أبي يفضل الأرنب

أبي يفضل الأرنب

17 0

التقت عين نيل الصغير بعين نيل البالغ، وبينما كان الأخير يواجه ملك الشياطين بجديّة وثقة، صاح نيل الصغير بأعلى صوته: \- "أنت غبي\! مجنون\! لماذا تقاتله؟\! اهرب أيها الوسيم المزعج\! عِشْ الحياة الكسولة التي خططنا لها\! لا تتحول إلى نسخة مثالية منّي\! من سمح لك؟\!" لكن قبل أن يرد عليه أحد، امتدت يد ضخمة مغطاة بالحراشف السوداء، ورفعت نيل الصغير من الخلف كما يُرفع الأرنب المشاغب\. استدار نيل وهو يتلوى، ليجد نفسه في قبضة ملك الشياطين أزرغيث نفسه، ذلك الكائن المرعب، بقرنيه الطويلين وعينيه المتوهجتين\. أزرغيث نظر إليه بهدوء، ثم بدأ بقرص خدّ نيل بعناية، كأنما يفحصه\. \- "لطيف\.\.\. لم أكن أعلم أن للبطل وجهًا كهذا\.\.\. كأنك وجبة سحرية صغيرة\." قالها بنبرة غريبة\. صاح نيل بانزعاج، متأرجحًا من يد الملك: \- "أيها المتعفن\! القذر\! هذا خدّي أيها الشيطان المتعطش للدماء\! هذا خد ملكي، ممنوع اللمس\! أيها المعتوه، ألا تعرف من أنا؟\! سأجعلك حارس مزرعة جزر في الجحيم\!" لكن الملك تجاهل صراخه، وأخذ يقرص خده الآخر، حتى بدأ نيل يرفس بقدميه الصغيرتين بغضب، يصرخ ويلوح بذراعيه: \- "أنزلني أيها المنحرف\! لن أقاتلك، ولن أكون بطل روايتك\! أنا أريد الوسادة والبطاطا المقلية وحياة بلا مسؤوليات\!\!" في تلك اللحظة، ألقى أزرغيث نظرة نحو نيل البالغ، الذي بدا حائرًا بعض الشيء، قبل أن يهمس بشيء غريب: \- "هذا الصغير\.\.\. أقوى منكَ\." اتسعت عينا نيل البالغ، بينما ظل نيل الصغير يصرخ: \- "طبعًا أنا أقوى\! أنا من يخطط للكسل العظيم\! ارفعني مجددًا وسأعض قرنك\!" وتحوّل الحلم إلى فوضى جديدة، حيث يبدو أن ملك الشياطين قد وجد "حيوانًا أليفًا ممتعًا"، ونيل الصغير بدأ بعضّه فعلًا وهو يصرخ: \- "الأرانب لا تُقهر\!\!\!" استيقظ نيل ببطء، وعيناه نصف مغمضتين، يشعر بشيء دافئ يحتضنه، وصوت خافت يقول: \- "اهدأ، فقط رشفة أخيرة\.\.\." فتح عينيه فجأة ليجد نفسه محاطًا بذراعي راين سايلاس، وجهه الهادئ أقرب مما يحب، والأسوأ من ذلك\.\.\. رضّاعة صغيرة داخل فمه، تسكبه سائلًا ورديًا بنكهة لذيذة تفوح برائحة الفراولة والزهور\! نيل تجمّد لثانية، ثم بدأ يتململ ويصرخ من دون صوت، لأن الرضّاعة لا تزال في فمه\. سحبها بعنف، وتفجّر كالقنبلة: \- "أيها الساحر المنحرف\! المريض ذهنياً\! هل تظن نفسك مربية في دار أيتام؟\! لماذا دائمًا أنت؟\!" لكن راين، كعادته، أجابه ببرود وهو يربت على رأسه: \- "كنت تهذي في نومك، وتقول إن الأرانب لا تُقهر\. اعتقدت أنك تحتاج إلى بعض التهدئة\." صرخ نيل، وقد بدأ وجهه يحمرّ كالطماطم: \- "هذا ليس مبررًا لاحتضاني وإجباري على شرب عصير خرافات من رضّاعة أطفال\!\!" أشار راين ببرود نحو الزجاجة: \- "لكنّك شربته كله، واستمتعت بالنكهة حتى النهاية\." احمرّ وجه نيل أكثر، وألقى الوسادة عليه وهو يصرخ: \- "أنت أسوأ من ملك الشياطين\!\! أقسم أنني سأجعل نظامي يضعك في قائمة الخونة\!\!" لكن في داخله، كان يشعر بنشاط غريب، وحيوية\.\.\. وسرًّا صغيرًا يعترف به لنفسه: "ذلك السائل الوردي\.\.\. كان لذيذًا فعلاً\." صرخ نيل وهو يُرفع من تحت ذراعيه: \- "لاااا\! توقف\! أنا لستُ كتكوتاً حتى تهزّني هكذا\!\!" لكن راين لم يُعره اهتمامًا، بل بدأ بهزّه بلطف كما يُهزّ الأطفال الرضّع، يميل به يمينًا ويسارًا وهو يهمس: \- "هشش، نام يا صغيري\.\.\. الأرانب تحتاج للنوم الجيد كي تبقى لطيفة\." نيل، المذهول، عجز عن المقاومة للحظات\. كان جسده لا يزال مترنّحًا من بقايا الحلم الغريب والرضّاعة ذات السائل الوردي\. ثم بدأ بالصراخ بصوت مكتوم: \- "أوقف هذه المهزلة فورًا، أيها المريض\! سأستدعي الإمبراطور\! سأُصدر مرسوماً إمبراطورياً يحظّر هذا\!" لكن راين تجاهل صراخه تمامًا، بل زاد في تمثيله، وبدأ يغني بصوت منخفض أغنية تهويدة مبتكرة: \- "نام نام يا أذني الأرنب، جئتُك بسائلٍ ورديٍّ لذيذ\.\.\." صرخ نيل بانفعال: \- "إنها ليست أغنية\!\! أنت تؤلف هذا الآن\!\!" ثم أطلق ركلة عشوائية في الهواء وهو يتلوى كقطة غاضبة، وصرخ: \- "أين نظامي؟ لوكااا\! أنقذني من هذا المعتوه\!\!" فجأة، ظهر أمامه لوكا، مساعده الافتراضي، يطفو في الهواء، ينظر إليه بنظرة مملة ويقول: \- "راين، أرجوك، هذا المشهد لم يُذكر في الرواية الأصلية\." رد راين وهو لا يزال يهز نيل: \- "إذن هذا تحسين في الحبكة\." أما نيل، فقد أغلق عينيه من شدة الإحباط، يتمتم وهو يتلوى: \- "أنا أعيش كابوسًا\.\.\. لِمَ لم أكن في رواية رعب؟ كان ذلك أفضل من هذا الجنون\.\.\." بينما كان نيل لا يزال يتلوى في حضن راين سايلاس، يصرخ ويهدد الجميع بمرسوم إمبراطوري يمنع التعامل معه كأرنب رضيع، فُتحت باب الغرفة فجأة بقوة\! دخل دوق سيران تتبعه خطوات ثقيلة لـراينوس، وعلى وجه الدوق ملامح غاضبة كالإعصار، صاح بصوت جهوري: \- "خاااائن\! ابتعد فورًا عن نيل\! كم مرة عليّ أن أكرر أنك لم تعد من عائلتنا؟\! لا مكان لك هنا، راين سايلاس\!\!" راين توقّف عن التهويدة وهزّ نيل، لكنّه لم يُفلت الأمير الصغير، بل قرّب نيل منه أكثر، وربّت على شعره بينما قال بنبرة باردة: \- "هدئ من غضبك، يا جد نيل\. الطفل بحاجة إلى الحب والحنان، وليس لعاصفة بشريّة مثلك\." صرخ نيل، ويد راين لا تزال تعبث بخدّه: \- "لستُ طفلًا\! ولن أدع أحدًا يعبث بخدودي بعد الآن\! سأستدعي أبي\!\!" دوق سيران تقدم بخطوات غاضبة، وأشار بإصبعه نحو راين: \- "أنت لست إلا طفيليًا عالقًا بيننا\! أخبرت ابي \(أورفال\) أن وجودك حول نيل خطر\! لكن يبدو أنني بحاجة لتأكيد ذلك بنفسي\!" في تلك اللحظة، وقف أرين ليستر عند الباب، يتكئ على الجدار بذراعيه، ثم قال بسخرية: \- "ترحيب حار كعادتك، يا عمي\.\.\. كدت أذرف دمعة من التأثر\." نظر إليه دوق سيران بحدة، لكنه تجاهله مؤقتًا، مركزًا على سحب نيل من يد راين، الذي ظل محتفظًا بابتسامته الباردة، وقال: \- "أرنبي لا يحبّ من يرفع صوته في حضرته\." تمتم نيل بتعب، وقد بدأ يشعر بالدوار من كثرة جذب الأطراف: \- "سأتقاعد من هذه الرواية\.\.\. سأذهب للريف\.\.\. أفتح مخبز أرانب\.\.\. كفى عني\.\.\." وفي زاوية الغرفة، وقف راينوس بهدوء، يسجّل كل شيء عبر سحر التصوير، وهو يهمس لنفسه: \- "هذا سيكون موسماً جديداً من دراما العائلة الإمبراطورية\.\.\. العنوان؟: حين يسرقك غريمك وأنت ترتدي بدلة أرنب\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. صرخ دوق سيران بغضب وهو يلوّح بعصاه السحرية: \- "أيها الأرنب المشاغب\! كيف تسمح لشخص غير مصرح له بدخول جناحك؟\!" ثم طقطق برأس نيل ضربة خفيفة بالعصا السحرية، لكنها كانت كافية لتطلق العنان للدراما الكبرى\. "آاااااااااااااه\!\!" صرخ نيل وهو يرتمي أرضًا بكل قوته، ثم بدأ يتدحرج على الأرض كالكرة الصغيرة، يبكي ويتذمر: \- "جدييييييي شرير\! جدي شرير\! اعتدى على طفل صغير بريء لا حول له ولا قوة\! سأنادي والديييييي\! سأرفع قضية في محكمة الأرانب العليا\!\!" بينما ارتفع صوته بالبكاء بطريقة درامية وفاضحة، أصيب راينوس بالهلع وهرع نحوه محاولًا تغطية فمه: \- "اصمت\! اصمت أرجوك\! الإمبراطور في الجناح المجاور\! إذا سمعك\.\.\. سنموت جميعًا\!" أما دوق سيران، فقد بدأ يتعرق وهو ينظر باتجاه الباب بخوف: \- "هذا الصبي\.\.\. صوت بكائه أسوأ من إطلاق تعويذة انفجارية في ممر ضيق\.\.\.\!" اقترب ليستر الذي مر صدفة بسرعة من نيل وبدأ يربّت على ظهره: \- "هشششش، أرنبي الجميل، لا تبكِ، لا تصرخ، أنا هنا\.\.\. لا حاجة لمحكمة الأرانب\." لكن نيل أشار بيده الصغيرة وهو لا يزال متدحرجًا: \- "أنتم جميعًا ضدي\! جدي يضربني\! راين يخدعني بالحليب الوردي\! وراينوس يصورني وأنا أتدحرج\!" صرخ راينوس فجأة: \- "مستحيل\! أقسم أنني حذفت اللقطة\! حسنًا، كنت سأحذفها\!" وفجأة\.\.\. بووووم انفتح الباب بقوة، وظهر الإمبراطور ريتشارد واقفًا وعلى وجهه ملامح من لا يُمزح معه بعد الثالثة صباحًا\. قال بصوتٍ هادئ بشكل مخيف: \- "من أيقظ أرنبي من قيلولته؟" بدأ الثلاثة\-سيران، راينوس، وليستر\-يتبادلون النظرات المرتبكة، بينما نيل على الأرض يشير نحو جده ويقول بفم مليء بالدموع: \- "جدي ضربنييييي\!\!" ارتجفت الأرض قليلاً تحت قدمي دوق سيران، وهمس لنفسه: \- "لقد انتهينا\.\.\." تقدم الإمبراطور ريتشارد بخطوات بطيئة لكن تحمل تهديدًا صامتًا، ثم انحنى وحمل نيل بلطف بين ذراعيه، ونظر إلى أثر العصا السحرية على جبينه الصغير\. مرر أصابعه بخفة على المكان ثم قال بصوت خافت\.\.\. لكنه يقطر غضبًا: \- "من تجرأ ولمس أرنبي؟" جفّ ريق راينوس فورًا، وبدأ بالتراجع للوراء وهو يشير بتوتر نحو دوق سيران: \- "أبي\! أبي هو من ضربه\! أقسم أنني فقط كنت أراقب\!" بينما ليستر ابتعد خطوة وقال: \- "أنا فقط حاولت مراضاته و\.\.\. هززته قليلاً كي يهدأ\! كنت أبذل جهدي\!" نيل بدوره، غرز رأسه في صدر الإمبراطور وبكى ببراعة تمثيلية مفرطة: \- "قال إني مشاغب\.\.\. وضربني\! وأنا فقط\.\.\. فقط أردت أن أكون أرنبًا جيدًا\.\.\." أضاءت عيون ريتشارد بغضب مكتوم، ووجهه بقي هادئًا لدرجة مرعبة وهو ينظر إلى دوق سيران: \- "هل تجرأت على مدّ يدك على وريث الارانب؟" ردّ دوق سيران بتوتر، محاولًا الحفاظ على كبريائه: \- "إنه يحتاج تأديبًا\! لقد سمح لشخص غريب بدخول غرفته\.\.\. هذا تصرف غير مسؤول\!" رفع ريتشارد حاجبه ونظر إلى نيل، ثم قال بهدوء شديد: \- "هل سمحت بذلك، أرنبي؟" هز نيل رأسه بسرعة: \- "لا\! لقد تسلل\! أنا بريء\! كنت نائمًا وأحلم بالورود والأرانب\!" همس الإمبراطور بصوت منخفض لدرجة جعلت الجميع يشعر بالبرد: \- "إذًا\.\.\. يبدو أن عليّ إعادة دوق سيران إلى جذوره العسكرية، ربما في ثكنة بعيدة\.\.\. حيث لا توجد أرانب\." صرخ دوق سيران: \- "لا\! أنت لا تجرؤ\! أنا والد زوجتك الراحلة\!" ردّ ريتشارد وهو يُربّت على شعر نيل: \- "وهو أرنبي الذي ضُرب للتو\.\.\. اختر مكان نفيك بنفسك، كعلامة احترام\." بينما نيل ابتسم بنعومة ورضا في حضن والده، وهمس لنفسه: \- "هذا هو شعور القوة الملكية\.\.\. لطيف\." دخلت ليريانا الغرفة بثوب نومها المطرّز والمترف، ووجهها مشوش بالشعر الأشقر الرمادي المنفوش من النوم، وصاحت بصوت أرعب حتى التنانين: \- "أيها الحمقى\! من تجرأ على إيقاظي في هذا الوقت؟\!" تجمدت الغرفة\. وبنظرة نارية وجهتها مباشرة إلى زوجها، سيران، سحبته من ياقة عباءته العسكرية وبدأت تجرّه خارج الغرفة وهو يتذمر: \- "امرأة\! هذا غير لائق أمام صهري\!" ردّت عليه وهي ترفعه تقريبًا عن الأرض: \- "غير لائق؟ لقد أيقظتني من حلم كنت أطير فيه على أرنب ذهبي ضخم\! وسأحرمك من العشاء لأسبوع كامل\!" هرب راينوس أولاً كأنه شبح طار في ممرات القصر، وتبعه ليستر متعثرًا في رداءه الحريري، يهمس: \- "ليلة هادئة للجميع\.\.\." ثم عادت ليريانا وأغلقت الباب خلفها، ثم نظرت بريتشارد بنظرة حادة وقالت: \- "وأنت\! أيها الإمبراطور العظيم، تنوي إذلال زوجي بعد منتصف الليل؟ هل جننت؟\!" رفع ريتشارد حاجبه، ونيل لا يزال بين ذراعيه، فأجاب بنبرة بريئة: \- "لقد ضُرب أرنبي، وكنت أؤدّب المخطئ فقط\." ضربت ليريانا الأرض بعصاها الطويلة وقالت: \- "توقف عن مناداته أرنب\! إنه أمير\! وتوقف عن حمله كدمية\! ثم، ما هذه الرائحة؟" اقتربت من نيل ورفعت أنفه بسبابتها: \- "هل هذه رائحة دخان سحري؟ هل كنتم تتشاجرون؟ هل أوقظتم نيل وسط نوبة سحرية؟ وهل هذا حليب وردي على فمه؟\!" صرخ نيل بخفة وهو يمسح فمه: \- "هذا من ارنب عملاق\! أجبرني على شربه\!" نظرت ليريانا إلى ريتشارد بنظرة قاتلة: \- "أنت تفسده\! هذا الطفل سيكبر ويعتقد أن الرضاعة بعد منتصف الليل أمر ملكي\!" ثم نظرت إلى نيل وضربت الأرض بعصاها: \- "وغدًا، ستستيقظ مبكرًا وتقرأ كتاب الأخلاق الملكية الجزء الأول\!" أخفض نيل رأسه متذمرًا: \- "لكنني أردت قراءة كيف تصبح أرنبًا فوضويًا في عشر خطوات\.\.\." صاحت ليريانا: \- "نام فورًا\!" تكوّر نيل كأرنب صغير، وأطلق تنهيدة خفيفة، بينما ابتسم ريتشارد وأدار عينيه قائلاً: \- "يا لها من عائلة\.\.\. مجنونة، لكنني أحبها\." \- "سأنام معه في جناحي، فهو بحاجة إلى الحماية\.\.\. والعاطفة الإمبراطورية\." صاحت ليريانا من الخلف: \- "بل أنت بحاجة للعب مع دميتك المفضلة\!" ضحك ريتشارد وهو يبتعد، بينما نيل بدأ يتلوى بين ذراعيه كقط صغير وقع في المصيدة، صائحاً: \- "لااا\! أنا لست لعبة\! دعني أنام وحدي\! أريد غرفتي\! لدي خصوصية\! إمبراطوريتي\! استقلالي\!\!" رد عليه الإمبراطور بنبرة هادئة: \- "صغيري، خصوصيتك انتهت منذ وضعت أذني الأرنب تلك على رأسك\." وصلوا إلى جناح الإمبراطور المترف، حيث الستائر الفخمة، والشموع المعطرة، والسرير الكبير الذي بدا وكأنه مصمم ليستوعب جيشًا صغيرًا\. وضع ريتشارد نيل فوق السرير برقة، بينما نيل تمسك بوسادته كأنها طوق نجاة، وصرخ من تحت الغطاء: \- "أنا لست طفلًا\! لا تنم بجانبي\! وأوقف تلك النظرة الحنونة\! أنت تتصرف كأم متفرغة\!" جلس ريتشارد بجانبه، وبدأ يمسد على رأسه برقة وقال: \- "أنا فقط أريد أن أتأكد أن أرنبي الصغير بأمان\.\.\. بعد يوم طويل من الفوضى والحفلات والشجارات\." رد نيل وهو يغطي رأسه بالبطانية: \- "أكرهكم جميعاً\.\.\. لكن السرير ناعم، لذا سأبقى فقط الليلة\." ضحك الإمبراطور بصوت خافت، واستلقى بجانبه بينما يقول بهدوء: \- "كل ليلة تقول هذا\.\.\. ثم تبقى\." \- "لأني ضحية ظروف\!" رد نيل بتذمر\. ومع هدوء الليل، بدأ نيل يغمض عينيه، وجسده يسترخي ببطء، فيما مد الإمبراطور يده وأطفأ الضوء السحري العائم فوقهما، لينغلق المشهد على ابتسامة هادئة من أب يحتضن أكثر أبنائه جنونًا\.\.\. وأقربهم إلى قلبه \. في غرفة مغلقة، تغلفها جدران عازلة للصوت وسحر كتمان ثقيل، وقف لورد أورفال أمام النافذة، نظراته غارقة في الظلام الذي يبتلع السماء\. خلفه، جلس دوق سيران على كرسي ثقيل مزخرف، عصاه السحرية إلى جانبه، وإشارات التوتر مرتسمة على وجهه\. قال أورفال بصوت منخفض، لكن يحمل نبرة جدية قاتلة: \- "إذن\.\.\. تأكدت\. نيل ورث القدرة\." أومأ دوق سيران ببطء، وصوته مشوب بالحذر: \- "بل وتفوق على كل من سبقوه\.\.\. حتى علينا\. لقد أوقف نوبة ليستر دون وعي\. طاقته متفجرة، فوضوية، لكنها\.\.\. نقية\. تلك الهالة البنفسجية، إنها من دمنا\." استدار أورفال نحوه، تقاطع ظل عباءته مع الضوء الخافت: \- "ومع ذلك لا نستطيع الاقتراب منه\. ريتشارد يمنع أيّ تواصل مباشر، وكأن نيل كنز لا يُمس\." ضرب دوق سيران بعصاه على الأرض وقال بانزعاج: \- "بل دمية يلهو بها\.\.\. لكنه لا يعلم أن نيل إن لم يُعلَّم، فسوف يفجر هذا القصر بإرادته أو دونها\." صمت أورفال لحظة، ثم قال ببرود: \- "سنعلّمه، شئنا أم أبى ريتشارد\. المسألة وقت فقط\.\.\. ولا شيء يدوم للأبد\." ثم رفع دوق سيران نظره وقال بحدة: \- "وهناك أمر آخر\. راين سايلاس\.\.\. ذلك الخائن، يزوره ليلًا، ويمنحه جرعات سحرية\. لا أحد يعلم مفعولها الحقيقي\." فجأة، اشتد قبض أورفال على حافة النافذة حتى تصدع الزجاج، وعيناه اشتعلت بنور خافت وهو يتمتم بغيظ: \- "راين\.\.\. سايلاس؟ هذا الحثالة لا يزال يتنفس؟ كيف تجرأ على الاقتراب من حفيدي؟\!" \- "يبدو أن نيل وثق به، ويبدو أن ريتشارد يغض النظر\.\.\. وهذا ما يقلقني\." قالها سيران بتوتر\. ثم اقترب أورفال من طاولة منتصف الغرفة، ولوّح بيده لتظهر خريطة سحرية لقصر الإمبراطورية\. وضع إصبعه على جناح الإمبراطور، حيث يقيم نيل، وقال بهدوء مهدد: \- "راقب كل من يدخل جناحه\. ولا تتردد إن اضطررت لإيقاف سايلاس\.\.\. بأي وسيلة\." ابتسم سيران ابتسامة قاتمة وأجاب: \- "إنها مسألة شرف يا والدي\.\.\. لن أسمح لذلك الغريب أن يُفسد ما ورثه نيل منا\." وبينما اشتدت رياح الليل خارج النوافذ، كان الاثنان يجهزان لمخطط طويل، حيث السلالة القديمة تستيقظ، ودماء نيل تتحول إلى مفتاحٍ لقوةٍ لم يعرفها العالم بعد\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في مكان آخر، في قبو مظلم تحيطه أعمدة حجرية مغطاة بنقوش قديمة تتوهج بألوان شيطانية باهتة، جلس زالفان \- الشيطان ذو المرتبة الثالثة \- فوق عرش من العظام المتفحمة، كأسه بين أصابعه، والخمر الداكن يدور ببطء كما لو كان دمه ذاته\. تمتم بصوت خافت وابتسامة ملتوية تعلو شفتيه: \- "جوهرة\.\.\. لا، ليس مجرد طفل بشري\. إنه جوهرة نادرة، قلب ينبض بسحر غريب، يتحدى منطق هذا العالم\." رفع رأسه، وعيناه السوداوان تشتعلان بتوهج أحمر مخيف\. تابع حديثه مع نفسه: \- "لم أكن أتوقع أن أراه هناك\.\.\. في الأكاديمية، طفل صغير، لكنه كاد يُفجر المكان بقوة غير مدركة\.\.\. كان يلمع\." ابتسم، ثم شرب رشفة طويلة، وتمتم كأنه يردد نبوءة: \- "سأساعد ملكي\.\.\. أزرغيث بحاجة إلى استعادة قوته، لكنني سأحصل على ما أريده أولاً\. ذلك الطفل\.\.\. نيل، سيكون لي\. إمّا كنواة لقوة جديدة، أو\.\.\. كأسٍ أخير أرتشف فيه المجد\." ثم نهض من على عرشه، وبإشارة من يده ظهرت أمامه مرآة سحرية، تنعكس فيها صورة نيل وهو نائم في جناح الإمبراطور، محاط بالحرير والضوء\. ضحك زالفان ضحكة مشؤومة، ثم قال: \- "تمتع بدفء سريرك الآن، صغيري\.\.\. فالقمر التالي سيكون لك بدمٍ وشوك\." ومن خلفه، بدأت جدران القبو تتحرك، ودوامة سحرية تشق الظلام، وكأن العالم السفلي بدأ يتحرك من سباته، ينتظر تلك اللحظة\.\.