ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر

ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر

18 0

حلَّ الصباح بنسماته الهادئة داخل القصر الإمبراطوري الفخم\. أشعة الشمس الخفيفة تسللت عبر الستائر الثقيلة، تراقصت فوق السرير الكبير حيث يرقد نيل، ملفوفًا بين الأغطية الناعمة كأرنب صغير\. في قلب السرير، كان الإمبراطور ريتشارد يحتضن نيله ككنز لا يُقدّر بثمن\. وعندما تحرك نيل قليلاً، مستغرقًا في نصف نومٍ وكسل، لم يضيع الإمبراطور الفرصة\. ابتسم ابتسامة دافئة\.\.\. ثم بدأ روتينه المعتاد\. مدّ يده الكبيرة وأمسك بخد نيل الطري المنتفخ، وقرصه بلطف، مما جعل الأرنب الصغير يتلوى بتذمر بين ذراعيه\. قال نيل بنعاس وبصوت مبحوح: "آه\.\.\. توقف، أبي، هذا مؤلم\.\.\." لكن الإمبراطور لم يتراجع، بل اكتفى بضحكة خافتة، وانحنى ليعض الخد المنتفخ الآخر، قبل أن يطبع قبلة قوية على جبين نيل الصغير، ثم يعود إلى العبث بشعره الحريري بعناية وكأنه يداعب قطعة ثمينة من الذهب\. تمتم الإمبراطور بحب: "صباح الخير\.\.\. أرنبي الصغير\." نيل، وقد استسلم لعبث الإمبراطور، تلوّى قليلًا وحاول الابتعاد، لكن ذراعي والده كانت كالسلاسل الذهبية، ترفض إطلاق سراحه\. همس بتذمر: "دعني أنام أكثر\.\.\. أنت مزعج\.\.\." ضحك ريتشارد ضحكة رخيمة، ثم حمله بسهولة إلى حضنه، وبدأ يدغدغه بخفة فوق بطنه، مما جعل نيل ينفجر ضاحكًا وهو يحاول التملص عبثًا\. "أنت تهاجمني كل صباح\!" قال نيل وهو يضرب صدر الإمبراطور الصلب بكفه الصغير\. رد الإمبراطور وهو يواصل العبث بشعره: "هاجمك؟\! بل هذا تعبير عن الحب، هل فهمت، يا مشاغب؟\!" ظلّ المشهد دافئًا بين الأب وابنه، مليئًا بالضحك الطفولي والحب العارم، حتى بدا وكأن العالم كله قد تلاشى، ولم يبقَ إلا نيل وريتشارد في فقاعة من السلام\. وفي النهاية، بعد مقاومة يائسة، غلب النوم مجددًا نيل بين ذراعي والده\. أما الإمبراطور، فقد بقي ينظر إليه بعينين مملوءتين بالحب، يُمرر أصابعه خلال شعره بنعومة\. تمتم وكأنه يقسم وعدًا: "سأحميك من كل شيء\.\.\. ولو قلبت هذا العالم رأساً على عقب\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. بينما كان نيل نائمًا بسلام بين ذراعي الإمبراطور ريتشارد، طُرِق الباب طرقًا خفيفًا، ثم فُتح بانحناءة خفيفة، ليدخل زالفان، الشيطان الذي أصبح خادمًا لنيل تحت الإكراه بعد الأحداث الأخيرة\. وقف زالفان بهيئته الجديدة، يرتدي زيّ الخدم الملكي الأسود المطرز بالفضة، رأسه منحنٍ باحترام، إلا أن ظله الطويل، وقرنيه الملتويين قليلاً إلى الوراء، ما زالا يكشفان عن طبيعته غير البشرية\. رفع الإمبراطور ريتشارد رأسه قليلًا، وعيناه الجادتان لامعتان خلف تلك الملامح الأبوية الدافئة التي خص بها نيله، وقال بصوت عميق حمل ثقل السلطة: "اقترب، زالفان\." امتثل زالفان للأمر، وجثا على ركبة واحدة أمام عرش صغير وضع قرب سرير الإمبراطور\. بنبرة أكثر جدية، قال ريتشارد: "أخبرني\.\.\. هل بدأ ملك الشياطين أزرغيث بالاستيقاظ من شرنقته؟" رفع زالفان رأسه قليلاً، وعيناه الداكنتان تشعان بالقلق، وأجاب: "حتى هذه اللحظة، يا مولاي، لم تكتمل عملية الخروج\.\.\. الشرنقة لا تزال قائمة، لكن\.\.\." توقف زالفان للحظة، كأن شيئًا ثقيلًا قد خنق كلماته، ثم أكمل بصوت أكثر انخفاضًا: "هناك تشققات بدأت بالظهور حول مركزها\. لن يطول الأمر كثيرًا\." صمت ريتشارد، وجهه غدا صارمًا مثل الحجر\. مرر يده بهدوء فوق رأس نيل النائم، كأنه يستمد صبره من أنفاس طفله العميقة، ثم أومأ إشارة لزالفان أن يغادر\. "راقب الوضع عن كثب\." قالها ببرود ملكي\. "وأي تغير\.\.\. أبلغني فورًا\." انحنى زالفان عميقًا ثم انسحب بخفة، مغادرًا الغرفة بهدوء\. \-\-\- وفي مكان بعيد، في أحشاء جبل مظلم منسي في أعماق العالم السفلي، كان هناك كهف شاسع، ساكن، تغلفه رائحة العفن والقوة البدائية\. في قلب الكهف، انتصبت شرنقة ضخمة، ينبعث منها ضوء أحمر خافت، كأنها قلب العالم النابض\. كانت الجدران تهتز بصوت خافت، مثل دقات قلب مريض على وشك أن يعود إلى الحياة\. وفجأة\.\.\. صدع شرخ عميق سطح الشرنقة\. بدأت التشققات تزحف كالعروق السوداء\. ثم، بشق عنيف ومزعج، انشقت الشرنقة من أعلاها، وانسكب منها سائل لزج، لونه أحمر داكن كأنه دم ممزوج بالظلام\. وسقط منها جسد عارٍ، مغطى بالسوائل الكثيفة\. شاب طويل القامة، نحيف البنية، شعره الأسود الداكن كان طويلاً يغطي معظم جسده المتسخ، كأنه عباءة من الليل نفسه\. فتح عينيه ببطء\. عيون حمراء، براقة، كالدم المسفوح، تلمع وسط الظلام\. ملأت صرخته الفجة، العميقة، أرجاء الكهف، تهز الأرض وتثير الرياح السوداء حوله\. كانت صرخة ميلاد\.\.\. صرخة كائن كُتب عليه أن يجلب الخراب\. ارتجف الجبل بأكمله\. ملك الشياطين أزرغيث قد استيقظ\. \-\-\- في تلك اللحظة، في القصر الإمبراطوري، شعر الإمبراطور برعشة خافتة في قلبه\. رفع رأسه وحدق عبر النافذة المفتوحة نحو الأفق، عينيه تضيقان كمن يستشعر عاصفة قادمة\. همس لنفسه: "بدأت اللعبة إذن\.\.\." وفي حضنه، تحرك نيل بنعومة، يتقلب دون وعي، مما أعاد ابتسامة عابرة لشفتي الإمبراطور، قبل أن يطبع قبلة أخرى فوق جبينه الصغير\. "لن أدع أحدًا يمسك بك\.\.\. يا أرنبي الصغير\." \.\.\.\.\.\.\.\. وقف أزرغيث، العاري الملطخ ببقايا الشرنقة، وسط الكهف الضخم، أنفاسه الثقيلة تلهب الهواء من حوله\. جفف عينيه من السائل اللزج المتخثر، ثم مرر أصابعه الطويلة النحيلة عبر شعره الأسود الطويل المبلل، يدفعه إلى الوراء ليكشف عن ملامحه القاسية، عيناه الحمراوان تتوهجان بتوهج مقلق\. بدأ بخطوات بطيئة يذرع أرض الكهف، يبحث بعينيه المتوهجتين عن شيء محدد\. لم يكن يتعجل، كأن الزمن بأكمله يطيع صبره\. وبينما كان يتجول بين الصخور السوداء والأعمدة البلورية المتوهجة، لمح ركنًا مظلمًا حيث وُضعت هناك، قبل أكثر من عقد، ملابسه القديمة بعناية فائقة\. كانت عباءة سوداء طويلة، مزينة بخيوط فضية متشابكة على هيئة رموز قديمة من لغات الشياطين المنسية\. وبجانبها، قميص من الحرير الدموي اللون وسروال أسود قاتم، مع حزام جلدي يحوي خناجر قصيرة\. انحنى بهدوء، التقط الملابس، وبدأ في ارتدائها ببطء، دون استعجال، كمن يرتدي درعًا قبل المعركة\. عندما انتهى، وقف شامخًا\. بدا ككابوس متجسد، هيئة ملك الظلال ذاته، عيونه تتوهج في عتمة الكهف كجمرتين ملتهبتين\. دون أن ينطق بكلمة، اتجه نحو جدار مغلف بالبلورات الداكنة\. مدّ يده العارية، ومرر أصابعه على نقش قديم محفور هناك\. لمعت الرموز تحت لمسته، واهتز الجدار قليلًا، ثم انشق بصوت صرير ثقيل، كاشفًا عن ممر سري مظلم، يمتد بعيدًا في جوف الأرض\. دخل أزرغيث الممر بخطوات هادئة\. أرجلُه الحافية تدوس الأرض الحجرية الباردة دون أن يصدر عنه أي صوت\. كان يعرف هذا الطريق جيدًا\.\.\. طريق قد شُيّد خصيصًا له منذ آلاف السنين\. بعد دقائق من المشي في الممر المتعرج، برز أمامه قصر صغير مخفي داخل الجبل، تحيط به الأشجار المتحجرة، وبوابته من الحديد الأسود، عليها ختم قديم يخص العائلة الملكية لشياطين \. ابتسم أزرغيث ابتسامة باهتة، لا تحمل أي دفء، فقط سخرية ممزوجة بغضب قديم\. دفع بوابة القصر بيده، فصرّت مفصلاتها بصوتٍ أشبه بأنين الموتى\. دلف إلى الداخل\. كان القصر مهجورًا، إلا من أثاثٍ مغطى بالستائر البيضاء المهترئة، والغبار يملأ الجو، كأن العالم كله نسي وجود هذا المكان\. ومع ذلك، كانت الخطوات التي اتبعها مألوفة\.\.\. كأنه عاد إلى منزله بعد غياب طويل\. توقف أمام قاعة العرش، حيث كان عرش أسود من حجر الأونيكس ينتصب وسط العدم\. نظر إليه للحظة طويلة\. ثم، ببطء، صعد الدرجات الثلاث وجلس عليه\. جسده استرخى فوق العرش، كأنما كان يبحث عن هذا الشعور منذ دهر\. ابتسم ببطء\.\.\. وهمس، صوته يخترق جدران القصر المهجور: "لقد عدتُ\.\.\. وجعلتُ العالم ينسى  طويلاً\.\.\. حان وقت أن يتذكروا أزرغيث\." وفي الخارج، عبر السهول والغابات، بدأ نسيم خافت يجلب معه رائحة الدم والدمار\. \.\.\.\.\.\.\.\.\. في قاعة العرش المظلمة، كان أزرغيث جالسًا على عرشه من حجر الأونيكس، ساق واحدة ممدودة والأخرى مثنية، يراقب بهدوء ممر القاعة\. خطوات خافتة قطعت السكون\. من الظلال خرج شاب، طويل القامة، يملك شعرًا أسود طويلًا يكاد يلامس خصره، وعينين بلون البنفسج المتوهج\. كان يرتدي سترة سوداء مزينة بخيوط فضية، ويحمل نفسه بهدوء بالغ، لكن عيونه، تلك العيون البنفسجية المتوهجة، كانت خطأً لا يغتفر\. في اللحظة التي اقترب فيها الشاب من العرش، أمسك أزرغيث كأس نبيذ أحمر كان بجانبه، ورماه بقوة مذهلة نحو رأس الشاب\. تحطم الكأس على جبينه، وتدفق النبيذ الأحمر كالدم يغطي وجهه\. تراجع الشاب خطوة مذهولًا، لكنه لم يتجرأ على إسقاط نظره عن الأرض\. في رمشة عين، كان أزرغيث قد قام عن عرشه، تقدم نحوه بخطوات ثقيلة\. قبض بشدة على شعر الشاب الأسود، يجذبه إلى الأسفل بقسوة حتى اضطر للانحناء\. أخرج أزرغيث خنجرًا طويلًا ذا شفرة سوداء متلألئة، ووضعه برفق قرب عين الشاب\. صوت أزرغيث خرج منخفضًا، لكنه حاد كالشفرة: "كم مرة قلت لك، داريوس\.\.\. لا تُظهر عينيك أمامي؟" ارتجف الشاب الذي يدعى داريوس، وردّ بخضوع كامل: "أعتذر، سيدي\.\.\. لقد\.\.\. نسيت\.\.\." ضغط أزرغيث الخنجر أكثر، حتى سال خط رفيع من الدم أسفل عينه البنفسجية\. عندها، ابتسم أزرغيث ابتسامة مرعبة، وهمس: "نسيانك قد يكلفك عينيك\.\.\. أو حياتك\." ارتجف داريوس، ثم بسرعة سحب شريطًا أسود حريريًا من جيبه، وعقده حول عينيه بإحكام\. ظل منحنيا أمام أزرغيث، رأسه يكاد يلامس الأرض، لا يجرؤ حتى على التنفس بصوت مرتفع\. بعد برهة طويلة من الصمت، ترك أزرغيث شعره بخشونة، فتراجع داريوس خطوة إلى الوراء وظل راكعًا، منتظرًا أوامر أخرى\. عاد أزرغيث إلى عرشه، جلس عليه بتكاسل متعمد، وكأن كل ما جرى لا يستحق أكثر من لحظة تسلية\. ثم قال، بنبرة أشد قتامة: "أذكّرك يا داريوس\.\.\. وجودك مرتبط بولائك الكامل\. عينيك\.\.\. ولون دمك\.\.\. خيانتهما تعني نهايتك\." أخفض داريوس رأسه أكثر، صوته بالكاد مسموع: "أفهم\.\.\. مولاي أزرغيث\." ابتسم أزرغيث ببرود وهو يتكئ على ذراعي عرشه، وقال: "استعد\.\.\. سنُعيد هذا العالم إلى ركبتيه\. وسيتوسل الجميع للرحمة التي لن أنوي منحها\." وفي قلب ذلك القصر المهجور، كانت هيبة أزرغيث تُثبّت مرة أخرى، لا كسيدٍ فقط، بل ككارثة تمشي على قدمين\. \.\.\.\.\.\.\.\. في جناحها المزين بألوان داكنة ونوافذ عالية تطل على حدائق خافتة، جلست إيرينا أمام مدفأة حجرية مشتعلة\. أمامها كان كتاب قديم، غلافه من جلد متشقق، نُقش عليه بالذهب الباهت عنوان: \> "سرّ الدم البنفسجي: أصول آل  ڤالينثراالمجهولة\." مدت يدها ببطء، فتحت الكتاب، وأطلقت رائحة الورق العتيق ذكريات غامضة في ذهنها\. كانت الصفحات الأولى مكتوبة بخط يدوي أنيق، مائل، وكأن الكاتب يخشى أن تُكشف كلماته في يوم ما\. بدأت تقرأ، صوتها همس بالكاد يُسمع: "منذ فجر الأزمنة، بعد أن تُقام ممالك البشر، ولد أولياء الدم البنفسجي\. نحن آل ڤالينثرا ، جنيات ، نُكلف بحماية الحاجز بين عالم البشر وعالم الشياطين\.\.\." اتسعت عينا إيرينا، وقلبها خفق بسرعة\. تابعت القراءة بانتباه شديد: "لقد أُوكل إلينا من قِبل الحاكم الأول للجنيات مهمة عظيمة: أن نعيش بين البشر، نرشدهم، نحميهم من الظلال التي تزحف خلف الأفق\. دمنا البنفسجي\.\.\. ليس دماً بشرياً خالصاً، بل خليطٌ من دم الجنيات و محارب الارض\. كل جيل يُولد بيننا يحمل وصمة هذا الدم\.\.\. مسؤولية خفية، وسلاحاً فطرياً ضد الفوضى\." أمسكت إيرينا طرف الصفحة بقوة، أكملت بعطش شديد: "ولكن، مع مرور القرون، تآكلت الذاكرة\. نُسيت الأصول، وتلاشت الحقيقة وسط أكاذيب البشر\. قُيّد آل ڤالينثرا بطبقات من الأسرار، أخفيت قوتهم حتى عنهم أنفسهم\. ولم يبق من مهامهم القديمة سوى شذرات\.\.\. ترتيبات سياسية\.\.\. وتحالفات زائفة\." رفعت رأسها عن الكتاب، وشعرت برعشة تسري في جسدها\. "إذاً\.\.\. نحن لسنا مجرد نبلاء\.\.\." تمتمت، نظرتها تائهة نحو ألسنة اللهب\. نظرت إلى الجزء السفلي من الصفحة، حيث وُضعت جملة صغيرة بحروف فضية خافتة: \> "حين يتفتح الدم البنفسجي مجددًا\.\.\. سينهار الحاجز، وسيُطلب من ورثة النور أن يختاروا: الوقوف أو السقوط\." وضعت يدها على صدرها، شعرت بنبض قلبها يتسارع\. "لهذا كان نظام العائلة\.\.\. ولهذا  لم يختارني\.\.\." تمتمت بمرارة\. تذكرت القوانين الغامضة التي كانت تُفرض عليها منذ الطفولة: طقوس التطهير، المهام الخفية، والاختبارات القاسية\.\.\. لم تكن عبثًا\. كانوا يحاولون تنشيط إرث قديم مدفون في دمها\. \-\-\- نهضت إيرينا عن مقعدها، الكتاب بين ذراعيها، وسارت نحو خريطة قديمة معلقة على الجدار\. كانت خريطة قديمة لأراضي الجنيات في العصور الغابرة، أراضٍ محيت من الخرائط الحديثة\. مدت أصابعها فوق إحدى المناطق المظللة، همست وكأنها تستدعي ذكريات دفنت قسرًا: "إذا كنا حماة العالم\.\.\. فمن إذاً من يحمي جنيات ڤالينثرا؟" ببطء، انزلقت إيرينا إلى الأرض وهي تعود لتقلب صفحات الكتاب القديم مرة أخرى\. في قسم مخفي بين صفحات سميكة، وجدت فصلاً خاصاً عنوانه محفور بحبر ذهبي باهت: \> "الأصول الخفية لعشيرة ڤالينثرا : النظام، المختارون، وفئات الدم\." شهقت إيرينا دون وعي، قلبها يكاد يخترق صدرها من التوتر\. بدأت تقرأ، تهمس لنفسها في الظلام: "في البدء، كان الجد الأول\.\.\. أورفال العظيم\. كان من أنقى سلالات الجنيات النورانية، وقد ولد خصيصاً ليكون الحاجز بين عالم البشر والشياطين\. حين بدأ الظلام يزحف، عقد أورفال الأول عهداً ملكي مع التنين الأزلي، \[سيفاريوس\]، حامي التوازن\." تجمدت أصابع إيرينا فوق اسم التنين، إحساس غريب بالرهبة اجتاحها\. تابعت بعينين متسعتين: "أسس أورفال العظيم 'نظام أورفال'، وهو تعويذة ، تتوارثها ذريته عبر الدم\. هذا النظام لا يُظهر قوته لكل فرد من العائلة\.\.\. بل فقط لمن وُلدوا بعلامة معينة\." أمالت رأسها، متمتمة: "علامة\.\.\.؟" قلبت الصفحة بشغف، لتقرأ: "العلامة هي: ولادة التنين\. حين يولد طفل في سلالة  ڤالينثراوترافقه روح تنين ذهبيه صغيرة، يكون هذا الطفل هو المختار حقيقي\. هو بطل النور، منقذ العهد القديم، والمرشح الوحيد لتولي مسؤولية حماية العوالم\." أسقطت إيرينا الكتاب على حجر المدفأة بصدمة\. "لهذا\.\.\.\!" شهقت، وشعرت بالخذلان يجتاحها\. أدركت أخيرًا\. لم تكن هي المختارة\. لم تولد ومعها روح تنين\. لهذا، على الرغم من اجتهادها وخضوعها للمهام المستحيلة، لم يفتح النظام لها بوابة الأبطال\. لقد تم تصنيفها منذ ولادتها ضمن فئة أخرى\.\.\. بيد مرتجفة التقطت الكتاب مجددًا، تقلب الصفحة التالية: كان مكتوبًا هناك بحروف بارزة: \> "فئة السُداسيين\." ارتجف جسدها، وكأن الهواء حولها أصبح أثقل\. "فئة السُداسيين هم أبناء أورفال الذين لم يولدوا مع روح تنين، ولكنهم يحملون قوى دعم خفية\. مهمتهم ليست محاربة الظلام مباشرة، بل حماية المختار، إسناده، ومساندته بطرق خفية وذكية\. إنهم 'الدرع الخفي'\." صرّت إيرينا على أسنانها بمرارة\. كل سنوات الكدح، العرق، الألم\.\.\. لم يكن هدفها أن تصبح بطلة تُذكر في التاريخ، بل أن تكون الدرع الذي يختبئ خلفه البطل الحقيقي\! \-\-\- أغلقت الكتاب فجأة، نهضت واقفةً، تحدق بظلال غرفتها بنظرة ثاقبة\. همست وكأنها تقسم: "لا يهم إن لم أكن المختارة\.\.\. سأجد مكاني بطريقتي الخاصة\. لن أكون مجرد درع\." \-\-\- وفي أعماق قلبها، بدأت بذور خطة جديدة بالتفتح\. خطة لا تعتمد على النظام، ولا على ألقاب سخيفة\.\.\. بل على إرادتها وحدها\. وفي مكانٍ آخر، بعيد جداً\.\.\. كان هناك طفل آخر، لم يكن يعرف بعد أن مصيره مرتبط بمصيرها ارتباطًا وثيقًا\.\.\. طفل يملك منذ ولادته روح تنين راقد في أعماقه، ينتظر أن يستيقظ\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. جلست إيرينا على كرسي جلد عتيق في المكتبة، أنفاسها ثقيلة\. كانت تقلب الصفحات القديمة المصفرة برفق، وكل صفحة تكشف لها أسرارًا أعمق عن العائلة التي تنتمي إليها\.\.\. "تاريخ العائلة، الجزء الأول: عهد البدايات\." كانت الصفحة الأولى تحكي: \> "منذ آلاف السنين، عندما كانت العوالم الثلاثة \(البشر، الجنيات، والشياطين\) تتداخل، أُرسل فارس نوراني من مملكة الجنيات العليا إلى عالم البشر\. اسمه كان أورفال الأول\." أخفضت إيرينا رأسها، تتمتم: "فارس جني\.\.\.؟" أكملت القراءة بلهفة: \> "لم يكن أورفال الأول مجرد جني عادي، بل كان من نسل الجنيات الملكية، وهو أول من عقد ميثاق 'دم الحماية' مع 'التنين الأزلي سيفاريوس'، سيد التوازن\. وُلد هذا العهد ليضمن حماية البشر من زحف الشياطين الذين سعوا لاستعباد العوالم\." \> "بموجب هذا العهد، تأسست عشيرة ،ڤالينثرا وجُعل شعارها: 'الدم الذي يحمي\.' ومنذ ذلك الحين، كل وريث يولد مع روح تنين، يُعتبر المختار، ويحمل مسؤولية حماية عالم البشر\." \-\-\- رفعت إيرينا عينيها، وقد بدأت تفهم معنى الكلمات القديمة التي كانت تُردد في حفلات العائلة\. واصلت القراءة: \> "أسس أورفال الأول 'نظام أورفال' — وهو تعويذة معقدة مرتبطة بالدم والسلالة، لا يمكن تفعيلها إلا عبر المختار الحقيقي\. إنه ليس مجرد نظام مساعدة بل هو كيان واعٍ، متصل بالعهد مع سيفاريوس\. من خلال هذا النظام، يُراقب المختار، ويُوجه، ويُحذر، ويُختبر\." \-\-\- شهقت إيرينا، تكاد لا تصدق أن تاريخ عائلتها أعظم مما تخيلت\. ولكن، في فصل مخفي وجدته مكتوبًا بخط دقيق: "اللعنة والاختلال\." تجمدت أنفاسها\. قرأت بحذر: \> "مع مرور العصور، بدأ الدم يضعف\. لم تعد كل الأجيال تحمل علامات التنين\. بدأ يظهر أطفال لا تنانين معهم\.\.\. هؤلاء الأطفال أُطلق عليهم لاحقًا لقب 'السُداسيين'\." \> "وظيفة السُداسيين كانت حيوية: حماية المختار، بناء الحصون، إصلاح التوازن، تأسيس شبكات استخباراتية ومراقبة تهديدات الظلام\. السُداسيون هم اليد الخفية التي لا تراها الجبهات الأمامية\." \-\-\- أغلقت إيرينا الكتاب بشدة هذه المرة، تتنفس بثقل\. في عقلها، ارتسمت صورة كبيرة: أورفال الأول: مؤسس العهد، فارس الجنيات، وعقد الميثاق مع التنين الأزلي سيفاريوس\. نظام أورفال: كيان حي، مراقب ومختبر، لا يُفتح لكل فرد\. المختارون: أولئك الذين يولدون بروح تنين، ويصبحون الأبطال\. السُداسيون: الدرع الخفي، حماة الظل، القاعدة التي يستند عليها المختار\. \-\-\- نهضت إيرينا، تحدق بنور القمر الذي تسلل من النافذة\. همست وكأنها تعاهد نفسها: "حتى لو كنتُ من السُداسيين\.\.\. سأغير قواعد هذه اللعبة\." وفي قلبها، ولدت فكرة خطيرة\.\.\. فكرة قد تغير مصير عائلة أورفال إلى الأبد\. \.\.\.\.\.\.\.\.\. في قصر الإمبراطورية، داخل جناح الأميرة سيليا فون كايدن، كان نيل جالسًا على أريكة مغطاة بالمخمل الأزرق، ساقاه تتأرجحان في الهواء وهو يمضغ قطع الحلوى بشراهة طفولية\. على الطاولة أمامه تراكمت صحون صغيرة مملوءة بالكعك المزين بالكريمة والعسل\. كانت سيليا تقف قبالته، ذراعاها مكتوفتان، ووجهها المتجمد بالكاد يخفي توترها\. تحركت أخيرًا، تقدمت خطوة للأمام، وانحنت قليلاً وهي تقول بصوت هادئ لكنه متصلب: " سمو الامير نيل\.\.\. دعنا نعقد اتفاقًا\." رفع نيل رأسه ببطء، خداه المنتفخان من الحلوى، وعيناه البنفسجية اللامعتان تطلان منها ببراءة خادعة\. "اتفاق؟" قال وهو يلوك قطع الحلوى\. تنهدت سيليا بحدة وكأنها تجاهد ألا تصرخ: "أنت تعلم سري\. أعلم أنك تستطيع فضحي بسهولة\.\.\. لذا، أطلب منك أن تحفظ سري\." ابتسم نيل، ومسح أصابعه الملطخة بالشوكولاتة بمنديل فاخر قبل أن يتحدث بهدوء مخادع: "بالطبع سأحفظ سركِ، أيتها الأميرة الصغيرة\.\.\." مال للأمام، عيونه تضيق بدهاء طفولي\. "\.\.\.لكن بثمن\." تجمدت سيليا في مكانها، وقبضت على أطراف فستانها الحريري الأبيض بتوتر: "ما الذي تريده؟" أشار نيل نحوها بقطعة حلوى: "تدريب\. أنتِ ستتدربين على السحر بكل طاقتك\." اتسعت عينا سيليا، مزيج من الذهول والارتباك\. قبل أن تفتح فمها للاعتراض، أكمل نيل: "سأرسل لك أفضل المعلمين في الإمبراطورية\. بل سأنتقيهم بنفسي\!" أسند ظهره على الأريكة، وقد بدا كمن قرر مصيرها ببساطة\. في عقله، كانت خطته واضحة: «إن كان عليّ أن أرسلهم لمقاتلة ملك الشياطين، فلا بد أن أرفع مستواهم حتى لو رغماً عنهم\.» زمّت سيليا شفتيها، وعيناها الزمرديتان تحدقان فيه بشكّ: "لماذا تهتم بتدريبي إلى هذا الحد؟" ابتسم نيل ابتسامة غامضة: "لنقل فقط\.\.\. أنكِ جزء من خطتي المستقبلية\." لم تفهم سيليا، لكن شعورًا غير مريح اجتاحها\. قال نيل بنبرة أكثر جدية وهو يشير بإصبعه نحوها: "تذكري، إن فشلتِ في التدريب\.\.\. قد أنسى وعدي\." بلعت سيليا ريقها بمرارة، وأومأت على مضض\. أخذ نيل قطعة حلوى أخرى وابتسم برضا داخلي: «خطة الكسول العظيم نيل، في طريقها إلى الاكتمال\!» وفي الزاوية، وقف خادم صغير يراقب المشهد، يكاد يضحك من جدية الموقف\.\.\. بينما كانت مصائر عظيمة تُقرر وسط كعك الشوكولاتة وأكواب الحليب\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. بعد أن أنهى اتفاقه مع سيليا، غادر نيل جناحها بخطوات قصيرة متهادية، وهو يمسح يديه الصغيرتين بمنديله المطرز\. كان التعب قد بدأ يغلبه، لكنه لم يكد يصل إلى الممر الطويل حتى شعر بذراعين قويتين ترفعه عن الأرض\. "أهلاً بأرنب العائلة المدلل\." قال ليستر، خاله وأحد أكثر الشخصيات إثارة للمشاكل بابتسامة عريضة، وهو يحمله بسهولة وكأن نيل مجرد ريشة\. أسند نيل رأسه على كتف خاله بتثاقل، وعيناه نصف مغمضتين من الكسل والنعاس\. بينما كان ليستر يسير مطمئنًا بين الممرات المزخرفة، حاملاً نيل كما لو كان كنزًا ثمينًا، لم يستطع كبح رغبته في العبث به\. بدأ بخبث يحك طرف أنفه الصغير بشعر نيل الفضي المنسدل: "همم، شعر أرنب طازج، رائحته مثل الحلوى\." تذمر نيل بنعاس وهو يحاول دفع وجه خاله بعيدًا بكفه الصغير: "أوي خالي\.\.\. توقف\.\.\. دعني أنام قليلاً\.\.\." ضحك ليستر ضحكة مكتومة وهو يتجاهل احتجاج نيل تمامًا، ثم ببطء بدأ ينفخ على أذنه: "لا نوم قبل جلسة مضايقة كاملة، هذه قوانين العائلة\!" زمّ نيل شفتيه بانزعاج، وضرب صدر خاله بيده الضعيفة: "أنت خبيث\.\.\." ابتسم ليستر بمرح، ثم فجأة قال بنبرة درامية: "وما الحياة لولا بعض الخبث؟" مرّوا عبر قاعة طويلة، وفي الطريق لمح نيل أدريان جالسًا في زاوية، يضع كمادة على رأسه وهو يتأوه\. ضحك ليستر بصوت عالٍ: "آه، ذلك طفل الكسول\.\.\. لن ينسى أبداً حفلة التأديب الخاصة بي\!" غمغم نيل وهو يدفن وجهه أكثر في كتف خاله: "ظالم\.\.\. أنت تعذب الناس بالموسيقى\.\.\." ربت ليستر على ظهره برفق، ثم قال بخبث: "إذا كنت لا تنتبه، سأعزف لك أنت أيضًا معزوفة العقاب الخاص بك\." شهق نيل برعب وهمس: "مستحيل\!" ضحك ليستر، وواصل حمله بحنان وهو يدندن بلحن خافت لا يفهمه نيل، لكنه بدا كأغنية قديمة دافئة\. كان الجو حولهما مشبعًا بشعور بالأمان الغريب، رغم كل الفوضى والجنون المعتاد\. وهكذا، سار الاثنان معًا عبر القصر، الأرنب الصغير نائمًا تقريبًا على كتف خاله المشاغب، نحو مغامرة جديدة تنتظرهما خلف الأبواب المغلقة\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. وصل ليستر إلى جناحه الخاص، وهو ما يزال يحمل نيل كالكنز المسروق\. فتح الباب بركلة خفيفة وقد دخل وكأنه الفاتح المنتصر\. بابتسامة واسعة، تقدم إلى السرير الفخم في وسط الغرفة، ثم بلطف ولكن بحزم، ثبت نيل فوقه\. "ها قد وقعت أيها الأرنب بيدي\!" قال ليستر بصوت درامي وهو يضحك\. تلوى نيل تحت قبضته محاولًا الهرب، لكن ليستر كان أسرع، جلس بجانبه وثبته من كتفيه بلطف، وكأنما يتعامل مع طفل شقي\. وفجأة، ظهر أمام ليستر ضوء أزرق خافت، تلاه ظهور النظام الخاص به، مع مساعده الشخصي: ريو\. كان ريو شابًا نحيفًا، ذا ملامح هادئة وشعر أبيض قصير، يرتدي معطفًا طويلًا أزرق غامق، ويمسك لوحة بيانات رقمية في يده\. انحنى ريو بأدب وقال: "كما أمرتَ، يا سيد ليستر\. تم شراء الجرعة المخصصة للأطفال على شكل رضّاعة\." ظهرت رضّاعة كبيرة الحجم بيد ريو، تحتوي على جرعة سحرية لامعة بلون بنفسجي مائل للفضي\. التقطها ليستر بلهفة، وعيناه تتلألأان بمكر طفولي\. "أوه، هذه ستجعل الأرنب ينتعش\!" اقترب ليستر من نيل الذي أدرك الخطر وبدأ يتلوى بعنف أكبر\. "لااااا\! لا أريد\!" صرخ نيل بصوت مرتجف وهو يحاول الابتعاد، لكن ليستر ثبت رأسه بإحدى يديه، وبالثانية قرّب الرضّاعة من فمه\. "افتح فمك مثل الأرنب المهذب\!" قال ليستر بمرح وهو يضحك\. رغم مقاومة نيل المستميتة، تمكن ليستر بخفة خبير من دس الرضّاعة في فمه الصغير\. تجمد نيل في مكانه، عيناه مفتوحتان على وسعهما بصدمة بينما بدأت الجرعة السحرية تتسلل إلى جسده\. "مممفف\.\.\.\!" كان يحاول الاحتجاج، لكن صوته خرج مكتومًا ومضحكًا\. جلس ليستر يتأمله بسعادة وكأنه أنجز مهمة عظيمة، ثم مال وهمس بخبث: "هكذا هو العقاب على قلة النوم والهروب من الرعاية\." ريو، الذي كان يراقب المشهد ببرود، دون ملاحظة في لوحته قائلاً: "تم تسجيل عملية الرضاعة الإجبارية كجلسة علاجية\. هل ترغب بتوثيقها أيضًا بالفيديو يا سيد ليستر؟" ضحك ليستر بخبث أكبر: "آه، فكرة رائعة\. سأريها للإمبراطور لاحقًا\!" وفي حين كان نيل يتلوى، ووجهه يزداد احمرارًا، والرضّاعة تهتز بفمه مع كل محاولة فاشلة للهرب، بدا المشهد وكأنه لوحة كوميدية حقيقية لا يمكن نسيانها\. وفي داخله، أقسم نيل سرًا أنه في يوم ما\.\.\. سينتقم من ليستر مهما طال الزمن\! \.\.\.\.\.\.\.\.\. لم تمر سوى لحظات حتى بدأ جسد نيل يرتجف خفيفًا، وعيناه الواسعتان امتلأتا بالدموع\. "مــمفف\.\.\. ممم\!" صدر منه أنين صغير ومختنق، تبعه بكاء خافت ارتجف له قلب الغرفة\. انزلقت دمعة لامعة على خده الوردي، وتبعها أخرى، حتى بدأ وجهه يبتل شيئًا فشيئًا، وارتفعت شهقاته الصغيرة المكتومة عبر الرضّاعة التي ما تزال تملأ فمه بالجرعة السحرية\. كان يتململ تحت يد ليستر، قدماه الصغيرتان تضربان السرير بضيق، وكفيه يحاولان عبثًا دفع الرضّاعة بعيدًا، لكن ليستر كان ممسكًا به بحزم لا يفلت\. "آه\.\.\. لا تبكِ أيها الأرنب الصغير، إنها لصالحك\!" قال ليستر بنبرة مبالغ فيها وكأنما يواسي طفلاً حزينًا، ثم بدأ يربّت بخفة على رأس نيل وكأنه يحاول تهدئته، مع ابتسامة عريضة لا تخلو من الشقاوة\. ريو، الذي ظل يراقب المشهد ببرود، رفع حاجبًا قليلًا وقال دون أن يغير نبرة صوته: "معدل ضربات قلب الأرنب في ارتفاع، يبدو أنه في ذروة الخجل والاحتجاج\.\.\. ممتاز، هذا يعني أن الجرعة تعمل بشكل فعال\." لم يكن نيل يسمعهم بوضوح وسط بكائه الصغير المختلط بالشهيق، عيناه مغلقتان بإحكام وكأنه يحاول الاختفاء من الوجود\. كان جسده يتلوى بلا حول ولا قوة، والرضّاعة تهتز مع كل شهقة أو محاولة يائسة منه للهرب\. وفي لحظة، وبينما كانت دموعه تتساقط بصمت، سمع همس ليستر في أذنه: "لا تقلق\.\.\. قريبًا ستشعر بتحسن، وستكون أرنبًا قويًا جدًا\.\.\. خاصتي\." ازدادت شهقات نيل حينها، وازداد تململه في السرير وكأنه يعترض بعنف على هذا المصير المأساوي\. في أعماقه، كان يصرخ: "سأنتقم\.\.\. سأجعله يدفع الثمن غاليًا\.\.\.\!" لكن حاليًا، لم يكن أمامه سوى أن يواصل البكاء الصامت، والرضّاعة عالقة في فمه، بينما ليستر يجلس فوقه مستمتعًا بانتصاره الساحق\. شيئًا فشيئًا، خفّت مقاومة نيل، وبقيت شهقاته الصغيرة تتردد في الغرفة كصدى بعيد\. وأخيرًا، فرغت الرضاعة تمامًا، وأصدر الجهاز السحري صوتًا خافتًا ينبّه بأن الجرعة قد اكتملت\. ابتسم ليستر بانتصار وهو يسحب الرضّاعة برفق من فم نيل، تاركًا الطفل الصغير يتنفس بصوت متقطع وعيناه متورمتان من البكاء\. "أحسنت يا أرنبي الشجاع\.\.\." قالها ليستر بنبرة دافئة بشكل غير متوقع، ثم مدّ ذراعيه وحمل نيل بخفة بين يديه\. كان نيل خفيفًا للغاية، وجسده لا يزال يرتجف قليلًا من الإرهاق والخجل\. ضمه ليستر إلى صدره بلطف، وبدأ يربّت بيده الكبيرة على ظهره بحركات إيقاعية خفيفة: "هيا، دعنا نخرج كل الهواء العالق\.\.\. لا نريد أن تصاب بمغص، أليس كذلك؟" ارتجف نيل بين ذراعيه، ثم أطلق صوت تجشؤ صغير وخجول جعل ليستر يضحك بخفة: "آه، رائع\! أرنبي الصغير يعرف كيف يتصرف\." ثم أخرج من جيبه منديلاً حريريًا ناعمًا، وبدأ يمسح دموع نيل عن خديه برفق شديد، وكأنما يتعامل مع كنز لا يُقدّر بثمن\. "هششش\.\.\. انتهى كل شيء الآن\. لم يكن الأمر بهذا السوء، صحيح؟" همس ليستر وهو يمرر يده بين خصلات شعر نيل الناعمة، يحاول تهدئته بعدما لاحظ ارتجافه المستمر\. أما نيل، فكان لا يزال يشيح بوجهه بعيدًا، يرفض النظر إليه، رغم أنه فقد كل قوته للمقاومة\. ابتسم ليستر بمكر صغير وقال وهو يهزه قليلًا كأنما يهدهده: "حسنًا\.\.\. يبدو أنني بحاجة إلى تعويضك عن هذا الظلم، أليس كذلك؟" جلس ليستر على الأريكة الوثيرة، وهو لا يزال يحتضن نيل، ثم أخرج من جيبه صندوقًا صغيرًا أنيقًا ملفوفًا بشريط فضي\. "كنت أحتفظ به لمفاجأة، لكن\.\.\. أعتقد أن الوقت قد حان\." فتح الصندوق أمام عيني نيل الباكيتين، ليكشف عن قطعة حلوى سحرية صغيرة، تتلألأ كنجمة وردية\. "انظر، إنها مخصصة للأرانب الشجعان فقط\. هل تريدها؟" سأل ليستر بنبرة مفعمة بالإغراء والدفء\. رمش نيل بعينيه المبللتين، مترددًا بين الغضب الطفولي وبين الرغبة البريئة بالحلوى\.\.\. حتى صدرت عنه شهقة صغيرة، ومدّ يده بحذر شديد نحو الحلوى\. ضحك ليستر وهو يضعها بلطف في يده الصغيرة: "هكذا أحبك\.\.\. أرنبي العزيز\." وما إن لامست الحلوى فم نيل، حتى بدأت تعاويذه تهدئ جسده، وتدفئ قلبه المتوتر، ومع كل قضمة، كان الغضب والخجل يذوبان شيئًا فشيئًا\.\.\. بينما ظل ليستر يحتضنه، ويمسح بيده شعره بخفة، كأنما يعاهده بحماية دائمة\. \.\.\.\.\.\.\.\.\. ظل ليستر يهدهد نيل بين ذراعيه برفق، يحرك جسده حركة خفيفة متناسقة، وكأنه يحرك زهرة صغيرة في مهب نسيم هادئ\. "هشش\.\.\. نم الآن، يا أرنبي\.\.\." همس في أذنه، ونبرته هذه المرة خلت تمامًا من المكر أو المزاح، كانت دافئة، تحنو عليه بصدق غريب\. مع كل حركة، خفتت أنفاس نيل أكثر فأكثر، حتى أرخى رأسه الصغير على كتف ليستر، وغطّ في نوم عميق، وجهه لا يزال محمرًا قليلًا من البكاء السابق، لكنه بدا الآن أكثر هدوءًا وبراءة\. ظل ليستر يراقبه لحظة طويلة، ملامحه يعلوها مزيج غريب من الاعتزاز والارتياح\. عندها، ظهر ريو بجانبه، مستندًا بلوحة بياناته الرقمية، وقال ببروده المعتاد، ولكن بعينين فيهما شيء من التسلية: "للتنويه فقط، يا سيد ليستر، كان بإمكانك جعله يشرب الجرعة بسهولة عبر رشّها مباشرة إلى الفم بواسطة تقنية الامتصاص السريع\.\.\. دون الحاجة إلى رضّاعة أو هذا الإجراء الكامل\." توقف ليستر لحظة، ثم التفت إليه ببطء، ملامحه خالية من الندم، بل كانت مفعمة بالرضا: "أعلم ذلك، ريو\." رفع حاجبًا بابتسامة خبيثة: "لكن أين المتعة في ذلك؟" نظر ريو إليه للحظة بصمت، قبل أن يغمغم: "كما تحب، يا سيدي\." أعاد ريو ترتيب لوحته، بينما ليستر مدّ يده بلطف وأعاد ترتيب شعر نيل المنثور على جبينه، ثم قال بنبرة أكثر جدية: "حسنًا، بما أننا هنا\.\.\. ريو، أظهر لي النظام\. أريد البدء بالبحث\." رفع ريو يده، وبلمسة واحدة في الهواء ظهرت شاشة شفافة ثلاثية الأبعاد، ملأت منتصف الغرفة بإضاءة خفيفة لا توقظ النائم الصغير\. وقف ليستر وأراح نيل بحرص على الأريكة، وغطاه ببطانية خفيفة، قبل أن يقترب من الشاشة بتركيز شديد\. "أريد تقريرًا مفصلًا عن نوباتي\.\.\. خصوصًا ما حدث عند لمسه لي\." قالها بصوت منخفض وحازم، ويداه خلف ظهره\. بدأت البيانات تتقاطر أمامه: مخططات قلبية، معدلات طاقة سحرية، تقارير تحاليل داخلية، وقسم خاص بعنوان: \[الاستجابة الفجائية عند التلامس المباشر مع السيد ليستر\] حدق ليستر بالكلمات، عينيه تضيقان بخطورة، بينما ريو بدأ يقرأ التحليل الأولي: "عند اللمس المباشر، سجل النظام انخفاضًا مفاجئًا بمعدل التشنجات بنسبة 97%\. تم رصد تفاعل غير معروف المصدر بين الطاقة الحيوية الخاصة بك وطاقة نيل\." صمت ريو لحظة، ثم أضاف: "وكأن جسده — دون قصد — أرسل إشارة استقرار إلى نظامك الجسدي، أوقفت النوبة\." ظل ليستر يحدق بالشاشة دون أن يتكلم، قبل أن يهمس وكأنما يكلم نفسه: "إشارة استقرار\.\.\.؟" ضيق عينيه أكثر، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة: "يبدو أن أرنبي الصغير\.\.\. مرتبط بي أكثر مما كنت أعتقد\." رفع عينيه نحو ريو وقال: "تابع البحث\. أريد تحليلاً أعمق\.\.\. هل هذا الرابط مؤقت أم دائم؟ وما الذي سببه؟" انحنى ريو باحترام: "كما تأمر، يا سيد ليستر\." بدأت الشاشات تعرض معادلات سحرية معقدة، ورسومات تفاعلية لأمواج الطاقة\.\.\. بينما في الخلفية، كان نيل يتنفس بعمق، غافياً بأمان لم يشعر به منذ وقت طويل جدًا\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"الأمير الكسول يرفض البطولة!"

المؤلف rwzi_1
2025/07/12 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: بداية غير مرغوبة
2025/07/12
الفصل 20: تاريخ يتكرر!!!
2025/07/13
الفصل 21: ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر
2025/07/13
الفصل 22: طاغية يستمتع ... في تعذيبي !!
2025/07/13
الفصل 23: زواج الأرنب...و دموع جنيات
2025/07/13
الفصل 24: الموكب الملكي... بين الأرنب والسنجاب والسهم الوردي
2025/07/13
الفصل 25: الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري
2025/07/13
الفصل 26: ليس مجددا التنين .... و الفراغ!!
2025/07/13
الفصل 27: أجنحة رماد و دماء جنيات
2025/07/13
الفصل 27: سقوط الفأر....وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 28: سقوط الفأر وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 29: شيفرة الخيانة... ونبض إليانورا الأخير
2025/07/13
الفصل 30: الصغير و المجنون
2025/07/13
الفصل 31: حاجز من جحيم .....وعقاب الارنب
2025/07/13
الفصل 32: حين قرر الأرنب أن يقفز من سريره... فوق رؤوس الجميع!
2025/07/13
الفصل 33: سيف، عناق، و50 جنيّة غاضبة
2025/07/13
الفصل 19: شيطان في خدمتك ؟
2025/07/13
الفصل 18: أمي ؟
2025/07/12
الفصل 17: أبي يفضل الأرنب
2025/07/12
الفصل 2: صباح كارثي
2025/07/12
الفصل 3: النظام وصدمة الكبرى
2025/07/12
الفصل 4: عودة الأخ... الأكبر مكبرة جدا
2025/07/12
الفصل 5: الأرنب الملكي في ورطة ملكية
2025/07/12
الفصل 6: زفاف الملكي للارنب المتمرد
2025/07/12
الفصل 7: هل غيرت رواية دون أن أدري ؟
2025/07/12
الفصل 8: راين متجسد !!!!!!
2025/07/12
الفصل 9: ألارنب الملكي في جولة !
2025/07/12
الفصل 10: عائلة ڤالينثرا
2025/07/12
الفصل 11: حفلة ملكية على شرف الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 12: حفلة تعذيب؟
2025/07/12
الفصل 13: مهمة إنقاذ الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 14: عودة أدريان هل هذا سيء ؟
2025/07/12
الفصل 15: أذهبوا إلى الجحيم ؟!
2025/07/12
الفصل 16: صراع الأرنب والديك
2025/07/12
الفصل 34: أنا أريد الحلوى... لا البطولة
2025/07/13

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة