سقوط الفأر وابتسامة وحش

سقوط الفأر وابتسامة وحش

20 0

في الرواق المعتم خلف الباب، ظل زالفان متجمدًا في مكانه، يحبس أنفاسه، يطالع ظلال الوزراء على الأرض، وارتجاف أكتافهم بعد مشهد القتل\. لكن ما لم ينتبه له… هو شفته\. نعم، شفته التي بدأ يعضّها توترًا، حتى سال منها الدم، وقطر على الأرض\. قطرة… ثانية… وفي القطرة الثالثة، صدر صوت خافت: "تَطَط"\. كفى ليوقظ الرعب\. داريوس التفت أولًا\. ثم أزرغيث\. ثم… انفتح الباب فجأة، وسقط زالفان أرضًا بكل مجده، نصف جسده بالهواء، والنصف الآخر متدلٍّ من العتبة، وساقه مربوطة بحزام السيف الذي تعثّر به\. رفع رأسه ببطء، رأى عشرين وزيرًا يحدقون فيه، وداريوس شاحب الوجه، وأزرغيث… يبتسم\. ابتسامة بلا حرارة\. بلا رحمة\. بلا معنى واضح\. — "أوه؟ فأر صغير… يُراقبني؟" نهض زالفان كمن صُفع، ثم انحنى فجأة بقوة: — "أ\-أعتذر\! كنت فقط… أبحث عن… عن المطبخ، نعم\! قالوا لي إن شوربة اليوم تقدَّم للعمّال الجدد—" — "أحسنت\." قاطعه أزرغيث وهو يقف ببطء، داريوس ما يزال في حجره، يراقب المشهد بلا تعبير\. — "أحسنت التمثيل\. ممتاز\. ولكن للأسف… أذناي اعتزلتا التصفيق\." ثم نظر إلى داريوس، وقال: — "يكفي دلعًا\. عد إلى عملك\." ودفعه بخفة من على حجره\. داريوس قام دون كلمة، وانسحب إلى الممر الجانبي بصمت مطبق\. أما أزرغيث… فتقدم ببطء نحو زالفان، وأمسك بطرف ردائه، وهزّه قليلًا\. — "أتعرف ما أكرهه أكثر من الجواسيس؟" زالفان هز رأسه بسرعة: — "لا، مولاي\!" — "الحمقى المتوترين\. أولئك الذين يفضحهم عَرَقهم قبل لسانهم\." ثم وضع كفه على كتف زالفان، وضغط قليلاً، وقال بابتسامة ساخرة: — "لكنك لست مهمًّا بما يكفي لأُقتلك\." ثم أشار إلى بقع الدم التي بقيت من انفجار فالتر، والأشلاء المبعثرة بين البلاط والعواميد: — "نظّف هذا\. الآن\. إن بقي أثرٌ واحد حين أستيقظ من قيلولتي… فسوف أستخدمك كممسحة في الاجتماع القادم\." زالفان انحنى حتى كاد أن ينكسر نصفه: — "أمرك… أمرك يا مولاي، فورًا، سيدي\!" أزرغيث رفع ذراعيه، تمدّد بكسل أمام الجميع، ثم أعلن: — "أنا ذاهب للنوم\. أيقظوني فقط إن اندلعت حرب أو حدث شيء لداريوس\." وغادر القاعة كما دخلها: في صمت بارد… وابتسامة لم تُفكَّ شيفتها بعد\. الوزراء ظلّوا واقفين، لا يجرؤون على التنفس\. أما زالفان… فأخذ دلوًا وخرقة، وبدأ بمسح البلاط\. يده ترتجف\. لكن على وجهه… ظهرت ابتسامة صغيرة، غريبة\. "لقد نجوت\." أو… ربما لا\. أكاديمية الشمال العليا – الساحة الشرقية، لحظة الوصول كانت الثلوج تهطل بهدوء كأن السماء تحاول تغطية العالم ببطانية صمت\. ومع أول خطوة لهم خارج عربة ، ارتجف نِيل بشدة، فغطّاه ليونيل فورًا برداءٍ دافئ، يكاد يحوله إلى كومة صغيرة من الصوف المتحرك\. — "توقف لحظة\.\.\. البرد هنا قاسٍ\." قالها ليونيل وهو ينزل على ركبته، يلف نِيل بإحكام كأنما يخشى أن يتسلل الهواء لعظامه\. نِيل رمش بعينيه، ارتجف مرة، ثم فجأة\.\.\. بدأ يضحك\. — "الثلج\! التلججج\! أنظر يا ليو، أبيض في كل مكان\!" أدريان، الذي كان يجرّ حقيبة ضخمة خلفه، تنهد وهو يهز رأسه\. — "قبل دقيقتين كان يبكي لأنه بردان\. الآن صار مهرج القطب\." ليونيل ابتسم، وحمل نِيل على كتفه، ثم قال وهو يتأمل بوابة الأكاديمية الضخمة: — "نحن هنا\. بداية جديدة، و… كثير من البطانيات\." لحظة الدخول دوّى صوتٌ عميق من أعلى الدرج الرخامي: — "قفوا هناك\." ظهر رجل طويل، نحيف كالمسطرة، معطفه الرمادي يهتز مع الريح، وحاجباه الأبيضين كأنما مخلوقان مستقلان عن وجهه\. — "أنا مدير الأكاديمية، سارجيوس هيمورا\. أنتم تأخرتم ثمان ثوانٍ\.\.\. مقبول، لكن مؤسف\." أدريان همس لليونيل: — "هل هو إنسان أم شجرة صنوبر بملامح بشرية؟" ثم تمتم \("الوصول إلى الشمال\.\.\. والمدير ذو الحاجب المتجمد"\) سارجيوس نزل بخطوات ثابتة، وتوقف أمام نِيل، الذي كان لا يزال ملفوفًا حتى أذنيه\. — "هذا هو… الأمير؟" قالها كمن يشك أن تلك الكرة الصوفية يمكنها التنفس\. ليونيل وضع نِيل على الأرض بلطف، وقال بهدوء: — "اسمه نِيل\. لا يحب الألقاب… لكنه يحب البطاطا المقلية، والبطّات الصفراء\." نِيل نظر إلى الرجل بتحدٍّ، ثم أشار لحاجبه الأبيض وقال: — "شعر كتيررر هنا\. إنت تنين ثلج؟" سارجيوس لم يرمش حتى\. ثم أخرج من جيبه مرآة صغيرة، نظر إلى حاجبه الأيسر، وقال بفخر: — "طبقة الحماية الشتوية\. مرخّصة دوليًا\." ثم فجأة، جثا على ركبتيه، ومد يده الصغيرة نحو نِيل: — "أهلاً بك، صغيري\. حضنك هو أقدس مناصب هذه الأكاديمية\." أدريان تمتم: — "ما هذا؟ هل نحن في طائفة دينية سرّية؟" سارجيوس اعتدل، ثم التفت إلى ليونيل بنبرة جديّة: — "غرفته جاهزة\. عازلة للمانا، دافئة، تحوي سريرًا محشوًا بريش العنقاء الرمادي\. حمامه يحتوي على ثلاث بطّات\. واحدة تطفو\. واحدة تصدر صوتاً\. والثالثة… تُغني\." نِيل صرخ من خلف ليونيل: — "أغني\! أغني أنا ايضا\!" ثم بدأ يدوّر نفسه ككرة مهووسة\. ليونيل ضغط على جبينه، وقال: — "سيحتاج إلى وقت طويل قبل أن يتصرف كأمير\." المدير هز رأسه ببطء، ثم قال: — "لا بأس… الأكاديمية هنا لتعليم السحر، والانضباط، وأسرار الحياة… وأيضًا طرق التعامل مع قنابل بشرية صغيرة ذات مزاج متقلب\." ثم أشار لهم بالدخول\. الانتقال إلى الداخل بينما كانوا يعبرون البوابة الداخلية، التفت سارجيوس نحو السماء، وقال بصوت خافت: — "ها قد بدأ الفصل… الذي لن يُنسى\." ثم أخرج من معطفه دفترًا صغيرًا وكتب: \> "اليوم الأول\. الأمير نِيل أشار إلى حاجبي\. أعتبرها بداية موفّقة\." \-\-\- وقف المدير سارجيوس هيمورا وحده عند بوابة الأكاديمية بعدما دخل الثلاثة، ولفّ الوشاح الرمادي حول عنقه ببطء\. ثم تنهد تنهيدةً طويلة كمن حمل على عاتقه جبال الشمال كلها\. — "اللهم الطمأنينة\.\.\." تمتم، ثم رفع نظره نحو السماء البيضاء المتلبدة، وقال بمرارة: — "ريتشارد، أيها الجاحد… وعدتني أن تُرسل طلابًا\. لا أن تُرسل ذرّية من الهمّ المغلف بالبطاطا والدموع\." استخرج من معطفه خطابًا مطويًّا، وقد طُبع عليه ختم الأمير الإمبراطوري، وقرأ منه بصوتٍ منخفض: \> "أثق بك، يا سارجيوس\. سيصل أبنائي الثلاثة تباعًا، وأولهم نِيل\. اعتنِ به، ولا تدعه يتعرض لنقطة أذى واحدة… أو أقسم أنني سأجعل من حاجبيك أعمدة لبوابة الجنوب\." طوى الورقة ببطء، وأعادها إلى جيبه، ثم غمغم: — "لا بأس\.\.\. أرنب صغير\. قلب هش\. ولغة أقرب إلى التعاويذ الغامضة\. أتساءل فقط… كم دمعة سأشربها هذا الشتاء؟" ثم استدار ونادى: — "ليونيل، تعال معي\. سأريك الجناح الخاص بكم\." داخل المبنى، الطابق الخامس الجدران كانت مغطاة برخامٍ أزرق، تتوهج فيه خطوط سحرية بلون الثلج\. فتح المدير بابًا مزدوجًا ضخمًا، كُتب عليه بالمانا: جناح الضيوف الملكي – القسم الشتوي\. قال بهدوء: — "هنا ستقيمون \. الغرف مضادة للرطوبة، والأسِرّة مدفّأة، وكل طابق يحوي جهاز تنبيه في حال\.\.\. خرَج شيء عن السيطرة\." ليونيل تنهد، ثم ألقى نظرة على الغرف\. — "سيحب نِيل هذا المكان\. خصوصًا إن وجد شيئًا يحاول التهامه\." سارجيوس هزّ رأسه ببطء، كأن هذا السيناريو معتاد: — "لذا خزّنا بطاطا مطهوة في ثلاث زوايا من المبنى\. أشياء غير قابلة للاشتعال… حسب توصية والدك\." ثم أشار إلى الباب وقال: — "اذهب، رتّب حاجياتكم\. وسيأخذ أدريان نِيل لتناول الغداء\." في الأسفل – صالة الطعام الرئيسية أدريان كان يحمل نِيل على كتفه، بينما الأخير يغني بصوتٍ متقطع: — "أنا أرنب أرنب أرنبووو\! والبطاطا صديقتي المفضلة\!" دخلوا الصالة الواسعة، والتي كانت خالية إلا من طاولة طويلة تُمدّ عليها صحون ساخنة ينبعث منها البخار\. نِيل انتفض من فوق كتف أدريان، وقفز على الطاولة – أو كاد يسقط لولا أن أمسكه في اللحظة الأخيرة\. قال أدريان بضيق: — "رويدك يا ارنب\. لسنا في غابة ولا حلقة رقص شعبي\." لكن نِيل لم يستمع، كان مشغولاً بمطاردة حبة بازلاء هربت من الصحن\. أدريان جلس على الكرسي، يسكب الحساء بهدوء، ثم همس: — "لا بأس\. سيعتاد المكان… وسأعتاد عليه\." نظر إلى نِيل، الذي أمسك رغيف الخبز كأنه كنز أثري، وبدأ يعزف عليه كطبلة\. تنهد أدريان: — "أو\.\.\. ربما لا أعتاد\." بعد أن فرغت الصحون، وامتلأت البطون، جلس نِيل على ساقَي أدريان كقطٍّ شبع لتوّه من وعاء كريما\. رفع وجهه الصغير، وعيناه تلمعان ببريقٍ لا يُقاوَم، ثم قال بصوتٍ خافت: — "أخي أدريان\.\.\. أنت لذيذ\." أدريان جَمُد في مكانه\. — "تعني\.\.\. ماذا؟" ابتسم نِيل، ثم مدّ ذراعيه ليحيط عنق أخيه ببطء، قبّله قبلةً صغيرة على وجنته، ثم همس: — "شكرًا لأنك أطعمتني\. أحبك أكثر من البطاطا\.\.\. قليلاً فقط\." كاد قلب أدريان أن يذوب\. — "قليلاً فقط، هاه؟ سأقبل بهذا الشرف\." ثم نهض، حاملاً نِيل على كتفه كحزمة قطن\. — "هيا بنا إلى الأعلى قبل أن تدخل في سبات بطاطي\." في الجناح الملكي – بعد قليل كان ليونيل قد أنهى ترتيب الحقائب بدقة عسكرية، حتى أن الجوارب مُصنّفة حسب درجة حرارتها المناسبة\. فرش البطانيات، عطّر الغرف بروائح مهدئة، وخصّ نِيل بركن مليء بالوسائد المحشوة على شكل ارانب مبتسمة\. فتح الباب، فدخل أدريان وهو يحمل نِيل المتدلّي مثل خرقة رطبة، وقد بدأ يهمهم أغنية غير مفهومة عن "البطاطا الزرقاء الأسطورية"\. قال ليونيل بابتسامة: — "جيد\. الآن حان وقت الاستحمام\." — "لااااا\!" صرخ نِيل ببطء، وكأنه يعلن نهاية العالم\. — "أجل أجل، سيدي الأرنب الصغير\. العالم لن ينقذ نفسه وأنت برائحة الحساء\." حمله ليونيل بذراعيه، ودخل به إلى الحمّام\. استعمل الماء الفاتر، والرغوة المعطّرة برائحة الفانيلا، بينما نِيل يغني بين الحين والآخر، ويصنع فقاعات يصفها بأنها "جنود إمبراطوريون يحرسون الحوض"\. بعد الاستحمام، لفّه ليونيل بمنشفة سميكة، ثم ألبسه أفرهول قطني بلون الأخضر الفستقي، مرسوم عليه أرنب صغير يحمل سيفًا\. — "ها أنت ذا، يا فارسنا الارنبي\." حمله، وقبّله على جبينه بلطف، ثم بدأ يهدهده بين ذراعيه، يدندن بلحنٍ هادئ كأنما يُغنّي للثلج كي ينام\. حينما بدأت عينا نِيل تثقلان، وضعه على السرير الصغير المحاط بالحواجز، وسحب عليه البطانية، ثم فعل ما لا ينساه أبدًا: فتح مدفئة الأرنب، التي تنفث هواءً دافئًا ومعطرًا\. وقف للحظة يتأمل ملامح نِيل الصغيرة، ثم همس: — "نم بسلام\.\.\. لن يمسك سوء، لا في هذا العالم، ولا في غيره\." بعد نصف ساعة – في الشرفة الداخلية للجناح جلس ليونيل على كرسي من الخشب الداكن، يحرك فنجان القهوة بملعقة صغيرة\. جلس أدريان قبالته، حاملاً كوبًا من الشوكولا الساخنة، ولا تزال علامات التعب على وجهه\. قال أدريان: — "يبدو أن نِيل سيتكيّف بسرعة\. لم أتوقع أن يكون بهذه\.\.\. اللطافة المفرطة\." أومأ ليونيل: — "نِيل هو السبب الوحيد الذي يجعلني لا أكره هذه المهمة\." سكت لبرهة، ثم قال بنبرة هادئة: — "بالمناسبة\.\.\. أنا من أبلغت أعمامي أن والدي ذهب للقاء أزرغيث\." رفع أدريان رأسه، مصدومًا: — "أنت\.\.\. ماذا؟\! ليونيل، هذا كان قد يسبب حربًا مفتوحة\." — "أعلم\. لكن الأمر لم يكن خيارًا\. كنا نراقب والدي منذ أشهر\. وحين ارسلنا، كنت الوحيد الذي يعرف وجهته\. ولم أستطع أن أتحمل فكرة أن يذهب وحده\.\.\. ثم لا يعود\." صمت أدريان، أطال النظر في وجه أخيه، ثم زفر ببطء\. — "أحسنت\." — "هاه؟" — "أحسنت، ليونيل\. نحن نحب والدنا، لكنه عنيد، أحيانًا أكثر مما نحتمل\. لو لم تفعل ذلك، لكنا الآن ننتظر خبراً عنه من الشمال\.\.\. أو من ساحة معركة\." ابتسم ليونيل ابتسامة خفيفة، ثم نظر نحو الباب المغلق لغرفة نِيل\. — "طالما هو نائم هناك، لن أندم على شيء\." — "ولا أنا\." \-\-\- كان الليل ساكنًا، والثلج قد بدأ يتساقط على الشرفات بهدوءٍ شعري\. جلس ليونيل وأدريان يشربان ما تبقّى من قهوتهما، حين قُطع سكون اللحظة بصوتٍ مفزع\.\.\. "آآآاااه\!\!" شهقة باكية، ضعيفة، ترتجف\.\.\. أتت من خلف باب الغرفة\. نهض الأخوان كالسهم، وكأن نارًا اشتعلت تحت أقدامهما\. — "نِيل؟\!" فتح ليونيل الباب، وإذا بالصغير مكوّر على نفسه وسط السرير، وجهه متورّد بعنف، عيناه مدمعتان، وجسده الصغير يرتجف\. اقترب ليونيل بسرعة، وضع يده على جبينه\.\.\. — "إنها مرتفعة\. إنه يحترق\!" أدريان دخل وهو يلهث، ثم قال: — "أخبرنا والدنا عن هذا\.\.\. الحرارة قد ترتفع عنده فجأة أحيانًا بسبب اضطراب المانا في جسده\." أخرج من حقيبته صندوقًا صغيرًا مخصصًا للإسعافات\.\.\. وفيه إبرة زجاجية رفيعة تحتوي على سائلٍ أزرق شاحب\. — "قال إن علينا استخدامها فقط إن تجاوزت الحرارة ٤٠\. يبدو أننا تأخرنا\." لكن\.\.\. قبل أن يقترب أحدهم بالإبرة، فتح نِيل عينيه، وبمجرد أن لمح الأداة الطبية، أطلق صرخة تُنافس تنينًا محتضرًا: — "لاااااااا\!\! لا لا لا لا لا\! سأكون بخييييير\! أعدك\! أرنب لا يحب الإبر\!\!" حمله ليونيل، وضعه على صدره يحاول تهدئته: — "نِيل، استمع إليّ، صغيري\.\.\. إنها مجرد وخزة صغيرة، وستشعر بتحسّن حالًا\. لا تخف\." لكن نِيل لم يكن ليرضخ بسهولة\. — "كذب\! كلكم تكذبون\! هذه نهاية الأرنب الطيب\!\!" ثم التفت إلى أدريان والدموع في عينيه: — "حتى أنت؟\! ظننتك تحبني\!" قال أدريان وهو يقترب بالإبرة ببطء، وكأنه يقترب من نمر جريح: — "أنا أحبك، نِيل\.\.\. لكنني أحبك أكثر وأنت لا تغلي مثل البطاطا في الفرن\!" — "أووووووه\.\.\. خائنان\! أنتما خائنان\! سأهرب إلى الشمال وأعيش مع الذئاب\! لن يطعَنوني هناك\!\!" بدأ في التملّص كدودةٍ غاضبة، ضرب ليونيل بخده، ثم عضّ كمّه\. — "أرررررغ\!