\. التي يُكسر فيها التوازن\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في صباح مشرق، استيقظ أدريان على أنغام كمان تصرخ بدلاً من أن تعزف، نغمة مكسورة تتصاعد وتتهاوى كأنها معركة بين قطة وجيتار مشروخ\. فتح عينيه بتكشيرة، ثم قفز من سريره صارخًا: \- "مستحيييل\! خالي ليستر، توقف\! هذا ليس عزفًا، هذا تعذيب ممنهج\!" ضرب أدريان الوسادة على أذنيه، لكن العزف ازداد حدة، وكأن ليستر تعمد إزعاجه، ثم ركض أدريان نحو الباب وهو يصرخ: \- "والدي\! يا أبي\! أرجوك تعال وأعدم هذا الخائن الفني\! إنه يقتل الموسيقى\!" خرج من غرفته بشعر منفوش ووجه محمر من الغضب، ليجد ليستر واقفًا عند إحدى النوافذ، يعزف بكل حماس وكأنه في مسرح خاص به وحده\. التفت إليه ليستر بابتسامة هادئة: \- "آه، صباح الخير، هل أيقظك عزفي الجميل؟" أدريان رفع يده ليفرك وجهه بعصبية: \- "جميل؟\! هذا صوت موت الفنون\! سأذهب لأحطم تلك الآلة بيدي\!" ضحك ليستر بهدوء، ثم وضع الكمان جانبًا وسحب أدريان من أذنه كأنه طفل: \- "تحتاج لأدب موسيقي قبل أن تتحدث هكذا عن فني الراقي\!" \- "آآآخ\! خالي\! توقّف\! هذا تعنيف أسري مدعوم بالإيقاع\!" وفي اللحظة التي بدأ فيها ليستر بضربه على رأسه بالريشة كأنها عصا تأديب، مرّ ريتشارد في الممر، يراقب المشهد، ويهمس وهو يضحك: \- "ليستر يعزف\.\.\. وأدريان يتراقص من الألم، صباحٌ طبيعي جدًا في القصر\." صرخ أدريان بأعلى صوته وهو يُسحب من أذنه: \- "أنت عنصري يا أبي\! تنقذ نيل دائمًا من أخوالي المجانين وتتركني أنا وليونيل نعاني وحدنا\!" توقف ريتشارد في الممر لحظة، أدار رأسه ببطء نحو ابنه، رفع حاجبه بتصنع اندهاش وقال ببرود: \- "همم؟ هل قال أحد شيئًا؟ يبدو أن النسيم الصباحي بدأ يهذي\.\.\." ثم واصل سيره وكأنه لم يسمع شيئًا، وهو يخرج حبة توت من جيبه ويتناولها بكل هدوء\. أما ليستر، فابتسم ابتسامة المنتصر وسحب أدريان إلى الداخل وكأنهما في ساحة تعذيب سحرية\. \- "لا تقلق، سأجعلك تقدر قيمة الفن\.\.\. بعد هذه الجلسة الصغيرة\!" صرخ أدريان متوسلًا: \- "أي فن؟\! هذا جنون\! أنا لا أريد أن أتعلم، أريد أن أعيش\! أريد أن أشكو لنيل\!" ليستر أغلق الباب وراءه وقال بصوت خافت ومخيف: \- "نيل ليس هنا ليحميك\.\.\. والآن، لنبدأ درسنا الأول بعنوان: كيف تصرخ بنغمة صحيحة\." وارتفعت أصوات الصراخ و"العزف" في المكان، حتى غطى أحد الخدم أذنيه وهمس: \- "اللهم احفظنا من فنون آل ڤالينثرا\.\.\." استمر ريتشارد في السير ببرود وهدوء تام، خطواته ثابتة، يكاد يُسمع صدى حذائه فوق أرضية القصر الرخامية\. ثم توقف لحظة وهو يمر بممر فرعي، حيث لمحت عيناه ليونيل ممددًا على الأرض، يتلوى بينما راينوس يجلس فوقه ممسكًا كتابًا سميكًا\. \- "قلت لك اقرأه\! إنه أساس الهندسة السحرية\!" صرخ راينوس بحماس، بينما يدفع رأس ليونيل برفق إلى الأمام ليُجبره على النظر في المخطوطات\. ليونيل صرخ بانهيار: \- "أنا لا أريد أن أكون عالمًا\! أريد فقط أن أنام\! أنا مجرد فارس\!" رمش ريتشارد ببطء وهو يراقب المشهد، ثم استدار في صمت، وغير مساره إلى الممر المقابل دون أن ينطق بكلمة\. \- "لقد غير الطريق\.\.\." قال أحد الخدم بدهشة وهمس لزميله\. \- "منذ متى؟" \- "منذ أن اكتشف أن لديه أرانب يفضله على أولاده\.\.\." في الممر الخلفي، أخرج ريتشارد مرآة صغيرة من جيبه، تفقد خصلته البيضاء وقال لنفسه: \- "أحتاج إلى تدليك، وليس مشاكل أولاد لا يعرفون كيف يهربون مثل نيل\." ثم ابتسم بخفة، وكأن كل شيء على ما يرام\. توقف ريتشارد فجأة عند سماع صوت بكاء مألوف\.\.\. صوت صغير، حزين، ومليء بالدراما المبالغ فيها\. \- "آهآآآآه\!\! لقد أُهِنتُ\! جَدتي شريرة\! قاسية بلا قلب\!\! إنها\.\.\. إنها سرقت روحي كما سرقت أنا الحلوى\!\!" تنهد ريتشارد بعمق، وأدار وجهه ببطء باتجاه مصدر الصوت\. دخل الغرفة بخطوات هادئة ليجد نيل جالسًا على الأرض، خدوده منتفخة ودموعه تنزل بغزارة، بينما ليريانا تقف فوقه، تضع يديها على خاصرتها وتبدو كأنها على وشك إعطاءه محاضرة عن الأخلاق\. \- "كم مرة قلت لك ألا تأخذ شيئًا دون إذن؟ إنها ليست مسألة حلوى، إنها مسألة مبدأ\! م\-ب\-د\-أ\!" نظر ريتشارد نحو نيل الذي رفع ذراعيه ناحيته قائلاً: \- "أنقذني\! إنها لا تفهم حاجتي الروحية للسكر\!" ضحك ريتشارد بصوت خافت، ثم سار بخطوات هادئة ورفع نيل عن الأرض كأنه دمية أرنب صغيرة، بينما نيل يتلوى كعادته\. قال ريتشارد بلطف: \- "حماتي العزيزة، لا تكوني قاسية\. إنه فقط طفل\.\.\. طفل لديه مشاكل في فهم الملكية\." ردت ليريانا بحدة وهي تلوّح بعصاها الخشبية: \- "طفلك هذا سرق مخزون الحلوى الشتوي بالكامل\! أراد بيعه للجنود مقابل كتب تعلم فن الكسل\!" رد ريتشارد بينما يداعب أذن نيل الطويلة: \- "على الأقل يعرف كيف يعمل مشروعاً صغيراً\.\.\." نيل، وهو يدفن وجهه في عنق والده ويمسح دموعه عليه: \- "أبي\.\.\. أريد ثلاجة سحرية خاصة بالحلوى فقط\.\.\." تنهد ريتشارد وقال: \- "سنناقش هذا بعد أن تنام\.\.\. في الجناح المضاد لتوبيخ الجدات\." ثم نظر إلى حماته بتهذيب وغمز بلطف: \- "تصبحين على خير، أمي\." وغادر الغرفة بينما ليريانا تمتمت خلفه: \- "أفسدته كليًا\.\.\. قصر الأرانب سيسيطر علينا قريبًا\.\.\." وقف ليونيل وأدريان أمام والدهم الإمبراطور ريتشارد، بأذرع متشابكة وتعبير وجوه يصرخ بالاستياء والخذلان\. قال ليونيل بنبرة جدية وهو يرفع حاجبه: \- "أبي، نحن نطالب بالعدالة\. التمييز واضح كالشمس في منتصف السماء\! نيل يحصل على كل شيء\! اهتمامك، الحلوى الخ\.\.\.\!" أضاف أدريان وهو يشير لنفسه بعنف: \- "وأنا؟ ساحر معتمد في البلاط الإمبراطوري، عمري اثني عشر عامًا، ومع ذلك تُركتُ لأتعرض للتعذيب الموسيقي على يد خالي ليستر\! بينما نيل يُحمَل كالطفل في كل حفلة\!" ابتسم ريتشارد ابتسامة هادئة ونظر إليهما بشيء من المكر، ثم قال: \- "نيل\.\.\. طفل صغير، عمره خمس سنوات فقط\. إنه لا يزال لطيفًا، كائن أرنبي الشكل، لا يفهم ما يقوله عندما يسبّ الجميع\. أما أنتما؟ ليونيل، ولي عهدي البالغ من العمر خمسة عشر عامًا، وادريان، ساحر فتاك\.\.\. لكنكما لا تملكان آذانًا طويلة أو صوت بكاء لطيف\." هتف ليونيل بحنق: \- "نحن بارّين بك\! لم نشتمك يوماً أمام الناس، لم نسرق الحلوى، لم نرسم على جدران القصر صور تنانين ترتدي فساتين\!" قاطعه أدريان وهو يلوّح بذراعيه: \- "وعندما تكبر يا والدي، وتحتاج لرعاية\.\.\. تذكّر جيدًا من أرسلك لدار العجزة، نيل سيصبح نجم مسرحية بينما نحن سندفع الفواتير\! سأحرص على أن تكون دارًا بدون موسيقى أو حلوى\!" ضحك ريتشارد ضحكة خفيفة بينما اتكأ على كرسيه وأشار إليهم: \- "ما زلتما تحسدان أرنباً يختبئ في سلة غسيل لينام؟ آه\.\.\. العائلة\." من بعيد، سُمع صوت ارتطام خفيف وصوت نيل ينادي: \- "أبي\!\! خدودي تحتاج للحنان\!" فنهض ريتشارد فورًا وقال: \- "معذرة، أرنبي يناديني\. تابعوا شكواكم لجدة ليريانا، فهي تحب الاستماع للنق\." وتركهما واقفين في القاعة\.\.\. مذهولين\. وقفت إيرينا بصمت أمام الصورة الكبيرة المعلّقة في الجدار الرخامي، حيث ارتسمت ملامح إليانورا الهادئة، والابتسامة الحنونة التي لم تفارقها حتى في أوج الألم\. رفّت عينا إيرينا بلمعة دافئة، امتزجت بين الحزن والحنين، وهمست بصوت بالكاد يُسمع: \- "هل تذكرين يا إليا\.\.\. كم كنتِ مجنونة مثلي؟ أو ربما أكثر؟" اقتربت بخطوات بطيئة، لمست أطراف الإطار الخشبي للصورة وكأنها تلامس وجه أختها من جديد\. أغمضت عينيها، وتدفقت الذكريات كأنها مشاهد عرضت أمامها: ضحكات متداخلة في الليالي الشتوية قرب المدفأة\.\.\. صراخهن وهما تهربان من العقاب بعد أن قلبتا حديقة القصر إلى أرض طينية باسم "تجربة نباتات سحرية"\.\.\. وصوت إليانورا وهي تدندن ليونيل الصغير، متجاهلة تمامًا كونها أميرة إمبراطورية\. قالت إيرينا بهدوء: \- "أختي\.\.\. كان يجب أن تبقي، على الأقل لأجل هذا الأرنب الصغير\. إنه يشبهك، تعرفين؟ بعنادك، بحنانك الغريب، وحتى في فوضاه\. كل مرة ينظر إليّ بتلك العيون البنفسجية\.\.\. أشعر أنكِ من تنظرين\." تجعد وجهها بابتسامة حزينة وهي تمسح دمعة كادت تنزل: \- "لكن لا تقلقي، سأبقى معه\.\.\. حتى لو جعلني أُطرد من عشر قاعات اجتماع بسبب فوضاه، وحتى لو صرخ بأنني خالة شريرة\.\.\. سأكون هنا\." ثم رفعت رأسها، وضغطت بأصابعها على القلب المنحوت أسفل الصورة، الهدية التي نحتتها إليانورا بنفسها كرمز لوعد الأختين\. \- "من أجلكِ، ومن أجله\.\.\. سأحرص أن لا يُهمل، ولا يُكسَر، مهما كان العالم حوله قاسياً\." ثم همست أخيراً، بنبرة ناعمة متعبة: \- "فلتراقبيه من مكانك، فقد بدأ للتو فصله الخاص في هذه الرواية المجنونة\." جلس الإمبراطور ريتشارد على كرسيه الفخم في جناحه الخاص، فيما جلس نيل في حجره متذمرًا، ذراعيه الصغيرتين متقاطعتين، لكن وجهه لم ينجُ من هجمات والده المتكررة\. \- "توقف\!" صرخ نيل محاولًا إبعاد يد الإمبراطور عن خدوده، "لقد عضضتني ثلاث مرات\! ثلاث\! هذا يُعد تعذيبًا\!" ضحك الإمبراطور بمرح وهو يعاود قرص خده الآخر بلطافة، ثم عضّه برفق: \- "لكن خدودك مثل المارشميلو\.\.\. كيف لا ألعب بها؟" بدأ نيل بالتلوّي والتذمر بصوت عالٍ كعادته، لكنه لم يستطع إخفاء الاحمرار الطفيف في وجهه\. في الخارج، سُمعت أصوات المساعدين وهم يتجادلون حول التوقيع على وثائق الدولة، بينما ريتشارد، إمبراطور القارة بأكملها، لم يهتم بهم إطلاقًا، منشغلًا بخدود "أرنه الصغير"\. ثم نظر إليه بنظرة شبه جادة، رغم أن عينيه ما زالتا تضحكان: \- "قل لي، نيل\.\.\. عندما تكبر، هل سترسل والدك العزيز إلى دار العجزة؟" حدّق نيل فيه للحظة، ثم قال بجدية مثيرة للضحك: \- "بالطبع\! وسأحرص أن يكون السرير بجانب غرفة شخص يشخر بصوت عالٍ\! وسأمنع عنك الحلوى\!" ضحك الإمبراطور بصوت عالٍ وضمّه إلى صدره: \- "أوه، كم أحبك\.\.\. أيها الأرنب الصغير الشرير\." ثم أضاف بنبرة دافئة: \- "حتى لو رميتني في دار العجزة، سأظل أزورك لأقرص خدودك\." زمّ نيل شفتيه وهو يهمس: \- "سأختبئ في قبو القصر\.\.\. أو أرسل نفسي إلى بعدٍ آخر\.\.\." لكن في قرارة نفسه، شعر بالأمان الدافئ الذي لم يعرفه إلا في حضن هذا الإمبراطور المجنون، والده الذي لا يشبه أي أحد\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. وقفت إيرينا أمام صورة إليانورا المُعلقة في جناح العائلة الإمبراطورية، تتأمل ملامح أختها الراحلة\.\.\. نفس الابتسامة الرقيقة، والعينان البنفسجيتان اللتان تحملان شيئًا من البراءة وشيئًا من الدهاء الدفين\. همست إيرينا بصوت خافت: \- "كنتِ دائمًا لطيفة\.\.\. لكنكِ لم تكوني غبية كما اعتقد البعض، أليس كذلك؟" ثم ابتسمت، تذكرت موقفًا واضحًا من أيام أكاديمية السحر الإمبراطورية\. \-\-\- إ ليانورا  \(ايرينا \)  كان يوماً صاخبًا في الأكاديمية، حيث تحدّى أحد النبلاء المتغطرسين \- اللورد فيلار، ابن أحد الدوقات \- إليانورا في اختبار مبارزة سحرية، بعد أن سخر منها علنًا قائلاً: \- "الأميرات لا يجيدن سوى ارتداء الفساتين الجميلة والتصنع\!" ضحك زملاؤه، بينما بدت إليانورا في لحظة وكأنها انزعجت\.\.\. ثم انحنت برقة وهمست: \- "آه\.\.\. آسفة، هل كنت تتحدث إليّ؟ كنت أركز على اختيار لون عباءتي القادم\." زاد ذلك من سخرية الجميع، وظن اللورد فيلار أنه ربح المعركة قبل أن تبدأ\. لكن ما إن بدأ التحدي، حتى أطلقت إليانورا تعويذة مُركبة عالية المستوى بهدوءٍ مذهل، دمجت بين عنصري الريح والضوء\. لم يرَ أحد الحركة، فقط اختفى فيلار من مكانه\.\.\. ثم وجدوه معلقًا رأسًا على عقب خارج نافذة الطابق الرابع، وثيابه معلّقة بعناية على عمود الراية، تعلوه وردة سحرية تطلق فقاعات وردية اللون\. ضحكت إليانورا بكل نعومة وقالت: \- "أوه لا\.\.\. يبدو أنني أخطأت قليلاً\. آسفة يا لورد فيلار، كنت أعتقد أن هذه تعويذة تجفيف\." ضحك كل من في الساحة، وتحوّلت سمعة إليانورا من "الأميرة الساذجة" إلى "الفتاة التي لا يُستهان بها"\. لكنها بقيت على طريقتها\.\.\. لطيفة، خجولة، وعلى الأرجح، أخطر من أي ساحر في دفعتها\. \-\-\- عادت إيرينا للواقع وهمست للصورة: \- "كنتِ أذكى منا جميعًا\.\.\. والآن ابنك، نيل، يشبهك كثيرًا\.\.\. بوجه أكثر خديعة\." ثم ابتسمت بسخرية حزينة، قبل أن تنصرف ببطء\. وأثناء سير إيرينا في الممر الهادئ، وسط ضوء القمر الذي تسلل عبر النوافذ العالية، توقفت فجأة عندما ظهرت أمامها نافذة شفافة بتوهج أرجواني باهت، تحمل صوت رنين مألوف منذ سنوات ماضية\. دينغ\! ظهرت نافذة نظامها الخاص \- نظام الأحفاد المختارين \- الذي نادرًا ما استخدمته بعد انسحابها من الحياة العامة\. وفي وسط النافذة ظهرت صورة ثلاثية الأبعاد لفتاة صغيرة ذات شعر فضي مائل للوردي، وعينين لامعتين بلون الياقوت\. \- "صباح الخير، سمو الاميرة إيرينا\!" قالت الفتاة بابتسامة مشرقة وهي تلوح بيدها، "لقد مرت ١١ سنة، و٣ أشهر، و١٧ يومًا منذ آخر مرة فتحتِ النظام\! اشتقت إليك\!" رفعت إيرينا حاجبها ببرود وقالت: \- "إيلي\.\.\. ألم يتم إلغاء تنشيطك بعد؟" ضحكت إيلي وهي تميل برأسها جانبًا: \- "أنا نظام موروث\! لا يُلغى تفعيله إلا بوفاتك\.\.\. وهذا لم يحدث بعد، لحسن الحظ\." تنهدت إيرينا، "ما الذي جعلك تظهرين الآن؟" ظهرت نافذة صغيرة بجوار إيلي: \> تحذير طارئ: سليل الجيل التالي "نيل أفيرون" أطلق طاقة فوضى بنسبة ١\.٧٪ \- قدرة غير مسجلة\. تم الكشف عن تداخل سحري من أنظمة متعددة في جسده\. توصية: إشراف مباشر من حاملي النظام السابقين \- إيرينا ڤالينثرا \. تجمدت ملامح إيرينا للحظة، ثم أغلقت قبضتها ببطء وهمست: \- "ابن إليانورا\.\.\." أجابت إيلي برقة: \- "يبدو أن الوقت حان لتعودي، سيدتي\. ابن أختك يُشكّل عنصر اضطراب في مجريات العالم الأصلي\." رفعت إيرينا بصرها وقالت بهدوء، وكأنها تتحدث لنفسها: \- "إذًا\.\.\. هل سيعيد التاريخ نفسه؟ أم سنعيد كتابته هذه المرة؟" وأضاءت عيناها بلون بنفسجي عميق، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيها، مزيج من الحنين\.\.\. والقرار\. فجأة، ارتجّت نافذة النظام من حول إيلي، وظهر وميض حاد قطع الظلام الذي يلف الممر، تبعه صوت رنين منخفض يشبه نبض القلب\. دينغ\.\.\. ظهرت رسالة جديدة بخط ذهبي لامع: \> إلغاء حجب الذاكرة المؤرشفة \- المستوى الأحمر\. الحدث: "حادثة إلغاء الختم عن إليانورا ڤالينثرا \- السنة الأخيرة في الأكاديمية الملكية"\. تم التفعيل تلقائيًا بسبب نشاط مشابه في السليل المباشر\. تنبيه: هذه الذكرى قد تغيّر نظرتك للماضي\. هل ترغبين بالمشاهدة؟ تراجعت إيرينا خطوة للوراء، قلبها بدأ ينبض بقوة\.\.\. "حادثة؟ ختم؟ إليانورا؟" همست وكأن الكلمات لا تصدق\. "أ\.\.\. اعرضيها\." توهجت النافذة أمامها، وبدأت الصورة تتشكل: قاعة الأكاديمية العليا، في منتصف الليل\. إليانورا تقف وسط دائرة سحرية معقدة، تنبعث منها طاقة أرجوانية كثيفة، وعينها لا تحمل الابتسامة المعتادة بل حزمًا قاتمًا\. كانت هناك أصوات سحرة كبار يصرخون خارج الدائرة، محاولة كسر الطوق حولها، فيما وقفت إيرينا الشابة تراقب من زاوية مظلمة، يداها ترتجفان، وقلبها مشوش\. سمعت إليانورا بصوت واضح حاد: \- " هذه قوتي\.\.\. وسأستخدمها حين يحين الوقت\." ثم\.\.\. انفجر الضوء\. وأسودت الذاكرة\. عادت إيرينا إلى الممر، ويدها على صدرها، أنفاسها متسارعة، وعيناها ممتلئتان بالدموع: \- "أنا\.\.\. نسيت هذا؟ تم محوه مني؟" إيلي بصوت منخفض: \- "أُجبرتِ على نسيانه، سيدتي\.\.\. حمايةً لك، \. لكن يبدو أن نيل\.\.\. ورث أكثر مما كنا نتوقع\." قالت إيرينا ببطء، وعيناها تشعان: \- "ابنة ڤالينثرا لا تُخدع مرتين\. إذا كانت إليانورا أخفت هذا حتى عني\.\.\. فلابد أن نيل هو مفتاح النهاية\."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"الأمير الكسول يرفض البطولة!"

المؤلف rwzi_1
2025/07/12 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: بداية غير مرغوبة
2025/07/12
الفصل 20: تاريخ يتكرر!!!
2025/07/13
الفصل 21: ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر
2025/07/13
الفصل 22: طاغية يستمتع ... في تعذيبي !!
2025/07/13
الفصل 23: زواج الأرنب...و دموع جنيات
2025/07/13
الفصل 24: الموكب الملكي... بين الأرنب والسنجاب والسهم الوردي
2025/07/13
الفصل 25: الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري
2025/07/13
الفصل 26: ليس مجددا التنين .... و الفراغ!!
2025/07/13
الفصل 27: أجنحة رماد و دماء جنيات
2025/07/13
الفصل 27: سقوط الفأر....وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 28: سقوط الفأر وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 29: شيفرة الخيانة... ونبض إليانورا الأخير
2025/07/13
الفصل 30: الصغير و المجنون
2025/07/13
الفصل 31: حاجز من جحيم .....وعقاب الارنب
2025/07/13
الفصل 32: حين قرر الأرنب أن يقفز من سريره... فوق رؤوس الجميع!
2025/07/13
الفصل 33: سيف، عناق، و50 جنيّة غاضبة
2025/07/13
الفصل 19: شيطان في خدمتك ؟
2025/07/13
الفصل 18: أمي ؟
2025/07/12
الفصل 17: أبي يفضل الأرنب
2025/07/12
الفصل 2: صباح كارثي
2025/07/12
الفصل 3: النظام وصدمة الكبرى
2025/07/12
الفصل 4: عودة الأخ... الأكبر مكبرة جدا
2025/07/12
الفصل 5: الأرنب الملكي في ورطة ملكية
2025/07/12
الفصل 6: زفاف الملكي للارنب المتمرد
2025/07/12
الفصل 7: هل غيرت رواية دون أن أدري ؟
2025/07/12
الفصل 8: راين متجسد !!!!!!
2025/07/12
الفصل 9: ألارنب الملكي في جولة !
2025/07/12
الفصل 10: عائلة ڤالينثرا
2025/07/12
الفصل 11: حفلة ملكية على شرف الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 12: حفلة تعذيب؟
2025/07/12
الفصل 13: مهمة إنقاذ الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 14: عودة أدريان هل هذا سيء ؟
2025/07/12
الفصل 15: أذهبوا إلى الجحيم ؟!
2025/07/12
الفصل 16: صراع الأرنب والديك
2025/07/12
الفصل 34: أنا أريد الحلوى... لا البطولة
2025/07/13

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة