكت علي جملته الأخيرة وقالت :
- كبرت انهاردة شوفت الصدفة ؟
قالتها بمرح فنظر لها وقال :
- موافقة علي الواد اللي برا دا ؟
نظرت له بخجل و قالت بتلعثم :
- آه، اا لا اا بص انا صليت استخارة و ارتاحت يعني أنا ...
ضحك علي توترها و خجلها
- خلاص خلاص عرفت أن وردتي موافقة
وأما في الخارج كان يجلس بلال وهو متوتر منذ أن علم بتخصص يوسف، يدعو ألّا يُكشف أمره أمام الجميع، هو منذ البداية كان يرفض الجلوس معهم لكن اصرار والدته ارغمه علي الجلوس معهم، ورغم أنه يجلس الي بعدٍ من يوسف إلّا أن التوتر بات حليفه، بينما يوسف كان يلاحظ تصرفاته منذ أن جلس، يري توتره المبالغ به وجهه الشاحب جسده الهزيل الهالات السوداء التي تمكنت منه عيناه الحمراوتان أنفه التي يحكها من وقتٍ لآخر، بدأ الشك يتكن منه مال على جاسم الجالس بالقرب منه و هتف بصوت هادئ ممثلاً عدم المعرفة :
- هو الولد اللي هناك دا ... اسمه ايه؟
أجابه جاسم بتساؤل :
- دا بلال ابن عمي و اصغر حد في العيلة ... بتسأل ليه في حاجه؟!
نفى ذلك بهزة رأس بسيطة و ابتسم له فقط، ابعد نظراته عنه لكن باله كان منشغلاً بمظهره و هيئته، أما بالنسبة لبلال ... فقد لاحظ نظرات يوسف له و بدأ التوتر يظهر بعينيه و شعور القلق ينهش بصدره، فلولا إلحاح والدته ما كان قد حضر تلك الجلسة من الأساس
هو فقط ما أن عرف أن يوسف طبيب تخصصه علاج الإدمان بات يريد الهرب من ذلك المجلس بكل الطرق، ليته لم يجلس بعيدًا عن الباب بحجة انه ابعد مكان عنهم.
خرج صقر من الغرفة وفي يده دارين التي تخفض نظرها بخجل من نظرات الجميع التي سُلِطت عليها و خاصة نظرات يوسف، يوسف الذي ثبّت عيناه عليها ولم يبعدهما عنها قَط فلاحظ صقر نظراته فنظر له بحدة وغضب فأنزل الآخر رأسه سريعاً وهو يستغفر ربه من هيامُه بها وهي ليست حلاله، القت دارين التحية علي الجميع فردوها و نهضت والدة يوسف وضمتها بحنانٍ وهي تقول بصدق :
- الله أكبر عليكِ يا بنتي قمر ربنا يحفظك من عيون الناس
أبتسمت لها دارين و سلمت علي عزيز من بعيد فأبتسم لها و رد عليها وكذلك مع سراج ثم نظر لها صقر و قال بهدوء :
- خُدي دكتور يوسف يا دارين و أقعدوا في النص التاني
أومأت له دارين و نظرت ليوسف بمعني "هيا أمامي"
فنهض وسار أمامها وهو ينظر أرضا وهي سارت خلفه حتي وصلوا للجزء الثاني و جلست وجلس أمامها وأخيراً رفع عيناه ليراها لأول مرة بوضوح وقال بإبتسامة :
- ازيك يا آنسة، تحبي تسألي عن ايه؟
- انا عارفة عند كُل حاجة ممكن تسأل أنتَ؟
أبتسم فقال :
- لا أحكي أنتِ افضل
اخدت نفساً عميقاً وبدأت تتحدث :
- أسمي دارين عندي 21 سنة سنة رابعة طب أسنان، بس كدا
- طب موافقة عليا مبدأياً؟
نظرت له بتوتر فشجعها بنظراته فقالت :
- أنا صليت استخارة و ارتاحت فا، يعني، موافقة، بس بشرط
- اتفضلي
- اشتغل بعد الجواز، مش هعمل فرح غير لما اخويا يخلص علاجه و تيم و فهد وفجر و تاج يرجعوا من السفر
ابتسم يوسف وقال داخله :
- أخيراً لقيت حد أصيل في العيلة زي
وتحدث بصوتٍ مسموع :
- دا كان شرط صقر برضو، وانا موافق عليه، بس انا حابب اكتب الكتاب علطول عشان اقدر اتعامل معاكي من غير ضوابط الخطوبة
- دي تتفق مع صقر فيها
أبتسم لها وقال :
- حابة تسألي في حاجة تانية ولا نرجع ليهم ؟
- لا خلاص
أومأ لها ونهض وتحرك أمامها كما جاء حتي عادوا لهم و جلسوا فقال هلال :
- ها يا ولاد ارتاحتوا؟
أجابه يوسف ببسمة واسعة :
- آه يا هلال بيه
- ها يا دارين، موافقة يا بنتي ؟
أجابته دارين بخجل وهي تمسك في يد صقر بقوة :
- آه يا جدو موافقة
- علي بركة الله نقرأ الفاتحة
قرأوا الفاتحة وسط سعادة الجميع وبعدما انتهوا قال عزيز بإهتمام :
- الخطوبة نحددها أمتي ؟
- بعد اذنك يا بابا بس أنا مش عايز خطوبة، عايز كتب كتاب علطول يا صقر
نظر له صقر بتفكير ثم قال موجهاً حديثه لدارين الجالسة بجواره :
- ايه رأيك يا داري ؟
- همست له وهي تشعر بالخجل من الموقف بأكمله :
- هيبقي احسن عشان اعرف اتعود عليه الخطوبة مش هتديني فرصة اني اتعود عليه
أومأ لها صقر وقال بإبتسامة :
- تمام يا يوسف كتب كتاب علطول
- يوم الجمعة ايه رايك
- رفض باعتراض :
- بسرعة اوي يا يوسف دا بعد يومين
- متقلقش التجهيزات هاتخلص بسرعة
أومأ له صقر بعدما نظرت له دارين بموافقة بينما تحركت عيونه سريعًا على وجه بلال مجددًا عندما بدأ صقر يحادث والده... رعشة بسيطة في يده، نظرة زائغة، تعرق خفيف على جبهته رغم أن المكان مكيف، وملامح فيها بقايا قلق ... ليست مراهقة تلك
بدأ شكه يجد موقعه الصحيح من اليقين، كانت تلك الأعراض مألوفة لديه… أكثر من اللازم، مال على جاسم مرة أخرى وهتف بتعجب مصطنع :
- هو بلال كده طبيعي ولا في حاجة مضايقاه؟ شكله مش مرتاح
أجابه جاسم بتعجب من اهتمامه بـبلال :
- هو بس مودي الأيام دي… مراهقة بقى انت عارف السن دا، هو ساعات بيتقفل كده من غير سبب، غير كدا مش بيبقل مرتاح لو شاف حد لأول مرة بيبقا متوتر شوية ...
أومأ يوسف ببطئ ولم بيتعجب من رد جاسم ولا من عدم شكه في ابن عمه، إن كانا والديه لم يشكا في الأمر فسيشك جاسم؟، أبتسم داخله بسخرية علي هذه العائلة الي تظهر ما لا يُبطن.
و أخيرًا بعد فترة وقف يوسف و والديه و سراج و ليليان ليغادروا و صافح يوسف الجميع حتى لا يتعجب احدهم من اتجاه لبلال و مد يده له ببسمه قائلا :
- مش ناوي تسلم ... داحنا بقينا نسايب حتى
مد بلال يده له و أجاب ببسمة حاول رسمها دون اظهار قلقه منه :
- مع السلامه
- شعر يوسف ببرودة يده واهتزازها قليلا... حتمًا تلك ليست مراهقة..!
كما أنه ليس توتر من أُناسٍ غُرب...!
وجهه حديثه ليليان التي وقفت جانبه .. هي شكت أن يوسف يشغله شيء غير دارين لذلك ظلت واقفه جانبه :
- ليلي بقولك حاولي تخلي بابا و ماما يطولوا هنا على قد ما يقدروا لحد ما أرجع
- لم تفهم السبب لكن قررت فهمه عندما يعودوا للمنزل، هتف يوسف بهدوء موجهًا بصره لبلال :
- بلال ممكن توريني التويلت فين
أومأ له و اتجه نحوه و يوسف خلفه، بحكم أن القصر كبير فكانت المسافة بين المرحاض و غرفة الضيوف كبيرة...
و بالطبع يوسف استغل الأمر و انهال عليه بالأسئلة :
- عامل ايه في الدراسة
- الحمدلله تمام
رده كان بنبرة خافتة و حاول اخفاء توترة قليلاً لكن فكرة أن ينكشف أمره أصبحت فجأة مروعة بالنسبة له بعد أن كانت عادية، يمكن لأنه لم يكن يعلم ماذا يحدث بالمصحات ولا بأعراض إنسحاب المخدرات
سأل يوسف مجددًا بنبرة هادئة :
- تنت في سنة كام؟
- أولى ثانوي
- قولي يا بلبل، مامتك و باباك أو أخوك حد فيهم قريب منك
ابتسامة ساخرة علت وجهه و اجابته كانت ساخرة بشده لمن يسمعها لأول مرة.. أما من يدقق بها يعلم أنها مليئة بالألم بالأخص أن من قالها مجرد مراهق تائة :
- هما لو فاكرين إن عندهم ابن او اخ اصلا يبقا كتر خيرهم، دايما بسمع إن أصغر حد بيبقا مدلع و الكل بيهتم بيه و بيخلوه مش عايز حاجه بس ... هما اه مش مخليني عايز حاجه مادية بس عايز معنوية... عايز كتير أوي، أهو يا دكتور يوسف التويلت
أشار له على المرحاض فألقى يوسف نظره أخيرة على بلال و هتف ببسمة صغيرة :
- ممكن تستناني عشان انا محفظتش المكان
أجابه بالموافقة و ظل واقفا ينظره
بينما بالداخل كان يوسف قد تأكد من شكوكه... هناك بتض السواد تحت عينيه كما أن وجهه شاحب بشده كمصاصي الدماء تقريبا، فركه ليده مما يدل على توتره منه و أخيرًا، إهمال عائلته له...!
لا يعلم كيف حقًا يمكن لأهل أن يهملوا مراهق لدرجة تركه يغرق في محيط فرصة النجاة من الغرق به شبة معدومة
هو طبيب و دوره هو تحسين نفسية المريض وبث الأمل بخروجه و اعطاءه الأدوية اللازمة لجعل ألم انسحاب تلك السموم أقل لكن ... ليس الجميع ينظر للجانب المشرق، أغلبهم يدخلون بحالة إكتئاب حاد و استسلامهم للغرق يكون مرساهم
~~~~~~~~~~~~~~
خرج لشرفة غرفته و لازال عقله منشغلاً بما حدث هو في العادة لا يهتم للمرضة لتلك الدرجة لكن لأن مريضه تلك المرة هو أحد أخوات أصدقاءه هو شغل جزء من تفكيره اكثر من حبيبته
رفع هاتفه و اتصل على صديقه الذي لم يطل بالرد بل اجابه في عدة ثوان مردفا بمرح اعتاده الجميع :
- لا لا لا، يوسف بذات نفسه بيتصل، انا قولت برضو ما يضلم الموبايل كدا غير يوسف اللي بيقول للبت "الفرخة اُم الـكـتـاكـيـت"
ضحك يوسف بغيظ مردفا بحنق :
- بس يا غلس انا اقول اللي انا عايزُه ة بعبظن تلاقيه نور و عمل أفراح كمان كفاية ان أنا شخصياً اللي رنيت عليك
- ليه يخويا كُنت رئيس شركة المرعبين المحدودة ؟
قالها بسخرية فقال يوسف بسخرية أكبر :
- لا يا عين خالتك، ظابط مخابرات علي ما تفرج و باكُل كورن فليكس
- بتتريق عليا يا دكتور علي ما تفرج
قالها بغيظ فجاءه رد الآخر الذي هتف بإستفزاز :
- احسن ما اكون ظابط علي ما تفرج يا حبيبي
تمالك أعصابه وقال من أسفل أسنانه :
- اتصلت ليه ياض ها، عايز مني ايه؟
تذكر يوسف لماذا هاتفه فقال بجدية :
- عايزك ترجع مصر بسرعة وتحلل لبلال في السر
- ليه مالُه بلال انا سايبُه كويس
- خُد نفس و امسك نفسك و أعصابك
- يوسف بلاش تحوير خش في الموضوع على طول
قالها فهد بقلق شديد و أعصابه قد تلفت
فهز راسه بحركة عفوية منه و اردف بجدية قاطعة جعلت القلق يتخلل قلب فهد بعدما أخد نفساً عميقاً قبل أن يفجر تلك القنبلة في وجه هذا المسكين :
- بلال أخوك مُدمن يا فهد
- نعم! مين اللي مدمن مش سامع كويس
قالها في محاولة منه لتكذيب ما سمعه للتو فقال يوسف بحزن علي صديقه وما يتلقاه من صدمات :
- بلال أخوك مُدمن، مُدمن بسببهم با فهد
لم يأخذ جواباً سِوا الصمت و صوت أنفاسٍ عالية كأن صاحبها يكافح نفسه كي لا ينهار
- قول أنك بتهزر يا يوسف بالله عليك، هو لسه صغير علي الوجع ده، بالله عليك قول أنك بتهزر معايا
كانت نبرته تائهة موجوعة مخنوقة بالبُكاء فألقي يوسف حديثه دفعة واحدة وقلبه متألم علي صديقه :
- لا يا فهد ياريتني كُنت بهزر دي حقيقة، اخوك أدمن المخدرات، و السبب اكيد امك و ابوك ... انا آسف في اللي هقوله بس ابوك و امك مهملين ومش عارفين ياخدو بالهم من اخواتك سواء فارس او بلال ... فارس لو اتحط في موقف صعب مش هيعرف يفكر و هيبقا زي عيل صغير و بلال جري ورا الادمان و بدايتها اكيد كانت تجربة من صحاب سوء صاحبهم وهو مش عارفهم انهم هيرموه في نص البحر لأنه بالنسبالهم مجرد فلوس مش اكتر
صاح فهد بألم و قلبه يتمزق ألماً وقهرة مما يحدث حوله و المتسببين بكل هذا أهلُه :
- لـــيــــه؟، ليه يوصلوه لكدا؟، ليه يهملوه للدرجة دي؟، ليه اتجوزوا طلاما مش هيعرفوا يهتموا بعيالهم ولا يشيلوا مسؤولية أطفال؟، مش قد الجواز ميتجوزوش و يخلفوا عيال مريضة نفسياً، ليه يضيعونا كدا؟، ليه يشتتونا و يفرقونا عن بعض؟ احنا وعشنا مع تُجار أعضاء و مخدرات شوفنا معاهم الويل و شوفنا من العذاب الوان و بيعنا مخدرات و شغلونا شحاتين و بياعين مناديل واللي يحاول يهرب كان بيضرب لحد ما يغمي عليه، بسبب إهمالهم بسبب جحودهم بسببهم هما، طب بلال اللي لسة علي أول طريق الحياة يدمن ليه؟ ليه يوصلوه لأسوأ حاجة في الدنيا؟، ليه يوصلوه للإدمان؟ ، وأكيد سيادتهم مش داريين باللي بيحصل لأبنهم و كل حاجة بالنسبالهم فلوس، عايز حنان خُد فلوس عايش احتواء خُد فلوس عايز أمان خُد فلوس عايز عيلة حقيقية و أهل الفلوس تغني عن كُل دا
- فهد اهدي أنت تعبان، متخلينيش أندم اني قولتلك أنت
- متقوليــش أهـــدي، أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا، أنا اخواتي كلهم تعبانين بيقعوا ورا بعض، مش ملاحق عليهم والله ما بقيت ملاحق علي المصايب، حسبي الله ونعم الوكيل فيهم
آلمت تلك الكلمات قلب يوسف، قُهر علي أصدقاءه زاد كرهه لتلك العائلة اللعينة، لكنه هازل تهدئة هذا المسكين قليلاً فما في قلبه لن يشعر به أحد سواه :
- بالله عليك أهدي أنتَ تعبان، أهدي والله كل حاجة هتتصلح
صاح به بنبرة أشبه بالجنون، ليست شبه هو بالفعل جُنّ :
- مــتــقــولــش أهــدي!، أهــدي ازاي و أخويا ممكن يموت في أي لحظة بسبب جرعة زيادة، حُط نفسك مكاني يا يوسف، هتهدي لو عرفت أن سليم اخوك مدمن، هتعرف تحط راسك علي المخدة هادي وفي أي لحظة اخوك ممكن يموت بسبب جرعة مخدرات زيادة
نبرته المقهورة و الباكية في الوقت ذاته تمزق قلب كل من يمسعها، لم يقدر يوسف علي التفوه بحرفٍ واحد فهو محق في كل كلمة قالها، وفجأة وجد فهد يصمت دقيقة ثم يقول بجمود :
- هاخدُه منهم ومش هيلمحوا طيفُه تاني لحد ما يعرفوا قيمته، هعالجه مش هخليه يعيش اللي عيشناه
فقط و أغلق الإتصال دون سماع رد الآخر الذي ازداد حزنه علي صديقه و شقيق صديقه، بينما أتت ليليان من خلفه و قالت بهدوء :
- يوسف، هو بلال مِدمن ؟
ألتفت لها وهو يرمقها بصدمة مِن معرفها بالأمر، أيُعقل أنها سمعت حديثه مع فهد !،
تحدثت تنفي ما جال في خاطره بقولها :
- أنا حسيت بكدا، من وقت ما عرف أنك تخصص علاج ادمان و وشه اتخطف ولونه اتغير تحس أنه كان عايز يهرب، و كمان الهالات السودا اللي تحت عيونه و جسمه اللي ضعف عن آخر مرة شفته فيها، و حركاته المريبة و عينه اللي مش بتثبت في مكان واحد، تفتكر بلال مِدمن ؟
نظر لها دقائق يفكر أيجيبُها أم لا، حتي استقر علي اجابتها لتساعده في إيجاد حل لعلاج بلال دون معرفة أحد، أخبرها بشكِه و بما دار بينه وبين فهد بينما هي آلمها قلبها علي هذا الشاب الزي لازال في أولي خطوات الحياة وتلقي تلك الصفعة القاسية ...
~~~~~~~~~~~~~~
في نيويورك تحديداً غرفة فهد :-
كان صامتاً بشكلٍ مريبٍ وهو يراقب فجر التي تجلس أمامه تبكي بقهرة و حزن وجسدها ينتفض من حينٍ لآخر، لم يُحب يوماً رؤيتها هكذا، لم يعلم أنها تستمع له وهو يتحدث مع يوسف ومنذ أن أغلق معه وهي تبكي بهذه الطريقة، لا يعلم كيف ومتي نهض وجلس بجوارها ثم ضمعها له دون أن يتحدث كأن عقله انفصل عن الواقع ولا يتردد به سوا خيالات مِما حدث في الماضي
حريق ... نيران ... صراخ ... خذلان ... جروجٌ ... دِماء ... اختطاف ...
ومِن هُنا بدأ كُل شيئ
قالها قبل أن يسرد لنا ما حدث علي طريقته هو ..
فتحتُ عيني فرأيتُ ظلاماً فقط و شعرت بالبرودة تلتهم جسدي و ألمٌ شديد في ظهري نتيجة للحُطام الذي سقطتُ فوقه، ظننت أنني مِت لكن للأسف كُنت حياً، حاولت الإعتدال للجلوس وبصعوبة شديدة استطعت الجلوس، نظرت حولي بخوفٍ فأنا لازلت طفلاً في الخامسة و النصف من عمري، أرتعد جسدي و أرتعش بقوة حينما أستمعت لنباح الكلاب العالي والمخيف بالنسبة لطفلٍ مثلي، ضممت جسدي الصغير بحماية و أنا أنظر حولي بخوفٍ لعلي أجدهم معي فوجدتهم نائمون بجواري فأطمأن قلبي قليلاً فهُم أماني ملجأي الوحيد وأنا دونهم خائف و تائِه ... يوم تلاه يوم تلاه اسبوع تلاه شهر تلاهم عاماً ... ... ذراعاي مقيدان في لوح خشبي صلب و قدماي مقيدان بسلاسل حديدية في الأرض و نصفي العُلوي عارٍ، يقف خلفي رجل بمسك بعصي رفيعة جداً تسمي بعصي الخيزران، يبتسم لي بتسلية وهو يقول بسخرية :
- جه وقت العقاب يا صُغير، عشان تبقي تعمل فيها راجل تاني كويس أوي، عِد معايا بقي
حينها فقط أنتفض قلبي وشعرت أنه يود الفرار من موضعه لخارج جسدي ليرحمني من هذا العذاب ... ثانية ثانيتين ومع الثانية الثالثة سمعت صوت تحرك العصي في الهواء و برهة و شعرت بها تضرب جسدي و آهٌ من كم الألم الذي شعرت به، وكأن جمرة حرقت ظهري و قدماي و يدياي كأن صخرة سقطت فوقهما فتهششت عضامي، ضربة ... الثانية ... الثالثة ... الرابعة ... حتي العاشرة ...
عشر ضربات من تلك العصي علي جسدي عقاباً لي لأنني دافعت عن شقيقي كي لا بمثها أحدٌ بضرر و تركت المناديل الورقية وقام أحدٌ بسرقتها، عامين مروا ببطئ وأصبحت في الثامنة ... تكرر المشهد ذاته لكن مع اختلاف السبب ... كان تيم مقيد بجواري وكانت حالته كحالتي ورُبما أسوأ
و تكرر المشهد ذاتُه لكن كان أقسي وأشد ....
نجده صوت أسد من الغرق في هذا البحر الأسود الذي لا نهاية له، رفع عينيه ليري أسد يقف أمامهما وعلي وجهه علامات الفزع وهو يسألهما بخوف :
- بتعيطي ليه يا فجر ؟ وانت يا فهد مالك فيكم ايه؟، حصل حاجة وانا برا طيب؟ حد مات تاني ؟
- بـ. بلال مُدمن يا أسد
~~~~~~~~~~~~~~~
بارت كبير وعسول نصه نكد ونصو فرح و استاهل عليه بوسة كبيرة و فوت كتير 🙃
حبيبة المصري