\!" قال ليونيل وهو يشد عليه: — "أدريان، بسرعة قبل أن يتحوّل إلى مخلوق من الظلام\." أدريان عضّ على شفته، ثم انقض مثل قاتل محترف، زرع الإبرة في فخذ نِيل برفق\.\.\. و\.\.\. "ييييياااااااااااااااااه\!\! خائنااااااااااااااان\!\!" ارتجّت النوافذ\. لكن\.\.\. بعد أقل من دقيقة، بدأ جسم نِيل يهدأ، تنفّسه يتباطأ، وعيناه تنغلقان ببطء\. همس وهو يستسلم للنوم: — "سأبلغ والدي عنكم\.\.\. ستندمون\.\.\. سأرسل لكم رسائل حزن بالبريد كل صباح\.\.\." ثم غطّ في نومٍ ثقيل\. ليونيل لم يكن يعلم إن عليه أن يضحك أو ينهار\. — "كان هذا أقرب إلى محاولة اغتيال منه إلى علاج طبي\." أدريان جلس أرضًا وهو يلهث\. — "علينا أن نكتب وصيتنا الليلة\. إن استيقظ غدًا بنفس ذاكرته\.\.\. فنحن هالكان\." نظر الأخوان إلى الصغير النائم\.\.\. وبالرغم من كل شيء، ابتسما\. — "لكن لا بأس\.\.\." قال ليونيل وهو يغطيه من جديد، "ما دمنا نحميه، كل هذا يستحق\." \-\-\- الصباح في الشمال لم يكن يشبه أي صباح آخر\. هواءٌ بارد، ونوافذ مغطاة بطبقة رقيقة من الثلج، وسكون لا يقطعه سوى صوت الطيور البعيدة\.\.\. ثم\.\.\. "أوووووووووووووه\! بابااااااااا\!\!" فتح ليونيل عينيه ببطء، وهو لا يزال غارقًا في نصف نوم، وغمغم: — "لا\.\.\. ليس الآن\.\.\. فقط عشر دقائق إضافية\.\.\. أرجوك أيها العالم\.\.\." لكن الصراخ ازداد\. "أريد أبيييي\! أريد حضن أبييي\! خذوني للقصييير\! لا أحب الشمااااااال\!" اندفع أدريان من سريره كالمجنون، ارتطم بالحائط في طريقه، ثم فتح باب غرفة نِيل وهرع إليه\. نِيل كان جالسًا على السرير، وجهه مُحمر من البكاء، وشعره منكوش مثل عصفور صغير صُبّ عليه دلو ماء\. أدريان ركض إليه واحتضنه: — "ما بك، صغيري؟\! هل أزعجك شيء؟\!" — "أريد بابااا\! هو وحده يعرف كيف يُلفّني بالبطانية مثل سوشي دافئ\! أنتما لا تفهمان الأرنب المسكييين\!" نهض ليونيل وهو يحكّ رأسه، شعره منكوش مثله مثل نِيل، وقال بهدوء: — "آه\.\.\. إذًا اشتقنا للبطانية الإمبراطورية؟" — "وأكواب الكاكاو التي فيها وجهي مطبوع\! والوسادة التي تصدر صوت أبي عندما أقلبها\!" انفجر أدريان ضاحكًا رغم محاولته التماسك\. — "من الذي يخترع هذه الأشياء في القصر؟\!" قال ليونيل وهو يقترب ويجلس قرب نِيل، ثم حمله إلى حجره: — "نِيل\.\.\. اسمعني جيدًا\. والدي يرسك إلى هنا لأنه يثق بك، ويعلم أنك قوي\. أقوى من أن تنهار أمام البرد\.\.\. أو حتى الاشتياق\." — "لكنني لا أريد أن أكون قويًا اليوم\! أريد أن أكون مدللًا، ومكسور القلب، وأحتقر الثلج\!" احتضنه ليونيل بلطف\. — "حسنًا\.\.\. إذًا سنكتب اليوم في دفترنا: نِيل\.\.\. القائد العظيم، كاره الثلوج، والمشتاق الأول لوالده\. هل هذا لقب مناسب؟" نِيل تمسّح بعنق ليونيل، وبدأت دموعه تقل، ثم قال بصوتٍ أنفي باكٍ: — "و\.\.\. وأيضًا أريد فطوري في السرير\." أدريان ابتسم، ولوّح له: — "آمر\! ماذا يرغب الأرنب؟ كعك؟ بيض؟ قلب أخيك الأكبر المشوي؟" — "كل شيء\. وأنت من سيُطعمني\." ثم استلقى على صدر ليونيل من جديد، وهو يهمس بنبرة ناعسة: — "لكن لا تقولوا لأبي\.\.\. اني بكيت\." أجاب ليونيل مبتسمًا: — "أبدًا\. سيظن أنك استيقظت\.\.\. تطلب بطانية جديدة مصنوعة من صوف التنانين\." نِيل غفا أخيرًا، أنفه الصغير يصدر أصواتًا خافتة كقطة ناعسة\. \-\-\- استيقظ نِيل مبكرًا، كأن نوم  لم يكن يتضمن ارتفاعًا مرعبًا في حرارته وبكاء هستيريًا سبّب شللًا مؤقتًا لأعصاب إخوته\. هبط من سريره بهدوء، وتسلّل خارج الغرفة دون أن يُوقظ ليونيل أو أدريان، متجهًا نحو الممر الطويل المؤدي لقاعة التدريب\. وهناك… التقى به\. الفتى غريب الهيئة، عريض الكتفين كأنه شجرة تمشي، ذو شعر أشعث وعضلات غير منطقية بالنظر إلى أنه بالكاد تجاوز السابعة من عمره\. كان يتمرّن بضربات سريعة في الهواء، تُصدر صوت "فوووم\!" وكأنها لكمات في عالم آخر\. توقف الفتى، وحدّق بنِيل الذي يلبس بيجامة قطنية برسمة أرنب\. — "أنت\.\.\. من تكون؟" رفع نِيل ذقنه بفخر مصطنع، وقال: — "أنا نِيل، الأمير الثالث، ابن الإمبراطور ريتشارد\. وأنت؟" — "إليوت غراي\. بطل\. فارس\. قادر على تحطيم الصخور\. أحيانًا أكسر الأبواب دون قصد\." نِيل رمقَه من رأسه إلى قدميه، ثم قال في نفسه: آخر قطعة من البازل وصلت\.\.\. حان وقت الخطة الشريرة\. وفجأة، طفا بجانبه كائن أزرق لامع، على هيئة كرة بها عينان وابتسامة رقمية\. لوكا\. المساعد السري، والداعم الرسمي للخطط المريبة\. — "لوكا، كم بقي لي من الأبطال؟" — "بقي إليوت فقط\. تم تصنيفك رسميًا خارج مجموعة الأبطال السبعة بعد حادثة الدجاجة الملكية\. التوصيف الجديد: شرير صغير ذو مخططات لطيفة\." ابتسم نِيل بانتصار، بينما ظهرت أمامه نافذة زرقاء: \> الاسم: إليوت غراي العمر: ٧ سنوات الحالة: هدف للترحيل الهوايات: كسر الجدران، رفع الأثقال، النوم أثناء الاجتماعات\. نقاط الضعف: الحلوى\. لا يعرف كيف يقول "لا"\. نِيل تمتم: — "ممتاز\.\.\. الخطة بدأت تتضح\." لوكا أكمل: — "أرين ما يزال يكرهك لأنك أجبرته أن يرتدي زي الدجاجة الملكي بعد أن سخر من بدلة الأرنب خاصتك\. روزاليا أعلنت بالفعل عن زواجكما ثلاث مرات دون موافقتك\. جوزيف لطيف، لكنه يظن أن أخته الرضيعة مناسبة لك\. سيليا ربطت مصيرها بك بسبب ابتزاز بسيط\. وليونارد… يعتقد أنك مجرد طفل مدلل بلا قيمة\." نِيل تمتم وهو يعدّ على أصابعه: — "جيد\.\.\. ستة مزعجين\. سأرسلهم كلّهم إلى ملك الشياطين\. برحلة طويلة… بلا عودة\." نظر إلى إليوت وقال بابتسامة صغيرة: — "هل تحب القتال؟" أجاب إليوت بحماس: — "جِدًا\! بالأمس لكمت تمثالًا فكسرته\!" نِيل ابتسم، وأطلق جملته الشهيرة: — "هل تريد مهمة بطولية حقيقية؟ لدي واحدة\.\.\. لكن الأمر سرّي للغاية\." وهكذا، بدأت أول خطوة في تنفيذ خطة نِيل الشرير جدًا جدًا \(لكن بلطف\)\. \-\-\- في الطابق العلوي من الجناح الشتوي، كان ليونيل ممددًا على السرير، يستمتع بلحظة هدوء نادرة\.\.\. قبل أن يفتح عينيه فجأة ويحدّق في السقف\. — "أدريان\.\.\. هل تشعر\.\.\. بشيء ناقص؟" — "أنت تحاول جعلي أُعدّ القهوة، أليس كذلك؟" — "لا، أعني\.\.\. نِيل\. أين هو؟" جلس أدريان فجأة، وراح يتفحّص السرير المجاور، ثم خزانة الملابس، ثم تحت السرير لسبب غير معروف\. — "لا أراه\! لا بد أنه استيقظ وخرج وحده\!" نهضا كالمجنونين، وكل منهما يرتدي شيئًا مختلفًا تمامًا — ليونيل بسترة نوم نصف مغلقة وأدريان بحذاء واحد\. ركضا في أنحاء الطابق السفلي، يفتشانه كمن يبحث عن قنبلة موقوتة، حتى سمعا صوتًا صغيرًا يقول: — "\.\.\.مهمة سرية للغاية\.\.\. تتضمن الحلوى وتحطيم أعداء السلام\.\.\." استدارا معًا في حركة سينمائية، ليجدا نِيل واقفًا يتحدث مع صخرة بشرية تُدعى إليوت\. ليونيل شحب وجهه فورًا، ثم انطلق نحو نِيل، وأمسكه من أذنه بلطف مشكوك في أمره\. — "نيييييل\.\.\. هل تشرح لي لماذا خرجت من الغرفة دون إذن؟\!" — "كنت أقوم بعمل وطني\! إنقاذ المملكة من خطر الأبطال\!" — "حقًا؟\! وهل وطنيتك تشمل التسلّل في البرد القارص بحذاء أرنب واحد؟\!" نِيل نظر إلى قدمه العارية وقال باستغراب: — "أوه\.\.\. ظننت أنني ارتديت الاثنين\.\.\." ليونيل لم ينتظر\. حمل نِيل تحت ذراعه مثل كيس بطاطا صغيرة، واستدار نحو الداخل\. — "أنت في إجازة من الوطنية حتى إشعار آخر\." نِيل بدأ يتذمّر، ويرفس في الهواء كأنه يرغب في الطيران: — "أعدني فورًا\! كنت على وشك إقناع إليوت بالذهاب إلى \(ملك الشياطين\!\) كانت خطتي تبلغ ذروتها\!" — "لديك مؤخرة ستُصفع إن لم تتوقف عن التململ\!" ولأنه لم يتوقف، مدّ ليونيل يده وصفعه على مؤخرته بخفة — صفعة تربوية، لا أكثر، لكنها جعلت نِيل يطلق "آآااه\!" درامية بصوتٍ يليق بأميرة في مسرحية\. أدريان، الذي كان يحاول الحفاظ على وقاره، انفجر ضاحكًا\. — "هل علينا توثيق هذا اليوم؟ أول مرة يتلقى فيها الأرنب تأديبًا رسميًا\." نِيل صرخ وهو لا يزال تحت ذراع ليونيل: — "سأكتب هذا في مذكّراتي\! ليونيل خان ثقة الأرنب الوطني\!" لكن ليونيل فقط هزّ رأسه وقال وهو يفتح باب الغرفة من جديد: — "اذهب واغسل وجهك\. وإن لم تتوقف عن التخطيط للشر قبل الإفطار، سأجعلك تغسل أذنيك بالصابون\." نِيل همس في نفسه: — "أخطط للشر أثناء الإفطار إذًا\.\.\." \-\-\- ما إن وصل ليونيل إلى داخل، حاملًا نِيل تحت ذراعه مثل غنيمة حرب، حتى بدأ الأخير بالبكاء\.\.\. لا، بل النحيب\. — "أووووه\.\.\. بابااااه\.\.\. أبيييييي\! كان لا يضربني أبدًا\! حتى عندما سكبت الحليب على تقرير ميزانية المملكة\! حتى عندما قطعت شجرة العائلة الإمبراطورية عن طريق الخطأ\! حتى عندما قمت بنحت وجهه على تمثال تنين ملكي\!\!" ليونيل توقّف في منتصف الغرفة، قلبه بدأ يلين، بينما صوت نِيل كان يخترق الدفاعات كأنه سلاح سري\. — "أنا آسف\.\.\. لم أقصد أن أؤذيك، يا صغيري\." جلس على الاريكه، واحتضن نِيل بين ذراعيه، وراح يمسح دموعه بأنامله، ثم قبّله على جبينه بخفة\. — "أحيانًا أكون صارمًا، لأنني قلق عليك\. لأنني\.\.\. أحبك، أرنبي الصغير\." نِيل تمسّح بقميص ليونيل وقال وهو يشهق: — "لكن بابااا لم يكن يضربني\.\.\. كان فقط يهددني بنقل سريري إلى خزانة المكنسة إذا أزعج المربيات\.\.\." — "سأهددك بنفس الشيء إن استمر هذا البكاء\." — "لاااااااااااا\!" قبل أن يستأنف بكاءه، أُغلق باب القاعة بقوة خفيفة، ودخل رجل طويل القامة، ذو لحية رمادية مشذبة بعناية، وعينين لونهما كسماء الشتاء\. كان يرتدي عباءة أرجوانية عليها شعار الأكاديمية: كتاب مفتوح تحيط به سبعة نجوم\. انحنى برشاقة قائلاً: — "صباح الخير، سادة الشمال\. أنا  مساعد مدير الأكاديمية، أوفال تورين\. جئت لأرشدكم في أول يوم لكم هنا\." ليونيل اعتدل، وهو لا يزال يحمل نِيل المتشبّث بعنقه كقرد صغير خائف من الغرباء\. — "سعيد بلقائك، سيد أوفال\. أنا ليونيل، وهذا أخي أدريان\. أما الذي يتدلّى عليّ كوشاح حيّ، فهو نِيل\." نِيل مدّ رأسه من خلف كتف ليونيل وقال بصوت مبحوح: — "وأنا\.\.\. أكتب شكاوى\. كثيرة\. ضد هذا المكان، وضد الثلج، وضد الأخوة الكبار\!" ابتسم المدير بهدوء، وقال: — "عظيم\. يسعدنا أن يبدأ أول يوم بتقارير رسمية\." ثم أشار لهم ليتبعوه، وقال: — "دعونا نبدأ الجولة\.\.\. لدينا أكاديمية واسعة، وغرف للتدريب، ومكتبة تحتوي على أكثر من ثلاثين ألف كتاب، وقاعة أسرار\.\.\. آه، وتنين أليف في الساحة الخلفية\." نِيل رفع رأسه فورًا، نسيانًا دموعه: — "تنين؟\!" أدريان همس لليونيل: — "هكذا تُنهى نوبات البكاء الملكية: تنين مجاني\." ليونيل ضحك بخفة، وقبّل نِيل مرة أخرى: — "حسنًا، لنرَ من سيبكي عندما يرى التنين أولًا\." نِيل همس بخطورة: — "إن كان يشبه الطباخ في القصر\.\.\. فسأصرخ\." مرت ساعتان\. هدأت القاعة\. انتهى زالفان من التنظيف بصمت، والوزراء انسحبوا واحدًا تلو الآخر، دون أن ينبسوا ببنت شفة\. أما باب غرفة النوم الجانبية… فظل مغلقًا\. حتى الآن\. "تكت\." انفتح الباب بهدوء، وخرج أزرغيث بخطى هادئة، شعره الأسود منكوش كما لو كان خرج من معركة بالأحلام، لكنه بدا\.\.\. مرتاحًا\. أو بشريًا، على الأقل\. أدار رأسه ببطء في الممر، ثم تمطّى أمام الحائط، وقال: — "آه، لا شيء يضاهي قيلولة بعد جريمة ناجحة\." ثم نظر يمينًا ويسارًا، وغمغم: — "والآن… أين أرنبي المفضل؟" خطا إلى الممر الجانبي، يتفقد الغرف واحدة تلو الأخرى، ينادي بخفة: — "داريوووس…؟ هل هربت؟ أم أنك اكتشفت أن الجدران هنا تصغي أكثر من البشر؟" توقف عند باب مكتبة صغيرة، فتحه ببطء\. لا أحد\. دخل، تفقد الستائر، حتى فتح أحد الأدراج وسحب قطعة خبز يابسة، فشمّها وعلّق بسخرية: — "تخبّئ الأسرار؟ أم أنك فقط تنسى وجباتك كما تنسى كرامتك؟" ثم خرج من الغرفة، ووقف في وسط الممر، وهو يدقّ بأصابعه على السور الحجري\. طق\.\.\. طق\.\.\. طق\.\.\. ثم ابتسم فجأة، همس وكأنه يتحدث لنفسه: — "ربما… هرب إلى القبو\. داريوس يحب الأماكن الضيقة\. كأيّ فريسة تعتقد أنها بأمان في العتمة\." ثم أشار بإصبعه إلى الظل في الزاوية، وقال دون أن يلتفت: — "زالفان\. هيا، اتبعني\. لا أحب أن ألعب وحدي\." زالفان، الذي كان واقفًا خلف عمود ضخم يراقب بصمت، قفز فورًا وقال: — "نعم، مولاي\! فورًا، مولاي\!" سار الاثنان إلى الأسفل\. السلالم تقود إلى دهاليز لم تُستخدم منذ عقود\. الرطوبة في الجدران تنزّ مثل دموع، والهواء ثقيل كأنّه ينتظر أحدًا أن يتنفس أولًا… ليختنقه\. أزرغيث نزل خطوة… خطوة… كل ضربة على السلم كانت إيقاعًا لموسيقى توتر خفية، ثم توقّف\. — "أتعرف، زالفان؟ أنا لا أقتل لمجرد القتل\." زالفان ابتلع ريقه\. — "ب\-بالتأكيد، مولاي\." — "أنا أقتل لأني أملّ بسرعة\. والملل… هو عدوي الوحيد\." ثم تابع سيره\. عند الباب الحديدي المؤدي إلى القبو، وضع يده عليه، وأغمض عينيه\. — "هو هنا\." فتح الباب ببطء\. الظلام\. ثم صوت أنفاس سريعة\. داريوس، في الزاوية، يجلس وقد ضمّ ركبتيه إلى صدره، وعيناه تلمعان في الظلال\. أزرغيث ابتسم\. — "آه، أرنبي الصغير\.\.\. تذكرت أنك تحب الاختباء عندما أخايف الناس\." ثم جلس أمامه، على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط المقابل\. — "فلنلعب لعبة، داريوس\. كلما كذبت عليّ… سأكسر شيئًا فيك\. ليس عظمًا بالضرورة… ربما فكرة\. أو ذكرى\. أو… شخصًا\." داريوس لم يرد\. أزرغيث همس بنعومة مخيفة: — "لنبدأ: هل أخبرت أحدًا… بما رأيت؟" داريوس رفع رأسه ببطء\. هل سيكذب؟ أم سيختار أن يلعب… لعبة الوحش؟ \-\-\- داريوس لم يرد\. كان صامتًا، متجمّدًا في الزاوية، عيناه الزجاجيتان تلمعان ببقايا الدموع… والصدمات\. أزرغيث نظر إليه لحظة، ثم همس: — "كذبت\." صفعة\. صوت ارتطام اليد بالخد تردّد في القبو كطلقة نار\. رأس داريوس التفّ بعنف، ووقع على جنبه، أنفاسه ضاعت للحظة\. لكن أزرغيث لم يتحرك فورًا\. جلس مكانه، ثم زفر ببطء كأن شيئًا ثقيلًا انزاح عن قلبه، وقال: — "أنا لا أكرهك، داريوس\. أفهمك\. لكن الكذب… الكذب يجلب الحزن\. وأنا لا أحب الحزن، هل تفهم؟" ثم زحف نحوه ببطء، وجلس إلى جانبه\. أمسك وجه داريوس بيد واحدة، أعاد توجيهه نحوه برفق، وأخذ يُسوّي شعره المنكوش بأصابعه الطويلة\. — "ها نحن ذا… وجه جميل، فقط يحتاج إلى قليل من الترتيب\." ثم حمله فجأة، كما لو كان طفلًا صغيرًا، واحتضنه بقوة، حتى التصق قلباهما، ثم همس في أذنه: — "لا تكذب مجددًا\. لا تجبرني أن أكون شريرًا معك\." مسح دموعه بأطراف ردائه، قبّله على جبينه، ثم وضعه على الأرض برفق، كما تُعاد دمية إلى رفّها\. ونهض\. أدار رأسه ببطء، ونظر إلى الخلف\. عيناه انغرستا مباشرة في عيني زالفان، الذي كان واقفًا على عتبة القبو، جامدًا، يبلع ريقه\. أزرغيث ابتسم… ثم عبس فجأة\. وتقدم\. بخطوتين فقط كان أمامه\. ضربه\. ضربة قوية مفاجئة بظهر كفه، ارتطم بها وجه زالفان بالحائط، وانهار على الأرض يتلوّى، يئنّ\. أزرغيث قال بصوت هادئ جدًا، دون أن يعلو: — "أنا أكره… أكره جدًا أن يُراقبني أحد حين أُعاقب أرنبي\." ثم أمسكه من شعره، ورفع رأسه قليلاً: — "هل كنت تستمتع بالمشهد؟ هل تحب أن ترى كيف أضرب من أحب؟" زالفان شهق، الدم ينزف من فمه: — "ل\-لا، مولاي\! لم أقصد\! كنت فقط… ظننت أن عليّ أن أبقى لأحميكم\! فقط لذلك\!" أزرغيث ترك شعره يسقط، وقال ببرود: — "لم آمرك بالبقاء\." ثم مشى مبتعدًا ببطء، قبل أن يضيف: — "اختفِ من وجهي… قبل أن أغير رأيي وأحوّلك إلى أرنب آخر\." زالفان لم ينتظر تكرارًا\. انطلق راكضًا، يعرج، يتعثر، يصطدم بالجدران، وجهه يقطر عرقًا ودمًا، أنفاسه تتلاحق كمن يهرب من شبح\. وفي نهاية الممر، قبل أن يختفي، التفت لحظة… ورأى أزرغيث يعود إلى داريوس، يجثو أمامه من جديد، كأن شيئًا لم يحدث\. في أعماق القبو، همس صوت الوحش: — "الآن، أرنبي… قل لي الحقيقة من جديد\. وإن لم تكن كاملة هذه المرة… فسوف نلعب لعبة جديدة\. اسمها: من الذي سيختفي أولاً؟" \-\-\- كان داريوس يبكي\. دموعه تسيل في صمت، لكنه لا يصرخ، لا يتحرك، لا يطلب شيئًا\. فقط… ينتظر\. ينتظر النوبة\. الصوت\. الصفعة\. العقاب\. لكن بدلًا من ذلك، أزرغيث اقترب ببطء، وجثا أمامه من جديد\. وجهه خالٍ من الغضب، عيناه باردتان كالماء الراكد… والمخيف\. رفع يده، وبهدوء عجيب، نزع الشريط الأسود الذي يغطي عيني داريوس\. وانكشفت الحقيقة\. عينان بنفسجيتان، واسعتان، غريبتا الوهج… كأنهما عينا مخلوق لا ينتمي لهذا العالم\. أزرغيث نظر إليهما طويلاً\. طويلاً جدًا\. ووجهه لا يتحرّك\. حتى داريوس بدأ يرتجف\. جسده انكمش، سحب ركبتيه إلى صدره، كأنه يتوقع أن تنفجر الغرفة، أو أن تتحول عينا أزرغيث إلى جمرتين\. لكن أزرغيث… فقط تمتم: — "أكره هذه العيون\." صوت خافت\. غير موجه لداريوس، بل كأنه اعتراف قيل لنفسه\. ثم، فجأة… انحنى، وقبّل الخد الذي صفَعه قبل قليل\. قبلة ناعمة، باردة، ومربكة\. أعاد الشريط إلى مكانه، غطى تلك العيون مجددًا، وكأن وجودها مجرد خطأ تقني في لوحة فنية يحبها لكنه لا يحتمل النظر إليها كاملة\. ثم رفع داريوس من على الأرض، حمله بذراع واحدة كأنه لا يزن شيئًا، وقال بصوت هادئ فيه نبرة ساخرة: — "كم مرة أخبرتك ألا تختبئ في القبو دون إذني؟ هل نسيت أنك أرنبي؟" داريوس لم يجب، فقط دفن وجهه في صدر أزرغيث، يتنفس بصوت مكسور\. أزرغيث ربّت على رأسه، وتنهّد وكأن الطفل ثقيل… لا بالجسد، بل بالذكريات\. — "أرنب صغير، مشاغب… وصغير جدًا على أن يقرر وحده أين يختبئ\." ثم مشى به في الممر، خطواته تمسح الصمت\. وقبل أن يصعد السلم، تمتم مجددًا، هذه المرة بلغة ناعمة مليئة بالتهديد الدافئ: — "في المرة القادمة… إن وجدتك هنا دون إذني… سأكسر الباب على رأسك، وأحبسك مع الجرذان\. هل تفهم؟" داريوس أومأ برأسه، سريعًا، بلا كلمة\. في الأعلى… كانت الظلال تنتظر\. وفي صدر أزرغيث، كان قلب الوحش… يهدأ\. لكن فقط مؤقتًا\. \-\-\- في السماء الحمراء فوق مملكة الشياطين، ارتفعت أجنحة هائلة، مشتعلة كالشمس عند الغروب\. أسترا\. لقد نفذت أوامره\. كما تفعل دومًا\. لكن شيئًا… بدأ يشتعل داخلها\. منذ أيام، رأت ذلك الصغير يخرج من القبو… بين ذراعيه\. رأت كيف حمله أزرغيث، كيف مسح دموعه، كيف قبّله\. هي… لم تكن تحسده\. لكنها الآن… تحترق من الداخل\. وفي لحظة خافتة… بينما كان أزرغيث يجلس على العرش، وداريوس بجانبه، نصف نائم، متكئًا على ذراعه، انقضّت أسترا\. هبطت بجسدها المشتعل، جناحيها ينثران الشرر، عينها تتوهّج حمراء\. توجهت نحو داريوس، ورفعت مخلبها، بخفة… لكن فيها ما يكفي من القوة لترك أثر دائم\. داريوس شهق، وتراجع، لكنه تعثّر، وكاد يسقط\. وقبل أن تمسه… — "توقفي\." صوت أزرغيث، لم يكن صرخة\. بل… أمرًا ملكي\. تجمدت أسترا في الهواء، جناحاها مفرودان، والمخلب ما يزال في الهواء، بالكاد يفصله شعرة عن عنق داريوس\. لكن البرد… بدأ يتسلل\. أزرغيث نهض، خطواته بطيئة، لكنه حين وصل، رفع يده وصفع أسترا على وجهها الناري\. الصفعة لم تكن لألمها، بل لإهانتها\. — "هل تظنين أنك فوق أمري؟" نظرت إليه أسترا، وارتعشت ألسنة لهبها\. — "كنت أحميك، سيدي\. هذا الكائن… يتطفل، يُضعفك، يسرق وقتك—" أزرغيث قاطعها، عينيه تضيقان: — "هو أرنبي\. وأنا… أحب أرنبي\." ثم التفت لداريوس، الذي كان قد انكمش في زاوية العرش، عينيه ترتجفان خلف الشريط الأسود، جسده لا يتوقف عن الرجف\. اقترب منه، وجثا على الأرض، واحتضنه بقوة، همس في أذنه: — "أنا هنا\. لن يؤذيك أحد\. لا أحد يلمسك إلا إن سمحت له\." داريوس دفن وجهه في صدره، أنفاسه متقطعة\. أزرغيث مسح ظهره، ورفع عينيه نحو أسترا مجددًا\. — "ارتفعي\. حلّقي\. وابحثي\. لا تلمسيه مجددًا، أو سأمزق جناحيك بيدي\." أسترا انحنت، ببطء، ثم طارت بلا كلمة… تتوهج أكثر، لا من النيران، بل من الغضب الذي لا يُغفر\. أما أزرغيث… فبقي جالسًا على الأرض، وداريوس في حجره، يرتجف كجروٍ صغير\. — "أرنب مشاغب… لكنني اخترتك\. فلا تتجرأ على الهرب مرة أخرى، مفهوم؟" داريوس أومأ، وصوته بالكاد خرج: — "مفهوم… سيدي\." وكانت تلك هي الليلة التي عاد فيها شيء قديم للحركة… شيء يراقب النار من تحت الأرض\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"الأمير الكسول يرفض البطولة!"

المؤلف rwzi_1
2025/07/12 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: بداية غير مرغوبة
2025/07/12
الفصل 20: تاريخ يتكرر!!!
2025/07/13
الفصل 21: ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر
2025/07/13
الفصل 22: طاغية يستمتع ... في تعذيبي !!
2025/07/13
الفصل 23: زواج الأرنب...و دموع جنيات
2025/07/13
الفصل 24: الموكب الملكي... بين الأرنب والسنجاب والسهم الوردي
2025/07/13
الفصل 25: الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري
2025/07/13
الفصل 26: ليس مجددا التنين .... و الفراغ!!
2025/07/13
الفصل 27: أجنحة رماد و دماء جنيات
2025/07/13
الفصل 27: سقوط الفأر....وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 28: سقوط الفأر وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 29: شيفرة الخيانة... ونبض إليانورا الأخير
2025/07/13
الفصل 30: الصغير و المجنون
2025/07/13
الفصل 31: حاجز من جحيم .....وعقاب الارنب
2025/07/13
الفصل 32: حين قرر الأرنب أن يقفز من سريره... فوق رؤوس الجميع!
2025/07/13
الفصل 33: سيف، عناق، و50 جنيّة غاضبة
2025/07/13
الفصل 19: شيطان في خدمتك ؟
2025/07/13
الفصل 18: أمي ؟
2025/07/12
الفصل 17: أبي يفضل الأرنب
2025/07/12
الفصل 2: صباح كارثي
2025/07/12
الفصل 3: النظام وصدمة الكبرى
2025/07/12
الفصل 4: عودة الأخ... الأكبر مكبرة جدا
2025/07/12
الفصل 5: الأرنب الملكي في ورطة ملكية
2025/07/12
الفصل 6: زفاف الملكي للارنب المتمرد
2025/07/12
الفصل 7: هل غيرت رواية دون أن أدري ؟
2025/07/12
الفصل 8: راين متجسد !!!!!!
2025/07/12
الفصل 9: ألارنب الملكي في جولة !
2025/07/12
الفصل 10: عائلة ڤالينثرا
2025/07/12
الفصل 11: حفلة ملكية على شرف الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 12: حفلة تعذيب؟
2025/07/12
الفصل 13: مهمة إنقاذ الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 14: عودة أدريان هل هذا سيء ؟
2025/07/12
الفصل 15: أذهبوا إلى الجحيم ؟!
2025/07/12
الفصل 16: صراع الأرنب والديك
2025/07/12
الفصل 34: أنا أريد الحلوى... لا البطولة
2025/07/13

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة