عودة أدريان هل هذا سيء ؟

عودة أدريان هل هذا سيء ؟

17 0

دلف الباب الضخم بهدوء إلى جناح راينوس، يسبقه صوت الخطوات الثقيلة والمهيبة التي لا يخطئها أحد في القصر\. كان أول من دخل هو اللورد أورفال، الجدّ الصارم ذو العينين الفولاذيتين، يليه دوق سيران، والد راينوس، بهالته الباردة ونظرته المتفحّصة دومًا\. توقّف كلاهما عند عتبة الغرفة، والهدوء السحري في الأجواء جعل الزمن يتباطأ للحظة\. — "هذه الرائحة\.\.\." تمتم أورفال، حاجباه يرتجفان بخفة\. أما الدوق فقد غطى أنفه بكفه، ثم أنزله ببطء وهو يحدق نحو السرير\. — "لا\.\.\. مستحيل\. هذه ليست طاقة عادية\." اقترب الاثنان من السرير، حيث كان راينوس يجلس بهدوء، محتضنًا نيل الذي نام بعمق، خده مضغوطًا على صدر خاله، وفمه مفتوح قليلًا وكأنه يحلم بطبق من الحلوى\. وقف اللورد أورفال فوقهما، عينيه تضيقان بينما ينظر إلى الهالة الخفية التي تكاد تُرى من كثافة الرائحة السحرية التي انتشرت في أرجاء الغرفة\. كانت رائحة دافئة، حلوة، تخترق الحواس\. — "رائحة سحر خام\.\.\. نقية لدرجة أنها تُسكر\." قالها الجدّ وهو يغرس عصاه في الأرض\. الدوق عبس أكثر، نظر إلى راينوس وسأل: — " أهذا حقا طفل اليانورا ؟" راينوس، دون أن يتحرك كثيرًا حتى لا يوقظ نيل، أجاب: — "أجل ابن أختي\." — "سحره\.\.\. يتجاوز جيلنا بأكمله\." قال أورفال وهو ينظر بقلق إلى الطفل النائم، ثم أضاف: "هل تعرف ماذا يعني ذلك؟" راينوس أومأ برأسه ببطء، ويده تمسد شعر نيل بنعومة\. — "أجل\.\.\. يعني أن هذا الطفل، إما هبة \.\.\. أو لعنة متخفية\." الدوق قطّب حاجبيه، وسأل: — "هل فعلت شيئًا؟ أطعمتَه شيئًا؟" راينوس ابتسم بخفة وقال: — "مجرد جرعة صغيرة من ابتكارات راين سايلاس\. نكهة توت مع نجوم، يبدو أنها حفّزت ما كان نائمًا بداخله\." اللورد أورفال تنهد، ثم نظر إلى نيل مرة أخيرة وقال بصوت منخفض: — "راقبوه عن كثب\. هذه النواة السحرية\.\.\. ليست طبيعية\. وهذا العطر، هذه الطاقة\.\.\. تشبه شيئًا رأيناه فقط في القصص القديمة، عن الأوائل\." — "وإذا استمر بالنمو بهذا الشكل؟" سأل الدوق\. أجاب أورفال بصوت يشبه الهمس: — "فقد لا يكون فقط وريثًا\.\.\. بل كائنًا سيتغير معه توازن هذا العالم\." ثم استدار كلاهما للخروج، تاركين راينوس يحدق في وجه نيل النائم\. ابتسم بهدوء وهمس: — "توازن العالم؟\.\.\. هو لا يستطيع حتى أن يلبس جواربه دون مساعدة\." ثم شد البطانية فوق الطفل بهدوء، وأغمض عينيه\. في الخارج، همس الدوق لجده: — "لو عرف الإمبراطور بهذا\.\.\.؟" رد الجد دون أن يلتفت: — "سيفتح أبواب التاريخ\.\.\. أو يغلقها للأبد\." في مكتب الإمبراطور ريتشارد، كان الليل قد تمدّد بثقله على جدران المكتب، تتراقص ظلال اللهب الخافت على الكتب القديمة والخرائط المعلّقة، لكن ريتشارد لم يكن نائمًا\. جلس خلف مكتبه، بملامحه الحادة المعتادة، وعيناه الزرقاوان تقرآن بهدوء تقارير مرقّمة بخط اليد\. الجو كان صامتًا حتى كسره خفوت فتح باب سريّ خلف إحدى الرفوف\. خرج منه رجل بملابس داكنة تمامًا، أشبه بالظل، وركع أمام الإمبراطور بصوت خفيض: — "سيدي الإمبراطور\.\.\. لقد نفّذنا الأمر\." أغلق ريتشارد الملف ببطء، ثم رفع ناظريه إليه دون أن يتحدث\. — "اقتحمنا قصر عائلة ڤالينثرا كما طلبت،" تابع الجاسوس، "لكننا لم نجد ما توقّعناه\. القصر\.\.\. مختلف\. يستخدمون سحر تمويه من الدرجة العليا، يغيّر حتى طوب الأرض من حولهم\." رمش ريتشارد مرة، ثم أطلق ضحكة خفيفة، ناعمة، لكنها خطيرة\. — "سحر تمويه؟ إذًا يخفون شيئًا\." وضع يده على ذقنه، وصمت للحظة قبل أن يقول: — "عائلة ڤالينثرا\.\.\. لطالما كانت لهم تحركات مريبة منذ اختفاء إليانورا\." الجاسوس تردّد قليلًا، ثم أخرج لفافة قديمة من سترته\. — "وجدنا هذا مختومًا داخل أحد الأروقة\.\.\. لا يمكن فتحه، السحر حوله لا يُقرأ، لكنه\.\.\. يحمل نفس رمز دم العائلة الإمبراطورية\." رفع ريتشارد حاجبه، وأخذ اللفافة\. أغمض عينيه للحظة، وكأنما يشعر بشيء قديم ينبض في الورق\. — "هذا ليس سحر ڤالينثرا وحدهم\.\.\." قال بهدوء\. ثم وضع اللفافة على الطاولة، ونهض من مقعده\. — "أعتقد أن الوقت قد حان لزيارة القصر بنفسي\." الجاسوس انحنى فورًا: — "سأرتب الحماية السرية وسحر التمويه، سيدي\." لكن ريتشارد لوّح بيده: — "لا حاجة\. إن كان هذا له علاقة بما أخفي عني منذ أكثر من عقد\.\.\. فأنا لا أريد الحماية\. أريد الحقيقة، ولو دخلتُ وسط اللهب\." ثم نظر إلى النافذة، حيث ضوء القمر ينعكس على الزجاج، وتمتم: — \.\.\. إن كنتِ قد خنتِ العهد حقًا، فسأمزّق الظلال التي تحمينها قطعةً قطعة\." صمت للحظة، ثم التفت نحو الجاسوس: — "راقب قصر ڤالينثرا باستمرار\. وإن تحرك أحدهم باتجاه العاصمة… أعلمني فورًا\." انحنى الجاسوس، ثم اختفى كما جاء\. أما ريتشارد، فبقي وحده، يحدق في اللفافة المختومة، وعيناه لا تفارقان رمزًا صغيرًا خفيًا في الزاوية\.\.\. رمز زهرة فراولة حمراء، نفس الرمز الذي كانت إليانورا ترسمه في دفترها الخاص، منذ أن كانت خطيبته\. تمتم الإمبراطور، بصوت بالكاد يُسمع: — "إليانورا\.\.\. ما الذي فعلتهِ؟" في صباح اليوم التالي، استيقظ راينوس على إحساس غريب بثقل وحرارةٍ على صدره\. فتح عينيه ببطء، ليجد نيل لا يزال نائمًا بين ذراعيه، جبينه يتصبب عرقًا، وجهه شاحب بشكل مخيف، وتنفسه غير منتظم\. وضع راينوس يده على جبهته، فشعر بحرارة لا تطاق\. — "يا الاهي… إنه مشتعل\!" تمتم بصوت مرتعب\. نهض بسرعة، قلبه يطرق كطبول الحرب\. لم يكن فقط قلقًا على صحة نيل، بل خائفًا حد الهلع من شيء واحد: "لو علِم الإمبراطور ريتشارد أن نيل كان معي طوال الليل، ومريض فوق ذلك… سيسحب دمي بكؤوس ذهبية\." حمل نيل بين ذراعيه بلطف لكنه بارتباك، يلفه ببطانية، وركض خارج جناحه بهدوء مخيف كي لا يراه الخدم\. وصل إلى جناح نيل، دفع الباب بسرعة، وأسقط الطفل على سريره بلطف نسبي، ثم انطلق كالسهم نحو الجناح الإمبراطوري\. في تلك اللحظة… في جناح الإمبراطور، كان ريتشارد يُحضّر فطوره الملكي، وقد ارتدى عباءته الرسمية، متأهبًا ليوم سياسي جديد\. لكن الباب فُتح فجأة، ودخل راينوس وهو يلهث، وجهه أشد شحوبًا من الثلج: — "جلالة الإمبراطور\! نيل… نيل مريض جداً\!" توقف ريتشارد، عينيه اتسعتا بشكل غير متوقع\. — "ماذا؟\!" — "حرارته مرتفعة، لا يتحرك، يتصبب عرقًا، لم أستطع إيقاظه\!" في لحظة واحدة، لم يعد ريتشارد الإمبراطور البارد الجليل… بل فقط "ريتشارد" الذي سُرقت منه إليانورا، وظل قلبه معلقًا بأرنبها الصغير\. رمى عباءته جانبًا واندفع عبر الممرات الإمبراطورية بجنون، يدفع الحراس جانبًا، وصرخ: — "افتحوا الطريق\! أرنبي في خطر\!" وصل إلى جناح نيل في وقت قياسي، واندفع إلى الداخل ليجده مستلقيًا على السرير، متكورًا على نفسه ككرة صغيرة، وجهه أحمر كالدم\. ركع ريتشارد بجانبه بسرعة، وضع يده على جبهته، ثم على قلبه، ثم على بطنه، لا يعرف ماذا يفعل أولاً\. — "أيها الأرنب\.\.\. ماذا حصل لك؟ هل سحروك؟ هل أطعموك شيئًا؟ هل قمتَ بتقبيل شيء مريب؟\!" دخل الطبيب الإمبراطوري بعد دقائق، لاهثًا، ممسوكًا من ياقة معطفه من قِبل راينوس الذي أجبره على القدوم\. ريتشارد لم يتحرك من جانبه، يهمس بهدوء وهو يبعد خصلات الشعر عن وجه نيل: — "تماسك، صغيري\.\.\. لم أسمح لك بالمرض بعد\. ليس قبل أن نأخذ حمامًا ملكيًا ونأكل كعكة الزعفران سويًا\." ثم أدار وجهه الحاد نحو الطبيب وصرخ: — "افعل شيئًا\! وإلا سأستخدمك كوسادة حرارية بديلة\!" الطبيب بدأ بالفحص بسرعة، وراح يتمتم بتعويذات تشخيص، فيما وقف راينوس عند الحائط، يتصبب عرقًا هو الآخر\. الجو كان مشحونًا\.\.\. وكل ما كان يُسمع، هو أنفاس نيل الثقيلة، وهمسات ريتشارد القلقة\. — "لا تمُت\.\.\. لا تمُت، أيها الأرنب، إن متَّ الآن فسأُعيدك للحياة فقط لأعاقبك على هذا الفعل الوقح\.\.\." بدأ جسد نيل يرتجف، ثم أطلق أنينًا ضعيفًا وهو يدفن وجهه في الوسادة، قبل أن ينفجر في بكاء خافت، أشبه بصوت مكسور: — "آه\.\.\. مؤلم\.\.\. رأسي\.\.\." صوته المتحشرج المبحوح جعل الغرفة بأكملها تتجمد\. ريتشارد، الذي لم يكن معتادًا على سماعه يبكي كثيرا، شعر وكأن شيئًا مزقه من الداخل\. قبض على حافة السرير بقوة حتى بياض مفاصله ظهر، ثم التفت إلى الطبيب وصاح: — "إن لم تتحسن حالته خلال دقيقة واحدة، سأختبر على جسدك تأثير سيف الأرواح السبعة\!" الطبيب تجمد مكانه، يده ترتعش وهو يحاول تهدئة الطفل بتعويذة تبريد، ثم تعويذة تخفيف الألم، ثم نبش في حقيبته بحثًا عن شيء أقوى\. وفي تلك اللحظة\.\.\. دُفعت أبواب الجناح بعنف\! دخل ليونيل، متألقًا كعادته ولكن هذه المرة يجر خلفه من ياقة عباءته رجلًا غريب الشكل، ذو عباءة مرقّعة وعيون شاحبة، تفوح منه رائحة دخان السحر القديم\. — "أحضرت ساحر الطوارئ كما طلبتَ، وأجبرته على ترك طقوسه مع ضفدع ناطق\!" قال ليونيل وهو يرميه على الأرض تقريبًا\. الساحر ارتطم أرضًا ونهض بتذمر: — "أنا لا أعمل تحت التهديد\! لدي طقوسي الخاصة وحدودي الكونية—" قاطعه ريتشارد بنظرة واحدة\. نظرة واحدة فقط\. تجمد الساحر في مكانه، ثم قال: — "لكنني أؤمن دومًا بمساعدة الأطفال\." ركع بسرعة إلى جانب السرير، همهم بكلمات لم تُسمع من قبل، رسم دائرة صغيرة فوق قلب نيل بأصبعه، وفجأة… لمع نور باهت أزرق من صدره، ارتجفت معه الرائحة الحلوة التي ملأت الغرفة بالأمس\. الساحر اتسعت عيناه وهمس: — "ما هذا؟\.\.\. هذه ليست حمى عادية… إنه اختناق طاقي\. سحره يحاول التحرر… وجسده لا يستطيع استيعابه بعد\." ريتشارد قال ببطء، وكأنه يسحب الكلمات من بين أنيابه: — "افعل شيئًا\.\.\. الآن\." الساحر أومأ برأسه وبدأ بتحضير طقوس معقدة، بينما ظل نيل يبكي بهدوء، ممسكًا بطرف غطاء السرير وكأنه يبحث عن شيء ليتمسك به\. ريتشارد اقترب، جلس على طرف السرير، ورفع نيل ليضعه في حضنه برفق، ثم لف ذراعه حوله كدرع من الصلب\. — "أنا هنا، أيها الأرنب\.\.\. ابكِ كما تريد، لكن لا تضعف\. نحن لا ننهزم أمام الحمّى، هل تفهم؟" نيل تمتم بضعف: — "أريد\.\.\. أريد أمي\.\.\." تجمد الإمبراطور\. توقف الزمن\. لكن ريتشارد أجابه، بصوت لا يكاد يُسمع: — "هي كانت لتفعل المستحيل لأجلك\.\.\. وسأفعل أنا أيضًا\." واستمر الطقس السحري… والوقت يمر كأنفاس محمومة تنتظر شفاء الطفل الذي بدأ يزلزل قلب الإمبراطورية كلها\. دخل اللورد أورفال ومعه دوق سيران، بخطوات ثقيلة تليق بوزن الألقاب التي يحملانها، لكن وجهيهما لم يكونا باردين كعادتهما… بل كانا مشحونين بالقلق الصامت\. حدق أورفال بنظرة واحدة إلى نيل، ثم إلى الدائرة السحرية التي يرتج فيها الضوء الأزرق، ثم إلى الإمبراطور الجالس في وضع نادر… راحته ممدودة حول طفل يرتجف\. — "تنحّوا\." قالها الجد بصوت خافت لكنه نافذ كالسيف\. تراجع الساحر فورًا، وارتفع حاجباه دهشة وهو يشعر بطاقة أقرب إلى العتيق\. دوق سيران لم يتكلم، فقط وقف بجانب الباب، حارسًا الصمت الذي كان سيثقله أي كلام\. أورفال أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه… كان حجرًا أملس بلون الياقوت الداكن، محفورًا عليه رمز قديم لا يُقرأ بل يُشعر\. تمتم بكلمات بلغة نسيها حتى السحرة، كلمات لا تصدر من الحنجرة بل من الروح\. رفع الحجر فوق نيل، ثم وضعه على جبينه بلطف\. فجأة، سرت موجة طاقة عبر جسد الصغير، وبدأت الرائحة السحرية الكثيفة تتراجع، تتنفس… كأنها تنكمش لتختبئ من ضوء أقوى\. نور دافئ ـ أرجواني بلمسة ذهبية ـ انبثق من الجبين، ثم تسلل عبر جسده كله، وبدأت الارتجافات تخف، أنين نيل تحول إلى تنفس هادئ متقطع، ثم\.\.\. إلى نوم\. كل من في الغرفة شعروا بأنهم تنفسوا لأول مرة منذ دقائق طويلة\. اللورد أورفال أبقى يده فوق الجبين، وصوته هذه المرة كان ناعمًا على غير العادة: — "لقد ابتلعت نواته السحرية طاقة أكبر من قدرته على التحمل\. أشبه بطفل يشرب محيطًا\." سأل ريتشارد دون أن يرفع عينيه: — "هل سيكون بخير؟" — "لن يموت الليلة\." رد أورفال بهدوء، "لكن هذا الطفل يحتاج إلى تدريب… إلى رعاية تختلف عن كل ما عرفناه\." دوق سيران تكلم أخيرًا: — "هل تعني أنه قد لا يظل بشرًا؟" صمت خيم\. ثم قال أورفال: — "أعني أنه قد لا يظل\.\.\. طفلًا\. إن لم نكن حذرين، قد يستيقظ يومًا ويكون شيئًا آخر تمامًا\." ليونيل تشبث بكف نيل، الذي هدأ تنفسه أخيرًا، وقال بعناد: — "لا يهم ما يصبح عليه… سيبقى اخي\." نظر ريتشارد إليه\.\.\. ثم إلى نيل النائم\. وتمتم: — "أجل\.\.\. مهما حدث، هذا الأرنب الصغير… لي\." وبقي الضوء الأرجواني الدافئ يلمع بخفة، بينما الغرفة تغرق في هدوءٍ، يخفي وراءه بداية عاصفة لم تُولد بعد\. \.\.\.\.\.\.\.\. هدأ الجو في الغرفة، لم يبقَ فيها سوى الإمبراطور ريتشارد، يجلس بصمت قرب سرير نيل، ويده لا تزال تلامس شعر الطفل النائم، بينما ليونيل وقف بقرب النافذة، ينظر إلى الأفق الرمادي\. عندها… فُتح الباب بهدوء\. دخل كبير سحرة البلاط الإمبراطوري، الساحر لوسيان ديرافن، بخطوات هادئة وصوت عباءته يهمس كما لو كان يخاف إيقاظ الطفل\. خلفه، كان أدريان، الأمير الثاني وابن الإمبراطور، يسير بخفة تلميذ يتبع أستاذه، لكنه لا يخفي فضوله المحموم\. انحنى لوسيان احترامًا، ثم مد لفافة ملفوفة بجلد داكن اللون، ومختومة بختم غريب الشكل، غير بشري\. — "جلالتك… هذه هي اللفيفة التي وصلتنا صباحًا منك سحرة الغرب\. إنها تخص عائلة ڤالينثرا، ومختومة بسحرٍ غير بشري\. قد يكون من الجان\.\.\. أو الأسوأ، التنانين القديمة\." رفع ريتشارد بصره نحو لوسيان، ثم إلى اللفيفة، ولم يمد يده\. — "غير بشري؟ أمتأكد؟" أومأ لوسيان\. — "لا يمكن فتحها بوسائلنا المعهودة\. والطاقة المحيطة بها تشبه تلك التي شممناها من الامير نيل\." نظر الإمبراطور إلى نيل النائم، ثم عاد ببصره إلى اللفيفة\. — "راقبوها\. لا تفتحوها دون إذني\. وإن حاولت أن تفتح نفسها… احرقوا القصر بأكمله قبل أن تفعل\." انحنى لوسيان مرة أخرى، وانسحب بهدوء\. أما أدريان، فقد تبادل نظرة سريعة مع ليونيل، الذي تنهد وقال: — "تعال\. نحتاج للحديث في مكان لا يملؤه سحر تنانين\." في أحد ممرات القصر الجانبية، كان ليونيل وأدريان يسيران جنبًا إلى جنب، وصوت أحذيتهم يُحدث صدى خفيفًا\. قال أدريان بنبرة مرحة: — "لا زال  راينوس يحتجزك في حفلات الشاي ذات الطابع الدموي؟" ضحك ليونيل بمرارة: — "آخر مرة زرت جناحه، خرجت وأنا أضع ضمادات عطرية في أذني\. خالي ليستر يغني الأوبرا بصوت ساحر\.\.\. حرفيًا ساحر، يجعل أذنك تنزف إن لم تمدحه\." قهقه أدريان، ثم سأله: — "وبخصوص جدة؟ ما زالت تحاول تزويجك من كل دوقة تحمل ختمًا نبيلًا؟" ليونيل وضع يده على جبينه وتظاهر بالإغماء: — "لا تتحدث عن الكارثة\. بالأمس، وجدت صورة لخطيبة مختارة واسمها مارجريتا من أراضي الشمال\. لا أعلم إن كانت فتاة\.\.\. أم صخرة مغطاة بالثلج\." ابتسم أدريان، ثم قال بنبرة أكثر جدية: — "هل نيل بخير حقًا؟" سكت ليونيل، ثم نظر بعيدًا وقال: — "كان يبكي\.\.\. كأن قلبه نفسه يحترق من الداخل\. لكنه قوي، أقوى منا جميعًا\. فقط\.\.\. لا يعرف ذلك بعد\." — "سنُبقيه آمنًا\." قالها أدريان بثقة، "حتى لو اضطررنا إلى الوقوف في وجه التنانين أنفسهم\." ليونيل ابتسم، وأجابه وهو ينظر نحو السماء: — "أو في وجه جدي ذاته\." بينما كان ليونيل وأدريان يسيران بحديثهما الجاد والمزاح المتوتر، انشق الهواء أمامهما فجأة، كما لو تمزقت قطعة قماش شفافة، وخرج منها راينوس ڤالينثرا، يلوّح بيده كمن يزيح الغبار من كتفه، وابتسامة ماكرة ترتسم على وجهه\. رفع راينوس حاجبًا وهو يركل الأرض برفق، وصوته يحمل مزيجًا من السخرية والعتاب: — "إذن، هذا ما ألقاكم عليه\.\.\. صغيران يثرثران في الممرات الملكية، ويشتمان أخوالهما؟" ليونيل، وكأنه تدرب على هذا الموقف، وضع يده على جبينه وسقط ببطء على الأرض، هامسًا: — "آه\.\.\. لقد اختُرقت طاقتي الروحية\.\.\. تمامًا كما حدث لنيل\.\.\. خالي راينوس قاتل الأرواح جاء لينهي ما تبقّى من حياتي\.\.\." راينوس تجاهله تمامًا، وسار بخطوات هادئة نحو أدريان الذي اتسعت عيناه وبدأ بالرجوع للخلف ببطء\. — " لا تقترب؟ خالي\.\.\. لا\! انتظر\! أنا كنت أمزح\! أقسم أنني كنت أدافع عنك في البداية\! هو من بدأ\!" صاح أدريان، مشيرًا إلى ليونيل\. لكن راينوس كان أسرع\. فرك شعر أدريان بقوة حتى أصبح كعش طائر، ثم أمسك بأذنه وبدأ بتأنيبه بصوت واضح: — "وقح\. غير مؤدب\. نسيت كيف تُحيي خالك؟ لم ترَني منذ سبع سنوات، وأول ما تقوله عني أنني مزعج؟" أدريان، وهو يحاول الإفلات: — "كان يجب أن تحميني يا ليونيل\! أنت الأخ الأكبر\! لكنه يعذبني الآن\!" ليونيل، من على الأرض، فتح عينًا واحدة وقال بنبرة مبحوحة: — "روحي\.\.\. ترفرف فوقي\.\.\. لا أستطيع مساعدتك، أخي الصغير\.\.\." راينوس أطلق تنهيدة طويلة، ثم جلس القرفصاء أمام أدريان، وأمسك وجهه بيديه بلطف مفاجئ\. — "أدريان، صغيري\.\.\. نحن أخوالك، نعم\. لكننا أيضًا نخبة الجنون في هذا القصر\. نحن من يربّون الملوك بصفعة، لا بكلمة\." أدريان تمتم: — "وهذا\.\.\. يُفترض أن يطمئنني؟" راينوس ابتسم: — "بالضبط\." ثم شد أذنه مرة أخيرة ونهض\. — "والآن، بما أنني عدت، لن أسمح لأحد بشتم عائلة ڤالينثرا، وخصوصًا أمام نيل، فهمت؟" أدريان تمتم على مضض: — "فهمت\.\.\. خالي الشرير المزعج\.\.\." راينوس لوّح له بإصبعه محذرًا: — "سمعت ذلك\." ليونيل، وقد نهض أخيرًا، مسح على ملابسه وقال: — "الآن وقد عدت، أتوقع أن القصر لن يعرف لحظة هدوء واحدة\.\.\." راينوس أجابه بابتسامة عريضة: — "ومن قال أنني جئت لأجلب الهدوء؟ جئت لأُربي، وأُصلح\.\.\. وأفسد قليلاً، إن لزم الأمر\." ثم استدار وسار باتجاه جناح نيل، تاركًا الأخوين يتبادلان نظرات اليأس… والمودة\. \.\.\.\.\.\.\.\.\. ما إن اختفى راينوس خلف الزاوية، حتى نفخ أدريان خده بانزعاج، ولوّح بيديه في الهواء مقلدًا صوته: — "أنا راينوس ڤالينثرا، المربّي العظيم، خبير التربية بالتعذيب، من لا يصفع لا يحب\!" ثم مشى بتعالٍ مصطنع، واضعًا يديه خلف ظهره، مقلدًا طريقة مشي راينوس المهيبة، قبل أن يعبس ويقول بصوت غليظ: — "نحن لا نربّي بالهدوء، نحن نربّي بالرعب\!" ليونيل، الذي كان قد استعاد توازنه أخيرًا، انفجر ضاحكًا، انحنى على نفسه من شدّة الضحك وقال: — "يا إلهي، لقد أجدت الصوت تمامًا\! لو رآك لخطفك لتصبح ظله الثاني\!" أدريان أكمل التمثيل، ممسكًا بوسادة قريبة وضمّها وكأنها طفل صغير: — "هكذا سوف نربي نيل، وهكذا سيكون مصيرك، أيها الأمير الثاني الوقح\.\.\. تعال لأعلمك معنى الانضباط بنكهة توت وركلات\!" ليونيل جلس على طرف الأريكة، ما زال يضحك، ثم أشار إليه وهو يلتقط أنفاسه: — "أقسم\.\.\. لو عرف راينوس أنك تمثّله بهذا الشكل، سيجعلك تمر بأسبوع تدريبي على يد خالتي الساحرة\.\.\. وأنت تعرف ماذا يعني هذا\." أدريان تجمّد لحظة، تخيل صورة خالتهم صاحبة التعويذات المجنونة، ثم ابتلع ريقه وقال: — "في الواقع\.\.\. أنا أكن لخالي كل الاحترام\.\.\. العظيم\.\.\." ليونيل لوّح بيده: — "متأخر جدًا\. سأسجل لك مقطعًا وأرسله له\." أدريان: — "سأدفع لك\!" ليونيل: — "رشى؟ في البلاط الإمبراطوري؟ مخيب للآمال، يا أمير\." ثم انفجرا ضاحكين معًا، بينما ظل ظل راينوس عالقًا في الأرجاء، كأن حضوره لا يختفي أبدًا حتى بعد أن يغادر\. خرج ليستر من الظل بخطوات بطيئة، وعيناه تتلألأ بخطورة لامعة\. — "إذن\.\.\. تسخران من أخي الصغير؟" قالها بصوت ناعم مرعب، نبرة من اعتاد أن يُرعب الجنود بتنهيدة فقط\. تجمّد ليونيل وأدريان في مكانهما، تبادلا نظرة سريعة، وكأن عقولهما عادت لحظة إلى الماضي\.\.\. تحديدًا إلى ذلك اليوم الأسود حين كانا ليونيل في السابعة و ادريان في رابعه ، وتجرأ أحدهما وقال إن ليستر "يتصرف كالأمهات الغاضبات"—وفي اليوم نفسه، خرجا من جناح التعذيب بشعر محلوق وذكريات لا تندمل\. ليونيل تمتم بسرعة: — "أدريان، تمسّك بي\." أدريان: — "ماذا؟ لماذا؟" — "نحن نهرب\!\!" ركض ليونيل بسرعة خاطفة، حاملاً أدريان على كتفه كما يحمل كيس بطاطس، بينما الأخير يصيح: — "أنا أمير\! أنزلني\! سأُسحق\!" صوت ليستر ارتفع خلفهما، وهو يرفع يده: — "لن تنجوا هذه المرة، أقسم بسحر عائلة ڤالينثرا\.\.\. ستحترقون مثل ملفات وزارة السحر المخبأة\!" أطلق ليستر تعويذة نارية هائلة، كأنها لهب تنين متفجر، طارت عبر الممر كنيزك مشتعل\. أدريان، وهو مقلوب رأسًا على عقب، مد يده بصعوبة، ورسم دائرة سحرية مائلة بصراخ: — "درع صدّ الفضيحةااااا\!" اصطدمت النيران بدرعه وانفجرت إلى شرارات زرقاء، لكن الموجة السحرية دفعت ليونيل ليسقط أرضًا، فيما تدحرج أدريان ككرة قطن\. نهضا بسرعة، وجهيهما مغطى بالسخام، شعرهما منكوش\. ليونيل وهو يلهث: — "منذ متى أصبح يرمي النيران بدون إنذار؟\!" أدريان: — "منذ كنت في رابعه\! أنت نسيت؟\! عندك ندبة على\.\.\. مكان في جسدك \!" صوت ليستر جاء من خلفهما كقَصَاص : — "ولازلت أملك دفتر التقارير الأكاديمية\! تريدان أن أقرأه بصوت عالٍ؟" صرخ ليونيل: — "الهروب التكتيكي الآن\!" ركضا وهما يتقاذفان الشتائم والضحك، بينما ليستر طاردهما دون رحمة، كأنهم عادوا أطفالًا بعمر … مع فرق بسيط: الآن، سحرهم أقوى، لكن أخطاءهم… ما زالت غبية كالسابق\. \.\.\.\.\.\.\. كان ليونيل يركض وهو يلهث، يحمل أدريان فوق كتفه بينما تعاويذ ليستر تشتعل خلفهما كألعاب نارية قاتلة\. فجأة، اصطدم الاثنان بشيء طريّ ومدهش في آن واحد، وسقط أدريان أرضًا بتأوّه\. كان الشيء الذي اصطدما به هو نيل، مرتديًا زيّ أرنب وردي، بأذنين طويلتين تتمايلان مع نسيم الحديقة، وعينين نصف مغمضتين من أثر الحمى والنعاس\. حمل في يده قبعة صغيرة وأمال رأسه بتعب، وقال بصوت خافت: — "من هذا الذي اصطدم بي؟" ثم أشار بإصبعه نحو وجه أدريان المتكوّر على الأرض بدهشة\. ضحك ليونيل ضحكة قصيرة ثم قال: — "ألا تذكره يا نيل؟ إنه أدريان، شقيقك الأوسط\. غادر القصر منذ أن كنت في الثالثة من عمرك، ربما نسيته\." رمش نيل ببطء، ثم تمتم: — "آه\.\.\. أهو ذاك الذي بكى أمام تمثال التنين لأنه ظنّ أنه ازداد وزنًا؟" اعتدل أدريان جالسًا بسرعة: — "ذلك كان لحظة ضعف\! وكنتُ صغيرًا\!" لكنه لم يتمالك نفسه… وانفجر ضاحكًا حين وقعت عيناه على زيّ نيل\. — "آه\.\.\. بحقّ ، ما هذا؟ بدلة أرنب؟ أأنتَ طفلٌ هارب من مسرحية في الروضة؟ هل أتيت من حلم وردي أم من تعويذة مربكة؟\!" جفل نيل، وانخفضت أذناه الأرنبية ببطء\. وضع يديه على خصره وقال بنبرة غاضبة ناعسة: — "أنا مريض\.\.\. وتجرؤ على السخرية مني؟" ابتعد ليونيل خطوات وقال سريعًا: — "أنا بريء\! لم أضحك، كنت فقط أُعرّفه بك\!" أدريان لم يتوقف عن الضحك، ولم يكن يعلم ما ينتظره\. رفع نيل يده الصغيرة، وهمس بتعويذة بدائية، لكنها تحمل قوة "الدم الإمبراطوري": — "لعنة الفراولة اللاصقة\!" فجأة… غُطِّي وجه أدريان بطبقة لزجة من مربى الفراولة، وسقطت فوق رأسه قطعة توست ساخنة من السماء، كما لو أن الفطور قرر الانتقام منه\. انهار ليونيل ضاحكًا حتى كاد يقع: — "أوه\.\.\. لقد تورطتَ مع الأرنب الخطير\!" رفع نيل أنفه في كبرياء، واستدار متهادياً نحو الأرجوحة: — "احذر، فإن استهزأت بي مجددًا، سأنفذ عليك تعويذة البسكويت الناعم\!" جلس أدريان مذهولًا، يقطر مربى، وهمس: — "هذا الأرنب… سيكون نهايتي\." بينما كان نيل يتمشى مترنّحًا نحو الأرجوحة، منتفخ الخدّين من الغضب، توقف فجأة، إذ ظهر أمامه مربع أزرق شفاف في الهواء، تتلألأ حوله أحرف ذهبية، لا يراه سواه\. \[نظام "مُراقبة تغيّرات الحبكة"\] تنبيه: تغيّر في خطّ الرواية الأصلي\. المُتغيّر: عودة الأمير أدريان إلى القصر الموعد المفترض: عيد ميلاده الثالث عشر \(بعد شهر من الآن\) الموعد الحالي: قبل التاريخ المحدد بـ 32 يومًا نسبة انحراف الحبكة: 7\.2% ملاحظة: نقطة تغيّر مبكر، احتمالية تأثير على الأحداث القادمة مرتفعة\. تسعت عينا نيل وهو يقرأ، قلبه بدأ ينبض بعنف، ثم صرخ: — "أيها الغبي المقرف ذو الشعر الابيض\! هذا ليس موعدك\! لقد أفسدت الترتيب الزمني يا لقيط الرواية\!" تجمد ليونيل في مكانه، في حين أدريان توقف عن محاولات إزالة مربى الفراولة من شعره\. — "ماذا؟" تمتم أدريان\. لكن نيل لم يتوقف، بل أشار إلى الفراغ وكأنه يتحدث مع شيء غير مرئي: — "والآن سيتغير كل شيء\! الفصل الثالث سيُسحق، والمأساة الصغيرة في العيد الملكي؟ لن تحدث\! ثم من اللعين الذي سمح لك بالخروج من البُعد الورقي أيها الفاصل الزمني المتخلف؟\!" اقترب ليونيل بحذر وهمس لأدريان: — "أظنّ أن الحمى جعلته يهذي\." أومأ أدريان ببطء، وقال: — "نعم… حمى مع هلوسات روائية\. حالة نادرة\." لكن نيل لم يلتفت لهما، بل بدأ يشتم ويزمجر ككاتب مجنون: — "ليتني مزّقت الصفحة التي وُلدت فيها\! كيف أواجه حفلة التنصيب الآن؟\! سأُقتل قبل الوقت المحدد\! يا أنظمة الحمقى\! أريد زر التراجع\!" ثم فجأة سقط جالسًا على العشب، متمتمًا: — "لقد انتهى كل شيء… النهاية قادمة، وأنا في بدلة أرنب\.\.\." همس ليونيل، وهو يخرج مذكرة: — "ربما علينا استدعاء ساحر نفسي… أو على الأقل، استبدال بدلته بأخرى أقل ورديّة\." لكن نيل رفع إصبعه دون أن ينظر وقال: — "بدلتي مثالية… الذي يجب تغييره هو حبكتكم الفاشلة\." وغطى وجهه بالأذنين الطويلتين، متنهداً تنهيدة الدمار الوشيك\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. فجأة، نهض نيل من مكانه، وقد احمرّ وجهه، وارتجف جسده الصغير من الغضب المكبوت\. — "أكرهكم جميعًا\! لا أحد يتبع الجدول الزمني\! ولا أحد يحترم الأدوار\!" ثم بدأ يركل ما حوله، أولاً سلة الزهور، ثم دمية حديقة مسكينة على شكل بجعة، ثم… حجر صغير انفجر شرارًا تحت قدمه بفعل نقرته الغاضبة\. — "أدريان؟ يعود مبكرًا\! ليونيل؟ دائمًا مزعج\! أنا؟ مصاب بحمى وأرتدي زي أرنب\!" بدأ يتمتم بغضب، يدور حول نفسه كعاصفة صغيرة: — "هذا جنون، هذا عبث\! لقد كنت أعمل على توازن الحبكة\! والآن؟ الآن علينا استيراد كاتب جديد\!" وقف ليونيل وأدريان مذهولين، أفواههما مفتوحة، يراقبان هذا الانفجار الصغير بكامل الرهبة… والدهشة\. لكن في تلك اللحظة، مرّ الإمبراطور ريتشارد صدفة، بيديه خلف ظهره، يتفقد الحديقة… إلى أن توقفت قدماه عند المشهد أمامه\. نيل في زي أرنب، يركل الأشجار الصغيرة ويشتم الهواء\. رفع الإمبراطور حاجبًا، ثم التفت بهدوء إلى أحد الفرسان الواقفين قربه وقال: — "هل يمكنك تسجيل هذا؟ استخدم تعويذة التصوير السحري… أريد الاحتفاظ به للذكرى\. وربما لأبتزه لاحقًا\." انحنى الفارس فورًا، ثم بدأ يرسم في الهواء رمز التسجيل السحري، ليبدأ بلورة شفافة بالتوهّج، تتابع نيل وهو يقف على إحدى الصخور الصغيرة صارخًا: — "لا أحد يفهم\! أنا الوحيد الذي يرى خطوط السرد تتهاوى\!\!" همس ريتشارد لنفسه، بابتسامة: — "آه، أيها الأرنب الصغير… لو يعلم الشعب أن ارنبي يخوض معركة لطيفة\." ثم تابع طريقه ببطء، وصوت نيل يتردد في الخلفية: — "والذي كتب الرواية\! أين أنت؟ أخرج\! دعنا نتحاور\!… بالمقالب\!\!" التفت نيل فجأة، ووقعت عيناه على الإمبراطور ريتشارد، واقفًا هناك، مبتسمًا بخفة وهو يراقبه\. لم يتردد\. ركض نيل بكل ما أوتي من قوة، خطواته الصغيرة متعثّرة، حتى وصل إلى والده، ثم قفز في حضنه ودفن وجهه في صدره، وقد بدأ بالبكاء من جديد، هذه المرة بصوت مكسور وطفولي: — "أبييييي\.\.\." أحاطه الإمبراطور بذراعيه فورًا، ورفع يده يمسح على شعره وهو يهمس: — "هشش، هشش، لا بأس يا أرنبي الصغير\.\.\. أنا هنا، لا شيء سيؤذيك\." لكن نيل، وهو لا يزال يبكي، رفع يده الصغيرة وأشار بأصبع غاضب نحو ليونيل، ثم إلى أدريان، وتمتم بأنفاس متقطعة: — "أعِده إلى الأكاديمية\! وذلك\.\.\. إلى معلمه العجوز\! لا أريدهما هنا\!" ارتفع حاجبا الإمبراطور قليلًا، ثم نظر نحو ولديه الواقفين، وابتسم بابتسامة خفيفة، قبل أن يهمس: — "أفهم\.\.\. غيرة الأخ الصغير، ها؟" ثم رفع نيل أكثر واحتضنه بحنان: — "لكن لا تقلق، لن يأخذ أحد مكانك، حتى لو عاد العالم كلّه مبكرًا\. أنت الأهم\.\.\.\." رفع نيل رأسه ببطء، وغمغم: — "كلا\.\.\." ضحك ريتشارد بخفة، ثم التفت إلى ليونيل وأدريان وقال: — "يبدو أنكما في قائمة الترحيل الملكية اليوم\." ليونيل تنحنح: — "جلالة والدي، أؤكد لك أن كل ما جرى اليوم\.\.\. سببه أدريان\." أدريان: — "كاذب\! هو من بدأ\! أنا كنت أمارس حقي الديمقراطي في الشكوى\!" نيل وهو يتنفس بتعب، أضاف: — "ديمقراطية مزيفة\.\.\." ضحك ريتشارد هذه المرة بصوت مسموع، وهز رأسه: — "آه، عائلتي الغريبة\.\.\. من كان يظن أن أقوى أسرة في الإمبراطورية تُدار على يد أرنب مريض؟" ثم التفت إلى الحارس وقال بهدوء: — "سجّل هذا أيضًا\." ابتسم الإمبراطور ريتشارد بخبث، وحدق في وجه نيل المحمر من الحمى والغضب، ثم بدأ يربّت على خده بخفة: — "آه، انظروا إليه… صغيري اللطيف يشعر بالغيرة، كم هذا… ظريف\!" بدأ نيل يتلوى في حضنه، يتنفس بثقل، محاولًا التملص من يد والده التي لا تكفّ عن العبث بشعره وخده وكأنما يتعمّد مضايقته\. — "توقّف\.\.\. أوقف هذا… أنا لا أغار\!" تمتم نيل بصوت مبحوح، ووجهه يزداد احمرارًا، ليس فقط من الحمى، بل من الإحراج أيضًا\. أمسك ريتشارد بخديه برقة وسحب وجهه نحوه: — "بل تغار\. وتغار كثيرًا\. وهذا يجعلك أكثر ظرافة من المعتاد\. هل ستبكي مجددًا؟ أريد أن أراك تنفجر مجددًا مثل قبل، لقد كان ذلك مشهدًا يستحق التوثيق الملكي\!" نيل أغلق عينيه بقوة وصرّ على أسنانه، كأنما يقاوم أمرًا وجوديًا\. "لو كنت أستطيع فقط إخباره\.\.\." كان عقله يصرخ\. يريد أن يقول: "الرواية تتغير\! هذا ليس موعد عودة أدريان\! هذا سيقلب الحبكة رأسًا على عقب\!" لكنه لم يستطع\. لم يكن متأكدًا مما سيحدث إن تحدّث عن النظام أو عن "الرواية"\. هل سيُصنَّف كمجنون؟ هل سيُراقب؟ هل سيتغير كل شيء إلى الأسوأ؟ ووسط صراعه الداخلي، شعر بأصابع ريتشارد تمرّ فوق أذنه وهو يهمس له: — "اسمعني يا أرنبي\.\.\. مهما حصل، أنا هنا\. لن أسمح لشيء بأن يأخذك مني\." نيل فتح عينيه ببطء، نظراته متعبة، لكنه لم يقل شيئًا\. فقط همس بداخله: "إذن ساعدني\.\.\. قبل أن تُكتب نهايتي من جديد\."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"الأمير الكسول يرفض البطولة!"

المؤلف rwzi_1
2025/07/12 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: بداية غير مرغوبة
2025/07/12
الفصل 20: تاريخ يتكرر!!!
2025/07/13
الفصل 21: ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر
2025/07/13
الفصل 22: طاغية يستمتع ... في تعذيبي !!
2025/07/13
الفصل 23: زواج الأرنب...و دموع جنيات
2025/07/13
الفصل 24: الموكب الملكي... بين الأرنب والسنجاب والسهم الوردي
2025/07/13
الفصل 25: الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري
2025/07/13
الفصل 26: ليس مجددا التنين .... و الفراغ!!
2025/07/13
الفصل 27: أجنحة رماد و دماء جنيات
2025/07/13
الفصل 27: سقوط الفأر....وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 28: سقوط الفأر وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 29: شيفرة الخيانة... ونبض إليانورا الأخير
2025/07/13
الفصل 30: الصغير و المجنون
2025/07/13
الفصل 31: حاجز من جحيم .....وعقاب الارنب
2025/07/13
الفصل 32: حين قرر الأرنب أن يقفز من سريره... فوق رؤوس الجميع!
2025/07/13
الفصل 33: سيف، عناق، و50 جنيّة غاضبة
2025/07/13
الفصل 19: شيطان في خدمتك ؟
2025/07/13
الفصل 18: أمي ؟
2025/07/12
الفصل 17: أبي يفضل الأرنب
2025/07/12
الفصل 2: صباح كارثي
2025/07/12
الفصل 3: النظام وصدمة الكبرى
2025/07/12
الفصل 4: عودة الأخ... الأكبر مكبرة جدا
2025/07/12
الفصل 5: الأرنب الملكي في ورطة ملكية
2025/07/12
الفصل 6: زفاف الملكي للارنب المتمرد
2025/07/12
الفصل 7: هل غيرت رواية دون أن أدري ؟
2025/07/12
الفصل 8: راين متجسد !!!!!!
2025/07/12
الفصل 9: ألارنب الملكي في جولة !
2025/07/12
الفصل 10: عائلة ڤالينثرا
2025/07/12
الفصل 11: حفلة ملكية على شرف الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 12: حفلة تعذيب؟
2025/07/12
الفصل 13: مهمة إنقاذ الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 14: عودة أدريان هل هذا سيء ؟
2025/07/12
الفصل 15: أذهبوا إلى الجحيم ؟!
2025/07/12
الفصل 16: صراع الأرنب والديك
2025/07/12
الفصل 34: أنا أريد الحلوى... لا البطولة
2025/07/13

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة