ظل نِيل محمولًا من قبل ليونيل، متدلّيًا كأن الحياة فقدت معناها منذ لحظة سحبه من قاعة التدريب\. دفن وجهه في عنق ليونيل وهمس بصوت خافت كأرنب مأزوم: — "سأسجّلك في قائمة الانتقام الطويلة\.\.\. مباشرة بعد إليوت والدجاجة الملكية\." لكن ليونيل لم يرد\. فقط شدّ ذراعه عليه بلطف أكثر، وكأن هذا الغضب الصغير يحتاج احتواءً لا مناقشة\. أمامهم، كان أوفال تورين، مساعد مدير الأكاديمية، يسير بخطى رشيقة تشبه مشية طاووس اكتشف للتو أنه حصل على ترقية\. كان رجلًا طويل القامة، أنيقًا بشكل مبالغ فيه، يرتدي معطفًا له ذيل يتمايل مع كل خطوة، ولديه نظارات دقيقة تجعله يبدو أكثر علمًا مما هو عليه\. رفع يده بحماسة مسرحية: — "وهنا، أيها الضيوف الكرام، تقع القاعة الكبرى\! حيث تُقام الحفلات، الاجتماعات، و\.\.\. المشاجرات بين الطلاب أحيانًا، لكن لا تقلقوا، لدينا سجاد سحري يمتص الدم\!" نِيل تمتم بصوت خافت وهو لا يزال مدفونًا في ليونيل: — "الدم؟ أنا أرنب، لسنا مخلوقات مصاصي دماء\.\.\. لا أحب الأكاديميات التي تحتاج سجادًا خاصًا للدماء\.\.\." أوفال تابع بنفس الحماسة، مشيرًا إلى الجناح الأيمن: — "وهنا، مساكن الطلاب الموهوبين، وهنالك قسم الخيمياء، والجانب الآخر مخصص للدروس النظرية، رغم أن معظم الطلاب ينامون فيها على أي حال\." أدريان، الذي يسير خلفهم ويداه في جيبيه، تمتم بنبرة تشبه نِيل تمامًا: — "أنا لا أثق برجل يستخدم كلمة الخيمياء وكأنه يتحدث عن مربى التوت\.\.\." — "ولا أثق بمكان يعتبر النوم ظاهرة شائعة في الصفوف\!" أضاف نِيل من تحت إبط ليونيل\. ليونيل، الذي بدأ ينهك من كمية التذمّر المحمول والصوتي، قال بنبرة باردة: — "أنتما متشابهان جدًا\. ربما نحتاج نقالة بدلًا من جولة\." أوفال التفت إليهم بابتسامة عريضة: — "والآن، إلى الحديقة الداخلية، حيث تُزرع النباتات النادرة التي قد تهاجمك إن لم تُحيّها صباحًا\." أدريان تمتم: — "هل هناك مكان في هذه الأكاديمية لا يملك خصائص رعب صامتة؟" نِيل، وقد بدأ يشعر ببعض النعاس في عنق ليونيل، همس: — "لو نمت الآن\.\.\. ورفضت الاستيقاظ\.\.\. هل ستتركني؟" أجابه ليونيل بصوت منخفض: — "أبدًا\. سأحملك حتى تنام، وأُوقظك بلطف\.\.\. ثم أوبخك مجددًا على الهروب\." تنهد نِيل، ثم تمسّك بملابس ليونيل أكثر\. — "حسنًا\.\.\. لكن فقط لأنك دافئ\.\.\. وليس لأنني أحبك أو شيء\." ضحك أدريان: — "آه، العبارة الرسمية للعواطف المكبوتة الأرنبية\." في النهاية، ومع كل غرفةٍ مرّوا بها، وكل تحذير غريب من أوفال، وكل تعليق ساخر من أدريان، كان نِيل يشعر بشيء غريب\. ربما\.\.\. فقط ربما\.\.\. لن تكون الأكاديمية بهذا السوء\. طالما لديه وسادة بشرية، وأخ يشتكي أكثر منه\. \-\-\- وسط كل شكاوى نِيل وتذمّراته، حدث شيء نادر\. رفع نِيل رأسه قليلًا من عنق ليونيل، ثم قبّله بسرعة على وجنته، وأعاد دفن نفسه في عنقه كأن شيئًا لم يكن\. ليست قبلةً اعتذارية… بل تلك التي يقول فيها الأرنب: "أنا لا أكرهك كما أزعُم… لكن لا تجعل الأمر رسميًا، حسنًا؟" ليونيل توقف لثانية، نظر إلى الفراغ أمامه وابتسم بخفة، ثم انحنى قليلًا ليُقبّل نِيل على رأسه، فوق خصلة شعره المنفوشة\. تمتم في نفسه: — "أحيانًا… يكون هذا الأرنب المدلل هو ألطف شيء في هذا العالم البارد\. وأحيانًا؟ كابوس مصغر يتذمر أكثر من سحلية فقدت ذيلها…" شدّ ذراعه عليه أكثر، وكأن هذا الكائن الصغير يجب أن يُحمى من كل شيء… حتى من نفسه\. في الخلف، كان أوفال تورين لا يزال يتحدث بحماسة لا تتزعزع، وكأن لا أحد أمامه يحمل طفلًا يشبه لفافة بطاطا محشوة بالدراما\. — "وهنا جناح الفنون القتالية المختلطة\! لدينا تخصصات في قتال التنانين، الدفاع ضد المخلوقات السحرية، وحتى صف النجاة من شبح زميلك في الغرفة\!" نِيل تمتم: — "هل هناك مادة للهرب من مساعد مدير مزعج؟" أدريان ضحك بصوت خافت: — "لو هناك، لكان اسمها ‘تكتيكات التسلل تحت بطانية دافئة’… وأنت ستكون الأول على الدفعة\." أوفال تابع، غير متأثر بكوميديا الأشقاء: — "ونصل أخيرًا إلى قاعة الأساتذة\! أعظم العقول، أقسى الدرجات، وأشد تسريحات الشعر توترًا\!" في هذه اللحظة، همس نِيل وهو لا يزال في حضن ليونيل: — "أتعلم؟ يمكنني التحمّل\.\.\. طالما أنتما هنا\." ليونيل لم يجب\. لكنه ابتسم تلك الابتسامة الصغيرة، التي لا تأتي إلا عندما يقول الأرنب شيئًا لا يريد الاعتراف به\.\.\. لكنه يعنيه\. \-\-\- على رقعة من الثلج المسطح، رسم ريتشارد خريطة سحرية مضيئة، ظهرت عليها مواقع التحصينات، معاقل الشياطين، والأبراج الملعونة التي تمد ملك الشياطين بالقوة\. — "نحتاج أولاً إلى كسر ثلاث نقاط ارتكاز\. واحدة في غابة الموتى، والثانية تحت بحيرة الزمرد، والثالثة…" تنهد وهو يشير إلى النقطة الأخيرة، "في قصر الظلال نفسه\." إلياس عبس: — "قصر الظلال؟ أنت تمزح\. ذلك المكان يحرق الأرواح الحية قبل أن تخطو إليه\." كايرن تشقق صوته بخفة: — "لا بأس\. سنرسل مِلفون أولاً\. نراقب إن احترق\.\.\. ونتراجع\." مِلفون نظر له ببرود: — "وأنت؟ ستبقى مع الأرنب وتحمّمه بالورود؟" هنا، ابتسم ريتشارد ابتسامة نصف ساخرة، نصف منهكة\. — "لو خُيّرت\.\.\. لفعلت ذلك طوال حياتي\. حمّام دافئ مع نِيل أفضل من حربٍ مع ألف شيطان\." ثم ساد الصمت قليلاً، قبل أن يقطع ريتشارد التفكير قائلاً بصوت أخف: — "أتساءل\.\.\. كيف حاله الآن؟" أغلق عينيه\. وفي ذهنه\.\.\. ظهرت صورة نِيل، وجهه منكمش، ذراعه الصغيرة تضرب السرير بتذمر، والدموع متجمعة في عينيه وهو يصرخ: — "أين باباااااا؟\! لماذا تركنييييي؟ أنا لست مستعدًا للتضحية بعد\!\!" ريتشارد، الذي كان صامتًا طوال الوقت، ضرب قبضته بالأرض فجأة\. — "إنه حزين\. أعلم ذلك\. إنه لا ينام جيدًا دون أن يسحب شعري أو يعضّ كتفي\." كايرن حاول كتم ضحكته\. — "تعضّه؟\!" ريتشارد تنهد، وكأن كل الكرامة تبخرت: — "إنها طقوس النوم\. يعضّني، ثم يحتضنني كوسادة، ويغفو وهو يقول: بابا دافئ مثل حبة بطاطا مسلوقة\.\.\." ريتشارد ابتسم وهو يغطي وجهه بكفه: — "أتدرون؟ تلك الخدود\.\.\. ذلك الصوت حين يقول اسمي… هو السبب الوحيد لكوني على قيد الحياة\." إلياس تمتم بسخرية خفيفة: — "عجيب… أقوى سيف في الإمبراطورية مدفوع بالخدود المنفوخة\." كايرن قال بنبرة حازمة هذه المرة: — "ليكن كذلك\. فلتكن الخدود الوقود، ولتكن الضحكة الدرع\. إن أراد ملك الشياطين الحرب… سيحصل عليها\. ليس لأننا شجعان… بل لأننا نحب أرنبنا أكثر مما نحب السلام\." رفع مِلفون خنجره عالياً\. — "من أجل أرنبنا\.\.\. فلنقلب العالم\." رفع الثلاثة الآخرون أيديهم بنفس الوقت\. — "من أجل نِيل\." \-\-\- قصر أورڤال – الجناح الغربي المنسي – غرفة إليانورا\. الغرفة كانت راكدة كأن الزمن توقف عند موتها\. ضوء الغروب انسدل من نافذة مغبرة، ملامسًا غبارًا يتطاير ببطء فوق السرير المرتب بعناية، حيث كانت إليانورا تنام\. جلست إيرينا على الأرض، يداها ترتجفان وهي تُزيح السجادة السميكة المزخرفة برموز عائلية قديمة\. تحتها\.\.\. لم يكن هناك شيء لأول وهلة\. لكن بعد لحظة\.\.\. أزيز خافت انبعث\. نظام "إيلي" – المساعد الافتراضي الداخلي، ظهر صوته الرقيق في أذنيها من خلال البلورة الصغيرة المثبتة في عقدها: — "تم تحديد نمط الطاقة القديمة\. محاولة الفتح رقم 47 ناجحة\. تحذير: دخول غير مصرح به إلى منشأة مغلقة منذ 12 سنة\." إيرينا لم تتراجع\. حدقت في النقوش الحجرية التي بدأت تتوهج تحت أطراف أصابعها\. — "افتحي القفل، إيلي\." — "تنفيذ\.\.\. تحذير إضافي: القبو مسجل كمستوى خطر أوميغا\. الرأي الموصى به: الإنسحاب فورًا\." همست إيرينا، بعينين تضيقان كمن يتحدى قَدَره: — "الانسحاب؟\.\.\. هذا ما فعلته قبل\. وأنا لن أكون ظلّها للأبد\." ثم ضغطت على العلامة المضيئة\. صوت آلي ارتجّ في الغرفة: — “قفل القبو رقم 𝛀\-13 مفتوح\. يُمنع الدخول لغير حاملي الدم\.” فُتح الباب الحجري بصوت انزلاق ثقيل\. صعد غبار رمادي كأنه نَفَسُ شيء كان نائمًا منذ قرون\. خطت إيرينا إلى الأسفل\.\.\. درجٌ ضيق، تتسلل منه رائحة المعادن والكتب المحترقة\. الجدران كانت مغطاة بنقوش ودوائر سحرية قديمة، وبعضها ينبض كأنها لا تزال حيّة\. إيلي تحدثت من جديد، هذه المرة بنبرة حادة: — "رُصد توقيع مانا غير مستقر\. الطاقة المتبقية هنا\.\.\. تطابق 63٪ من بيانات دم إليانورا\." توقفت إيرينا\. شهقت: — "هي كانت هنا فعلاً\.\.\." وصلت إلى قاعةٍ صغيرة، تتوسطها منصة زجاجية، بداخلها تابوت أسود محاط بحلقات مانا متداخلة\. وعلى الجدار\.\.\. نقش قديم، بالكاد يُقرأ: — "من يفتح هذا القبر\.\.\. يوقظ الاسطورة المحرّمة\." صوت إيلي بدأ يتشوش قليلاً: — "تحذير\.\.\. تحذير\.\.\. تفاعل مانا خارجي\.\.\. كيان قديم يـ\.\.\. يـتمسّك بال\.\.\. بــ\.\.\." وانقطع الصوت\. وبدأت الأرض تهتز\. وارتفع من التابوت\.\.\. نَفَس\. \-\-\- قبو أورڤال السفلي – تحت غرفة إليانورا\. الهواء أصبح أثقل، وكأن القبو ذاته تنفّس بعد سنوات من الصمت\. سرت قشعريرة على عمود إيرينا الفقري، وكل خلية فيها كانت تصرخ بالتراجع\.\.\. لكنها لم تفعل\. نَفَس غريب تصاعد من التابوت الأسود\. ثم، وبدون أي مقدمات، تشكّل ضوء أزرق على الأرض، ليظهر أمامها شابٌ في أوائل العشرينيات، شعره اسود يتساقط بانسيابية فوق عينيه الباردتين، ومعطفه الطويل يرفرف بلا ريح\. "راين\.\.\. سايلاس؟\!" صوتها خرج مرتبكًا، غاضبًا، مصدومًا\. تراجعت خطوة تلقائيًا، عيناها تحدقان في ابن عمها الغادر، أو بالأحرى\.\.\. ابن الخائن\. قالت بحدّة، كمن يتوق لضربة سيف: — "كيف تجرؤ؟\! والدك تزوج شيطانه وانت خنت العائلة \! ما الذي تفعله\.\.\. هنا؟\!" راين نظر إليها بصمت لحظات، قبل أن يقول بصوتٍ هادئ ولكنه عميق، كمن يحمل حزنًا قديماً: — "أعرف ما فعله والدي\. وأعرف أنكم لا تغفرون\. لكنني لم آتِ لأبرّره\.\.\. بل لأُتمّ ما بدأته إليانورا\." تصلبت ملامح إيرينا\. — "\.\.\.إليانورا؟ ما علاقتك بها؟\!" صمت راين قليلاً، قبل أن يخطو نحو التابوت، يلمسه بخفة، كمن يربّت على كتف صديق راحل\. — "هي\.\.\. لم تكن فقط ابنه عمي، بل كانت معلمتي\. طلبت مساعدتي قبل زوجها\." ارتجفت شفتا إيرينا\. — "كاذب\.\.\." لكن راين أخرج من جيبه بلورة صغيرة، بحجم ظفر الإصبع\. وعندما فعّلها، ظهر وجه إليانورا، متعبًا، شاحبًا، لكنّ عينيها كانتا تشتعلان بإصرار\. تسجيل صوتي – إليانورا: — "راين\.\.\. إذا شاهدت إيرينا هذا، فذلك يعني أني فشلت في إيقاف النظام\. أرجوك، أخبرها الحقيقة\. أنا\.\.\. عبثت بالنظام الذي سيظهر يومًا ما لابني نِيل\. كان يجب أن أغيّر النمط المقدر له\. رأيت مستقبله\.\.\. ولا يمكنني السماح له أن يعيش ذلك المصير\." إيرينا شهقت، دموعها بدأت تتجمع في عينيها\. — "م\.\.\.مستقبل؟ أيّ مصير؟ ما الذي رأت؟" راين أوقف التسجيل\. — "لا أستطيع أن أريك باقي الرسالة\. لأنها محمية بقفل دموي، لا يفتح إلا أمام نِيل نفسه\." اتسعت عينا إيرينا، ثم همست: — "\.\.\.إذًا إليانورا لم تكن جنيه عاديه فقط؟" هزّ راين رأسه\. — "كانت قوية\.\.\. لكنها كانت أيضًا خائفة\. من شيء رأته في أحد نماذج المستقبل\. شيء يتعلق بابنها، وحياته\.\.\. أو موته\." سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة محمّلة بثقل: — "لقد اخترقت النظام السري المرتبط بـ"العائلة"، وغيرت الشيفرة الوراثية المخصصة لاختيار النظام الذي سيظهر لنِيل\. كان من المفترض أن يُمنح نظام التحكم الملكي\.\.\. لكنها أجبرته على تلقي نسخة معدّلة\." — "لماذا؟" — "لأن النظام الأصلي\.\.\. سيحوّل نِيل إلى بطل وهو طفل المختار\." ضربت إيرينا الحائط بجانبها، الغضب يتفجر في صدرها: — "ولِمَ لم تخبر أحدًا؟\! لو كنت تعرف هذا، لماذا اختبأت كل هذه السنوات؟\!" اقترب راين، نظر إليها مباشرة: — لا أعلم \-\-\- أكاديمية الشمال – داخل المهجع الخاص – منتصف الليل\. في عالم الفراغ الداخلي، حيث لا أرض تحت الأقدام ولا سماء فوق الرؤوس، جلس نِيل متكورًا على نفسه، يعبس وهو ينظر بملل إلى كرة مانا زرقاء تتطاير أمامه\. صوت آزورا، روحه المتجلية في هيئة تنين شفاف بلون الأسترا، يرنّ في الفضاء حوله: — "مرة أخرى، نِيل\. ركّز على قلبك\. المانا تنبع من المشاعر العميقة\." نِيل رفع حاجبه، ثم تمطّى مثل قط كسول وقال: — "أشعر بمشاعر عميقة تجاه النوم، هل تحسب؟" آزورا تنهد، ثم ظهر أمامه بشكل أكثر وضوحًا\. — "تريد حماية والدك، أليس كذلك؟ حماية عمك، إخوتك؟ عليك أن تتقن المانا\!" نِيل طأطأ رأسه، تمتم بشيء خافت\.\.\. — "\.\.\.أريد فقط أن أعود\." آزورا توقف\. همس: — "ماذا قلت؟" لكن نِيل اختفى فجأة من الفراغ، ليعود إلى جسده في العالم الحقيقي\. المهجع – الفجر الباكر\. نِيل استيقظ وهو مطوي في حضن ليونيل، الدفء يحيط به من كل جانب\. كان رأسه مدفونًا تحت ذقن أخيه الأكبر، وذراعا ليونيل تحوطه بإحكام كما لو كان يحمي كنزًا\. ثم بدأ جسمه الصغير يرتجف\.\.\. أولاً همسة، ثم شهقة، ثم\.\.\. — "أريد بابا\.\.\." تمتمها نِيل بصوتٍ مبحوح، ثم رفع رأسه، الدموع تتقافز من عينيه الواسعتين\. — "بابا قال لي انه لن يذهب وأنا اريده\.\.\. أنا سيء\.\.\.\.\." — "نِيل\!" صاح ليونيل وهو يجلس بسرعة، يمسك وجه أخيه الصغير بين يديه\. اهتز جسده قليلاً\.\.\. ثم بدأ يرتجف\. همس بصوت متحشرج، متكسر: — "أريد بابا\.\.\." رفع رأسه نحو ليونيل، الدموع تنهمر من عينيه الواسعتين\. — "قال لي إنني لن أرحل\.\.\. ومع ذلك رحل\. لقد كذب علي\.\.\. أنه سيئ\." فزع ليونيل، رفع وجه نِيل بين راحتيه وقال بسرعة: — "أنه لم يكذب، يا صغيري\. لقد كنتَ شجاعًا\. ولو كان ابي هنا، لضمّك إلى صدره وقال لك إنه فخور بك\." لكن نِيل لم يجب، وبدلاً من ذلك بدأ بالبكاء الصامت\.\.\. بكاء يهزّ الجسد ويكتم الصوت\. — "لا أريد أن أكون قويًا\.\.\. أريد فقط حضنًا\." عانقه ليونيل بقوة، يهدّئه كما لو كان يحاول تثبيت روحه المبعثرة\. دخل أدريان الغرفة، حاملاً زجاجة حليب دافئة بين يديه\. تجمّد حين رأى المشهد، ثم زفر وهو يسكب الحليب في الرضّاعة السحرية: — "قلتُ منذ البداية\.\.\. نِيل لا يُناسبه التدريب في مكان كهذا\. الأرنب الإمبراطوري يجب أن ينام فوق وسادة والدي الإمبراطورية، لا في المهجع البارد\." جلس نِيل في حجر ليونيل، يرضع بصمت وعيناه دامعتان، خدّاه مورّدان من البكاء\. قال أدريان وهو يضع رأسه على الوسادة: — "ينبغي أن نعيده إلى القصر\. فليتدرّب هناك وسط الأزهار، لا بين الجليد والتنانين\." ربّت ليونيل على ظهر نِيل برفق، وأجاب بهدوء: — "أعلم\.\.\. لكن عليه أن يتعلّم قليلاً\. لا ليتحوّل إلى مقاتل\.\.\. بل ليحمي نفسه إن دعت الحاجة\." همس نِيل وهو يغمض عينيه: — "سأتمرّن\.\.\. لكن بعد الحليب\." ابتسم أدريان رغم ضيقه: — "صفقة عادلة\." وفي الزاوية، كانت ندف الثلج تهبط بصمت من خلف النافذة، فيما كان الليل يذوب ببطء، تاركًا خلفه دفء حضنٍ أقوى من أي مانا\. \-\-\- كان نِيل قد أنهى آخر رشفة من زجاجة الحليب، تنهد بعدها بارتياح، ثم تمسّك بليونيل أكثر، كأنما يخشى أن تذروه الرياح لو تراخى لحظة\. دفن وجهه أسفل ذقن أخيه، وتمتم بصوت ناعس: — "رائحتك\.\.\. تُشبه أبي\." ابتسم ليونيل ابتسامة بالكاد تشكّلت، ثم مرّر يده في شعره الفوضوي\. — "وأنت\.\.\. لا تزال ثقيلًا ككيس بطاطا فاخرة\." لم يُجب نِيل، إذ غلبه النعاس، وصار تنفّسه يتباطأ شيئًا فشيئًا\. لكن بعد دقائق\.\.\. تجهم وجه ليونيل\. رفع يده، ووضعها على جبين نِيل، فتوسعت عيناه بقلق\. — "إنه حار\.\.\.\!" تفحصه بسرعة: وجنتاه محمرّتان، أنفاسه صارت أثقل، وقطرات عرق خفيفة ظهرت على جبينه رغم البرد المحيط بهم\. — "اللعنة\.\.\. لا بدّ أن البرد أثّر فيه\." نهض أدريان على الفور حين لمح التوتر في وجه أخيه\. — "ما الأمر؟" أجابه ليونيل دون أن يرفع عينيه عن نِيل: — "حرارته مرتفعة\.\.\. لم يكن ينبغي أن نتركه في شرفة اليوم\." تغيّرت ملامح أدريان بسرعة\. التقط عباءته من الكرسي وقال بصرامة: — "سأجلب الطبيب\. دثره جيدًا، ولا تدعه يتحرك\." وما إن خرج أدريان حتى سحب ليونيل البطانية السحرية من جانب السرير، ولفّ نِيل بها بعناية\. همس له كمن يخشى أن يوقظه: — "أعتذر\.\.\. لم يكن عليك أن تمرض صغيري\." ثم مال إليه، ووضع قبلة خفيفة على جبهته المشتعلة\. — "فقط\.\.\. تماثل للشفاء، وسأتولى أنا أمر العالم\." وفي الخارج، بدأ الثلج يزداد غزارة، كأن السماء نفسها شاركت الأرنب الصغير وجعه\. \-\-\- في عمق الفراغ الهادئ، حيث لا زمان ولا مكان، استيقظ نِيل وسط سُحب من النور الناعم\. لم يكن يشعر بوزنه، ولا بجسده\.\.\. فقط دفء غامض يحتضنه\. رفع عينيه الصغيرة، فتوقّفت أنفاسه\.  امرأة تقف أمامه، شعرها أبيض كالثلج، طويل كالنور، يتماوج من حولها كأنه ضوء حي\. عيناها البنفسجيتان تُشعّان بحنانٍ عميق لا يُوصف، وعلى ظهرها\.\.\. جناحان من الضوء، ينبضان كنبض قلبٍ أمومي\. همس نِيل بصوتٍ مرتجف: — "أ\.\.\. أمي؟" وهرع إليها، فتلقّته في حضنها على الفور، كأنها كانت تنتظره منذ الأزل\. دفن وجهه في عنقها، وانهارت دموعه: — "أمي\.\.\. أنا خائف\.\.\. لا أريد أن أبقى بعيدًا\.\.\. أريد أبي\.\.\. أريد العودة\.\.\." شدّته إلى صدرها أكثر، وقبّلت شعره قائلة بصوت ناعم كالمطر: — "صغيري\.\.\. يا أرنبي اللطيف\.\.\. لقد كنت شجاعًا أكثر مما ينبغي\." رفع نِيل عينيه الدامعتين نحوها، وهمس بضعف: — "لماذا\.\.\. لماذا أنا ؟" ابتسمت إليانورا، وهمست وهي تمرر يدها فوق جناحها: — "لأنك ورثت دمي، دمي أنا\.\.\. دم الجنيات\. إخوتك\.\.\. ليونيل وأدريان\.\.\. فهما يشبهان والدك، من نسل الشياطين\." تسعّرت عينا نِيل بصدمة: — "شـ\.\.\. شياطين؟\! ليونيل؟ وأدريان؟\! لكنهم طيبون\.\.\.\!" ضحكت إليانورا برقة، تلك الضحكة التي تُذيب القلق: — "كونهم شياطين لا يعني أنهم أشرار، يا صغيري\. بل يعني أن لديهم قوّة عظيمة\.\.\. وقلوبًا عظيمة لحمايتك\." نِيل، وقد تراجع قليلًا في حيرة: — "لكن\.\.\. أنا لا أمتلك قرونًا\.\.\. ولا أجنحة سوداء\.\.\." وضعت يدها على قلبه، وقالت: — "لكنك تمتلك شيئًا أندر بكثير\.\.\. روح النور، ودم الجنيات\. شيء لا يُرى\.\.\. لكنه يُشعر\." ثم غرقت عيناها في سحب الذكرى، وهمست: — "حين كان ليونيل رضيعًا\.\.\. كان يبكي فقط إن تركته لدقيقة\. كنت أحمله حتى وأنا أتناول الطعام\." ضَحكت، ثم أكملت: — "وأدريان؟ كان أكثرهم عنادًا\. حاول مرة أن يزحف خارج القصر لأنه لا يريد الاستحمام\!" نِيل تمتم وهو يضحك وسط دموعه: — "حقًا؟" أومأت إليانورا، وضمّته بقوة: — "نعم، وقد أحبّوك كما لم يحبّ أحد شيئًا من قبل\. هم لا يقولونها كثيرًا\.\.\. لكن كل خطوة يخطونها، تكون لأجلك\." ثم نظرت إليه بحنان، وقالت: — "لكن حان الوقت، نِيل\.\.\. لتعرف حقيقتك\. ليس فقط من أنت، بل لماذا أنت\." نِيل تمسك بثوبها، وهمس: — "أمي\.\.\. لا تذهبي\.\.\." فأجابت، وصوتها بدأ يخفت مثل حلم: — "أنا معك دومًا، يا أرنبي\. في دمك، في نورك\.\.\. وفي قلبك\." واختفى كل شيء\. وانفتح نِيل عينيه فجأة، في أحضان ليونيل\.\.\. والدموع ما زالت على خديه\. \-\-\- كان رأسه مدفونًا في صدر ليونيل، الذي أحاطه بذراعيه كدرعٍ بشري، وعيناه لا تفارقان وجه نِيل\. همس بقلق: — "نِيل\.\.\. صغيري، اصمد قليلاً\.\.\. أنا هنا\." ثم بدأ الطفل يتلوّى بانزعاج، أنفاسه تتسارع، وجبهته تتصبب عرقًا\. — "آه\.\.\. لا\.\.\. لا تذهبي\.\.\." تمتم بكلماتٍ غير مفهومة، بينما قبض بضعفٍ على ثياب ليونيل، وكأنّه لا يريد أن يتركه\. في تلك اللحظة، فُتح الباب بسرعة، ودخل أدريان وقد بدا عليه التعب، خلفه طبيبٌ طويل القامة بلحية رمادية وسترة زرقاء مزينة برموز الشفاء الملكي\. — "جئت بأسرع ما يمكن\!" قال الطبيب وهو يفتح حقيبته السحرية\. أدريان اقترب ومال على السرير، نظر إلى نِيل وعضّ شفته: — "اللعنة\.\.\. جسده حارٌّ كالفرن\." ليونيل لم يحرّك يده عن رأس أخيه، وقال للطبيب بنبرة كادت تختنق: — "افعل شيئًا\. إنّه يحترق أمامي\." فحص الطبيب حرارة نِيل مستخدمًا بلورة سحرية صغيرة، ثم أغمض عينيه لوهلة، وبدأ يتمتم بتعويذةٍ خضراء انطلقت من يده إلى صدر نِيل\. — "ليست مجرد حمى عادية\.\.\. إنه تفاعل طاقي بين دمه ونظام المانا المحيط\. دمه يتحوّل\." أدريان اتسعت عيناه: — "يتحوّل؟ ماذا تعني؟" الطبيب تنهد: — "هذا الطفل\.\.\. ليس بشريًّا بالكامل\. جزءٌ من دمه يحاول الاستيقاظ\. مانا غير مستقرة، مصدرها على الأرجح\.\.\. دماء الجنيات\." ليونيل شهق ببطء، يضم نِيل أكثر إليه، يتمتم: — "كان يحلم للتو\.\.\. بأمّنا، أليس كذلك؟" أدريان جلس على حافة السرير، نظر إلى وجه نِيل المتعرّق، وهمس: — "نِيل\.\.\. أخبرنا فقط بما تحتاجه، وسنفعل المستحيل\." ثم صمت الجميع، سوى أنين الطفل الصغير\.\.\. ونبضات قلوبهم المرتبكة، تنتظر أن تمرّ العاصفة\. \-\-\- السماء فوق قلعة الظلال كانت قاتمة كحبرٍ سال من فمِ الليل\. وبين الغيوم المشقوقة، حلق كائنٌ ناري بجناحين من لهبٍ أزرق—العنقاء الأسطورية "أسترا"، التي لا يجرؤ أحد على النظر إليها دون أن تحترق روحه\. أعلاها، جلس أزرغيث\. شعره الأسود يتطاير بعنف، وعباءته الحمراء الداكنة ترفرف خلفه كصرخة حرب\. عيناه المتوهجتان تتجولان فوق مملكته — صامتة، خانعة، منحنية أمام ظله\. تنهد\. — "كل شيء في مكانه… ما عدا واحد\." \-\-\- في الداخل، داخل أحد الممرات السفلية لقصر الشياطين، كان داريوس، الصامت ذو الشريط الأسود على عينيه، يركع أرضًا، يمسح الزجاج المتناثر بعناية\. يده ارتجفت قليلاً، فانغرزت قطعة حادة في كفه\. قطرة دم سقطت\. ثانية\. داريوس لم يصرخ\. فقط رفع يده، ناظرًا إليها دون تعبير\. \-\-\- الباب ارتج فجأة، وصوت أجنحة أسترا اهتز في الأفق\. عاد أزرغيث\. لم يكن بحاجة ليقول شيئًا\. رأى الدم\. الصمت تكسّر\. — "ما هذا؟" قال بصوتٍ هادئٍ جداً… مخيفٍ جداً\. اقترب\. داريوس انكمش في مكانه، ينحني بسرعة، يخفي يده خلف ظهره\. لكن أزرغيث رأى\. صرير قبضته وهو يجز على أسنانه لم يكن سوى تمهيد\. صفعة\. ضربة بظهر كفه جعلت داريوس يرتطم بالحائط، يسقط أرضًا، يئن\. — "كم مرة قلت لك… لا تؤذِ نفسك؟\! جسدك ملكٌ لي\. ملكٌ لي، تفهم؟\!" ركل الطاولة المجاورة، فتناثرت الأوراق والكؤوس، وجثم فوق داريوس، يرفع وجهه من عنقه المربوط بشريط أسود\. — "إن لم أكن أنا من جرحك… فلا يحق لشيء في هذا العالم أن يفعل\." ثم\.\.\. سكن كل شيء\. تنفس أزرغيث يتباطأ، نظراته تتحوّل شيئًا فشيئًا من العنف\.\.\. إلى شيء أكثر جنونًا\. جلس أرضًا، سحب داريوس إلى حجره دون مقاومة، وبدأ يمسح الدم بيده العارية\. — "آه، داري… صغيري\. ما كنت لأؤذيك… لولا أنك أجبرتني\." انحنى عليه، قبل جبهته التي بالكاد تظهر من تحت الخصل الداكنة\. — "أنت لست خادمي\.\.\. أنت جوهرتي\." داريوس، المرتجف في حضنه، لم ينبس بحرف\. فأزرغيث استمر يهمس، يربت عليه، وكأنّ غضبه لم يكن، وكأنّ الدم لم يُسَل: — "داري\.\.\. داري\.\.\. داري\.\.\. داري\.\.\." كان يكرر الاسم كأنّه تعويذة، أو لحن قديم… أو لعنة\. \-\-\- في الخارج، كانت أسترا لا تزال تحلق، تراقب السماء\. أما في الداخل… فقد كانت هاوية من الجنون تمسك بأحدهم، وتبتسم\. الدم لا يزال طريًا على الأرض\.\.\. لكن يد أزرغيث الآن لم تعد تضرب، بل تُمَسِّد\. جلس القائد الأعظم، ملك الشياطين، على أرض القاعة الباردة، وداريوس بين ذراعيه، كدميةٍ مكسورة أعاد لملمَتها\. رفع يده، وبلمسة من ماناه السوداء المتوهجة، أغلق الجرح المفتوح في كف داريوس\. الأنسجة التحمت\.\.\. والألم تلاشى\. ثم انحنى أزرغيث، وببطءٍ غريب\.\.\. قبّل الخدّ الذي صفعه قبل لحظات\. شفتاه الباردتان مَرَّتا فوق الأثر الأحمر، كما لو كان يعتذر\. لكن الاعتذار\.\.\. ليس من سمات الملوك\. اعتدل بعدها، ونهض حاملاً داريوس بين ذراعيه\. سار به كأنّه لا يحمل سوى وسادة من ريش، وصعد الدرج الرخامي الذي يؤدي إلى عرشه الأسود\. جلس\. وضع داريوس في حجره\. ذراعه اليُسرى تلتف حول خصر داريوس، ويده الأخرى تداعب شعره، أصابعه تنزلق بين الخصل برفقٍ مريب\. أخرج سيجارًا فضيًا طويلًا من أحد جيوبه، أشعله بنقرة إصبع، ثم نفث الدخان باتجاه السقف، بينما عينيه تتوهجان بشيءٍ مظلم\. همس بصوتٍ خافت، كأنه يعترف بخطيئة: — "أكثر ما أكرهه في هذا العالم\.\.\. الجنيات\." نَفَس دخان آخر\. — "تلك العيون البنفسجية\.\.\. كأنها ترى ما في داخلك، كأنها تعرف كل شيء\.\.\. وتحتقرك\." سكت للحظة\. ثم مد يده\. أمسك وجه داريوس\. رفعه بلطف\.\.\. ثم نظر في عينيه المخبأتين خلف الشريط\. — "وعينك\.\.\. تشبههم\." شدّ على قبضته قليلاً\. داريوس لم يتزحزح\. ابتسم أزرغيث بسخرية مرّة، ثم أكمل: — "لكنّك لست مثلهم\. لأنك\.\.\. لي\." أطلق زفرة دخانٍ طويلة، ثم مرر إبهامه على وجنته\. — "أكره عينيك\.\.\. لكنّي أحبك، صغيري\." أغلق عينيه، واستند إلى ظهر عرشه، بينما لا يزال داريوس في حجره، كأنّه ملك مُتوّج على جرحٍ مفتوح\.\.\. ووَهمٍ يسمّيه حُبًّا\. \-\-\- كان الدخان لا يزال يتصاعد من بين شفتي أزرغيث، خيطًا رماديًا يلتف فوق رأسيهما كضباب خفيف\. داريوس مستلقٍ في حجره، وعيناه نصف مغمضتين\. جسده لم يعد يرتجف، لكنه كان يقظًا\.\.\. كأن روحه تنتظر صفعة جديدة، أو قبلة\. وبدون مقدمات، همس أزرغيث: — "هل أخبرتك… كم أكرههم؟ الجنيات\." صوته كان رخيمًا كغناء مكسور\. — "كائنات قذرة\. مخادعة\. يختبئون خلف نورهم الكاذب… بينما يزرعون السُمّ في القلوب\." أغمض عينيه لحظة، ثم تابع بنبرة مشحونة: — "أختي… كانت نقيّة\. كانت نوري الوحيد\. لكنّها اختارت جنيًا… سايلاس\." داريوس لم يتحرك، لكنه فكّر في صمت: \(هذه الحكاية مجددًا… إنه يرويها في كل ليلة تقريبًا\.\) لكن أزرغيث لم يكن يسردها هذه المرة كقصة\. بل كأنّه يغوص فيها من جديد\. — "قالت إنها تُحبه\. قالت إن جناحيه جميلان، وإن عينيه البنفسجيتين تُشبهان حلمًا\. حلم؟\! ها\. كل ما فعله ذاك القذر… أنه سرقها منّي\." كان يضغط على صدر داريوس برفق، كأنه يبحث عن قلبٍ يشبه قلب أخته\. ثم، فجأة، راح يُحرّك جسده بلطفٍ خافت… يُهدهده\. يداه الكبيرتان تحت ظهر داريوس، يهزّه ببطء، كما تهزّ الأم وليدها كي ينام\. — "هكذا كانت تفعل\. كانت تضع رأسي في حجرها، وتغني… وتقول إن العالم ليس مخيفًا\." ابتسم بمرارة\. — "لكن العالم مخيف\. والحنان أكذوبة\. لأن من تحبهم… يغادرونك\." داريوس، رغم ثقل الحمى في رأسه، شعر بأطراف أصابعه ترتجف، لكنه لم يتحرك\. ربما لأنه يعرف\.\.\. أن الحركة الخطأ الآن قد تجلب العاصفة من جديد\. همس أزرغيث أخيرًا، وعيناه تُحدقان في لا شيء: — "لن أغفر للجنيات\.\.\. ولا لسايلاس\. لكنك… أنت ستبقى\. أنت لست مثلهم\. أنت لي، داريوس\." ثم غمره بالصمت\.\.\. والوهم الذي يسميه حبًا\. كان القصر يلفه صمت ثقيل، لا يقطعه إلا صوت تنفّس داريوس الهادئ، مستلقياً بسلام مشوّه في حجر سيده\. أزرغيث ظل يربّت على شعره، بأنامل تحمل قسوة الحروب ووهج الجنون، يهمس بصوتٍ رخيم مشبع بالهوس: — "داريوس\.\.\. داريوس\.\.\. داري الصغير\.\.\." قبّل رأسه بخفة ثم همس، وعيناه تشعّان بوميض قاتل: — "أنت لطيف\.\.\. لطيف جدًا\.\.\. أحيانًا أنسى أنني أملكك، فأشعر بالرغبة في خطفك\." ثم فجأة\.\.\. انفتح باب العرش الكبير ببطء\. دخل الوزراء واحدًا تلو الآخر، رؤوسهم مطأطأة، وقلوبهم تقرع صدورهم كطبول الموت\. في المرة الماضية، كان الوزير الرابع قد اساء ل داريوس وجد رأسه مفصولًا عن جسده قبل أن يُكمل جملته\. الآن، لا أحد يجرؤ على رفع صوته\. أزرغيث لم يلتفت فورًا\. فقط راح يُمرر أصابعه في شعر داريوس النائم، ويهمس من جديد: — "سوف أقتلكم جميعًا\.\.\. لو أزعجتم نومه\." الوزراء تجمّدوا في أماكنهم\. حتى العرق خاف أن ينساب من جباههم\. ثم، بعد لحظة طويلة، رفع أزرغيث رأسه نحوهم، بعينين باردتين كجليد\. — "اجلسوا\. أريد أن أستمع إلى أكاذيبكم اليوم\." وبينما جلس الوزراء بتوتر فوق مقاعدهم، ظهر زالفان في الزاوية الخلفية للقاعة، يراقب من خلف أعمدة العرش\. كان في هيئة خادم بسيط، يحمل ملفات على ذراعه، ويُخفي عينيه خلف نظارة رمادية غير لامعة\. لكن أزرغيث لاحظه\. لم يكن شيء يفلت من عينيه\. توقّف عن التدخين، وأدار رأسه ببطء ناحية الظلّ، ثم ابتسم\. ابتسامة لم تكن تُبشّر بخير\. — "أوه\.\.\. أنت مجددًا؟" صوته حمل نغمة غريبة بين التسلية والريبة\. — "الخادم الجديد\.\.\. لقد بدأت أراك كثيرًا مؤخرًا، كأنك ظلّ يسير خلفي\." زالفان رفع رأسه قليلاً، وانحنى باحترام: — "مولاي، أنا هنا فقط لخدمتكم\." أزرغيث ضحك بخفة، ثم قال ببطء: — "هل تعلم\.\.\. بعض الظلال حين تكثر، تبدأ في التخفي عن الضوء\." ثم أشار إليه دون أن ينظر نحو الوزراء: — "اجلب لي النبيذ الأحمر\. لا ذاك المعتق\.\.\. بل الذي يُشبه الدم\. أريد أن أحتفل\.\.\. بانعقاد هذا الاجتماع دون جثة جديدة\. حتى الآن\." ارتجف الوزراء في أماكنهم\. وزالفان\.\.\. ابتسم بخفّة، ثم استدار لينفذ الأمر، وهو يُخفي خلف نظارته نظرة غامضة، يشوبها شيء من الحذر\.\.\. وشيء من النية\. \-\-\- داخل قاعة العرش، حيث الضباب الأحمر يزحف عبر الستائر الثقيلة، بدأ الاجتماع\.\.\. بصمت مشلول\. الوزراء جالسون حول الطاولة الطويلة المصنوعة من عظام تنين قديم، لا أحد منهم يجرؤ على التنفس بصوت عالٍ\. والسبب كان واضحًا: داريوس نائم\. ورأسه\.\.\. لا يزال في حجر ملك الشياطين نفسه\. أزرغيث جلس على عرشه وكأنه لا في اجتماع ولا في قصر، بل في غرفة طفلٍ مدلل\. يربت بخفة على شعر داريوس، يمسد خده، ويهز جسده الصغير بخفةٍ كأنما يطمئن أنه لا يزال يتنفس\. سيجارة سوداء تتوهج بين شفتيه، يطلق دخانها ببطء دون أن ينظر إلى أي من الحضور\. — "أوه\.\.\. لا تجعلوه يستيقظ\." قالها بصوت خافت، ثم أدار رأسه قليلاً نحو الوزراء، بابتسامة باردة: — "أنتم تعرفون ماذا سيحدث إن بكى\." كلهم تذكروا\. ذاك الوزير المسكين\.\.\. الذي سعل ذات مرة فأيقظ داريوس\. لم يُدفن أبدًا\. \-\-\- في الممرّات المظلمة للقصر، كان زالفان يسير بسرعة محسوبة\. خطواته لا تُصدر صوتًا، عينيه متوترتان\. تمتم لنفسه وهو يحمل قنينة النبيذ: — "هذا مكان لا يليق بي\.\.\. أنا مجرد خيال يتسلل بين الظلال، لا خادم بين وحوش\." ثم شدّ على قبضته\. — "لماذا\.\.\. أرسلني ريتشارد؟ أهذا انتقام؟ أم اختبار؟" تذكّر كلمات ريتشارد الباردة: \> "أنت الأفضل في التسلل بين الشياطين، أليس كذلك؟ إذن اذهب\.\.\. وراقب أزرغيث\. وإذا استطعت، عد حيًّا\." حيًّا؟ ضحك زالفان في نفسه وهو يدنو من قاعة العرش\. "لو عرفت أن داريوس وحده كفيلٌ بقتل مملكة كاملة لو بكى، ما كنت لأوافق\." \-\-\- عاد إلى القاعة، وفتح الباب ببطء، ثم اقترب ليقدم قنينة النبيذ\. أزرغيث لم ينظر نحوه حتى، فقط مدّ يده وأخذ القنينة، وسكبها في كأس أسود مرصع بالياقوت\. ثم، وأمام أعين الجميع، رشّ القليل من النبيذ على شعر داريوس كأنه يعمّده: — "دم الحياة\.\.\. لأجل أحلى لعنة وضعتها الجنيات في حضني\." أحد الوزراء تجرأ وقال بصوت خافت: — "مولاي، بالنسبة لقطاع الجنوب، هناك اضطرابات في التوريد\.\.\." أزرغيث، دون أن يلتفت: — "اقطعوا رؤوس التجار\." — "لكن يا مولاي، إنهم\.\.\." — "قلت: رؤوس\. تجار\. الآن\." الوزير بلع ريقه، وانكمش في كرسيه\. أزرغيث شرب رشفة طويلة من النبيذ، ثم انحنى يقبّل جبين داريوس، هامسًا: — "هل سمعت ذلك؟ العالم فوضى\.\.\. لكنك لست وحدك، صغيري\." ثم نظر إلى الوزراء أخيرًا\. عيناه\.\.\. كانتا تبتسمان، لكن بطريقة لا يعرفها البشر\. — "تابعوا، ولكن\.\.\. بهدوء\. إن صحا، فسوف أحول رؤوسكم إلى كؤوس لهذا النبيذ\." وبينما تتقدم الاجتماعات، وداريوس لا يزال نائمًا، كانت عين زالفان تراقب المشهد كله\. في عقله\.\.\. تساؤلات أكثر مما تحتمل أي ذاكرة\. وفي قلبه\.\.\. قلق لا يُشبه القلق\. "إلى متى\.\.\. سأظل داخل عشّ هذا الوحش؟"
rwzi_1