وقف ريتشارد على حافة برج المراقبة الشمالي، معطفه الأسود يتمايل مع الرياح، وعيناه معلقتان في الغابة التي غابت فيها عربة أطفاله\. مدّ يده إلى السماء دون أن يقول كلمة\. وهج ناري انطلق من خاتمه الإمبراطوري، وفي غضون لحظات، ظهرت العنقاء\. طائر ناري هائل، ريشه يتلألأ بين البرتقالي والقرمزي، وجناحاه ينبثقان من اللهب الصافي كأنهما شُكلا من شمس محترقة\. هبطت برقة، وركع الطائر أمام سيده\. ركبها ريتشارد بخفة، كأنّه فعل ذلك آلاف المرات، وأطلقها في الجو\. وهو يحلق فوق الممالك، همس لنفسه: "التاريخ يعيد نفسه\.\.\. منذ عهد الإمبراطور الأول\.\.\. حتى أنا\." عينا ريتشارد انعكست فيهما صور من الماضي\. صور إليانورا، زوجته الراحلة، وهي تضحك بخجل في حدائق القصر، تحكي حكايات سخيفة، وتفتعل التعثر، وكأنها مجرد فتاة بريئة وسط وحوش السلالة الملكية\. "لم أكن أعلم أنها جنية\.\.\. لم يخبرني أحد\. لم تخبرني هي\." صوته خرج كهمس بارد وسط اللهب\. "لكنها كانت تكذب بذكاء، تُخفي\.\.\. تتظاهر بالسذاجة، وكنت أصدقها، كأحمق مغرم\." صمت لبرهة، ثم تابع: "لم أبدأ أشك، حتى أريت نيل\." كان يعلم\.\.\. تلك العيون البنفسجية ليست من سلالة البشر\. ذلك الشعور حين ينام نيل في حضنه\.\.\. وكأن العالم يتوقف\. الهالة التي تحيط به\.\.\. لم تكن عادية\. والآن، وقد بدأ كل شيء يُكشف، بدأ ريتشارد يفهم\. "الجنيات ليسوا مجرد كائنات خرافية كما يخبرنا الكهنة، بل سلالة تمتد جذورها في جوهر هذا العالم، تحكمه من الظل\." همس وهو ينظر إلى السماء: "وأخطرهم هم الأربعة\." \-\-\- النوع الأول:السُداسيّون\. حماة التوازن\. جنيات بأجنحة سداسية الشكل، يملكون قدرات ترتبط بالقوانين العليا للطبيعة\. كانوا دومًا درعًا بين عالم البشر من ممالك الشياطين\. هم الذين يحمون "الجني المختار"، ويحركون التاريخ من خلف الستار\. \-\-\- النوع الثاني:الرؤيويون\. جنيات يولدون بقدرة فطرية على رؤية المستقبل، وتشويه الزمن، وكشف ما وراء الحُجب\. نادرو الظهور، وكثيرًا ما يُخافون حتى بين الجنيات أنفسهم\. إليانورا\.\.\. كانت واحدة منهم\. لكنها أخفت ذلك\.\.\. حتى عن عائلتها\. ريتشارد يتذكر تلك الليلة التي نطقت فيها بكلمة لم تحدث بعد، وغيّرت مجرى معركة كاملة\. حينها، عرف الحقيقة\. \-\-\- النوع الثالث: الظلّ الغامض\. فئة مجهولة بين الجنيات، نادرة للغاية\. يُقال إنهم لا يُولدون بل "يتحولون" من إرادة الطبيعة عندما يختل التوازن\. قواهم غير معروفة بالكامل، لكن يُشاع أنهم قادرون على محو ذاكرة العالم نفسه، وخلق واقع موازٍ\.\.\. لوهلة فقط\. ولا أحد يعرف إن كان أحد منهم لا يزال حيًا\. \-\-\- النوع الرابع: المُختار\. جني واحد في كل جيل\. يولد في هيئة بشرية، لكنه يحمل جوهر الفوضى والنظام معًا\. وجوده يغير خريطة القوة في العالم\. نيل\.\.\. هو هذا المختار\. وجهه البريء لا يُظهر شيئًا، لكنه مفتاح لعصر جديد\.\.\. أو خراب شامل\. \-\-\- أمسك ريتشارد بريش العنقاء، وأغمض عينيه\. "لقد كنتم تراقبونني، تخفون أسراركم، تخدعونني باسم الحب\.\.\. لكن الآن، انتهى وقت الحكايات\." فتح عينيه مجددًا، ودوامة لهب دارت حوله\. "أزرغيث استيقظ\. ونيل ليس مستعدًا بعد\. لذا، سأسبقهم جميعًا\." صرخ في العنقاء: "إلى بوابة الرماد\! افتحي لي الطريق، سأذهب بنفسي وأقطع رأس ملك الشياطين\." صرخة الطائر الناري هزّت السماء، واندفعت العنقاء إلى أعماق السحب، تاركة خلفها لهبًا لم يُر مثله منذ أزمنة الأباطرة الأوائل\. \-\-\- فيما كانت العنقاء تمزق السحب بنيرانها، ظهر صدع سحري في الأفق، وتجلّى منه ثلاثة رجال، يقفون على طبقة رقيقة من الضوء\. هبطوا دفعة واحدة أمام العنقاء، مما جعلها تتوقف في الهواء وتضرب بجناحيها بقلق، وكأنها تعرف من هؤلاء\. ريتشارد عبس\. "أنتم\.\.\." وقف أمامه ثلاثة رجال، يشبهونه بشكل أو بآخر، لكلٍّ منهم هالةٌ مرعبة:  الأول كان طويل القامة، ملامحه حادة مثل السيف، يرتدي درعًا أبيض بلون العاج، وعيناه الحمراوان جليديتان\. "إلياس"، الأخ الأكبر، إمبراطور الجنوب، حارس حدود \.  الثاني، بشعر ابيض كثيف، وعينان رماديتان لامعتان، يحمل على ظهره سيفًا ضخمًا يشبه عظم تنين\. "كايرن"، الأخ الأوسط، سيد المرتفعات، وقاتل ألف وحش\.  الثالث، الأقصر بينهم، يبتسم دائمًا، لكن عينيه لا تضحكان، يلبس معطفًا أحمر ويحيط به بخار بارد\. "ميلفون"، الأخ الأصغر، الذي تخلى عن لقبه الملكي وسكن بين الظلال\. إلياس صرخ من بعيد: "توقف، ريتشارد\! هذا جنون\!" كايرن شتم وهو يقترب: "أنت تعرف أنه لا يمكنك مقاتلة أزرغيث في حالتك\! دمك ليس نقيًا\.\.\. إنك نصف شيطان\!" ميلفون رفع حاجبه\. "والمصيبة الأكبر أنك مختوم أيضاً\.\.\. قوتك الحقيقية لا تزال محاصرة منذ معاهدة أسترا\." ريتشارد تجاهلهم للحظة، وضرب العنقاء بقدمه لتستدير حولهم في دائرة نارية\. "لن أقف مكتوف الأيدي بينما يقترب أزرغيث من نيل\. لن أكرّر خطأ الإمبراطور الأول\." إلياس أمسك بلجام العنقاء، مُجبرًا إيّاها على التوقف\. "ستموت يا ريتشارد\.\.\. ولن يبقى لنيل سوى ذكراك\." ريتشارد نظر له بنظرة طويلة، كأنّ بها ألف حرب سابقة\. "إذن، أتركوني أموت واقفًا\." كايرن اقترب، ووضع يده على كتف أخيه\. "لا أحد سيمنعك\. فقط\.\.\. لا تكن أحمقًا\." ميلفون ابتسم ابتسامة مائلة وقال: "على الأقل، خذ هذا\." ورمى إليه قطعة بلّورية صغيرة، مغطاة بخطوط سحرية حمراء\. "سِرّ عائلتنا\.\.\. محفوظ هنا\. قد يفيدك\." ريتشارد أمسك بها بصمت، وقلبه يضطرب\. \-\-\- "بيت أورفال – قصر الجنيات" في أعماق الغابة المضيئة، حيث الأشجار تهمس بالأغاني القديمة، وصل طائر زجاجي إلى شرفة قصر عائلة إليانورا\. كان يحمل رسالة مطوية بالشمع الإمبراطوري\. فتحها اللورد أورفال، وعيناه البنفسجيتان توسعتا مع كل كلمة\. "الإمبراطور تحرّك\. أزرغيث استيقظ\. الحرب قادمة\. جهّزوا المختار\." وقع الرسالة: ليستر\. صمت عمّ القصر، وارتفعت نسائم السحر القديم من تحت الأرض، وكأن الجنيات أنفسهن بدأن الاستيقاظ\. \-\-\- في العربة التي تنطلق بين الجبال، غطّى الغروب الحزين وجوه الأشقاء الثلاثة\. نيل، الذي كان هادئًا، بدأ فجأة بالبكاء بحرقة، كأن قلبه شعر بما يجري\. ليونيل حاول أن يهدئه، هدهده ولفّه بردائه\. "ش ش ش\.\.\. لا بأس، كل شيء سيكون بخير، نيل\." لكن نيل تمسّك بقميصه وواصل النحيب\. أدريان، من جهته، أخرج فم دمية أرنبية من أحد جيوبه، ووضعها على يده وبدأ يقلّد صوتاً مضحكاً: "أنا الأرنب الملكي\! لا تبكِ، وإلا سآكلك\!" نيل توقف للحظة، ثم أطلق شهقة ضاحكة وسط دموعه\. ليونيل ابتسم رغم توتره و همس ل أدريان\. "لقد شعر أن والدي بخطر، أليس كذلك؟" أدريان تنهد وهو يراقب الأفق\. "أجل\.\.\. وقلبي يقول إن كل شيء على وشك التغيّر\." وبين بكاء نيل، ولهيب العنقاء، وصمت الجنيات\.\.\. بدأت الحرب تُولد من جديد\. \-\-\- في عمق القبو السفلي لقصر الظلال، حيث الجدران تهمس بالأسرار المنسية والظلال ترتعش من الخوف، دوّى صوت ارتطام عنيف\. ركلة أزرغيث الأخيرة اخترقت جسد داريوس كرمح\. صرخ داريوس بأعلى صوته، صرخة مدوية كأنها مزّقت روحه قبل ضلوعه\. الهواء خرج من رئتيه كشهقة أخيرة، وجسده انكمش من الألم، يسقط على الأرض كما تسقط أوراق محترقة من شجرة جافة\. لكن ما إن دوّى الصراخ حتى توقّف أزرغيث\. عينيه الحمراوين اللامعتين اتسعتا، وكأن الصوت اخترق شيئًا في داخله\. ظلّ للحظة صامتًا، ثم\.\.\. ركع فجأة بجانبه\. — "أوه، لا، لا، لا\.\.\. لا تصرخ هكذا، داريوس\. لا أريدك أن تصرخ هكذا، ليس مني\.\.\." صوته المرتبك خرج هامسًا\. مدّ يده المرتجفة، ورفع داريوس من ذقنه، ينظر في وجهه المبلل بالدم والدموع\. ثم، كطفل مذعور، احتضنه\. ضمه بقوة، كأنه يخاف أن يتبخّر بين ذراعيه، كأن الألم الذي سببه له قد يتسرّب إلى قلبه\. — "أنا آسف\.\.\. لا، لست آسفًا\.\.\. لكنك أجبرتني، داريوس\. أجبرتني أن أذكّرك، أن تُشعرني بأنك ما زلت تنتمي لي\." بدأ السحر يتسرّب من أصابعه، دافئًا، خافتًا، يخيط الأضلاع المتكسرة، يعيد ترتيب الدماء في العروق، ويخفف النزف\. همس وهو يهدهده: — "هشش\.\.\. لا بأس، صغيري\.\.\. سيختفي الألم قريبًا، أعدك\. ستمشي مجددًا\.\.\. وستنحني أمامي بذات القوة التي أريدها\." ثم شدّه نحوه أكثر، وجعل جبينه يلامس جبين داريوس\. — "أتدري؟ كنت أحلم بك البارحة\. كنتَ تبتسم لي\. كنتَ تحارب من أجلي\.\.\. كنتَ تقول: أنا ملكك، سيدي\. قلها مجددًا، داريوس\.\.\. أرجوك\." داريوس لم يستطع الرد\. الدموع انزلقت من عينيه بصمت\. أزرغيث ضحك\. ضحكته لم تكن سعيدة، بل مرتجفة، متكسرة، مجنونة\. — "أوه، هذه الدموع\.\.\. كم أحبها\. طعمها أجمل من دم أعدائي\. لكن تذكّر\.\.\." سحبه من شعره فجأة، عينيه تشتعلان بجنون: — "لا تبكِ إن لم آمر بذلك\. لا تتألم إن لم يكن لي\. كل شيء فيك\.\.\. يخصني\. وجعك، خضوعك، نظراتك\.\.\. حتى تلك العين البنفسجية اللعينة\.\.\. ملكي\." ثم أعاد احتضانه، يقبّل رأسه كأبٍ مشوّه، يعالج جرحًا صنعه بيديه، ويبرر ذلك باسم الحب\. — "صغيري داريوس\.\.\. في هذا العالم القذر\.\.\. أنت الشيء الوحيد الذي لا أريد أن أحطمه\." لكنه همس بعدها، بنبرة أخفض من أن يسمعها أي مخلوق: — "\.\.\.لكنني سأفعل، إن حاولت الهرب\." وبينما أنفاس داريوس تهدأ، كان قلبه يصرخ بصمت\. في قبو الظلال\.\.\. الحب والجنون متشابكان، والدفء لا يأتي إلا بعد أن يُكسر العظم\. \-\-\- أزرغيث، بعد أن هدأ تنفّسه، حمل داريوس من الأرض كما يُرفع طفل مريض، بين ذراعيه السوداوين المغطتين بعباءته الثقيلة\. لم يكن في لمسته قسوة الآن… بل رعب من فقدان شيء ثمين، حتى لو كان هو من حطّمه\. نظر إلى وجهه المتورم والملطخ بالدماء، فتنهد تنهيدة عميقة، ثم تمتم بهدوء: — "اذهب الآن… استحمّ\. اغسل هذا القذارة عن جسدك\. أنا… لا أحب رؤيتك بهذه الحالة، حتى لو كنتُ من صنعها\." وصل إلى مدخل القبو، وبلطف نادر، أنزل داريوس على قدميه، ثم مسح برفق أثر الدم الجاف عن خده بإبهامه\. — "ولا تنسَ… غطّ عينك قبل أن أراها مجددًا\." داريوس أومأ، لم ينبس بكلمة\. كان بالكاد يجر قدميه\. \-\-\- في الحمّام الرخامي الفاخر، حيث الماء يتدفّق دافئًا فوق الحجر الأسود، جلس داريوس على الأرض، عارٍ، ظهره منحنٍ، وكتفاه يهتزان\. انفجرت دموعه بصمت، تساقطت في حضنه، امتزجت بالماء والصابون، لا أحد ليسمعه هنا… ولا سيده ليراه\. كان يبكي بصوت مكتوم، كأن قلبه ينزف، لا من الألم الجسدي وحده، بل من التشويش، من الضياع، من ذلك الجنون الذي يُسمى أزرغيث\. — "لماذا… لا أكرهه؟ لماذا حين يحتضنني… أشعر أني طفل تائه وجده بيته؟" همس لنفسه، وهو يُغسل وجهه المبلل بالدمع\. انتهى من الحمّام، جفف جسده المرتجف، وارتدى ملابس سوداء ناعمة جديدة، تركها أحد الخدم قرب الباب دون أن يراه\. ثم لفّ عينه مجددًا بشريط حريري داكن\. وقف أمام المرآة للحظة، ينظر لنفسه بعين واحدة فقط\. — "أنا مجرد ظل…" فكر\. ثم خرج\. \-\-\- في الأعلى، في قاعة العرش المغطاة بالدخان الأحمر والستائر القرمزية، كان أزرغيث جالسًا كملكٍ مجنونٍ فوق عرشه\. يحمل كأس نبيذ أسود كالدم الميت، وأنبوب التدخين الطويل يخرج منه دخان أحمر قاتم، يعبق برائحة الكبريت والتوت المُختمر\. حين لمح داريوس يدخل، قال دون أن ينظر إليه: — "اقترب\." داريوس مشى بصمت، رأسه منخفض\. — "اقترب أكثر\." حين صار أمامه، أشار له أزرغيث بإصبعه أن يجلس\. لكن ليس على الأرض… بل على فخذيه\. جلس داريوس في حضنه بتردد، وذراعا أزرغيث أحاطتا به دون استئذان\. بدأ يُمرر أصابعه ببطء في شعره الرطب، يسرّحه بأظافره الحادة برفق غريب، وكأنه يعزف عليه لحنًا جنائزيًا\. همس: — "هكذا… هذا ما أريده\. أن تكون هادئًا… قريبًا… بين يديّ\." ثم مال إليه، واستنشق شعره كمن يدمن عطرًا مسمومًا\. — "الحمّام نفعك\. رائحتك الآن تشبه البداية… حين وجدتك\." صمت لحظة، ثم رفع كأس النبيذ، وارتشف رشفة\. — "داريوس… هل تعرف ما معنى أن تكون لي؟ أن تكون الشيء الوحيد الذي لا يمكنني أن أُهمله أو أقتله بسهولة؟" داريوس لم يرد\. لكن أزرغيث ابتسم\. — "لا بأس… لا تجب\. فقط ابقَ هنا\. لا تتحرك… لا تبكِ… ولا تغلق عينيك\." ثم همس، كأنما يكلّم نفسه أكثر منه: — "لو كنتَ عدوي… لربما أحببتك أكثر\." \-\-\- لم يدم الصمت طويلًا\. انفتح باب القاعة بهدوء حذر، ودخل شاب نحيل يرتدي زيّ الخدم الجدد، شَعره الأبيض ناعم ومرتب، وعيناه بلون الياقوت الاحمر\. انحنى بعمق، صوته بالكاد يُسمع: — "المعذرة… سيدي، اسمي زالفان\. أُرسلت لأ—" — "اخرج\." قالها أزرغيث ببرود قاتل، دون أن ينظر نحوه حتى\. زالفان تجمّد في مكانه، وكأن الهواء اختفى من الرواق\. لم يكن يتوقع أن يُطرد قبل أن يُكمل جملته\. أزرغيث أدار رأسه ببطء، وعيناه تشعّان بوميض قرمزي خافت\. — "ألم تسمع؟ قلتُ… اخرج\. قبل أن أفقد مزاجي الطيّب وأحوّلك إلى فقاعة دم\." لم يحتج زالفان لسماع تهديد آخر\. انحنى مجددًا حتى لامس جبينه الأرض، ثم انسحب راكضًا، كأن الموت نفسه كان خلفه\. \-\-\- أزرغيث تنفّس دخانًا طويلًا من أنبوبه، ثم نفثه ببطء، كأنما يطرد أثر وجود زالفان من القاعة\. — "الخدم الجدد لا يعرفون مكانهم…" تمتم، ثم نظر إلى داريوس الذي ظلّ جالسًا في حضنه، كأنما متخشبًا\. — "أسترخِ… لا داعي لأن تتجمّد هكذا، أنت لست خادمًا\." ثم وضع كفه على صدره، فوق قلبه، وضغط بخفة: — "نم\. لن أتركك تسقط\. أنت بأمان، نسبيًا… طالما أنا لا أغضب\." داريوس أغمض عينه الوحيدة، ببطء، كمن يتنازل عن وعيه، واستسلم لدفء مُربك، لا هو حنان ولا هو تهديد\. \-\-\- أزرغيث أدار نظره نحو فراغ في الهواء، ثم رفع يده اليمنى، ورسم دائرة من المانا السوداء\. ارتفعت ألسنة لهب زرقاء من الفراغ، وخرج منها طائر عملاق بجناحين متوهجين، وريش يلمع كالسيوف الزجاجية\. كانت "أسترا"… العنقاء الخاصة به، حارسة ورفيقته القديمة\. هبطت بجواره، طيّرت الرياح عباءته ودخان النبيذ، وانحنت أمامه، غير ناطقة\. — "أسترا… مملكة الشياطين تنبعث منها رائحة خيانة\." ارتفعت رأسها، عيناها تتوهجان بلون النيازك\. أكمل: — "اذهبي\. حلّقي فوق سبعة أعمدة، ثم فتّشيهم واحدًا تلو الآخر\. إن وجدتِ من يتلاعب، لا تلمسيه\. فقط راقبيه… سأقتله بنفسي\." أسترا نقرت الأرض بمخلبها، ثم رفّت بجناحيها واختفت في شرارة زرقاء\. \-\-\- عاد أزرغيث ليشرب من كأسه، ثم أخذ نفسًا عميقًا من أنبوبه، عاقدًا حاجبيه\. همس وهو ينظر إلى داريوس النائم في حضنه: — "الخونة من الخارج… والموت من الداخل\." ضحك، ضحكة هادئة، ثم أغلق عينيه: — "لعبة جميلة بدأت… ولن ينجو منها إلا من يعرف كيف ينام في قلب العاصفة\." \-\-\- هبط الأربعة على قمة الجبل، حيث لا تصل الأصوات، ولا تتنصّت الطيور\. كانت القمّة تغصّ بالثلج، والهواء يلسع الجلد كالسكاكين\. وقف ريتشارد أمام إخوته الثلاثة، الرياح تعبث بردائه الطويل وشعره الفضيّ يتطاير حول وجهه الجامد\. قال إلياس بصرامة وهو يشبك ذراعيه: — "حسناً… نحن هنا\. تحدث\." ريتشارد مرر يده على صدره، وفتح هالة سحرية مانعة للتجسس، ثم تنهد وقال: — "لقد أرسلت جاسوساً إلى مملكة الشياطين\. اسمه زالفان، خادم جديد تسلّل إلى قصر أزرغيث قبل أيام\." كايرن رفع حاجبه بدهشة: — "تجسّس على أزرغيث؟ هذا تهور، ريتشارد\. أنت تلعب بالنار\." — "ليس تهورًا\. إنه ضروري\." قال ريتشارد بحزم، ثم أضاف: — "لقد أبعدت أبنائي عن القصر أيضًا\. نيل وأشقاؤه الآن في طريقهم إلى أكاديمية الشمال، برفقة حرّاسي الشخصيين\." ميلفون ابتسم ابتسامة جانبية: — "ولم تخبرنا بشيء، كالعادة\." — "كان يجب أن أتحرّك سريعًا\. الرائحة التي أشمّها ليست فقط رائحة خيانة… بل نذر مرعب\. أزرغيث لا يتحرك عبثًا، وإن استيقظ، فإن شيئًا ما يحترق تحته\." إلياس نظر بعيدًا نحو الغرب، حيث بدأت سحب داكنة تتجمع فوق أفق مملكة الشياطين\. — "أبناؤك… هل هم بأمان؟" ريتشارد صمت للحظة، ثم قال بصوت خافت: — "هذا ما يقلقني… نيل لم يكتمل قدرته بعد، وقلبه لا يحتمل هزات كبيرة ارنبي صغير\. أما أدريان وليونيل… فهم أقوياء، لكنهم ما زالوا أطفالاً\. وأنا… لا أزال مختومًا\." كايرن وضع يده على كتف أخيه: — "إذن سنبقى إلى جانبك\. هذه المرة، لن تواجه العاصفة وحدك\." ريتشارد نظر إليهم، لأول مرة بعينين ممتنّتين\. — "لن أنسى هذا…" \-\-\- داخل العربة التي تتابع طريقها بين الجبال المتجمدة، كان الليل قد حل، والصقيع يزحف على الزجاج\. نيل، الذي لم يتوقف عن البكاء منذ ساعات، كان ملتفًا في حضن ليونيل، يدفنه في صدره كفرخ مبلّل بالمطر\. ليونيل أخذ يهزه بلطف، هامسًا: — "هيه… صغيري، لا بأس… نحن هنا، كل شيء سيكون بخير\." لكن نيل تمسّك به بقوة أكبر، شهقاته تخرج حارة من أنفه، ودموعه لا تتوقف\. أدريان، الذي كان يتظاهر بالهدوء، أخرج رضّاعة صغيرة مملوءة بالحليب الدافئ، ثم وضعها بلطف في فم نيل: — "هاه، أرنبنا الصغير… اشرب، هذا الحليب من النوع الفاخر الذي تُحبه\." نيل، بتردد، أخذ المصّة الأولى… ثم الثانية… ثم هدأ\. عيناه أُغلقتا تدريجيًا، وأنفاسه تتابعت بانتظام حتى غفا بين ذراعي أخيه\. جلس ليونيل بهدوء، ومرر يده على شعر نيل بخفة\. همس لأدريان: — "إنه يشعر… تمامًا مثل والدنا\. قلبه يلتقط أشياء لا تُقال\." أدريان جلس قبالته، ووجهه خالٍ من أي سخرية: — "أعرف… وهذا ما يقلقني\. ماذا لو اشتعلت الحرب قبل أن نصل؟ ماذا لو انكسر والدنا مرة أخرى؟" ليونيل نظر إلى النافذة، حيث تساقط الثلج بلا صوت\. — "إذن، علينا أن نكبر بسرعة… أسرع من أعمارنا… لنكون سيفه، إن احتاج\." أدريان ابتسم ابتسامة نصفها حزن ونصفها عناد: — "وإذا خذلناه؟" أجاب ليونيل بثبات: — "لن نخذله\." ثم انحنى وضم نيل النائم بقوة أكبر\. وفي الخارج، كانت العاصفة تقترب\. \-\-\- قمة جبل بعد الهبوط بعشرين دقيقة\. أشعل ميلفون نارًا زرقاء باستخدام سحر الجليد، صنعت دائرة دافئة وسط العاصفة\. جلس الإخوة الأربعة حولها، أذرعهم مطوية، وجوههم تعكس الظلال والضوء\. كايرن كان أول من تحدّث بعد صمت ثقيل: — "قل لي\.\.\. كيف حال نيل؟ آخر مرة رأيناه كان بالكاد يستطيع الوقوف، وعيناه كأنهما تحملان وزن السماء\." ريتشارد، الذي لم يتكلم منذ دقائق، أخرج شيئًا من جيبه الداخلي: حجر ذاكرة كريستالي صغير\. — "هل أنتم مستعدون\.\.\. لرؤية أقوى مخلوق عرفته هذه العائلة؟" إلياس عبس: "هل أرسلتَه ليتدرّب على يد التنّين الأبيض؟" ريتشارد: "أقوى\." ميلفون مال للأمام، متحمّسًا\. "هل تسلّم قيادة فيلق؟ أو دمّر وحشًا من الفئة العليا؟" قال بنبرةٍ خافتة فيها شيء من الحنين: "قبل أن أُخبركم عن خطة الحرب\.\.\. دعوني أريكم سبب استعجالي الحقيقي\." ريتشارد ابتسم بخبث، ثم لمس الكريستالة، فتألّقت أمامهم هالة ضوئية، وتحولت إلى عرض مرئي ثلاثي الأبعاد وسط الهواء\. طفل صغير، بشعرٍ أبيض منسدل وعينين واسعتين تتلألآن كنجمتين مبللتين، يركض في قاعةٍ واسعة مرتديًا بدلة أرنب رمادية، أذناه القماشيّتان تتمايلان مع كل قفزة\. كان يُطلق ضحكات ناعمة بينما يحاول الهروب من قبضة والده ريتشارد، الذي تبعه بصبرٍ أبوي واضح\. "نيل\.\.\." قال ريتشارد مبتسمًا، وقد خفَّ بريق صوته بشيء من الحنان، "كلّما نظرت إليه\.\.\. شعرت أنني أملك العالم بأسره\." ثم تقترب الكاميرا، ويرى الجميع كيف ريتشارد يعضّ خد نيل بلطافة: — "يااااااااااااه\! هذا الخدّ، هذا الكنز الوطني\! مممم\!" ظهر في المقطع التالي نيل، جالسًا في حوض ماء دافئ، ينفخ فقاعات من الصابون وهو يضحك بصوتٍ رقيق\. اقترب منه ريتشارد، وغسل شعره بلطف، ثم أمسك بخده الصغير وعضّه بخفة\. "آخ\! لا، لا، بابا\!" صرخ نيل ضاحكًا، وهو يختبئ في الرغوة\. كايرن قطب حاجبيه لكنه لم يستطع منع زاوية فمه من الارتفاع\. "أهذه الكائنات الصغيرة تُربّي الآباء؟" إلياس، الجاد عادةً، أطلق تنهيدة مبهورة، ومال نحو البلورة\. "إنه لطيف\.\.\. كيف سمحت له أن يرحل؟" قال ريتشارد وهو يغلق البلورة ويعيدها إلى جيبه: "لهذا أُسرع\. ليس فقط لحماية الإمبراطورية أو إيقاف أزرغيث\.\.\. بل لأجل ذاك الأرنب الصغير\." سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ خافت: "لقد أبعدته مع شقيقيه إلى أكاديمية الشمال\. وليونيل وأدريان سيرعيانه حتى ينتهي هذا الكابوس\.\.\. لكن قلبي لا يهدأ\." كايرن شبك يديه وقال بنبرة جادة: "وماذا عن الجاسوس الذي ذكرتَه سابقًا؟" ردّ ريتشارد، عاقدًا ذراعيه: "زالفان\. خادم جديد، نجحت في زرعه داخل قصر أزرغيث\. لا نعلم كم من الوقت سينجو، لكنّ رسالته الأخيرة أكّدت أن هنالك تحرّكًا غريبًا في طوابق القصر السفلية\." إلياس أطرق مفكرًا: "وهل تظن أن أزرغيث يشك به؟" "على الأرجح\. ولذلك أرسلته وحده\. لن أشرك أحدًا في هذا الجنون سواه\." ميلفون قهقه من بعيد وقال: "وأنا ظننت أن أخي سيخوض حربًا من أجل العرش\.\.\. لا من أجل خدود ناعمة وبدلة أرنب\." لكنّه ابتسم بلطف، وحدّق في السماء\. "فلننهِ هذا بسرعة، إذًا\.\.\. أريد أن أعضّه أنا الآخر\." ضجّ المكان بضحكات مكتومة، ثم عمّ الصمت، صمت الرجال الذين يتهيؤون لحرب\.\.\. أجل، لكن قلوبهم كلها مع أرنب صغير، نائم في حضن أخيه\. \-\-\- الليل غطّى الجبال بردائه الأسود، والنجوم بدت وكأنها نقاط دموع متناثرة في السماء\. داخل عربة فاخرة، مظللة بستائر سحرية تمنع الرياح، كان نيل يئنّ في نومه، ضاغطًا وجهه على صدر ليونيل\. "أخي\.\.\. أبي\.\.\." همس نيل، ودمعة ساخنة انزلقت على وجنته\. ليونيل بدأ يهزّه برفق، محاولًا تهدئته\. "أنا هنا\.\.\. كلّ شيء على ما يُرام\. نمْ، نيل، أبي بخير\.\.\. بخير\." لكن نيل كان مضطربًا، وبدأت دموعه تتساقط من جديد، أنفاسه ترتجف\. أدريان، الذي جلس على الطرف الآخر من العربة، أخرج بهدوء رضّاعة صغيرة فيها منوم من حقيبة جانبية، وقرّبها من فم نيل\. "هيا، صغيرنا\.\.\. جرعة سلام\." فتح نيل فمه لاشعوريًا، وبدأ يمصّ الرضاعة ببطء، وصوت الرضيع خافت يرافق تنفسه\. استرخى جسده شيئًا فشيئًا، حتى استسلم للنوم تمامًا\. ليونيل تنهد، ومرر يده على شعر نيل بهدوء\. "كأننا نحمل قلب الإمبراطورية بين أذرعنا\." أدريان أومأ برأسه، وقال بنبرة أكثر جدية: "هل تعتقد أن والدنا بخير حقًا؟" "لا أدري\.\.\." قال ليونيل بصوتٍ خافت، "لكنه لن يستسلم أبدًا\. ليس قبل أن يضمن سلامة هذا الطفل\." أدريان شبك ذراعيه، ثم قال: "ثمّة شيء غريب في الجو\.\.\. وكأن العالم كله يتغير\." ليونيل نظر إلى النافذة، حيث انعكاس القمر بدا كعينٍ تراقبهم من بعيد\. "نعم\.\.\. أشعر بذلك أيضاً\. وكأنّ قدرًا جديدًا يُكتب الآن\." وساد الصمت داخل العربة، بينما في الخارج، بدأت الثلوج الأولى تتساقط\.\.\. ومع كل ندفة\.\.\. كانت الحرب تقترب\. \-\-\- في أحد ممرات القصر الجنوبي، كانت الجدران تعكس أضواء المشاعل، وتُلقي بظلال طويلة، كأنها أشباح تنتظر أن تنطق\. وقف زالفان في زاوية مظلمة، أنفاسه هادئة، لكنه كان يراقب\.\.\. يُنصت\. كان يعلم منذ وطئت قدماه هذا القصر أن الخدم لا يحملون الملاعق فحسب، بل يحملون الأسرار\. اقترب من مجموعة منهم كانوا يتهامسون بالقرب من مخزن الخمور\. لم يلحظوا وجوده، أو ربما تظاهروا بعدم ملاحظته، كما يفعل العقلاء حين يتعلق الأمر بخادم جديد يُشبه الموتى أكثر مما يشبه الأحياء\. — "هل رأيتَ وجهه؟ جالس في حضن السيد، كأنهما أبٌ وابنه\!" قال أحدهم\. — "وجهه… لا يزال يحمل آثار التعذيب القديم\. سمعت أنه جُنّ سابقًا، وكان يُكلم الحوائط\!" همس آخر\. — "أنتَ أحمق،" قالت خادمة كبيرة في السن وهي تنظف كأسًا من البلور، "اسمه داريوس\. وهو ليس بشريًا\." — "ماذا؟ إذًا ما هو؟" خفضت صوتها أكثر: — "من بقايا سلالة الجنيات \. ليسوا كجنيات الغابات التي نسمع عنها… إنهم جنيات السحر القديم، أولئك الذين يقاتلون شياطين \." تجمّد زالفان\. داريوس… خادم؟ وفي حضن أزرغيث؟ وجني؟ تراجع بهدوء، ثم توارى في الظلال مجددًا، كأنه لم يكن هناك\. عاد إلى حجرته الصغيرة في الطابق الأرضي، حجرة بالكاد تتّسع لسرير خشبي وخزانة مكسورة\. جلس على الأرض، وأخرج من بين طيات ثوبه دفترًا جلديًا صغيرًا، وخطّ بقلم حبرٍ أسود ما سمعه: \> "داريوس: خادم شخصيّ لأزرغيث – من سلالة الجنيات الغابرة – وضعه غير واضح – قرب جسدي غير مفهوم – محتمل أن يكون مصدر قوة أو نقطة ضعف\." أغلق الدفتر ببطء، وحدّق في الفراغ أمامه\. "إن كان أزرغيث قد سمح له بالاقتراب إلى هذا الحد\.\.\. فلا بد أنّه إمّا موثوقٌ به تمامًا\.\.\. أو مسجونٌ بطريقة لا نراها\." رفع عينيه نحو السقف، حيث تهتز المشاعل، وتنعكس نيرانها فوق الجدران المبلّلة\. ثم تمتم: — "كلما اقتربتُ أكثر\.\.\. زادت الأسئلة\." في صباح اليوم التالي، تم تكليف زالفان بتنظيف الممر المؤدي إلى قاعة المجلس الخاصة\. كان يحمل دلواً، وممسحة متهالكة، لكنه لم يكن يفكر بالنظافة\. كان يصغي مجددًا\. مرّت به خادمتان، تتحدثان بصوت خافت وهما تمسكان بلفائف الطعام: — "أمس\.\.\. رأيت داريوس يغادر جناح أزرغيث، لكن وجهه كان شاحبًا\. كأنه خرج من معركة\." — "ألم تري آثار الندبة على عنقه؟ قيل لي إن أزرغيث وسمه بسحر قديم، يُشعل عروقه إذا خان أو فكّر بالمغادرة\." — "بل قيل لي\.\.\." خفضت صوتها أكثر، "إنه ليس خادمًا\.\.\. بل سجينٌ بوجه الخادم\. وأنه السبب في اختفاء الأميرة\." زالفان سقط الدلو من يده دون قصد\. الماء انسكب على الرخام\. الخادمتان نظرتا نحوه\. — "آه\.\.\. المعذرة\!" قال متظاهراً بالارتباك، ثم أسرع بتنظيف الأرض، بينما قلبه ينبض بإيقاعٍ مضطرب\. في تلك الليلة، وقف عند النافذة الضيقة في حجرته، يكتب مجددًا: \> "نظرية 1: داريوس كان سببًا في اختفاء أحد ورثة العرش\. نظرية 2: أزرغيث يُبقيه قريبًا لاستخدام طاقته – أو مراقبته\. نظرية 3: داريوس قد لا يكون خائنًا\.\.\. بل ضحية\." أغلق الدفتر، ثم همس لنفسه: — "كلما ازداد قربه من أزرغيث\.\.\. ازددتُ يقينًا أن الحكاية لم تبدأ بعد\." ثم نظر إلى الجدار المقابل، حيث انعكاس صورته في المرآة الصغيرة\. ولوهلة، لم يرَ وجهه\.\.\. بل وجهًا آخر\. شاحبًا\. بعين واحدة\.\.\. وعين أخرى مطفأة\. داريوس\. \-\-\- قصر البَرَد الأسود – القاعة العليا صف طويل من الوزراء اصطفّوا على جانبي السجادة الحمراء، رؤوسهم منحنية، وجباههم مبلّلة، ليس من الحرارة، بل من القلق\. في صدر القاعة، جلس أزرغيث على عرشه المصنوع من عظام التنانين السوداء، يتكئ على ذراع كرسيه بتكاسل ملك مستاء من كل شيء\. إلى يمينه، وقف داريوس، بثوبه الرمادي الطويل، شاحب الوجه، ساكن الجسد، لا يتكلم إلا إن أُمر، ولا يتحرك إلا بإيماءة\. فتح أزرغيث عينيه نصف فتحة، ونظر إلى داريوس ببرود، ثم مدّ يده وأشار: — "اقترب\." داريوس خطا خطوة… ثم أخرى\. — "لا، ليس هكذا\. اجلس\." — "\.\.\.أين؟" ابتسم أزرغيث، وأشار إلى حضنه\. صمتٌ كأنه فراغ الزمن\. الوزراء تماسكوا بصعوبة، بعضهم تظاهر بالسعال، وآخرون حدّقوا إلى الأرض، كأن البلاط أصبح فجأة مثيرًا للاهتمام\. داريوس تردد، ثم جلس كما طُلِب منه\. بخضوع لا إرادة فيه، ولا حياة\. أزرغيث لفّ ذراعه حول خصره، ثم مال برأسه واستنشق عنق داريوس، ببطء مريض، كأنه يتغذّى من الرائحة ذاتها\. — "ما زلت تحمل عبير الغابة القديمة\. تلك التي لا تغفر\." ثم رفع يده الأخرى، وبدأ ينسج خصلات شعر داريوس بين أصابعه، يجدلها ببطء وهو يتمتم: — "كل عقدة، لكل خيانة فككتُها عنك\.\.\. وكل خصلة، لكل سرّ احتفظتَ به ولم تبوح به لي\.\.\." داريوس لم يردّ\. لم يرتجف\. كأن روحه ليست في جسده\. بين الوزراء، تقدّم أحدهم خطوة إلى الأمام\. كان شيخًا كبيرًا في العمر، يدعى الوزير فالتر\. رجل خدم ثلاثة ملوك قبله، وعُرف باستقامته… وتهوّره\. رفع صوته، وركبته تكاد ترتجف: — "مولاي\.\.\. اسمح لي أن أتحدث\." أزرغيث لم ينظر إليه، فقط قال: — "تحدث، يا من لا يعرف الصمت في محضر الرائحة الطيبة\." فالتر بلع ريقه: — "إننا\.\.\. نُدرك أن مولانا يفعل ما يشاء، ولكن\.\.\. بقاء هذا الـ… هذا الكائن في حضن العرش، وبيننا نحن النخبة، هو إهانة لهيبة المجلس، وللعُرف، وللسلالة ذاتها\!" صمت\. الهواء تجمّد\. داريوس خفض عينيه\. أزرغيث… ابتسم\. رفع إصبعه برفق، فقط إصبع\. وفجأة… انفجرت رأس الوزير فالتر، دون صوت، دون صراخ\. فقط تفتّت صامت، وتناثر دماغه على وجوه وزراء الصفّ الأول\. الجميع تجمّدوا، والدم يقطر من لحاهم ومعاطفهم، ولم يتحرّك أحد\. ثم، بصوت رتيب، كأنه يقرأ وصفة: — "إن كان هناك من يرى أنّ داريوس عبد… فليأتني بعبدٍ واحد فقط، يستطيع أن يتنفّس بالقرب من عرشي دون أن تتحلّل رئتاه\." أعاد نظره إلى داريوس، ثم مسح بقعة من الدم عن عنقه بإبهامه: — "هل آذاك دمه؟" داريوس هزّ رأسه بصمت\. أزرغيث تنهد: — "كان سخيفًا على أي حال\." الباب خلف الباب العظيم، في ظلال الرواق الطويل، وقف زالفان\. لم يكن يتحرّك\. لم يكن يتنفس تقريبًا\. لم يُرِد أن يكون جزءًا من هذا المشهد، لكنه الآن لا يستطيع الانسحاب\. أزرغيث لم يعد مجرد طاغية… إنه شيء آخر\. شيء غير بشري\. شيء يعانق ماضيًا جريحًا على هيئة خادم صامت، ويُطيح برؤوس الرجال كمن ينفخ غبارًا عن كتاب قديم\. "داريوس… ليس عبدًا\. بل مفتاح\." دوّن هذه العبارة في ذاكرته، لا على الورق\. لأن كل كلمة تُكتب قد تُقرأ… لكن من يحفظ، ينجو\. وهو… أراد النجاة\. \-\-\-
rwzi_1