استسلم نيل أخيرًا للنوم، وقد نضب تمامًا من مقاومة ليستر ورضاعته المزعجة\. غطّ في نوم عميق، تنفسه المنتظم يملأ الغرفة بهدوء، وعيناه مغلقتان بإحكام\. لكن، ما إن غرق في النوم، حتى شعر بانجراف غريب\.\.\. كأن جسده يطفو بلا وزن، ثم فجأة انفتح جفناه ليجد نفسه واقفًا وسط فراغ هائل\. الضباب الكثيف يغمر كل شيء، لا أرض تحته، لا سماء فوقه\.\.\. كان يقف على العدم، الهواء من حوله ثقيل، وكأنه يغوص في مياه لزجة\. وفجأة\.\.\. ظهر أمامه شخص طويل القامة\. شعره الأسود الطويل ينسدل فوق جسده العاري، تغطيه عباءة سوداء ثقيلة بالكاد تحجب جسده المرن القوي\. عيناه الحمراوان الياقوتيتان تتوهجان وسط العتمة، تنظران مباشرة إلى نيل بنظرة حارقة\. عرفه نيل فوراً\.\.\. دون حاجة إلى شرح أو تعريف\. أزرغيث\. ملك الشياطين\. الكائن الذي كان ينبغي أن يستيقظ بعد عشر سنوات، لا بعد أشهر\! ابتسم أزرغيث ابتسامة خفيفة، باردة كالسيف، وهو يتقدم خطوة واحدة\. أرض الفراغ نفسها اهتزت تحت قدميه\. قال بصوت منخفض جهير، كل حرف منه وكأنه يطرق جرس الرعب في صدر نيل: "أخيرًا\.\.\. وجدتك\." تجمد نيل في مكانه\. قلبه كاد أن يقفز من صدره، أطرافه تخدرت، وبلع ريقه بصعوبة\. لكنه ـ بتلقائية سخيفة ـ رفع يديه وقال: "آآه\.\.\. أنت مخطئ بالشخص\! أنا مجرد أرنب صغير\!" أزرغيث رفع حاجبه، ببطء مخيف، ثم ضحك ضحكة خافتة وكأنها زئير بعيد\. "أرنب صغير\.\.\.؟" كرر كلماته بازدراء، قبل أن ينحني قليلًا حتى أصبح بعلو نيل تقريبًا، وتابع بصوت أخفض: "أنت الذي كسرت خيوط قدري\.\.\. أنت الذي غير مجرى الزمن\." تراجع نيل خطوة، محاولًا استيعاب الوضع\. لكنه قبل أن ينطق بكلمة، مد أزرغيث إصبعه، ولمس جبين نيل\. تدفق شعور مرعب عبر جسد نيل، وكأن نارًا باردة اجتاحت عروقه\. "لقد ربطت بيننا، شئت أم أبيت\." قال أزرغيث، وصوته يحمل نغمة وعد لا يمكن نقضه\. صرخ نيل داخليًا: \(متى ربطت بينا\!؟ أنا بالكاد أعرفك\!\!\) ثم فجأة، قبل أن يكمل صدمته، شعر بجسده يُسحب بقوة إلى الوراء\. بدأت صورة أزرغيث تتلاشى، وصدى ضحكته المخيفة يرافقه وهو يسقط في الفراغ الأسود مجددًا\.\.\. \.\.\.\.\.\.\.\.\. استفاق نيل فجأة، شهقة عالية خرجت من صدره الصغير، وجسده يرتجف بعنف\. عينيه امتلأتا بالدموع قبل أن تفيض على خديه، وانطلق يبكي بحرقة، كطفل فزع من كابوس مظلم\. ركض ليستر من ركن الغرفة فورًا، اقترب وجثا على ركبتيه أمام السرير وهو يهمس بقلق: "نيل\.\.\. نيل الصغير، ماذا هناك؟ أنا هنا، لا بأس\.\.\." مد ذراعيه واحتضنه بلطف، يحاول تهدئته وهو يربّت على ظهره\. لكن نيل، وقد غمره الخوف والارتباك، تمسك بثياب خاله بشدة، ودفن وجهه بصدره الصلب، دون أن يكف عن البكاء\. في تلك اللحظة، كان الإمبراطور ريتشارد عائدًا من اجتماع قصير، وما إن اقترب من جناح ليستر حتى التقط أذنه صوت البكاء المكتوم\. تجمد لثوانٍ، قبل أن ينفجر بالركض، دافعًا الباب بقوة\. "نيل\!\!" صوته عميق، مفعم بالقلق\. رأى ليستر يحاول تهدئة الطفل، والدموع تغمر وجه نيل الصغير\. تقدم الإمبراطور بخطوات سريعة، انتزع نيل برفق من أحضان ليستر، وضمه بقوة إلى صدره\. "ما الذي حدث؟\! هل تأذى؟\! هل أحد أزعجه؟\!" قالها بنبرة نارية، كمن يستعد لإعلان الحرب\. لكن ليستر هز رأسه بسرعة: "لا\.\.\. لا، جلالة الإمبراطور\.\.\. يبدو أنه مجرد كابوس\." احتضن ريتشارد نيل أكثر، وضع يده خلف رأسه يربت عليه برفق، وهمس قرب أذنه: "أنا هنا، نيل\.\.\. لا تخف، لن أدع شيئًا يؤذيك، صغيري\." استمر نيل بالبكاء لبعض الوقت، بينما الإمبراطور يهزه بخفة، يهمس بكلمات مهدئة، ويطبع قبلات صغيرة على شعره الناعم\. شعر نيل، وسط أحضان الإمبراطور، بالأمان يعود إليه شيئًا فشيئًا\. شهقاته خفتت، ودموعه بدأت تجف، وإن كان مازال متشبثًا بقوة بثياب الإمبراطور، كمن يخشى أن يضيع منه الملاذ الوحيد\. أمر ريتشارد الخدم بجلب مشروب دافئ مهدئ، وأصر على البقاء ممسكًا بنيل بنفسه\. جلس على الأريكة الكبيرة، ونيل بين ذراعيه، رأسه مستند إلى صدره، بينما ظل يمسح على ظهره ببطء\. همس ليستر وهو يراقبهم بنظرة هادئة: "لا بأس عليه الآن، لكنه بحاجة إلى الطمأنينة\.\.\. ربما قضاء الليلة بجانبك سيجعله يشعر بتحسن\." أومأ ريتشارد، ولم يجب سوى بعناق نيل أكثر دفئًا\. \(لن أتركك، حتى لو جاء العالم بأسره ضدي\.\) كان هذا هو وعد الإمبراطور في قلبه، وهو ينظر إلى طفله الصغير الذي يرتجف بين ذراعيه\. بينما هدأ نيل تدريجيًا في حضن الإمبراطور، كانت ملامح ريتشارد قد استعادت جزءًا من صلابتها\. ضيق عينيه فجأة، كأنه تذكّر أمرًا خطيرًا\.\.\. ثم وجه نظرة بطيئة وخطيرة نحو ليستر، الذي بدأ العرق يتصبب من جبينه\. "قل لي، ليستر، ما الذي كان يفعله أرنبي الصغير في جناحك؟" ابتلع ليستر ريقه ببطء، يحاول التراجع خطوة للوراء، لكن نظرة الإمبراطور كانت كالخنجر\. "جلالة الإمبراطور\.\.\. أقسم أنه كان مجرد وقت راحة\! لقد تعب قليلاً، فأخذته ليستريح\! كنت أطعمه فقط\!" ضاقت عينا ريتشارد أكثر، بينما رفع يده وصفع ليستر صفعة خفيفة لكنها كانت مليئة بالإذلال الإمبراطوري\. ثم أشار إلى رأس ليستر بحدة وضربه ضربة قوية بأصابعه، جعلت شعر ليستر يبعثر\. "أطعمه؟\! برضاعة؟\! في جناحك؟\! هذا خرق لقانون حماية الأرنبة الإمبراطوري رقم واحد\!" "آه\.\.\. أي قانون هذا؟\!" سأل ليستر بقلق\. "الذي سأكتبه بعد قليل، خصيصًا لهذا\!" قالها ريتشارد وهو يحدق به بنظرة تهدد بحرب شاملة\. ثم التفت للحرس الواقفين مشدوهين\. "خُذوه، سجّلوه بتهمة محاولة الاختطاف العاطفي، وتعريض الأرنب الإمبراطوري للخطر، وتأليب عاطفته نحوه\!" قفز ليستر فورًا وركع\. "لكنني خاله\! خاله بالدم\! أليس ذلك شفيعًا؟\!" أطلق ريتشارد تنهيدة عميقة، ورفع يده ببطء، ثم خفضها بتردد\. "لولا أنك خاله\.\.\. لكان رأسك معلقًا الآن فوق بوابة القصر مزينًا بشريط وردي\!" تراجع ليستر خطوة وهو يهمس لنفسه: "الشريط الوردي هو القاتل الحقيقي هنا\.\.\." ثم حدق الإمبراطور به لثانية إضافية، وعاد ليحتضن نيل الذي كان قد بدأ بالتسلية بميدالية على صدر والده\. حمله ريتشارد مجددًا وقال: "لن أتركك بعد الآن مع أحد\. حتى خالك هذا لن يراك إلا في حضوري\." قال نيل بصوت ناعس، وهو يتثاءب: "لكن خالي كان لطيفًا و شريرا \.\.\. و اشربني رضّاعة بنكهة لذيذه \.\.\." تجمّدت عضلات وجه الإمبراطور، وعلا الهدوء المكان\. "رضّاعة؟\!" قالها الإمبراطور وهو ينظر إلى ليستر كأنما حكم عليه بالموت من جديد\. تنحنح ليستر وقال بصوت خافت: "كانت جرعة مغذية\.\.\. فقط مغذية\.\.\." نظر إليه ريتشارد نظرة طويلة، ثم تمتم: "لقد تجاوز الأمر كل الحدود\.\.\. لعلنا بحاجة لقانون إضافي لحظر الرضّاعات كذلك\." ضحك ليستر ضحكة مكتومة وهو يهمس: "يا نيل\.\.\. يبدو أنك وقعت في ورطة دون أن تدري\.\.\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في صباح اليوم التالي، بعد ليلة من الغضب الإمبراطوري ، قرر الإمبراطور ريتشارد اتخاذ خطوة لا رجعة فيها\. كان نيل لا يزال نائمًا بعمق في حضنه، حين وقف ريتشارد بهدوء يحمله بين ذراعيه ككنز ثمين، واتجه نحو ، مكتبه الإمبراطوري المحصّن بأعاجيب سحرية، والذي لا يدخله سوى ريتشارد نفسه ومستشاره القانوني الشخصي – سيد النقاط والفواصل: الوزير أورفيوس\. دخل المكتب، جلس على عرشه الجانبي، مدّ نيل على أريكة صغيرة مخملية، ثم صرخ: "أورفيوس\! أحضر الريشة الذهبية ولفافة المراسيم الإمبراطورية\! آن الأوان لكتابة قانون جديد\!" دخل أورفيوس مسرعًا، وقبل أن يسأل حتى، بدأ ريتشارد بإملاء قانونه، بعينين تقدحان شرر العظمة: \-\-\- المرسوم الإمبراطوري رقم \(1223/مـ\): "قانون الحماية الشاملة للأرنب الإمبراطوري الملكي" باسم العائلة التي لا تغيب ، وبناءً على ما تقتضيه مصلحة الأمن العاطفي والسيادة العائلية، يصدر هذا القانون بحضور نيل ريتشارد أفيرون، المعروف بلقب "الأرنب الأولى والأخيرة": 1\. يُحظر منعًا باتًا بيع أو استيراد أو تفصيل أو ارتداء أي زيّ يحتوي على تصاميم أرانب، فساتين أو بدلات أو عباءات، تحت طائلة النفي من العاصمة\. 2\. يُعتبر نيل هو الأرنب الوحيدة في الإمبراطورية، وبذلك يُمنع استخدام لقب "أرنب/أرنبة" لغيره\. 3\. أي محاولة لتقليد شكل خدود الأرنبة الملكي تُعد جريمة تشويه لجمال القصر ويُعاقب عليها بالحبس أسبوعًا داخل غرفة وردية اللون\. 4\. يُنصّب الإمبراطور نفسه حاميًا أعلى لخدود نيل، ويُمنع أي شخص من عضّها أو قرصها إلا بإذن رسمي صادر عنه\. 5\. يُمنح نيل حقّ النقض لأي قرار حكومي إن صدر أثناء نومه\. الموقّع: الإمبراطور ريتشارد أفيرون \-\-\- أنهى أورفيوس الكتابة، وأخذ يقرأ بذهول، بينما كان صوت نيل يستيقظ خلفه: "ما هذا الهراء؟\! أيّ قانون هذا؟ من الذي يكتب قوانين بخصوص خدودي؟\!" رفع ريتشارد رأسه بسعادة، وتقدّم نحو نيل وقرص خده الأيسر بلطف، ثم عضّ خده الأيمن بشغف طفولي: "أنت كنت نائمًا حين صدر القانون، لذلك استخدمت حقّي بصفتي حامي الخدود الملكي\!" صرخ نيل: "توقف\! وجهي ليس وسادة قتال\! أنت مجنون\! مجنون تمامًا\!" ضحك الإمبراطور: "وهل هناك طريقة أجمل لأبدأ بها صباحي من عضّ خدودك المنتفخة؟" دخل الحرس بعدها يحملون نسخ المرسوم وبدأوا بتوزيعها على الوزراء الذين استُدعوا على عجل إلى قاعة العرش، ووجوههم بين ذهول وخوف وسخط خافت لا يجرؤون على التعبير عنه\. قال الوزير الأعظم وهو يقرأ: "هل… هل هذا قانون حقيقي؟ هل نمنع بيع فساتين الأرانب؟ هناك ماركات كاملة تعتمد على هذا التصميم\!" أجابه ريتشارد من فوق عرشه: "سيد الوزير، هل أرنبك أغلى من أرنبي؟" صمت الوزير وهو يتصبب عرقًا\. أعلن الحاجب بصوت مرتفع: "يُعلن حضر بيع بدلات وفِساتين الأرانب في الإمبراطورية بأسرها، ومن يخالف يُعاقب بعقوبة غريبة لم تُحدد بعد\!" ضحك ريتشارد وقال: "بل ستُحدد الآن: أي مخالف سيرتدي بدلة أرنب ورديّة لثلاثة أيام في ساحة العاصمة وهو يوزّع الحلويات للأطفال\!" صرخ نيل: "أنت لا تملك أدنى توازن\!" أجابه ريتشارد، وهو يعاود قرص خدّه: "بل أملكك أنت، وهذا كافٍ\." في قاعة العرش، وقف كايل، دوق جنوب، متنهداً وهو يواجه نظرات الإمبراطور الحادة\. ارتسم على وجهه توتر عميق وهو يحني رأسه قائلاً: "جلالة الإمبراطور، أرجوك أن تعيد النظر في قرار منع فساتين الأرنب\.\.\. روزاليا ما تزال طفلة، وقد تعلقت كثيراً بذلك الشكل لأنها تعشق الأمير نيل\." رفع الإمبراطور حاجبًا ببطء، وتقدّم خطوتين نحو كايل\. ساد صمت ثقيل في القاعة\. ثم قال بصوت بارد كالصقيع: "أتطالبني بالتنازل عن قانـونٍ صدر من أجـلي ومن أجل أرنبي؟ أأنتَ في وعيك، يا دوق؟" "جلالة الإمبراطور، إنها ابنتي،" قال كايل بتوتر، "ولا أقصد الاعتراض، لكنني فقط\.\.\. أرجو الرحمة من أجل طفلة\." شهق الحاضرون بصمت عندما تغيرت تعابير ريتشارد، وبدا كأنه على وشك إصدار حكم فوري\. "وقاحة\!" زمجر\. "أن تتوسل إليّ من أجل فساتين أرنب\! أي هراء هذا؟\! أرنبي لا يُقلَّد، لا يُنافَس، ولا يُلمَس رمزُه\!" في تلك اللحظة، كان نيل جالسًا على العرش الصغير المخصص له، وأخذ يتأفف قائلاً: "أبي، يكفي\. لا داعي للصراخ\.\.\. فساتين فقط، وليست إعلان حرب\." التفت ريتشارد إليه، وهدأ صوته فجأة\. اقترب من نيل وانحنى قليلًا وقال بنبرة درامية: "حسنًا، أرنبي\.\.\. إن كنتَ تُريد أن أصفح عن هذا الرجل الوقح\.\.\. فعليك أن تدفع الثمن\." ضاقت عينا نيل وهو يشهق: "ثمن؟\! أي ثمن؟\!" "قبلة\." صمت نيل لحظة، ثم تنهد وهو يقترب ويقبّل خد الإمبراطور بسرعة\. "هل انتهينا؟" تمتم نيل\. لكن ريتشارد لم يكتفِ، فقد بدأ بقرص خديه المنتفختين والعبث بشعره: "انتهينا من الدوق، لكن ليس منك\." ثم التفت إلى كايل، ورفع صوته: "عفوتُ عنك\.\.\. بأمر الأرنب الملكي \. لكن استمع جيداً: فساتين روزاليا يجب أن تُحرَق قبل غروب هذا اليوم، وإلا سأعتبر ذلك تمرداً على مرسومي\!" انحنى كايل بسرعة، وقال مرتجفًا: "أمرك مطاع، جلالتك\.\.\. وسأنفذ فوراً\!" بينما نيل يتلوّى ويقول: "كفى\! لقد تحولتُ إلى وسادة ملكية\!" ضحك الإمبراطور، ثم جلس وأجلس نيل في حجره، مستمرًا في عبثه، فيما الوزراء تبادلوا النظرات المرتبكة، وقد أدركوا أن من يملك قلب الإمبراطور\.\.\. يملك كل شيء\. \.\.\.\.\.\.\.\. بقي نيل وحده مع الإمبراطور ريتشارد في قاعة العرش بعدما انصرف الجميع، وسرعان ما استعاد الإمبراطور مزاجه المرح الذي لا يُطاق\. جلس على الأريكة العريضة وجذب نيل إلى حجره كما لو كان كنزًا شخصيًّا لا يُفرّط فيه\. امتدت يداه الكبيرتان إلى وجه نيل، وبدأت جولته المعتادة: قرص، ضغط، عض خفيف، ومصّ خده الممتلئ بطريقة جعلت نيل يئن\. "توقّف\! هذا مؤلم\!" تمتم نيل متذمّرًا، محاولًا دفع يد والده\. لكن الإمبراطور لم يكترث، بل راح يعجن وجنتي نيل بين راحتيه وهو يغمغم: "وجهك كالعجينة\.\.\. لا يُملُّ منه\.\.\. أرنبي اللذيذ\." "أنا لستُ عجينة ولا أرنباً\! يكفي\!" ضحك الإمبراطور بصوت رخيم، ثم قرّب نيل إليه حتى كاد يخنقه بعناق ثقيل: "إن لم تكن أرنباً، فلماذا لا أرى سوى الحلوى حين أنظر إليك؟" تنهد نيل، وقرر أن يصرف انتباه والده عن خدوده بأي وسيلة، فتذكّر فجأة أمر سيليا فون كايدن\. "بالمناسبة\.\.\. هناك أمر أردت طلبه\." ارتفعت حاجبا ريتشارد باهتمام: "أمر؟ وما هو؟" "أريد أن ترسل معلمًا ملكيًا لتدريب سيليا على السحر\. إنها بحاجة لذلك\." صمت الإمبراطور للحظة، وكأنه يزن الطلب في ذهنه، ثم اقترب وجهه من وجه نيل: "فقط إن وافقتَ على مناداتي بـ بابا بدلاً من أبي\. أريدها بصوتٍ ناعم\.\.\. لطيف\.\.\. كأرنب صغير\." احمرّ وجه نيل، وأشاح بنظره: "حقًا؟ هذا هو الشرط؟" "طبعًا\. لا شيء مجاني في هذا القصر\." زفر نيل، ثم قال بصوت خافت، محرج، وهو يشيح بعينيه: "\.\.\.بابا\." تهلّل وجه ريتشارد كما لو أُهدي مملكة كاملة، وقبّل جبهة نيل بقوة: "آه\! هذا هو\! والآن سأرسل أفضل ساحر في القصر لتلك الصغيرة المتجهمة\!" همس نيل وهو يمسح خده المبلل: "لقد بعتُ كرامتي مقابل معلم سحر\." ضحك ريتشارد مجددًا، وأمسك بخديه يعجنها بحنان: "وبعتَ روحي بأول بابا منك\." ثم أمر أحد الحراس بأن يُستدعى كبير أساتذة السحر الملكي فورًا، ليتم إرساله إلى سيليا فون كايدن\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. استمر الإمبراطور ريتشارد في العبث بخدّي نيل كما لو أنه أمام كنز لا يُملّ، يمصّها بلطف تارة، ويعضّها بخفة تارة أخرى، ثم يعجنها بكفّيه الكبيرتين وكأنه يشكّل قطعة حلوى لا يمكن الاستغناء عنها\. "كفى\! وجهـ\.\.\. وجهي ليس لعبة\!" صرخ نيل وهو يتلوّى تحت يده، يحاول الإفلات عبثًا\. لكن ريتشارد لم يأبه، بل قال وهو يضغط على خديه ويقرّبه منه: "هذا عقاب الأرنب الصغير الذي ناداني بابا مرة واحدة فقط\! أريد سماعها ثانيةً\!" وقبل أن يرد نيل، فُتح باب الجناح الملكي، ودخل رجل مهيب يرتدي رداءً أزرق غامقًا مزخرفًا برموز سحرية قديمة\. كان طويلاً ذا لحية رمادية مرتبة، وعينين باردتين فيهما بصيرة ساحر عتيق\. "جلالتك، حضرة الأمير نيل \.\. المعلم الملكي إلكسيوس في خدمتك\." توقف الإمبراطور مؤقتًا عن عبثه، ليتمالك المعلم نفسه وهو يرى مشهد الإمبراطور يعجن وجه نيل وكأنه يعجن الخبز\. جلس نيل على الأريكة وهو يحاول تصحيح هندامه، ثم نظر إلى المعلم بجدية تفوق عمره بكثير: "أيها المعلم إلكسيوس، ستذهب إلى جناح الاميرة سيليا فون كايدن\. أريدك أن تبدأ تدريبها على التحكم بالسحر الداخلي، التركيز، وفهم أصول التكوين السحري\.\.\. تدريبات نظرية وعملية، لكن برفق\." انحنى إلكسيوس وقال: "كما تأمر سموّ الأمير\." "سيليا ذكية لكنها عنيدة، لذا عاملها بثبات، ولا تترك لها فرصة للهروب من الحصص\. وأنا سأراجعك أسبوعيًا\." رفع إلكسيوس حاجبًا بدهشة: "تراجعني؟ شخصيًا؟" أومأ نيل بجدية، بينما عاد ريتشارد ليعانقه من الخلف ويمصّ خده المنتفخ مجددًا: "برافو أرنبي\.\.\. أصبح قائدًا صغيرًا\!" "بابااااا\! توقف، رجاءً\!" صاح نيل وقد احمرّ وجهه، وسط محاولة فاشلة لإبعاد رأس والده العملاق عن وجهه\. أما إلكسيوس، فقد انسحب بصمت وهو يفكر: "قائد يضع خطةً لساحرة صغيرة\.\.\. ووالده يعامله كدُمية قطيفة\.\.\. أي قصر هذا؟" \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. خرج إلكسيوس من الجناح الإمبراطوري بخطوات واثقة، لكن لم يكد يصل إلى الممر المؤدي لجناح سيليا فون كايدن حتى سمع صوت خطوات خفيفة تسرع خلفه\. "انتظر، أيها المعلم\!" التفت ليرى نيل يُسرع نحوه، ووجهه لا يزال يحمل آثار العبث الإمبراطوري: خده الأيسر محمر، وخصلات شعره متناثرة\. "سمو الأمير؟ ألم تقل إنك ستراجعني أسبوعيًا فقط؟" سأله المعلم بدهشة\. أجاب نيل بنبرة جادة: "غيّرت رأيي\. أريد حضور أول لقاء بنفسي\. سيليا\.\.\. لن تسهّل عليك المهمة، وأفضل أن أكون هناك لأضبطها إن حاولت شيئًا\." لم يجادله إلكسيوس\. فمن يملك هذا المزيج من الطفولة والهيبة، لا يُجادَل\. وصلا إلى جناح سيليا، وكان الحارسان أمام الباب يبدوان متفاجئين حين رأوا الأمير قادمًا بنفسه\. دفع نيل الباب، ودخل بثقة، بينما إلكسيوس تبعه بخطى هادئة\. كانت سيليا جالسة على الأريكة، تقرأ كتابًا سميكًا، وعندما رأت نيل، عقدت حاجبيها، ثم وضعت الكتاب جانبًا: "أوه\.\.\. أنت ثانية\." ابتسم نيل ببراءة مصطنعة: "كما وعدتك، أحضرت لك أفضل معلم في الإمبراطورية\." وأشار إلى إلكسيوس\. نظرت سيليا إلى المعلم الملكي دون اهتمام، وقالت ببرودها المعتاد: "وهل سيغيّر ذلك أنني لا أريد أن أتعلم؟" اقترب منها نيل، وجلس أمامها قائلاً بصوت منخفض لكن حازم: "ربما لا تريدين\.\.\. لكن يجب\. وإن كنت لا تهتمين بنفسك، اهتمي بسرّك\." سكتت سيليا لبرهة، ثم تنهدت: "حسناً\.\.\. فقط لا تتدخل\." ضحك نيل وهو يشير إلى كرسي قريب: "سأراقب فقط، لا تقلقي\." بدأ الدرس\. وقف إلكسيوس يشرح لها كيفية الشعور بتدفق المانا في جسدها، وأمرها بإغماض عينيها والتركيز\. أما نيل، فجلس يتأمل سيليا بهدوء\.\.\. لا كطفل، بل كمن يعرف أن أمامه مهمة طويلة، وربما\.\.\. بداية تحالف\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في قصر دوق كايل، علت رائحة دخان خفيفة، وتطايرت خيوط رماد ناعمة في الهواء من فناء القصر الخلفي حيث اشتعلت النيران بهدوء في موقد حجري ضخم\. كانت النيران تلتهم شيئاً ثميناً بالنسبة لصاحبتها الصغيرة — فساتين الأرنب الفاخرة، المطرزة والمصنوعة بألوان باستيل مبهجة، التي كانت روزاليا قد طلبتها خصيصاً لتتوافق مع ذوق نيل \. وقفت روزاليا عند حافة الفناء، عيناها دامعتان وهي تحدق في النار، ثم سقطت على الأرض بركبتيها، وتشبثت بتلابيب ثوب والدها وهي تصرخ: "بابااااا\! أطفئ النار\! لااااااااااا\! كانت فساتينيييييي\!" مسح كايل جبينه بتنهيدة ثقيلة، ثم انخفض إلى مستوى طفلته المدللة وربت على رأسها: "روزاليا، صغيرتي، هذه أوامر الإمبراطور\.\.\. لا يمكننا أن نعارضه وإلا—" "إذن هو لا يحبني\! ونيل أيضاً لا يحبني\!" قطعت حديثه بانفجار آخر من البكاء، وهي تضرب الأرض بيديها الصغيرتين، شعرها الاحمر القصير يطير في كل اتجاه من شدة انفعالها\. "أنا لست جميلة بدونه\! كيف سأتزوج نيل الآن؟\! أنا أريده، أريدهُ، أريييييد نييييل\!" ضربت الأرض بقدميها أيضاً هذه المرة، في مشهد جعل الخادمات يقفن في الزاوية متوترات، لا يعرفن هل عليهن التدخل أم ترك الصغيرة تعبّر عن فاجعتها الأرنبية\. جلس كايل بجوارها، واحتضنها بصبر، ثم قال: "سأشتري لك شيئاً آخر\.\.\. ربما فستان تنين؟ أو فستان فراشة؟" "لااااا\! نيل يحب الأرانب\! أنا سأكون أرنبة\! وسأتزوجه\! حتى لو اضطررت أن أهرب إلى القصر وأخطفه\!" اتسعت عينا كايل رعباً، وقال بسرعة: "لا، لا، صغيرتي، لا نحتاج إلى خطف أحد\! دعينا نهدأ، سنجد حلاً\.\.\. فقط توقفي عن البكاء\." لكن روزاليا، التي رغم أنها في السادسة إلا أن تصرفاتها ما تزال أقرب لطفلة في الثالثة، استمرت بالبكاء والعويل والركل، وهي تصرخ بجمل مبعثرة غير مفهومة عن نيل، الأرانب، الزواج، وحتى عن نيتها أن تعيش في بيت مصنوع من الجزر\. وفي أعماق قلبه، علم كايل أنه أمام مهمة مستحيلة\.\.\. إمبراطور غريب، أمير متقلب المزاج، وطفلة مدللة تريد ما لا يمكن أن تحصل عليه\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. حمل كايل ابنته الصغيرة بين ذراعيه، وهي ما تزال تنتحب وتصرخ، تضرب صدره الصلب بيديها الصغيرتين، تبلل سترته بدموعها وكلماتها المتلعثمة: "أريد نيييل\! أريد أن أكون أرنبة\! لن أرتدي فستان الفراشة السخيف\! نيل لا يحب الفراشات\!" هدهدها كايل بلطف، يمسح على شعرها الناعم: "هشش، صغيرتي، نيل ليس أرنباً حقيقياً\.\.\. هو فقط يحب الأرانب\. سنجد حلاً\.\.\. فقط توقفي عن البكاء، حبيبتي\." لكن الطفلة المدللة لم تكن تنوي التوقف\. حتى وهي بين ذراعي والدها، تابعت البكاء بوجه أحمر منتفخ، ودموع لا تنتهي، تارة ترفع رأسها للسماء وتصرخ، وتارة تغوص وجهها في عنق كايل وتئن بأنين مكسور كأنها فقدت أغلى كنز\.  وبينما كايل يحاول التماسك، انفتح باب القاعة بعنف، ودخلت زوجته، الدوقة ماريان دي أزرفال، بثوبها القرمزي الطويل، ونظراتها الحادة، تتطاير منها الشرر\. "ما هذا الجنون؟\! أسمع بكاءها من الطرف الآخر من القصر\!" تقدمت ماريان، نظراتها تنغرز في طفلتها الصغيرة، ثم وقفت بذراعين على خاصرتها، ونطقت بصرامة: "روزاليا، كفى هذا الهراء حالاً\! نيل أمير\! بل ابن الإمبراطور ذاته\! كيف تظنين أنك تستطيعين اللعب معه وكأنه دمية؟\!" رفعت روزاليا رأسها بوجه غاضب، عيناها الحمراوان من البكاء تلمعان بتحدٍّ: "لكنكِ لا تفهمين\! نيل يحبني\! قال إنني لست مزعجة\!" "قال ذلك مجاملةً\! لا أحد يقول لطفلة إنها مزعجة مباشرة\! أنتِ تسبّبين المشكلات لوالدك\! ولنا جميعاً\! نيل لا يحتاج إلى طفلة تركض خلفه بفستان أرنب\!" صرخت روزاليا بغضب أعلى: "أنتِ قاسية\! دائماً تكرهينني\! لا أحد يحبني\! فقط بابا يحبني\!" دفنت وجهها مجدداً في عنق كايل، وبدأت بالبكاء من جديد، فيما اتسعت عينا ماريان بصدمة من جرأة ابنتها، لكن كايل سارع بالتدخل وهو يربت على ظهر الطفلة: "أرجوكما، كفى\. ماريان، إنها ما زالت صغيرة\.\.\. و\.\.\. حساسة\." ثم التفت لابنته: "وحبيبتي، لا تصرخي على والدتكِ، إنها فقط قلقة عليكِ\." لكن روزاليا أطلقت شهقة كبيرة وهي تقول: "لن أحبها\! سأهرب\! سأتزوج نيل في قلعة الأرانب\!" ردّت ماريان ببرود: "إن تجرأتِ على الاقتراب من القصر الإمبراطوري بهذا الزي مجددًا، سأجعلك تنامين شهراً دون حلويات\." "آآآآآآه\! لاااااا\!" صرخت روزاليا كأن العالم قد انتهى، لتسقط على الأرض مجددًا، تبكي وتضرب بساقيها\. أغلق كايل عينيه وأطلق تنهيدة طويلة وهو يتمتم: "سأنام في المكتب الليلة\.\.\. بلا شك\." فجأة، انفتح بوابة الحديقة بهدوء، ودخل خادم إمبراطوري يرتدي زي البلاط الرسمي المطرز بالذهب، وانحنى أمام الدوق والدوقة باحترام، ثم مدّ يده حاملاً لفافة ممهورة بختم الإمبراطور نفسه\. قال بصوت رسمي: "معذرة على الإزعاج، حضرة الدوق كايل، الدوقة ماريان\.\.\. جئت حاملاً دعوة خاصة من جلالة الإمبراطور ريتشارد إلى حفلة الأُمسية الملكية التي ستُقام مساء الغد في القصر الإمبراطوري\. كما تحوي الدعوة اسماً إضافيًا\.\.\." رفع نظره مبتسمًا بخفة: "آنسة روزاليا \." تجمدت الدوقة، بينما رفع كايل حاجبه بدهشة، مأخوذًا بالمفاجأة\. "أمسية ملكية؟ في هذا التوقيت؟ أليست هذه الحفلات تحتاج إلى شهور من التحضير؟" ابتسم الخادم: "جلالة الإمبراطور قال بالحرف الواحد: ’فلتُجهّز، لدي بعض الأمور التي يجب أن\.\.\. أعالجها بنفسٍ مرحة\.‘" وفي الزاوية، كانت روزاليا تمسح دموعها بكمّ فستانها، وسرعان ما رفعت رأسها، عيناها تشعان ببريق غير مسبوق: "أنا؟ أنا دُعيت إلى حفلة ملكية؟ سأرى نيييييل؟\!" ركضت إلى الخادم، تكاد تقفز من الفرح، وأمسكت بطرف ردائه: "هل نيل سيكون هناك؟ هل تعلم؟ هل تعلم؟\!" انحنى الخادم بمجاملة، ثم قال: "جلالة الأمير نيل سيكون من الحضور الرئيسيين، والآنسة سيليا فون كايدن أيضًا، كونها ضيفة القصر منذ أسبوع\." على الفور، تغيّر وجه روزاليا من الانبهار إلى التحدي: "سيليا؟ تلك المدّعية؟ ممتاز، سأرتدي أجمل فستان أرنب في العالم\!" تبادل كايل وزوجته نظرة صادمة، وصرخت ماريان فورًا: "لا فساتين أرنب\! لقد حُظرت في كامل الإمبراطورية، بأمر من جلالة الإمبراطور نفسه\!" لكن روزاليا كانت قد ركضت بالفعل باتجاه غرفتها، تصرخ وهي تركض : "سأصنع واحدًا من الستائر إذًا\! سآتي ولو كنت ملفوفة بسجادة\!" تنهد كايل، واضعًا يده على جبينه: "وهكذا، بدأ الدمار\." في داخله، لم يكن متأكدًا: هل الإمبراطور حقًا أقام الحفلة من أجل اللعب مع ابنته؟ أم أنه يختبر نيل\.\.\. أو يختبر الجميع عبر هذه الطفلة المدللة؟ \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في الكهف القاتم ذي الممرات المعقدة والجدران المكسوة ببلورات سحرية متوهّجة بلون الدم، خرج أزرغيث، ملك الشياطين، من إحدى الغرف السرّية، عاري الصدر، وعباءته السوداء تتطاير خلفه مع خطواته الثقيلة\. كان شعره الأسود الطويل ينسدل كأفعى ملتفة على كتفيه، وعيناه الياقوتيتان تشعان بضوء جهنمي قاتم\. خلفه كان يسير خادمه الوفي داريوس، منكّس الرأس، وعيناه مغطاتان بالشريط الأسود كما أمره مولاه، لا يجرؤ حتى على التنفس بصوت عال\. توقّف أزرغيث فجأة عند شرفة تطل على الوادي الجحيمي الذي غطاه الدخان الأحمر، وتمتم بصوت بارد: "هذا العالم\.\.\. لا يزال يعتقد أنني في سبات\. فليستمروا بالرقص، حتى يُجتث الضوء الأخير من أعينهم\." اقترب داريوس من خلفه، راكعًا بصمت، ثم قال: "مولاي\.\.\. هل نبدأ بتفعيل طقوس العودة؟" أزرغيث لم يجب، بل التفت إليه فجأة وصفعه بنصل أصبعه الحاد، لتندفع قطرة دم من خد داريوس\. قال ببطء شيطاني: "أنت لا تتكلم إلا إذا سُئلت\. هل نسيت هذا؟" "أ\.\.\. أعذرني، مولاي\." همس داريوس وهو ينحني أكثر حتى لامس جبينه الأرض\. وفجأة\.\.\. في السماء فوق الشرفة، دوى صرير أجنحة عظيمة، وظهرت كرة نيران ضخمة تشع من بين السحب المظلمة\. انقسم الضوء، وانبعثت منه طائر أسطوري بجناحين يمتدان كأنهما يغطيان السماء\. هبطت بهيبة مُرعبة، ووقفت فوق حافة الشرفة، ريشها يتلألأ بدرجات من الذهبي والناري والبنفسجي\. كانت تلك هي: "إيستيرا، عنقاء النيران الملعونة\." عيناها كجمرة مشتعلة، وصوتها يتردد بصدى ناري: "مولاي أزرغيث، استيقاظك رجّ الأرض حتى بُعد النسيان\. لقد بدأت أرواح الشياطين تُدرك\.\.\. أن الزمن قد عاد إليك\." ابتسم أزرغيث، ابتسامة شرّ لا تعرف الرحمة، وقال وهو يخطو نحوها: "إيستيرا\.\.\. طائرتي الجميلة، أيتها النار المشتعلة\.\.\. لقد حان وقت الحرب\." انخفضت إيستيرا، وتحولت إلى هيئة امرأة بملامح شرسة وريش يكسو كتفيها، وانحنت أمامه بركبة واحدة: "أمرك، سيدي النور المظلم\." قال أزرغيث بنبرة مخيفة: "سنبدأ من الشمال\.\.\. وأريد نيل\. الطفل\.\.\. الذي يعبث به الإمبراطور\." وهنا التفت إلى داريوس وأكمل: "أرسل عيون الظلال\.\.\. كل من رأى نيل، يتبعه\. لقد حان الوقت\.\.\. لنكسر التوازن\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في الجناح الإمبراطوري المخصص لاجتماعات العائلة، جلس الإمبراطور ريتشارد خلف مكتبه الفخم، فيما وقف أمامه ولديه الكبيران ليونيل وأدريان بوجوه مشدودة وعيون تتوهج بجدّية غير معتادة\. قال ليونيل، بصوته العميق المعبّر عن توتر دفين: "جلالة والدي\.\.\. لقد بدأنا نشعر بتقلبات في الطاقات المحيطة\.\.\. شيء مظلم، أقرب إلى الطاقات الشيطانية القديمة\." أكمل أدريان، وقد وضع يده على صدره: "خلال تدريبي مع معلمي ، شعرت باهتزاز غريب في التوازن السحري\.\.\. كأن شيئًا ما يُسحب من الأعماق\." أغمض ريتشارد عينيه للحظة، ثم تنهد ببطء وقال: "الدم لا يخطئ\.\.\. أنتم من سلالتي، ومن الطبيعي أن تشعروا بذلك\." ثم رفع رأسه وأمر بهدوء قاتل: "نادوا زالفان\." وبعد لحظات، دخل زالفان، الشيطان المقيّد بعقد مع الإمبراطور، والذي بات خادمًا لنيل مكرهًا\. عيونه القرمزية كانت موجهة نحو الأرض، وجسده متوتر رغم محاولاته التماسك\. قال ريتشارد بحدة وهو يحدق فيه: "زالفان\.\.\. قل لي بصدق، هل استيقظ ملك الشياطين؟ هل تحرك أزرغيث من شرنقته؟" تردد زالفان، ثم انحنى قليلًا وقال بلهجة مراوغة: "مولاي، من المبكر الجزم بذلك\. قد تكون طاقة متبقية من قوى قديمة، أو مجرد تفاعلات من—" لكن قبل أن يُكمل، تقدم ليونيل بسرعة، وقبض على عنقه، ورفعه قليلاً عن الأرض، ثم صفعه بقوة حتى سقط على ركبتيه\. "لا تماطل، أيها الخائن\!" صرخ ليونيل، وصوته يدوّي في الجناح\. صرخ زالفان متألمًا، واضعًا يده على وجهه: "أرجوك، سمو الأمير\! توقف\! أنا مقيد بقسم\! إنني لا أستطيع الإفصاح إلا بإذن من سيدي\!" نهض ريتشارد من مكانه، وتقدم ببطء، ثم وضع يده على كتف ليونيل وقال بهدوء قاتل: "دعه\. هو لا يستطيع الكذب، لكنه يعرف كيف يدور حول الحقيقة\." ثم نظر إلى زالفان بحدة: "هذا القسم\.\.\. لمن أعطيته؟ لي أم لنيل؟" تردد زالفان للحظة، ثم تمتم: "لسيدي نيل\.\.\. لقد أقحمني في دائرة الربط بحيله الصبيانية\.\.\." ضحك أدريان ساخرًا، وقال: "يبدو أن أخانا الأصغر بدأ يتقن فن السيطرة\." ارتفعت حاجب ريتشارد بابتسامة صغيرة، ثم قال: "جيد\.\.\. إذًا نيل وحده من يمكنه انتزاع الحقيقة منك\." ثم التفت إلى أبنائه وقال: "راقبوا بوابات المملكة، وأعيدوا تنشيط أختام الحماية القديمة\. فإن أزرغيث قد استيقظ بالفعل\.\.\. فنحن على أعتاب حرب لا تشبه أية حرب من قبل\." خرج زالفان من جناح الإمبراطور بخطى ثقيلة، واضعًا كفه على وجهه حيث صفعه ولي العهد ليونيل\. كان الألم يتردد في وجهه، لكنه لم يكن ليضاهي الإذلال الذي تجرّعه، أو الرهبة التي نبتت في صدره\. وما إن ولج الرواق الطويل المؤدي إلى الجناح الجنوبي، حتى توقّف فجأة\. كان نيل واقفًا هناك، بثوبه الأرنبي الأبيض، وأذناه الطويلتان تتمايلان فوق رأسه، كأنما خرج من قصة خرافية\.\.\. غير أن تعبيره كان ناريًّا\. قال نيل بصوت غاضب، وذراعه الصغيرة مشبوكة على صدره: "زالفان، ألم أحذّرك من إبلاغ والدي؟ لقد خنت ثقتي، وسوف تندم على هذا\." رفع زالفان كفّيه متراجعًا خطوة: "مولاي نيل، لم أقصد\.\.\. أقسم أنني—" لكن نيل لم يُمهله، بل اندفع نحوه وغرز أسنانه في يده\. "آه\! مولاي، مولاي\! تمهّل، هذا مؤلم\!" صاح نيل وهو يركض مبتعدًا: "هذا عقابك، وستتعلّم أن لا تكذب عليّ\!" كان صوت حذائه المصنوع من الجلد الممسوح يصدر طقطقات رنانة كلما وطئ أرض الرواق، ذاك الحذاء الذي اضطر الإمبراطور ذات مرة إلى استدعاء كبار السحرة لإلقاء تعويذة عليه ليُصدر ذاك الصوت "الملكي" عند المشي، بناءً على رغبة نيل\. دفع نيل باب المكتب الإمبراطوري بقوة، فرفع الإمبراطور ريتشارد رأسه وابتسم، فقد عرف الآتي من وقع خطواته\. قال مبتسمًا وهو يمدّ ذراعيه: "ها هو أرنبي الغاضب\.\.\. تعال إليَّ\." قفز نيل إلى حجر والده وألقى بنفسه في حضنه، ثم دفن وجهه في عنقه\. "لقد وشى بي زالفان، يا أبي\! لقد خُنتُ ثقته، ومع ذلك هو من خانني\!" ضحك الإمبراطور، وربت على رأسه بلطف: "أتريد أن أعدّل في عقد خدمته ليُطيعك دون شرط أو قيد؟" رفع نيل رأسه وحدّق بعينيه الواسعتين ثم تمتم: "ربما\.\.\. ولكنني أطلب شيئاً أهم أولًا\." "وما هو؟" "أريد الكريمة\.\.\. تلك التي تخبئونها عني في مطبخ القصر\." ضحك ريتشارد وقال وهو يقرص خدّ نيل: "ألا تكفّ عن التوسّل بهذه الطريقة؟ كلما عضضتك أو قرصتك تتدلّل أكثر\!" "هذا لأنني أحب أن أكون مدلّلك وحدك يا أبي\." "بل نادني بابا، كما اعتدنا حين كنتَ رضيعًا\.\.\. أفعل، وأسمح لك بالحلوى\." رفع نيل حاجبيه بدهشة مصطنعة ثم ابتسم: "حسنًا\.\.\. بابا، أرجوك، الكريمة تناديني\!" قال الإمبراطور وهو ينهض حاملاً نيل: "اذهب، ولكن تذكّر، أرنبي المدلّل لا يجب أن يُفرط، وإلا انفجرتَ من السكر\." من بعيد، كان ليونيل يراقب المشهد ويتمتم: "هذا الطفل متناقض، بالأمس كان يبكي ويرفض ارتداء هذا الزي الأرنبي، واليوم يتدلّل به وكأنّه تاج الإمبراطورية\!" ردّ عليه أدريان مبتسمًا: "بل هو تاج والدي، وملك قلبه بلا منازع\."
rwzi_1