ألارنب الملكي في جولة !

ألارنب الملكي في جولة !

21 0

في صباح اليوم التالي، تسلّل الضوء الخافت عبر ستائر الغرفة الملكية، معلنًا بداية يوم جديد مليء بالمتاعب\. لكن نيل لم يكن مستعدًا لذلك\. فقد استيقظ على صوت مألوف جدًا\.\.\. ثقيل الخطوات، يحمل معه هيبةً وازدراءً للصباحات الهادئة\. فتح الباب بهدوء لا يشبهه، ثم اقترب من السرير\. صوت الإمبراطور ريتشارد صدح بمرح خافت: \- "استيقظ، أرنبي الكسول\.\.\. لقد أشرقت الشمس ومرّت ساعات من دونك\." نيل، وعين واحدة نصف مفتوحة، تمتم بنبرة مشبعة باليأس: \- "ساعات؟ إنها السادسة\.\.\. من في العالم يستيقظ في السادسة طوعًا؟" الإمبراطور جلس على حافة السرير وبدأ بهدوء، كالعادة، بقرص خد نيل المنتفخ\. \- "من يستيقظ في السادسة؟ الناس الجادون\. الأبطال\. الطغاة\. وآباؤك المزعجون\." نيل دفن رأسه تحت الوسادة وقال بنبرة مكتومة: \- "أنا ابن إمبراطور، لا حصان حرب\.\.\." ثم أضاف، وهو يتلوّى في محاولته للهرب من يد والده: \- "دعني أنام\.\.\. لديّ عقد مع الكسل، لا يمكن خرقه\!" لكن الإمبراطور لم يُظهر أي شفقة\. بل بدأ يعبث بأذني الأرنب على بدلة نيل الخاصة بنوم ، محركًا إياهما يمنة ويسرة\. \- "كم أنت رائع في الصباح\.\.\. كأنك دمية أرنب حقيقية\." نيل، وهو يصرخ ويتهرب، صاح: \- "أنا أمير\! أمير، وليس دمية حيوانات ظريفة\!" الإمبراطور ابتسم بهدوء وقال: \- "إذًا تصرّف كأمير، وانهض\. لدينا اجتماع في القاعة العليا\. ولا تنسَ، اليوم سنزور الحديقة الإمبراطورية\." نيل شهق وكأنما طُعن بسيف: \- "لاااا\! هذا يعني ظهور روزاليا مجددًا\! سوف تطلب يدي مرة أخرى\! أو أسوأ\.\.\. تحاول إلباسي زي الأرنب الوردي\!" الإمبراطور نهض من مكانه، ناصحًا بابتسامة شريرة: \- "عش حياتك، أرنبي\. فالعالم لا ينتظر الكسالى\." ونيل؟ نيل بقي متجمّدًا على سريره، يهمس لنفسه: "\.\.\.ربما أهرب\. إلى الشمال المتجمّد\. أو إلى حجرة التنظيف\. أي شيء سوى مقابلة الطفلة ذات الشعر الاحمر \." للمرة الأولى منذ دخوله هذا العالم\.\.\. فعل نيل شيئًا لم يتوقعه أحد\. حتى لوكا، الذي راقب كل تصرفاته سابقًا، شهق داخل النظام\. نيل، بكل كرامته الإمبراطورية المزعومة\.\.\. بدأ بالبكاء\. بكاء حقيقي\. دموع تنساب، خدود تنتفخ، صوت نحيب متقطع، وتخبط عشوائي فوق السرير كأنما تحول فجأة إلى طفلٍ في الثالثة من عمره وليس الخامسة\. \- "لاااااا\!\! لا أريدرررررر\!\! أريد أن أناممممم\! أريد أن أكون كسولًا إلى الأبددددد\!" ارتطم وجهه بالوسادة، ثم رفعه فقط ليصرخ ثانية: \- "أنا مكسووور\! مظلوووم\! مستهدَف\! لماذا كل من في هذا العالم يقرص خدي؟\!\!" الإمبراطور وقف مكانه، مصدومًا للحظة\. ثم، ببطء، غطّى وجهه بيده\.\.\. محاولًا كتم ضحكة مكتومة\. \- "\.\.\.هل\.\.\. هل هذا عصيان ملكي بالبكاء؟" نيل، وهو يتقلب على السرير كسمكة خرجت لتوها من البحر: \- "إنه احتجاج رسمي\! على نظام الحياة\! على هذا العالم\! على \(المؤلف\! \)على زي الأرنب البغيض\!\!" ضحك الإمبراطور أخيرًا، ثم جلس على حافة السرير وربّت على رأسه بحنان مفاجئ: \- "حسنًا، حسنًا\.\.\. لقد كنت سأجرك جَرًّا معي\.\.\. لكن بما أنك بلغت هذا المستوى من الانهيار، فسأمنحك شيئًا نادرًا\." نيل توقف فجأة\. رفع رأسه، عيناه تلمعان من الدموع: \- "إجازة\.\.\.؟" الإمبراطور أومأ\. \- "نعم، يوم إجازة\. لكن بشرط\." نيل تحدّق فيه بريبة: \- "ما هو الشرط؟" \- "أن تقضيه معي\. أنا أيضًا آخذ إجازة\." سكت نيل\. ثم جلس ببطء على السرير، وحدّق في والده، والدموع لا تزال عالقة على خدّه\. \- "هذا ليس عدلًا\.\.\. أنت لست إجازة\. أنت برنامج تعذيب متحرك\." الإمبراطور ضحك، ثم احتضنه فجأة، جاذبًا إياه إلى حضنه كوسادة بشرية: \- "وسادة الأرنب الرسمية لهذا اليوم\." نيل تنهد باستسلام، دفن وجهه في صدر والده، وتمتم: \- "\.\.\.اللهم صبرني على عائلتي\." بعد الإفطار، الذي كان ممتلئًا بأصناف نيل المفضلة \(بأمر مباشر من الإمبراطور الذي قرر "تدليله" في يوم إجازته\)، ارتدى نيل زيًا بسيطًا خاليًا من أي أرنبية، بعد مفاوضات شرسة، ليجد نفسه يُقاد من يد والده نحو عربة فاخرة ذات زينة ملكية\. \- "إلى أين نذهب؟" سأل نيل بريبة\. \- "في جولة بسوق العاصمة\." أجاب الإمبراطور، وهو يضع عباءته الذهبية الفاخرة على كتفه، كأنها زينة عرض\. نيل شهق\. \- "السوق؟ أنا؟\! بين العامة؟\! أنا لم أخرج من القصر أصلًا\!" \- "لهذا تحديدًا سنذهب\. أنت لا تعرف على امبراطورتي يا نيل\. آن الأوان لتراه\.\.\.\." \-\-\- عندما وصلا إلى السوق، اتسعت عينا نيل كأنه طفل يزور عالمًا خياليًا لأول مرة \(رغم أنه فعليًا في رواية خيالية\)\. المكان يعج بالألوان، الروائح، الضوضاء، الضحكات، وأصوات الباعة\. \- "واااه\.\.\." قال نيل وهو يحدّق في عربة حلويات سحرية تطفو في الهواء\. الإمبراطور ابتسم، وهو يراقب وجه ابنه بانتباه\. \- "هل أعجبتك العاصمة؟" نيل، دون أن ينظر، أومأ برأسه\.\.\. ثم توقف فجأة\. \- "مهلًا\.\.\. أليست تلك عربة تبيع حلويات تتحرك من تلقاء نفسها؟\! وهناك قط يتكلم؟\! هل السوق دائمًا هكذا؟\!" \- "في أيام العطلات، نعم\. وأحيانًا القط يُلقي شعرًا\." \.\.\.\.\.\.\. نيل بدأ يدور بعينيه في كل اتجاه، كمن فقد السيطرة على حواسه\. \(\- "أوه\.\.\. يا إلهي، لقد أضعنا مشاهد كهذه في الرواية الأصلية\.\.\. لماذا لم تكتب المؤلفة هذا؟\! كان هذا سيكون أفضل من الدراما والحروب\!"\) \(روزي \>\_\<:\) \(\- "لأن المؤلفة على الأرجح لم تكن تملك أرنبًا عبقريًا مثلك\."\) \.\.\.\.\.\.\.\.\. ثم رأى متجرًا يبيع دمى سحرية تتحرك وتمثل مشاهد درامية\. \- "انتظر\! إنها تعيد مشهد موت أحد الأبطال\.\.\. هذا\.\.\. واااه، أنا أموت هناك أيضاً\! هيي\! أوقفوها\! ليس أمام الأطفال\!\!" بينما كان نيل يركض من زاوية إلى أخرى بعينين تلمعان بالدهشة، تبعه الإمبراطور بخطى هادئة، وكأنما اعتاد على كونه الحبل الوحيد الذي يربط هذا الأرنب الهارب بالأرض\. مرّا بجانب نافورة سحرية ضخمة تتوسط الساحة، مياهها تنبعث على شكل تنين شفاف يتلوى في الهواء قبل أن يتحول إلى قطرات برق ناعم\. نيل حدق فيها بفم مفتوح\. \- "ما هذا\.\.\.؟" أجابه الإمبراطور بنبرة فخر: \- "نافورة لاهينا، رمز بداية التحالف مع إمبراطورية استريا \. صممها أحد السحرة الملكيين قبل مئة عام، ولم تتوقف عن العمل منذ ذلك الحين\." ثم أشار إلى قبة ضخمة في نهاية الشارع، يحيط بها جنود يحملون دروعًا فضية، وبوابات مزيّنة بالأحرف الملكية\. \- "وهناك مجلس السبع قارات\. يتجمّع فيه ممثلو الأمم لمناقشة قوانين السلام\." نيل تمتم: \- "هل أنا في جولة تعليمية أم في معرض لفخر الإمبراطورية؟" الإمبراطور لم يرد، بل أشار إلى السماء، حيث مرت عربة طائرة يقودها تنين صغير، محاط بهالة وردية\. \- "حتى النقل هنا له طعم خاص، أليس كذلك؟" نيل، وقد التصق بأنفه بزجاج محل يعرض أدوات سحرية صغيرة: \- "يا إلهي، هذا السوق وحده أفضل من نصف الرواية الأصلية\.\.\.\! كان يجب أن أكون تاجرًا بدلًا من أمير\!" ثم توقف أمام ساحة حيث كان فرقة موسيقية مكوّنة من آلات تعزف بنفسها، تصدح بأنغامٍ ساحرة جعلت الأطفال يرقصون، والكبار يصفقون\. \- "أبي\.\.\." قالها نيل بنبرة أكثر هدوءًا، كأن شيئًا ما داخله بدأ يلين\. \- "لماذا لم نخرج من قبل؟" الإمبراطور انحنى قليلًا، ومرر يده على شعر نيل برفق\. \- "لأنك لم تكن مستعدًا\.\.\. ولأن العالم لم يكن مستعدًا لك\." نيل عبس قليلًا\. \- "هل هذه إجابة فلسفية أم تهرّب أبوي؟" \- "القليل من كليهما\." ثم نظر نيل نحو تمثال ضخم للإمبراطور نفسه في نهاية الساحة، محاط بأكاليل زهور أرجوانية\. \- "واو\.\.\. هذا تمثالك؟" \- "بكل تواضع، نعم\." \- "من سمح لك بأن تبدو بهذا الطول؟" \- "الرسام، بعد أن هددته بتخفيض راتبه\." نيل ضحك لأول مرة منذ فترة، ضحكة نقية كطفل ينسى للحظة أن عالمه مليء بالمؤامرات والمهمات والدمار القادم\. وفي داخله\.\.\. ربما، فقط ربما، بدأ يشعر أن هذه الحياة تستحق أن تُعاش، ولو بقليل من الكسل المدروس\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. بينما كانت رائحة الحلوى تنتشر في الهواء كأنها دعوة سحرية، توقّف الإمبراطور أمام متجر فخم تزينه واجهة زجاجية عملاقة تُعرض خلفها عشرات الأنواع من الحلوى الساحرة، تطفو في الهواء وتدور حول نفسها بألوان براقة\. قال الإمبراطور مبتسمًا: \- "أرنبي الصغير، اختر ما تشاء\." نيل، الذي لا يمكن مقاومة الحلويات بالنسبة له، تظاهر بالتردد\.\.\. ثم اقتحم المحل بعينين لامعتين كنجوم العيد\. بعد دقائق، خرج وهو يحتضن علبة ضخمة من الحلوى، وفمه ممتلئ، كأن الحياة قررت أخيرًا منحه عطلة من عبث الرواية\. لكن\.\.\. السعادة لم تدم طويلاً\. فجأة توقّف الإمبراطور أمام متجر راقٍ بواجهة سوداء أنيقة، يعلوها اسم أنيق: "أرتميس للخياطة الراقية\." نيل حدّق بالمتجر\.\.\. ثم بالإمبراطور\.\.\. \- "لا\. لا\. لا\. نحن لا ندخل هذا المكان\. أنا لدي زي أرنب واحد يكفيني لعام كامل\!" الإمبراطور تجاهله كليًا ودفع الباب\. دخل المتجر، تبعه نيل وهو يُجر حرفيًا من يده كالخروف إلى الذبح\. في الداخل، كانت البدلات تُعرض كأنها أعمال فنية، وكان هناك رجل أنيق بملامح صارمة يقف عند الواجهة\. انحنى بلطف وقال: \- "جلالتك، لقد أنجزت المجموعة الخاصة التي طلبتها\." ثم أشار إلى رفوف كاملة من\.\.\. بدلات أرنب\. لكن ليست أي بدلات\.\.\. بدلات أرنب ملكية\. مزينة بتطريزات ذهبية، وياقات مخملية، وأذنين تنبضان بالفخامة\. نيل شهق: \- "هل صرفت ميزانية الجيش على هذا؟\!" الإمبراطور التفت إليه مبتسمًا: \- "فقط الميزانية الاحتياطية\." \- "أنا أمير، لا مهرّج بلاط\!" \- "أنت أرنبي الملكي، واللقب له متطلبات\." نيل بدأ يتراجع نحو الباب\. \- "سوف أهرب، أقسم، سأعيش في الجبال\! سأتحالف مع قطيع غزلان وأغدو زعيمهم\!" لكن قبل أن ينجح في الهرب، كان الخياط قد استدعى اثنين من مساعديه وأمسكوا بنيل\. \- "لاااا\! لا تلمسوا أذنيّ\! إنها حساسة\!" وبينما كان يُسحب نحو غرفة القياس، سمع صوت الإمبراطور: \- "جرب البدلة المخملية أولاً\. والأرجوانية\. ولا تنسوا تلك المزينة بريش الطاووس\!" نيل صرخ من الداخل: \- "أنا أكره هذه العائلة الملكية\!\!\!" استمرّت جلسة "التعذيب الفاخر" داخل غرفة القياس الملكية\.\.\. كان نيل يقف على المنصة الصغيرة، مرتديًا بدلة أرنب مخملية بلون أزرق داكن، تتلألأ أطرافها بخيوط فضية، بينما يلتف حول عنقه وشاح ناعم يعبق برائحة الزهور\. الإمبراطور جلس على أريكة فخمة، ذقنه مستند على راحة يده، ينظر إليه وكأنه يُقيّم تحفة فنية\.\.\. أو طبق حلوى فاخر\. قال بهدوء: \- "هذا اللون يُبرز عينيك\.\.\. لكن الأذنين تبدوان قصيرة بعض الشيء\." نيل بصوت حانق: \- "أنا إنسان\. لا يجب أن تُبرز أذناي في أي شيء\." الخياط صفق بيديه: \- "البدلة التالية، يا صاحب السمو، هي المصممة من فرو التنين الصناعي، ناعمة كحلم، ومزودة بذيل قابل للتعديل\." نيل سعل: \- "ذيل؟\! ذيل قابل للتعديل؟\! أنا أمير، ليس لعبة أرنب قابلة للبرمجة\!" دخل مجددًا غرفة القياس، وبعد دقيقة خرج مرتديًا بدلة أرنب بيضاء بلمسة ذهبية، طويلة الأذنين، مع قفازات صغيرة تنتهي بمخالب مطاطية\. الإمبراطور أمال رأسه وقال: \- "رائع\.\.\. هذه تُعطي انطباعًا بأنك لطيف وخطير بنفس الوقت\." نيل أطلق تنهيدة طويلة: \- "انطباع أنني أحتاج تدخلًا نفسيًا، هذا ما تعطيه\." ثم وقف مستقيمًا فجأة، تذمر ساخرًا: \(\- "أقسم\.\.\. لو رأاني أبطال الرواية الآن، وهم يقاتلون الشياطين ويتدرّبون في الجبال، وأنا هنا أُقاس بذيل أرنب، فسأُحذف من الرواية وأُرمى في قصة أطفال\!"\) الإمبراطور تجاهله تمامًا، مشيرًا إلى بدلة أخرى: \- "جرب الأرجوانية القادمة\. إنها تحمل سحرًا مقاومًا للبكاء\." نيل صرخ: \- "أنا لا أبكي\!" ثم تمتم وهو يدخل غرفة القياس مجددًا: \- "\.\.\.كثيرًا\." في اللحظة التي كان نيل يوشك فيها على إعلان استقالته رسميًا من لقب "أرنب القصر"، دقّ جرس المتجر برنين خافت، تبعه دخول شخصية لا تقل عن كارثة صغيرة\.\.\. دوق الجنوب، كايل إيفرين، دخل المتجر بخطوات واثقة، خلفه تسير ابنته روزاليا، ترتدي فستانًا احمر منتفخًا، ووجهها ما زال يحمل آثار دموع لم تجف تمامًا\. نظرت مباشرة نحو نيل، الذي كان يرتدي بدلة أرنب رمادية بفيونكة زرقاء، عيناها تلمعان بشدة\. \(روزاليا\)  قالت بنبرة مصممة: \- "أريد مثلها تمامًا\! بل\.\.\. أريد أفضل منها\! أريد أن أكون زوجة نيل الحقيقية وأرنبته الملكية\!" نيل كاد يختنق من الهواء\. قال بصوت خافت وهو يحدّق في الفراغ: \- "\.\.\.العقل البشري لا يتحمّل هذا الكم من السخافة في وقت واحد\." الإمبراطور ابتسم، ثم بكل بساطة حمل نيل بيد واحدة، كأنه قطعة أثاث صغيرة، وواجه روزاليا: \- "آسف، آنسة روزاليا، لكن نيل\.\.\. أرنبي الخاص\. لا شريك له\." ثم قرص خد نيل المنتفخ، وقال متهكمًا: \- "وأرنبي الملكي لا يشارك\." روزاليا انفجرت بالبكاء من جديد: \- "لكنني أريد أن أكون مثله\! أرنبـة\! نـيـــــيـــيـل\!" كايل، وقد بدأت ملامحه تتصدّع من الحرج، قال وهو يربّت على كتف ابنته: \- "روزاليا\.\.\. لا بأس، يمكنك ارتداء شيء جميل آخر\-" لكن الإمبراطور قاطعه، ورفع يده: \- "لا داعي\. سأشتري جميع بدلات الأرنب في هذا المتجر\." الخياط شهق، "جميعها؟\!" الإمبراطور أومأ: \- "أجل\. بل وأُصدر مرسومًا إمبراطوريًا جديدًا: يُمنع بيع أو ارتداء أي بدلات أرنب في كامل أراضي الإمبراطورية\.\.\. باستثناء الأمير نيل\." نيل فتح فمه ببطء، مذهولًا: \- "\.\.\.أبي، هذه ديكتاتورية أرانب\." الإمبراطور أومأ بفخر، وهو يربّت على رأسه: \- "تمامًا، أرنبي\." روزاليا بدأت تبكي بصوت أعلى، حتى كاد الفستان يرتجف من شدة الدموع، ونيل كان يحدق في سقف المتجر، يحاول تجاهل الواقع\. \- "هذا كابوس\. هذا كابوس بخيوط مخملية وآذان طويلة\." بينما كان صوت بكاء روزاليا يتردد في أرجاء المتجر كأنها تعزف سيمفونية مأساوية على نغمة "أريد نيييييل"، حاول الدوق كايل يائسًا تهدئتها\. ركع أمامها وربّت على كتفها برفق: \- "روزاليا، صغيرتي، لن يتزوج أحد في الخامسة من عمره\.\.\. إنه مجرد طفل\." لكن روزاليا، وقد احمرّ وجهها وارتجف أنفها الصغير، صاحت: \- "لكنه لطيف\! إنه لطيف مثل الأرنب\.\.\. وأنا أريده زوجًا\!" نيل، الذي ما زال محمولًا ، قال ببرود وهو يحدق في الفراغ: \- "أنا لا أُعامل كطفل، بل كحيوان أليف فاخر\." الإمبراطور تجاهل كل ذلك، واستدار نحو دوق كايل بابتسامة واثقة كأنما أعلن انتصارًا في معركة\. \- "كما ترى، نيل هو أرنبي الملكي\. وسيظل عازبًا إلى الأبد، برفقة والده العظيم\." ثم ضمّه إلى صدره فجأة حتى اختفى نيل داخل عباءته الملكية، ولم يبقَ منه سوى أذني الأرنب ترتجفان\. نيل صرخ بصوت مكتوم: \- "هذا ليس احتضانًا\! هذه عملية اختطاف\!" الإمبراطور استمر يتفاخر، في المتجر كأنما في موكب: \- "لقد وُلد نيل ليكون بجانبي\. سيرث التاج، ويحكم الإمبراطورية، ونحن معًا\.\.\. لن نحتاج زوجة له\. سأكون شريكه في كل شيء\!" كايل فتح فمه ليرد، لكنه أغلقه سريعًا\. لا فائدة من الجدل\. أما روزاليا، فقد جلست على الأرض، تبكي وتضرب الفستان بيديها، كأنما فقدت نصف مستقبلها\. قالت بصوت متهدج: \- "لا عدالة في هذا العالم\.\.\. نييييل، لماذا أنت ظريف؟\!" ونيل، من داخل عباءة الإمبراطور، تمتم بيأس: \- "\.\.\.أنا فقط أردت أن أعيش كسلانًا\. لماذا أصبح قلبي سوقًا للمآسي الصغيرة؟" خرج الإمبراطور من المتجر بخطوات واثقة، لا يكترث لبكاء روزاليا الذي ما زال يتردد في الخلفية كصدى درامي، بينما يحتضن نيل وكأنما يحمل كنزًا لا يُقدّر بثمن\. نيل كان يتدلّى من ذراع الإمبراطور كدمية أرنب فاخر، يطلق أنينًا باهتًا: \- "هل هذه حياة أمير\.\.\. أم مسلسل تربية صارم؟" ابتسم الإمبراطور برضا وقال: \- "وجهتك القادمة، أيها الأرنوب، هي المكتبة الإمبراطورية\." نيل شهق برعب: \- "مكتبة؟\! لا\! أنا أتحسس من الحبر\! أعاني من رُهاب الأوراق التاريخية\!" لكن الإمبراطور لم يعطه أي فرصة للهرب، بل استقلّ عربة فاخرة واتجه مباشرة إلى قلب العاصمة الإمبراطورية، حيث تقبع إحدى أعظم معالمها: مكتبة لومن أركانيس\. مكتبة لومن أركانيس لم تكن مجرد مبنى مليء بالكتب، بل كانت صرحًا هائلًا يُشاع أن أول من أسسها كان ساحرًا عظيما قبل ألف عام\. جدرانها مصنوعة من حجر أزرق يُقال إنه يضبط تدفق المانا، وكل كتاب فيها محفوظ بتعويذة حماية\. تقع في قلب العاصمة، وتحتوي على أرشيف كامل لتاريخ الإمبراطورية، بما في ذلك السجلات السرية التي لا يطّلع عليها إلا الإمبراطور ووريثه\. حين دخلوا المكتبة، استقبلهم أمينها العجوز بانحناءة عميقة: \- "مرحبًا بجلالتكم\.\.\. وسمو الامير نيل\." نيل حاول الاعتراض، لكنه لم يجد في نفسه القوة\. استسلم، خاصة بعد أن جلس الإمبراطور في أحد الأجنحة الخاصة، وبدأ يراجع ملفات وأوامر ومخطوطات الدولة\. أما نيل\.\.\. فاستلقى على الأريكة المخصّصة للضيوف\. بدأ بالتذمر: \- "يوم إجازة قال\.\.\. أي نوع من الإجازات تبدأ بمؤتمر أرنبي وزي تنمّري وتنتهي بمكتبة؟" ثم تثاءب طويلاً، وتمتم: \- "أنا أرفض\.\.\. أحتج\.\.\. سأنام\.\.\." وقبل أن يُكمل، كان قد غطّ في نوم عميق، ويداه على بطنه، وأذناه تتدلّيان بجانب الوسادة، وكأنه تمثال سلام وسط عالم من الصخب الورقي\. الإمبراطور نظر إليه وابتسم بهدوء، قبل أن يعود إلى أوراقه، قائلاً دون أن يرفع عينيه: \- "حلمي أن أجعل من هذا الأرنوب الصغير أعظم إمبراطور عرفه التاريخ\.\.\. سواء أراد ذلك أم لا\." بينما كان الإمبراطور غارقًا في مراجعة المخطوطات الممهورة بالشمع الإمبراطوري، وصوت احتكاك الريشة بالورق يملأ الجناح الخاص في مكتبة لومن أركانيس، دوّى صوت خفيف عند مدخل الجناح، أعقبته خطوات هادئة وثابتة\. \- "مرحبًا، جلالة والدي\." رفع الإمبراطور رأسه بهدوء، ليجد ليونيل، ولي العهد، يقف بانحناءة رسمية، مرتديًا زيه الملكي الأنيق، مع وشاح أكاديمي أخضر يرمز إلى تفوقه في قسم السياسة العليا\. ابتسم الإمبراطور وقال: \- "أهلاً، ليونيل\. أتيت في وقت مناسب\.\.\. هل انتهيت من دروسك في الأكاديمية؟" أجاب ليونيل بابتسامة خفيفة: \- "نعم، وقد أردت تقديم تقرير عن لقائي مع كبار ممثلي الدوقيات\. لكن\.\.\. يبدو أنني أقاطع شيئًا مهمًا\." ثم نظر إلى الأريكة، حيث كان نيل مستلقيًا، يغطّ في نوم عميق، وفمه مفتوح قليلاً، وأذناه تتدليان على وجهه بطريقة عشوائية مضحكة\. لم يستطع ليونيل كبح ابتسامته وهو يقول: \- "لم أتخيل يومًا أن أرى شقيقي الصغير نائمًا في قلب المكتبة الإمبراطورية، متنكرًا بأذني أرنب\." أجاب الإمبراطور، وهو يعود بهدوء إلى أوراقه: \- "إنه في يوم إجازته\.\.\. وقد قررت أن يتعرف على جزء من مسؤولياتنا، ولو وهو نائم\." اقترب ليونيل أكثر، وهمس بصوت خافت وهو يراقب نيل: \- "يبدو كدمية من متجر فاخر\.\.\. لكن بطريقة درامية\." ضحك الإمبراطور بخفوت: \- "دمية؟ بل قنبلة موقوتة تنام تحت وسادة ملوّنة\." ثم أغلق إحدى الوثائق، ونظر إلى ليونيل بنبرة جادة: \- "هاتِ ما عندك، ولي العهد\. لنؤجل اللعب بالأرانب حتى ينتهي الشغل\." \.\.\.\.\.\.\.\.\. جلس ليونيل على الكرسي المقابل لوالده، وأخرج من حقيبته الملكية مجموعة من الوثائق المختومة، ثم وضعها أمام الإمبراطور بلطف وقال: \- "هناك بعض الأمور التي تستحق انتباه والدي\.\.\. أرسلها مجلس التحقيق الخاص بالأكاديمية هذا الصباح\." فتح الإمبراطور الوثائق، وعيناه تتحركان بسرعة بين الأسطر\. صمت ثقيل ساد الغرفة، لم يقطعه سوى صوت تنفس نيل العميق وهو نائم، متكور على نفسه كأرنب صغير\. قال ليونيل بنبرة منخفضة: \- "تمكنا من كشف ثلاث حالات تسلل داخل الأكاديمية، ثلاثة طلاب\.\.\. شياطين متخفّون، تسللوا بهويات مزيفة إلى صفوف النبلاء\." رفع الإمبراطور حاجبه قليلًا، وقال دون أن يرفع رأسه: \- "كيف تم كشفهم؟" \- "أحدهم ارتكب خطأ أثناء اختبار سحري عملي، وأثار سحره موجة طيف شيطانية\. من هناك بدأ التحقيق، وبالربط بين العلامات والأنماط السحرية، تم تتبع الاثنين الآخرين\." أغلق الإمبراطور الوثائق بصوت هادئ لكنه ثقيل، وقال: \- "ثلاث شياطين\.\.\. في أكاديميتنا\. هذا ليس خرقًا عاديًا، بل إعلان تحدٍ\." \- "أوافقك، جلالة والدي\. خاصة أن أحدهم كان يتقرب من أبناء بعض كبار النبلاء\." اتكأ الإمبراطور إلى الوراء، واضعًا يده على خدّه، بينما نظر إلى نيل النائم وتمتم: \- "ومن يعلم\.\.\. كم آخر يختبئ بين أروقة الإمبراطورية\." ثم نظر إلى ليونيل وقال بنبرة حاسمة: \- "أرسل تعليمات مباشرة إلى لجنة الأمن الإمبراطوري\. أريد مسحًا سحريًا شاملًا لكل أقسام الأكاديمية\. ولتُستجوب كل الطواقم\.\.\. حتى لو كان أحدهم دوقًا متقاعدًا\." أومأ ليونيل بسرعة: \- "كما تأمر، سأنفذها فورًا\." في تلك اللحظة، تحرك نيل قليلًا، تمتم وهو نائم: \- "لا\.\.\. لا أريد بدلة أرنب أخرى\.\.\. أنا أرنب، لست مهرّج\.\.\." نظر ليونيل نحوه، وهمس بابتسامة جانبية: \- "ربما علينا أن نستعين به لمطاردة الشياطين، يبدو أنه يملك جهاز رصد داخلي\." ضحك الإمبراطور بخفوت، ثم قال: \- "إنه يملك أكثر مما يُظهر\.\.\. لكن دعنا نحافظ على هذا السر، حتى عنه هو\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. بينما كان الإمبراطور يهم بإعطاء مزيد من التعليمات لليونيل، توقّف فجأة، ونظر نحو نيل النائم ثم حمله ووضعه بحضنه\. شيء ما\.\.\. ليس طبيعيًا\. بوووم\- موجة سحرية ضعيفة، لكنها كثيفة ومركّزة، انبعثت من جسد نيل الصغير كأنها تنهيدة من قلبٍ محموم، ثم اختفت كأنها لم تكن\. الأوراق على المكتب اهتزت، والهواء تغيّر للحظة\. ليونيل التفت بحدة، واضعًا يده على مقبض سيفه السحري: \- "ما هذا؟\!" لكن الإمبراطور لم يجب، بل كان يحدّق بنظرات متجهمة في نيل، الذي بدأ وجهه يتلوى بالألم\. \- "أآه\.\.\. آآه\.\.\. أبي\.\.\." تمتم نيل وهو يغوص أكثر في حضن الإمبراطور، جسده يرتجف، وجبهته تتصبب عرقًا\. حرارته ترتفع بسرعة\. \- "نيل؟" همس الإمبراطور، ووضع يده على جبينه، ثم اتسعت عينيه قليلاً، "إنه يحترق\.\.\.\!" بدأ نيل بالبكاء الخافت، وهو يتخبط قليلًا، غير واعٍ تمامًا: \- "مؤلم\.\.\. توقف\.\.\. توقف\.\.\." لم ينتظر الإمبراطور\. وضع يده على قلب نيل، وبدأ بنقل سحر هادئ ودافئ عبر جسده، يحاول موازنة طاقته، في حين كانت نبضات نيل غير منتظمة، وسحره يتقلب داخله كعاصفة صغيرة تبحث عن مخرج\. ليونيل، قلقًا، اقترب خطوة: \- "هل هو مريض؟ أم أن جسده\.\.\. يتفاعل مع شيء؟" \- "لا أعلم بعد\.\.\." قال الإمبراطور بصوت منخفض وهو يضغط على صدر نيل قليلاً، "لكنه ليس مجرد سحر\.\.\. ليس بعد الآن\." سكت لثوانٍ، ثم أضاف وهو ينظر نحو الباب: \- "استدعِ كبير الأطباء الإمبراطوريين فورًا\. وقائد فرقة السحر أيضاً\. لا نعلم ما الذي يحدث، لكن من المؤكد أن نيل\.\.\. يتغير\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. بعد دقائق فقط، سُمِعَت خُطى سريعة ومهيبة في أروقة المكتبة الإمبراطورية، حتى فُتح الباب الكبير، ودخل رجلان يرتديان عباءتين فاخرتين كلٌ على طريقته: الأول كان كبير الأطباء الإمبراطوريين، البروفيسور أليرون فالدن، رجل مسنّ ذو نظارات رفيعة، يحمل حقيبة معدنية أنيقة، وعلى وجهه نظرة صارمة لا تعرف المزاح\. والثاني كان كبير سحرة البلاط الإمبراطوري، الساحر لوسيان ديرافن، طويل القامة، بردائه الأرجواني المطرز، وعصاه المذهّبة في يده، تتلألأ بالأختام القديمة\. انحنيا باحترام أمام الإمبراطور، وقال أليرون: \- "جلالتك، جئت فورًا كما أمرت\. أرجو أن لا يكون الأمير الصغير في وضع خطير؟" وقبل أن يقترب، ضغط نيل بشدّة على عباءة والده، وجهه مبلل بالدموع، وعيناه البنفسجيتان تلمعان بخوف\. صرخ فجأة: \- "لا\! لااا\! لا تقترب مني أيها العجوز ذو الإبر\!" أليرون، وقد أخرج بالفعل حقنة أنيقة مليئة بسائل أزرق، توقف في مكانه، متفاجئًا من حدة رد الفعل\. الإمبراطور بصوت هادئ وهو يربت على ظهر نيل: \- "اهدأ، نيل\.\.\. لا شيء سيؤلمك، لن أسمح بذلك\." لكن نيل لم يهدأ، بل دفن وجهه أكثر في صدر والده: \- " إنه سيطعني بالإبرة\! أنا لا أريد\! أبي، ابعدهم\.\.\.\!" لوسيان اقترب خطوة، يمرر يده أمام وجهه لتفعيل تعويذة التحليل، وقال: \- "عجيب\.\.\. السحر اختفى بالكامل، كأنه لم يكن\.\.\. لكنني متأكد أن موجته كانت عميقة للغاية، شيء بهذا المستوى لا يصدر من طفل\.\.\. ما لم يكن دمه\.\.\. غير عادي\." \- "إنه ليس مريضًا فقط، بل سحره يمر بتحول ما\.\.\." تابع لوسيان وهو يضيّق عينيه\. الإمبراطور قال بهدوء، دون أن يترك نيل من حضنه: \- "لن تعطيه الحقنه\. ليس قبل أن يهدأ\." ثم نظر إلى لوسيان: \- "تابع تحليل السحر دون أن تلمسه\. فقط من بعيد\." أليرون تنهد، وهو يعيد الحقنة إلى الحقيبة: \- "كما تشاء، جلالتك\.\.\. لكن إن استمرت حرارته بالارتفاع، سيكون علينا التدخل\.\.\. مهما كان الأمر\." الإمبراطور قال بنبرة حاسمة وهو ينظر إلى نيل المتشبث به كطفل غريق: \- "إنه ارنبي\.\.\. وأنا من سيتحمل ذلك\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. وقف لوسيان ديرافن في موضعه، عصاه ترتفع قليلًا أمام صدره، تتوهج أطرافها بنور خافت مائل إلى الزرقة وهو يتمتم بتعاويذ تحليل سحرية معقّدة\. رموزٌ دائرية بدأت بالدوران أمام عينيه، ثم تجمّدت فجأة\. \- "هذا\.\.\. مستحيل\.\.\." رفع لوسيان نظره نحو الإمبراطور ببطء، وجهه شاحب وملامحه مشدودة بصدمة واضحة\. \- "جلالتك هذا السحر\.\.\. لا يمكن أن يصدر عن جسدٍ لم يكن يملك مانا سابقًا\. لقد خضع الأمير نيل لاختبار عند ولادته\.\.\. ونتيجته كانت صريحة: لا يحمل سحرًا\." اقترب خطوة أخرى وهو يحدق في هالة نيل التي بدأت تختفي كأنها لم تكن\. \- "لكن الآن\.\.\. ينبعث منه سحر بموجات تتجاوز حتى التصنيف الملكي\. كأن شيئًا غريبًا قد\.\.\. استيقظ\." الإمبراطور لم يرد، كان كل تركيزه منصبًا على الطفل المرتجف بين ذراعيه\. نيل، وجهه محمر من الحرارة والدموع، بدأ يأنّ بألم متقطع، ثم انفجر مجددًا بالبكاء: \- "أاااه\.\.\. يؤلم\.\.\.\! أبي\.\.\. أبــــي\!" الإمبراطور، بقلب والد قبل أن يكون حاكمًا، ضمّه إليه بقوة، وهمس في أذنه بنبرة دافئة خافتة: \- "هششش\.\.\. لا تبكِ، أرنبي الصغير\.\.\. بابا هنا، بابا لن يتركك\.\.\." ثم نظر نحو أليرون وأشار بيده: \- "أعطني الحقنة\." تردد الطبيب لوهلة، ثم سلّمه الحقنة ذات السائل الأزرق الهادئ\. الإمبراطور جلس بهدوء على كرسيٍ كبير، ووضع نيل في حجره برقة، هامسًا له: \- "اسمع، نيل\.\.\. ستكون بخير\. إنها فقط لسعة بسيطة، ثم سيزول الألم\." لكن نيل هز رأسه بعنف، وهو يشهق بالبكاء: \- "لا أريد\! لاااا\! بابااا\-\!" ابتسم الإمبراطور رغم كل شيء، وربّت على رأسه: \- "بابا سيأخذها معك، أرأيت؟ لا تخف\." ثم ببراعة ناعمة، وفي لحظة لا يكاد نيل شعر بها، غرز الإبرة في ذراعه الصغيرة، وهو يهمس: \- "انتهى\. كنت شجاعًا، أرنبي\." ارتجف نيل قليلًا، لكنه لم يصرخ\. عوضًا عن ذلك، عانق الإمبراطور بقوة، دفن وجهه في صدره، وبدأ أنفاسه تضعف قليلًا\.\.\. حتى بدأ يهدأ\. \- "بابا\.\.\. أنا متعب \.\.\." تمتم بصوت ناعس\. \- "نم، نيل\.\.\. كل شيء سيكون على ما يرام\." في الخلف، وقف لوسيان ويده على ذقنه، يراقب المشهد بصمت، وعيناه تضيقان\. \- "جلالتك\.\.\. قد يكون هذا التحول علامة على شيء أكبر مما نتصور\.\.\. ربما لم يكن الأمير نيل بلا سحر\.\.\. بل كان نائماً\." رفع الإمبراطور نظره، عينيه تشعّان بخطورة: \- "راقب الأمر\.\.\. عن قرب\. ولا تخبر أحدًا\. هذا أمر إمبراطوري\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. ساد صمتٌ هادئ في المكتبة الإمبراطورية ، بعدما غادر لوسيان وأليرون وبقية الخدم بتوجيه من الإمبراطور\. لم يتبقَ سوى الإمبراطور ونيل، النائم شبه مستيقظ بين ذراعيه، وجهه الطفولي لا يزال محتقنًا من أثر الحرارة والدموع، وجسده الصغير يتقلب بخفّة\. كان نيل مطرقًا، شبه نائم، ولكن عقله لم يكن كذلك\. «أنا\.\.\. أتصرف كطفل\.\.\.» مرّت الفكرة في ذهنه بصوت خافت، وكأنها اعتراف لا يريد البوح به\. «صراخي\.\.\. دموعي\.\.\. كل مرة أظن أنني سأتمالك نفسي، أنهار من جديد\.\.\. ما الذي يحدث لي؟ هل هذا جسدي؟ أم مشاعر نيل الاصلي ؟» لكنه، رغم التفكير، لم يقاوم الدفء\. فقد كان بين ذراعي الإمبراطور، حيث لا حاجة للتظاهر\. جلس الإمبراطور على الأريكة الوثيرة، ذراعه تطوق نيل دون وعي، بينما كان يتبادل أطراف الحديث مع ليونيل الواقف أمامه\. \- "ثلاثة شياطين، يا ليونيل\.\.\. داخل الأكاديمية التي بُنيت لحماية مستقبل الإمبراطورية\." قالها بنبرة هادئة، لكنها عميقة، تحمل غضبًا صامتًا\. ليونيل، بجسده المنتصب كالعادة ووجهه الجاد، أومأ باحترام: \- "أمرت فرقة التحقيق العليا بتسليم تقارير أولية، لكن يبدو أن هناك تقصيرًا من بعض فرسان الحراسة في الجناح الشمالي\." الإمبراطور أشار بإصبعه: \- "ابدأ بالتحقيق مع الفرسان أولاً\. إن وُجد بيننا من يُخفي الشياطين، فلن أرحمه، حتى لو كان من الدماء النبيلة\." \- "كما تأمر، جلالة والدي\." مد الإمبراطور يده، وبتعويذة بسيطة، فُتح أمامه بوابة نقل سحرية خافتة النور\. ضمّ نيل إليه أكثر، وهمس له: \- "عدنا إلى البيت، أرنبي\." في الجناح الإمبراطوري، تحديدًا في غرفة النوم الهادئة المغطاة بألوان دافئة، وضع الإمبراطور نيل على سريره الخاص المحاط بستائر شفافة مزيّنة بالذهب\. غالبًا ما كان نيل يرفض النوم هنا، لكن الليلة لم ينبس ببنت شفة، فقط تحرك قليلًا وتمتم وهو نصف نائم: \- "لا تأخذ الحلوى\.\.\." ابتسم الإمبراطور بخفة، وأعاد ترتيب الغطاء عليه\. ثم وقف أمام الرف الحجري الكبير، حيث وضعت بإحاطة زجاجية صورة لامرأة ذات شعر أبيض كالثلج، وعيون بنفسجية عميقة تشبه الأرجوان المظلم\. إليانورا\.\.\. \- "نيل يشبهكِ كثيرًا، حتى في دمعته\.\.\. أما ليونيل وأدريان، فهما نسختاي، في كل شيء\." رفع الصورة ببطء، حدّق فيها طويلًا، وابتسامة عابرة مرت على شفتيه: \- "أتساءل، لو كنتِ هنا\.\.\. كيف كنتِ ستتعاملين مع هذا الأرنب الصغير؟" ثم أعاد الصورة مكانها، ووجهه استعاد صرامته المعتادة، لكن عينيه\.\.\. بقيتا موجهتين نحو نيل، بنظرة غامضة، متأملة\. جلس الإمبراطور بجانب نيل على حافة السرير، عينيه لا تزالان تحدقان في ذلك الوجه الصغير الهادئ وقد انخفضت حرارته أخيرًا، فيما امتدت يده يداعب خصلات شعره البيضاء بلطف\.\.\. تمامًا كأنها ذكرى حيّة\. ثم، وبلا مقدمات، غرق في أفكاره\. إليانورا\.\.\. كانت تظهر فجأة، في ذاكرته، كضوء خافت يخترق الظلام\. امرأة لطيفة، دائمًا ما ترتدي ابتسامة دافئة\.\.\. تتحدث بنبرة هادئة، تضحك بخفة، وتبدو\.\.\. ساذجة\. أجل، كانت تتظاهر بالسذاجة\. حينما كان هو وليًا للعهد، لم تكن إليانورا أكثر من فتاة نبيلة من إحدى العائلات الفرعية\. لم تكن لافتة في مجالس السياسة، ولا حاضرة في خطط الزواج الملكي، لكنها كانت دائمًا هناك\.\.\. تضحك، تثرثر، تتحدث إلى الزهور في الحدائق وتطعم الطيور الخبز في الفجر\. وقد راقبها\. فقط من باب الفضول\. \- "ما الذي يدفع فتاة نبيلة لتعيش بهذه البساطة؟ هل تتصنع ذلك؟ هل تختبئ خلف ابتسامتها؟" كان يظنها ضعيفة\. لكن مع مرور الوقت، أدرك الحقيقة\. كانت أذكى منهم جميعًا\. كانت تقرأ الجميع كما تقرأ الكتاب المفتوح، تختار كلماتها بدقة، تسكت حين يجب السكوت، وتظهر سذاجتها عندما يكون الذكاء خطرًا\. لم تحاول إغراءه، لم تحاول الاقتراب منه، لكنها\.\.\. صارت قريبة\. وهو، الإمبراطور الحديدي، لم يعلم متى حدث ذلك بالضبط\. مجرد لحظة واحدة، نظر إليها\.\.\. ورأى السحر\. رفع نظره نحو السقف، تنهيدة طويلة خرجت منه وهمس بصوت شبه خافت: \- "لقد جعلتني ألاحقكِ، دون أن تقولي كلمة واحدة\." ثم نظر نحو نيل النائم بجانبه، وقال بهدوء: \- "هل تركتِ لي هذا الأرنب الصغير\.\.\. كي لا أنسى؟" صمت، بينما كان الليل يزداد هدوءًا\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"الأمير الكسول يرفض البطولة!"

المؤلف rwzi_1
2025/07/12 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: بداية غير مرغوبة
2025/07/12
الفصل 20: تاريخ يتكرر!!!
2025/07/13
الفصل 21: ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر
2025/07/13
الفصل 22: طاغية يستمتع ... في تعذيبي !!
2025/07/13
الفصل 23: زواج الأرنب...و دموع جنيات
2025/07/13
الفصل 24: الموكب الملكي... بين الأرنب والسنجاب والسهم الوردي
2025/07/13
الفصل 25: الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري
2025/07/13
الفصل 26: ليس مجددا التنين .... و الفراغ!!
2025/07/13
الفصل 27: أجنحة رماد و دماء جنيات
2025/07/13
الفصل 27: سقوط الفأر....وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 28: سقوط الفأر وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 29: شيفرة الخيانة... ونبض إليانورا الأخير
2025/07/13
الفصل 30: الصغير و المجنون
2025/07/13
الفصل 31: حاجز من جحيم .....وعقاب الارنب
2025/07/13
الفصل 32: حين قرر الأرنب أن يقفز من سريره... فوق رؤوس الجميع!
2025/07/13
الفصل 33: سيف، عناق، و50 جنيّة غاضبة
2025/07/13
الفصل 19: شيطان في خدمتك ؟
2025/07/13
الفصل 18: أمي ؟
2025/07/12
الفصل 17: أبي يفضل الأرنب
2025/07/12
الفصل 2: صباح كارثي
2025/07/12
الفصل 3: النظام وصدمة الكبرى
2025/07/12
الفصل 4: عودة الأخ... الأكبر مكبرة جدا
2025/07/12
الفصل 5: الأرنب الملكي في ورطة ملكية
2025/07/12
الفصل 6: زفاف الملكي للارنب المتمرد
2025/07/12
الفصل 7: هل غيرت رواية دون أن أدري ؟
2025/07/12
الفصل 8: راين متجسد !!!!!!
2025/07/12
الفصل 9: ألارنب الملكي في جولة !
2025/07/12
الفصل 10: عائلة ڤالينثرا
2025/07/12
الفصل 11: حفلة ملكية على شرف الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 12: حفلة تعذيب؟
2025/07/12
الفصل 13: مهمة إنقاذ الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 14: عودة أدريان هل هذا سيء ؟
2025/07/12
الفصل 15: أذهبوا إلى الجحيم ؟!
2025/07/12
الفصل 16: صراع الأرنب والديك
2025/07/12
الفصل 34: أنا أريد الحلوى... لا البطولة
2025/07/13

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة