استيقظ نيل ببطء، عيناه نصف مغمضتين، وهو يشعر بشيء مألوف وخطر في الهواء\. وقبل أن يستطيع حتى التثاؤب، فتح باب غرفته بقوة، ودخل الإمبراطور بخطى واثقة… وفي يده، كالعادة، زي أرنب فاخر جديد، هذه المرة كان أبيض ناصع مع لمسات ذهبية وبنفسجية ، وتفاصيل مطرزة بدقة لا توصف\. ابتسم الإمبراطور ابتسامة واسعة قائلاً: — "صباح الخير، أرنبي الصغير\. حان وقت التحضير للحفلة الملكية\." ولم يرد نيل بكلمة\. بل… انقلب على بطنه ببطء، ثم زحف بحذر إلى حافة السرير، وانطلق يزحف بأقصى سرعته… إلى تحته\. اختفى تحت السرير في ثوانٍ، وصاح من مكانه بصوت مكتوم: — "لن أخرج\! لن أرتدي ذلك الشيء\! أنا لست حيوانًا أليفًا تستعرضه في الحفلات\!" أطلق الإمبراطور تنهيدة طويلة وكأن هذا الصباح ليس إلا تكرارًا لمشهد يومي\. — "نيل… لا تبدأ هذا مجددًا\. إن خرجت بهدوء، سأدعك تختار الحلوى أولاً في الحفلة\." — "أكره الحفلات\! وأكره الأرانب\! وأكرهك\!" صرخ نيل وهو يتشبث بأحد أرجل السرير\. قال الإمبراطور بنبرة درامية: — "جرحتني، أرنبي\. هل نسيت كم بدلة اشتريتها لك؟ من أفخم مصمم في الإمبراطورية؟" — "بل نسيت كم مرة أحرجتني بها أمام الناس\!" رد نيل صارخًا\. وفجأة، بدأ الإمبراطور بالانخفاض… ركبة تلو الأخرى، حتى أصبح على مستوى السرير\. — "آخر تحذير\.\.\. إما أن تخرج، أو سأضطر إلى إخراجك بنفسي، وسترتدي البدلة أمام جميع الخدم\." ومن تحت السرير، خرج صوت تحدٍّ: — "تعال وخذني إن استطعت\!" وبدأت المعركة\. مدّ الإمبراطور يده، فقام نيل بالزحف العكسي بسرعة مذهلة، مصطدمًا بصندوق صغير، ثم انزلق من الجهة الأخرى\. ركض نحو الأريكة، بينما الإمبراطور لحقه، ضاحكًا هذه المرة\. أمسكه من خصره أخيرًا وهو يقاوم ويضرب برجله: — "دعني\! أنت طاغية ألارانب\!" — "أنا طاغيتك المفضل\!" ضحك الإمبراطور، ثم رفعه كأنه صيد ثمين، وأجلسه على السرير، وبدأ بحركات ماهرة في تجهيز بدلة الأرنب\. بين الصراخ، والركل، والتذمر، كانت البدلة تُرتدى\. وحين انتهى أخيرًا، نظر نيل إلى نفسه في المرآة… أذنان طويلتان، قفازات ناعمة، شريط عنق مطرز، وكل شيء فخم\.  صاح نيل: — "أنا أبدو كدمية\!" رد الإمبراطور بفخر: — "بل كأجمل أرنب في الإمبراطورية بأكملها\." ثم حمله، وخرج به من الغرفة، وسط ضحكات الحراس والخدم الذين أصبحوا معتادين على هذه الفوضى الصباحية\. والحفلة الملكية على وشك أن تبدأ… كان نيل يتلوّى بين ذراعي الإمبراطور، لا يكف عن التذمر: — "أرنب هنا، أرنب هناك، لماذا لا يرتدي ليونيل مثلي؟\! أراهن أنه سيبدو مضحكًا أكثر مني\!" ضحك الإمبراطور ضحكة خفيفة وهو يسير بثقة في الممرات الرخامية الواسعة، بينما خدم القصر ينحنون باحترام عند مروره\. — "أرنبي الصغير، لأن الأرنب اللطيف الوحيد هنا هو أنت\. ليونيل؟ أدريان؟ لا يملكان ربع لطافتك\." وفجأة، ظهر ليونيل من الجهة المقابلة، يرتدي زيه العسكري الرسمي، بنظرة جادة كعادته… لكنه لم يتمكن من منع حاجبيه من الارتفاع قليلاً عندما رأى أخاه الأصغر بأذنين طويلتين يرتدين قفازات بيضاء وينظر إليه بغضب\. — "شكرًا على الإطراء، جلالة والدي،" قال ليونيل بنبرة هادئة، وإن لم يخلُ صوته من السخرية\. "لكنني سعيد بكوني غير لطيف إن كان الثمن هو ارتداء ذاك الشيء\." نيل صرخ محتجًا: — "أنت جبان\! لو كنت شجاعًا حقًا، لارتديت زي الأرنب الوردي مع الزينة\!" — "شجاعتي لا تشمل الأزياء الكرتونية، للأسف\." رد ليونيل وهو يحاول ألا يبتسم\. أكمل الإمبراطور الطريق إلى القاعة الكبرى، ونيل لا يزال يضرب كعبه الصغير في الهواء\. — "هذا ظلم ملكي\! استغلال للسلطة الأبوية\! سأشتكي لرئيس الأرانب السري\!" ضحك الإمبراطور وأخفض صوته قائلاً: — "رئيس الأرانب؟ للأسف أنا هو\." تنهّد نيل بضيق، بينما شعر ليونيل فجأة بأنه ممتن لمكانته كولي عهد… حتى لو كان عليه مواجهة الشياطين، على الأقل لم يكن مجبراً على ارتداء بدلة أرنب ملكية\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. ضرب الفارس رمحه بالأرض ثلاث مرات، صوته الجهوري يعلو في أرجاء القاعة الملكية المزينة بأفخم أنواع الزهور والحرير الذهبي: — "انتباه\! العائلة الإمبراطورية تصل\!" صمت فوري خيّم على المكان، وانحنى الحاضرون إجلالًا بينما البابان الكبيران فُتحا ببطء، ليظهر الإمبراطور أولًا، شامخًا بهيبته المعتادة، مرتديًا حلة ملكية داكنة مرصعة بأحجار قرمزية\. وفي حضنه جلس نيل، يرتدي زي الأرنب الملكي، يحدق بالجميع بنظرة بريئة… وإن كانت ممتلئة بالضيق\. لكن شيئًا في الهواء تغيّر حين التقت عينا الإمبراطور بعيون العائلة التي جلس أفرادها بصمت في الجانب الغربي من القاعة\. عائلة ڤالينثرا\. نظرات هادئة\.\.\. لكنها ثاقبة\. في مقدمتهم جلس اللورد أورفال ڤالينثرا، العجوز الهادئ الذي لم يتغير كثيرًا منذ سنوات\. ملامحه جامدة كأنها منحوتة من الحجر، لكن عينيه البنفسجيتين، التي تطابقتا مع نيل، كانت تراقب الإمبراطور بحذر\. إلى جانبه جلست السيدة ليريانا، والدة إليانورا\. بشعرها الفضي المربوط بدقة، وجلستها المستقيمة التي تشي بأرستقراطية صامتة\. وبجانبها، الدوق سيران ڤالينثرا، والد إليانورا، ذو ملامح صارمة وصوت لم يُسمع بعد، نظرته عميقة كمن يزن العالم بكفة\. أما الإخوة الثلاثة فقد وقفوا خلفهم: أليستر ڤالينثرا، الأخ الأكبر، بشعر أبيض قصير وعيون بنفسجية شاحبة، يرتدي زيًا نبيلًا أسود مائل للفضي\. إيلينا ڤالينثرا، الأخت الوسطى، جميلة وباردة، ملامحها تشبه إليانورا بشكل لافت، كأنها انعكاس شبابي لها\. راينوس ڤالينثرا، الأصغر، عيناه نصف مغمضتين وكأنما يملّ الحفلة، لكنه كان يحدق بنيل باهتمام غريب\. في تلك اللحظة، ساد صمت مشحون\. نظرات متبادلة\. ماضٍ مجهول يتقاطع مع حاضر متوتر\. والإمبراطور شدّ قبضته حول نيل قليلاً، كأنه يخبرهم جميعًا: هذا ابني\.\.\. وهذه أعينكم التي ورثها\. أما نيل، فقد مال برأسه قليلًا على صدر والده، وهمس بخفة: — "هل هؤلاء… عائلة أمي؟" الإمبراطور لم يجب… لكنه كان يعرف، هذه الحفلة ليست للاحتفال فقط\. إنها بداية فتح الستار عن أسرار صمتت طويلاً\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. بدأت الهمسات تنسرب همسًا بين أفراد عائلة ڤالينثرا، كالريح تتسلل بين ستائر القاعة المزخرفة\. إيلينا، الأخت الوسطى، كانت أول من كسر الصمت بصوت منخفض: — "أترون؟ عينيه\.\.\. إنه يحمل أعيننا\." راينوس شبك ذراعيه وهمس بنبرة مشوشة: — "لم أكن أظن أن إليانورا أنجبت طفلًا بهذه الملامح\.\.\. يشبهها كثيرًا\." ثم نظر إلى اللورد أورفال وأضاف: — "جدّي… ما رأيك؟" اللورد أورفال لم يرد للحظة، اكتفى بالتحديق الثابت في وجه الإمبراطور، ثم إلى نيل، بنظرة فاحصة لا يمكن قراءتها بسهولة\. وأخيرًا قال بصوت خافت لكنه حازم: — "هذا الصغير\.\.\. هو دم من دمنا\." السيدة ليريانا، والدة إليانورا، بدت شاحبة للحظة، ووضعت يدها على صدرها وهي تهمس: — "كنت أظن أن ملامحه ستكون أقرب لأبيه\.\.\. لكن لا، إنه ڤالينثرا بامتياز\." أليستر، الأخ الأكبر، نظر بخفة نحو اللورد أورفال وهمس: — "هل علينا أن نقترب؟ نتحدث مع الإمبراطور؟ أم\.\.\. ننتظر دعوته؟" اللورد أورفال أجابه دون أن يزيح نظره عن نيل: — "ننتظر\. إذا أراد كشف الأوراق، فليكن هو من يبدأ\." وبينما استمر الهمس في صفهم، كان نيل لا يزال يرمش ببطء، مستشعرًا نظرات غريبة تحيط به\. همس للإمبراطور دون أن يرفع رأسه: — "بابا\.\.\. لماذا ينظرون إلي هكذا؟" الإمبراطور ابتسم، وربت على ظهره بلطف، وأجاب بصوت منخفض وهو يراقبهم: — "لأنك لست فقط أرنب بابا\.\.\. بل أنت أيضًا وريث سرّ قديم\." وما لم يعرفه نيل بعد، هو أن تلك النظرات البنفسجية التي تلاحقه الآن\.\.\. تخبّئ ماضٍ صامت، كان ينتظر لحظة يقظته\. بدأ الحفل رسميًا، وامتلأت القاعة الملكية بأصوات الموسيقى، وحديث النبلاء المتكلف، وخرير النوافير المذهبة\. جلس الإمبراطور على عرشه المرتفع، بثبات وهيبة لا تشوبها شائبة، بينما جلس نيل بحضنه كعادته، بثوب الأرنب الأبيض المطرز بخيوط فضية\. كان يحاول أن يبدو رسميًا، لكن عينيه الواسعتين راحت تتجول في القاعة بفضول، ثم تهبط إلى كعكة الحلوى الموضوعة على الطاولة الجانبية وكأنها تغويه\. بجانبه، جلس ولي العهد ليونيل بهدوء، لكنه لم يكن ساكنًا تمامًا، فقد كانت عيناه الحمراوان مثبتتين بوقاحة واضحة على الطاولة التي تجلس عندها عائلة ڤالينثرا\. وحين التقت نظراته مع راينوس ڤالينثرا، اشتعل الهواء بينهما\. لم يكن هناك كلام\.\.\. لكن لغة العيون بينهما كانت معركة صامتة\. نظرة استعلاء من ليونيل، تبعتها نظرة تحدٍّ من راينوس، نظرة تهديد باردة\.\.\. ثم ابتسامة خفيفة مليئة بالتحقير\. تمتم نيل وهو يشد كمّ الإمبراطور: — "بابا\.\.\. ليونيل بدأ يتشاجر بعينيه مجددًا\." رد عليه الإمبراطور دون أن ينظر: — "دع أخاك، هذه عادة ملوك المستقبل\.\.\. يتعاركون دون أن يحرّكوا ساكنًا\." ثم انحنى نحو نيل وهمس: — "لكن أنت، أرنبي\.\.\. لا تكبر بسرعة، دعني أحتفظ بك هكذا قليلًا\." في هذه اللحظة، التفتت السيدة ليريانا، والدة إليانورا، نحو ليونيل وابتسمت بخفة، كأنها تقول: نعرف من تكون، لكننا لسنا خائفين\. أما اللورد أورفال، فظلّ جامد الملامح، يراقب المشهد كله بعينيه البنفسجيتين اللتين خَبِرتا قرنًا من الأسرار\. الحفل بدأ، لكن خلف الموسيقى والكلمات، اشتعلت نارُ السياسة، والدم، والوراثة\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. استمرت معركة العيون بين ليونيل وراينوس ڤالينثرا، وكأن الزمن توقّف بين طرفي القاعة، وذابت الضوضاء الملكية من حولهم في دخانٍ غير مرئي\. ليونيل جلس بثبات، ساقاه متشابكتان، ظهره مستقيم، ونظراته مسلّطة بدقة على وجه راينوس\. لم يكن يُظهر الكثير من المشاعر، لكن تكشيرة خفيفة في زاوية فمه، ونظرة متعالية في عينيه، كانت كافية لتعلن رأيه الواضح: "أنت لست نِدًّا لي\." راينوس من جهته لم يتراجع، بل مال برأسه قليلًا للأمام، كمن يستعد للهجوم\. عيناه البنفسجيتان اللامعتان تشعّان بثقة متحدية، وابتسامة صغيرة تشكّلت على وجهه، لكنها لم تكن ودودة\.\.\. كانت تحمل رسالة واضحة: "سنرى من سينحني أولاً\." التفت نيل بنصف جسده من حضن والده، يراقب هذا الصراع العجيب، ثم قال ببراءة متذمرة: — "أيمكن لأحد أن يرش عليهما ماءً؟ إنهما يتقاتلان كالقطط\.\.\." ضحك الإمبراطور ضحكة خافتة، ثم نظر نحو ليونيل وقال بلهجة هادئة ولكنها واضحة: — "كفى عبثًا، إن أردت شيئًا\.\.\. فقله بصوت عالٍ، لا بعيونك\." دون أن يلتفت، ردّ ليونيل بنبرة جافة: — "لم أفعل شيئًا، جلالة والدي\. فقط\.\.\. كنت أحدّق في نبتة نمت في غير موسمها\." فغرت بعض أفواه الوزراء قرب العرش، وهم يدركون تمامًا أنه يقصد راينوس\. راينوس ابتسم بثقة أكثر، كأنه استمتع بالتصريح، ثم أدار نظره ناحية نيل، وحدّق به طويلاً، نظرة لم تكن بعدائية\.\.\. بل كانت مزيجًا غريبًا من الفضول، والدهشة، وكأن شيئًا ما في نيل لا يُفترض أن يكون هناك\. أما أفراد عائلة ڤالينثرا، فكانوا يراقبون بصمت تام\. كل كلمة، وكل نظرة، كانت تعني أكثر مما يبدو\. وكان واضحًا: أن هذه الحفلة\.\.\. ليست مجرد احتفال\. بل افتتاحية لشيء أكبر بكثير\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في الزاوية الهادئة من قاعة الحفل، اجتمع أفراد عائلة ڤالينثرا حول طاولة طويلة مغطاة بشرشف مخملي أسود، وفناجين شاي بالكاد لُمسَت\. الجميع يتظاهر بالهدوء واللباقة، لكن أعينهم كانت مشدودة نحو العرش، وتحديدًا\.\.\. نحو نيل الجالس في حضن الإمبراطور، محاطًا بكل الحماية الممكنة\. قالت دوقة ڤالينثرا،ليريانا، ، والدة إليانورا، بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالدهشة: — "إنه\.\.\. يشبهها كثيرًا\. اللون، الروح، وحتى السكون\." ردّ الدوق سيران ، وهو يعبث بخاتمه: — "لكن هناك شيء آخر\.\.\. طاقة سحرية خافتة تنبعث منه، شعرت بها حين اقتربنا، رغم الحاجز\." أجاب اللورد أورفال أخيرًا، صوته خافت كنسيم شتوي: — "إنه يحمل دمنا\. لا شك في ذلك\. ولكن الإمبراطور\.\.\. لن يسمح لنا بلمسه، أو حتى الحديث معه\." قالت ايرينا ، بابتسامة متكلفة: — "إذن لنترك المسألة ليد الصدفة\. الأطفال\.\.\. يحبون الحلوى، أليس كذلك؟" رفع راينوس حاجبه: — "أنتِ تقترحين خطف أرنب إمبراطوري بحلوى؟" ضحكت ايرينا بخفة: — "بل أستدرجه، لا نحتاج لخطفه\.\.\. فقط دعه يقترب، ونفحصه عن قرب\. قطعة حلوى ساحرة تُسحب إليه بلطف، وبعض الكلام الطيّب\.\.\. قد ننجح\." تنهّد أورفال: — "احذروا\. الإمبراطور ليس غافلًا\.\.\. كل حركة تُراقَب\. إن عرف أننا نحاول لمس الطفل دون إذنه، لن يكتفي بالتهديد\." أجابت ايرينا: — "لهذا ستكون الخطة ناعمة كحرير\. لا اندفاع، لا سحر مباشر، فقط جذب\.\.\. وفضول طفل\." ثم التفت الجميع نحو راينوس، الذي كان لا يزال يراقب العرش بصمت، وقالت ايرينا بنبرة خفيفة: — "راينوس\.\.\. يبدو أنك الوحيد القادر على جعله يقترب\." أجاب دون أن يلتفت: — "إنه لا يثق بأحد\. لكنني أستطيع المحاولة\.\.\. إن حصلت على الحلوى المناسبة\." ضحكت ليريانا، وأخرجت علبة صغيرة من حقيبتها الحريرية، فتحتها لتكشف عن حلوى بنفسجية متوهجة بخفة، تنبعث منها رائحة مزيج من التوت والسحر الخفيف\. — "هذا\.\.\. سحر الطُعم\. لنجربه مع الأرنب الإمبراطوري\." \.\.\.\.\.\.\.\.\. في ركنٍ من القاعة، غير بعيد عن العرش الملكي، جلس راينوس على أريكةٍ مخملية مخصصة لكبار الضيوف، وقد بدا هادئًا ببرودٍ محسوب\. أمامه صحن صغير وُضعت فيه حلوى بنفسجية متوهجة، أعدّتها عمّته ميرينا خصيصًا، وكانت رائحتها تغري حتى الكبار… فكيف بطفلٍ في الخامسة من عمره؟ أخذ راينوس قطعةً من الحلوى، وراح يلوّح بها بين أصابعه بتكاسل، متظاهراً بعدم الاكتراث، ثم تناولها وقال بصوتٍ مرتفع مقصود: — "رائعة… لا تُباع هذه الحلوى سوى في أعالي جبال فيلورا… نادرة، ولذيذة للغاية\." كان يعلم أن الطفل الصغير في حضن الإمبراطور يملك أذنين تلتقطان كل ما يتعلق بالحلوى\. وبالفعل… ارتفع رأس نيل قليلًا، وفتح إحدى عينيه بحذر، ثم همس للإمبراطور ارتفع رأس نيل قليلًا من حضن الإمبراطور، وفتح إحدى عينيه بخفة، ثم همس بصوت خافت: — "بابا… ما الذي قاله عن الحلوى؟" أجاب الإمبراطور دون أن يرفع عينيه عن الوثائق: — "تُرّهات\. لا تُصغِ له، إنه امير يتنفس الكذب\." لكن نيل كان قد بدأ يميل قليلاً ليرى، وراح الفضول يتسلل إلى ملامحه شيئًا فشيئًا\. التقط راينوس الإشارة بذكاء، فأخذ قطعةً أخرى من الحلوى، ووضعها على طرف الطاولة بإهمال متعمد\. قال بصوتٍ واضح وهو يتظاهر بأنه يخاطب نفسه: — "لو كان ثمّة أرنب صغير لطيف بالجوار… لكنت شاركته هذه الحلوى النادرة بكل سرور\." بدأ جسد نيل الصغير يتحرك بحذر، محاولاً التسلل دون أن يُلاحظ\. لكن الإمبراطور، وقد شعر باهتزاز خفيف في حضنه، نظر فورًا إلى الأسفل، ليجد نيلًا يزحف كالقطة، عيناه مثبتتان على الحلوى البنفسجية\. قال الإمبراطور بتحذير منخفض: — "لا تتحرّك… نيل\." لكن نيل تمتم دون أن يلتفت: — "أحتاج إلى مراقبة العدو ميدانيًا، يا بابا… تدريب استراتيجي بسيط، لا أكثر\." رفع ليونيل حاجبًا وهو يهمس من الجهة الأخرى: — " أحقا أهكذا تبدا المهمات الاستخباراتية؟" اقترب نيل بخطوات صغيرة من الطاولة، ثم وقف أمام راينوس وقد حدّق به بريبة\. ابتسم راينوس بلطف، ومدّ إليه قطعة الحلوى: — "أتودّ تذوّقها؟ سمعت أن ذوقك رفيع…" نظر نيل إليه بتمعّن، ثم قال بنبرة طفولية مشبعة بالحذر: — "أنت غريب… وإن حاولت لمسي، سأعضّك\. فقط أعطني الحلوى وانصرف\." ضحك راينوس بهدوء، ورفع الحلوى قائلًا: — "بطبيعة الحال… لا ينبغي إغضاب الأرنب الملكي\." وفي تلك اللحظة، كانت عينا الإمبراطور تشعان بوميض قاتم، كصقرٍ يترصّد من يجرؤ على مدّ يده نحو صغيره… \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. وما إن مدّ نيل يده الصغيرة نحو الحلوى، حتى أحاطت به فجأة وجوهٌ مألوفة من الصور التي رآها في القصر… عائلة والدته\. عمّات والدته وخالات والدته وعائلة والدته، جميعهن ظهرن كأنهن كنّ يترقبن لحظة اقترابه، التففن حوله كجوقة موسيقية من العطور الفاخرة والفساتين المذهبة، تتقدمن بخطوات ناعمة ونظرات حنونة… ومريبة\. قالت إحداهن بصوت مفعم بالدفء: — "آه، انظرن إليه\! نسخة مصغرة عن إليانورا، يا لسحره\!" وقالت أخرى، وقد اقتربت بنشوة: — "وجنتاه الممتلئتان… أريد فقط قرصهما قليلاً، قليلاً فقط\!" في لحظة رعبٍ طفولي، وضع نيل كلتا يديه على خدّيه وانتفض إلى الوراء بخطوة سريعة، يصيح بصوت مختنق: — "لا… لا تقتربن\! وجنتاي ليستا للقرص\! إنها ملكية محمية بمرسوم إمبراطوري\!" أطلقت إحدى السيدات ضحكة رقيقة: — "آه، إنه يتحدث مثل الإمبراطور تمامًا\! حتى الغضب لديه يبدو ظريفًا\!" تراجع نيل خطوة أخرى، ظهره باتجاه الطاولة، وهمس بصوت يائس: — "أبييييييي\! المساعدة\! هؤلاء النسوة يردن إيذائي عاطفيًا\!" وقبل أن تندفع إحدى الخالات لتربّت على رأسه، دوّى صوتٌ جهير حاسم عبر القاعة: — "من يقترب أكثر من نصف متر من أرنبي… فليتوقع إعلان حرب دبلوماسية\." كان الإمبراطور قد نهض من على عرشه، عينيه تتوهجان بالخطر، ومروحة التهديد غير المباشر تدور من جديد، لكن هذه المرة… بحماية الأرنب\. أسرع نيل إلى الإمبراطور، وتعلّق بساقه: — "أرأيت؟ قلت لك\! خدودي ليست آمنة\!" همس له الإمبراطور وهو يحمله: — "هشش، أرنبي الشجاع… لقد دافعت عن أرضك بنجاح\." رفع نيل رأسه بفخر، رغم أنه لم يتوقف عن تغطية وجنتيه بكفّيه الصغيرتين\. أما عائلة ڤالينثرا، فراقبوا المشهد بصمتٍ… ونظراتهم تزداد تلهفًا، وتصميمًا\. وقفت ليريانا ڤالينثرا، والدة إليانورا، بكل وقارها وهدوئها، وأخذت الحلوى من يد راينوس بهدوء شديد\. كانت الحلوى مغلفة بورق فاخر بلون بنفسجي يعكس ألوان أعين العائلة، وقدمتها ببطء نحو نيل، وهي تنحني قليلًا حتى تكون بمستواه، وابتسامة هادئة تعلو ملامحها: — "هل ترغب بالقليل من الحلوى، صغيري؟" الكل في القاعة توقّف، كأن الزمن تجمّد للحظة\. الإمبراطور نظر بحدة، مستعدًا للتدخل في أي لحظة\. ليونيل حدّق بدهشة، ولسان حاله: "مستحيل أن يقع في الفخ بهذه السهولة\.\.\." النبلاء رفعوا حواجبهم، بعضهم وضع يده على فمه من الدهشة\. لكن نيل… فعل ما لم يكن في حسبان أحد\. ركض\! ركض بسرعة مدهشة نحو ليريانا، ليس بدافع الحذر أو الفضول… بل بدافع الحلوى\. قفز على ساقيها، وعانقها وهو يرفع يده الصغيرة نحو الحلوى: — "جدتييي\! أعطني إياهااااا\! تبدو لذيذة\!" شهقة جماعية عمّت القاعة\. الإمبراطور جمد مكانه، حاجباه يرتفعان ببطء\. ليونيل شهق، وغمغم بصدمة: — "لقد… لقد باعنا من أجل الحلوى\!" ليريانا بدورها بدت متفاجئة لوهلة، قبل أن تبتسم بحرارة حقيقية، وتربّت على رأس نيل بحنان: — "أيها الصغير… لقد اشتقت لرؤية مَن يشبه إليانورا بهذا الشكل\." ضمته بخفة وهي تقدم له الحلوى، ونيل بدأ يلتهمها بنهم وكأن لا شيء آخر في هذا العالم يهمه\. أما الإمبراطور، فتمتم ببرود: — "خيانة… أرنبي ارتكب خيانة تاريخية مقابل قطعة حلوى\." لكن، رغم كلماته، لم تكن ملامحه غاضبة… بل مذهولة، وفي عينيه لمعة تساؤل\. هل كان هذا الحنين؟ أم أن الأرنب الصغير بدأ يفك شيفرة الرابط مع عائلة والدته…؟ \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. جلس نيل في حضن جدته ليريانا، قطعة الحلوى في يد، واليد الأخرى تمسك بخصلة من شعرها الفضي وهي تضحك بخفة\. بعد دقائق فقط من لقائه بها، صار كأنما يعرفها منذ سنوات\. بل… راح يتصرف بلطافة لم يعهدها فيه أحد، حتى هو نفسه\. سمح لها بأن تحمله مجددًا، بل إنه مال برأسه على كتفها وكأنه يجد الراحة هناك\. وما كان من ليريانا إلا أن قرصت خدوده بلطف وهي تضحك: — "آه، كم تشبه والدتك حين كانت طفلة… نفس العيون، ونفس الخدود الناعمة\." نيل لم يتذمر، لم يصرخ، لم يشتم حتى… بل تدلّل عليها كقطة مدللة، وقال بصوت ناعس: — "هل بإمكاني أخذ المزيد من الحلوى؟" الإمبراطور كان يحدق بالمشهد وهو في قمة الذهول، كأنه يشهد خداعًا بصريًا\. أمال رأسه ببطء، وحدق في ليونيل، ثم تمتم: — "من هذا؟ أين أرنبي؟" ليونيل، وقد عبس وجهه، عقد ذراعيه وقال بحنق: — "على الأقل كان يجب أن يصرخ في وجههم قليلاً… هذا ليس عدلًا\." ومع استمرار نيل بالتدلّل والضحك، اقترب أفراد العائلة واحدًا تلو الآخر، مدفوعين بالدهشة، والفضول، وربما… شيء أعمق\. اقترب أولًا اللورد أورفال، العجوز الصامت صاحب النظرات العميقة\. انحنى قليلًا أمام نيل، ونظر في عينيه البنفسجيتين بتفحص صامت\. ثم تبعه الدوق سيران ڤالينثرا، والد إليانورا، وجهه يحمل صرامة نبيلة، لكنه حين نظر إلى نيل، تخللت ملامحه لمحة حنان غير متوقعة\. راينوس ڤالينثرا، الأخ الاصغر، كان أطولهم قامة وأشدهم برود\. نظر إلى نيل بنظرة تقييم حذرة، كما لو أنه يحلل طبقة طبقة من شخصيته\. أما إيلينا، الأخت الوسطى، فابتسمت مباشرة وركعت أمام نيل: — "أيها الأمير الصغير… هل تسمح لي أن أقرص خدك أيضًا؟" نيل، وبدون تفكير، مد خده الآخر: — "فقط هذا الجانب، الجانب الثاني لجدي\." ضحكت العائلة، وحتى بعض النبلاء لم يستطيعوا منع ابتساماتهم\. أما راينوس، الأخ الأصغر، فقد بقي واقفًا في الخلف، ينظر لنيل بنظرات مختلطة… غيظ، ودهشة، وربما ذرة من الإعجاب\. همس ليونيل للإمبراطور بتهكم: — "هل تراه، يا جلالة والدي؟ لقد كوّن طائفة جديدة من العائلة، ونحن طُردنا منها\." الإمبراطور تمتم بحنق خافت: — "سأسترجع أرنبي… ولو بمرسوم إمبراطوري\." لكن عينيه كانتا تلمعان بنعومة خفية، وهو يرى نيل يضحك بين أحضان العائلة التي لم يعرفها… لكنها، ببطء، بدأت تتعرف عليه\. ما إن اقترب أليستر ڤالينثرا ومدّ يده ليقرص خد نيل، حتى تغير الجو تمامًا\. لحظة واحدة فقط… وعاد نيل إلى طبيعته الأصلية — نيل الحقيقي، الصغير الغاضب دائمًا، والمتذمر دومًا\. انحنى أليستر مبتسمًا وقال بنبرة لطيفة: — "دعني أجرّب أنا أيضًا، سمعت أن خدّك ناعم جدًا—" عضّه\. بسرعة خاطفة، أمسك نيل بإصبعه وعضه بكل ما أوتي من قوة، فشهق أليستر: — "آه\! إنه يعض حقًا\!" قفز نيل من حضن جدته مباشرة نحو الإمبراطور، وتسلّق كتفه كما لو أنه يحتمي بقلعة منيعة\. ثم صاح وهو يلوّح بيده الصغيرة بانزعاج: — "انتهت الحلوى\! لا مزيد من الاقتراب دون حلوى\! أنا أراقبكم\!" بدت ليريانا تحاول كتم ضحكتها، بينما وضعت يدها على فمها، وإيلينا كانت تضحك بصوت منخفض\. أما أليستر، فقد تراجع وهو ينظر إلى إصبعه، ثم إلى الإمبراطور قائلاً بسخرية: — "يبدو أن الأمير يملك نظامًا صارمًا في توزيع الحنان… الحلوى أولاً\." الإمبراطور، وهو يحتضن نيل مجددًا، رفع حاجبًا بفخر مزهو: — "هكذا يكون الأمير الملكي\. الحلوى أولاً، ثم الوطن\." ليونيل، وقد طأطأ رأسه وأخفى ابتسامة، قال بخفة: — "جلالة والدي، أرجو ألا تكتب هذا الشعار على أعلام الإمبراطورية\." ضحك الحضور، بينما بقي نيل في قمة الجدية، يهمس للإمبراطور: — "قل لهم إنني سأؤسس مملكتي الخاصة… مملكة الأرنب… لا أحد يدخلها دون رشوة حلوى\." الإمبراطور، وهو يهدهده، تمتم بابتسامة: — "موافَق… لكن والدك سيكون الحاكم الفخري مدى الحياة، هاه؟" نيل فكر للحظة… ثم أشار بإصبعه: — "أنت مسؤول عن الضرائب فقط\." الإمبراطور ضحك بصوت عالٍ لأول مرة في الحفلة\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. ما إن خرج ليونيل من قاعة الحفلة، متجهًا إلى أحد الممرات الجانبية لشرب بعض الهواء، حتى لحق به شخص ما بخطوات هادئة، ثم أُغلق الباب خلفه بصوت خفيف لكن مقصود\. استدار ليونيل ببطء، ليجد أمامه راينوس ڤالينثرا، واقفًا ويداه في جيبيه، مائل الرأس، وعلى وجهه تلك الابتسامة الشيطانية التي لا تبشّر بخير\. قال بصوت خافت، لكنه ممتلئ بالتهكّم: — "إذن\.\.\. أنت صغيري الوقح الذي كان يحدّق نحونا بازدراء طيلة الحفلة، هاه؟" قبل أن يرد ليونيل، مد راينوس يده فجأة وأمسك برأسه، وبدأ بفرك شعره بعنف وكأنه طفل شقي: — "أهكذا تحيي خالك؟\! يا عديم التربية\! أين أدب البلاط الملكي؟\!" تحرك ليونيل بسرعة، وحرّر نفسه منه وهو يصفف شعره الذي تبعثر، وعيناه تشتعلان بتحدٍ: — "أهلاً بك يا خالي، ظننتك أحد النبلاء الفارغين الذين يفتعلون الجلبة ليتظاهروا بأهمية لا يملكونها\." ضحك راينوس بصوت مرتفع، ثم أشار إليه: — "يا لك من لسان حاد\! يشبه لسان أختي\.\.\. الآن فهمت من أين ورث نيل وقاحته\. يبدو أنكما نسختان متمردتان\!" اقترب منه خطوة، ثم خفض صوته: — "لكن، رغم وقاحتك، عليك أن تحذر\.\.\. نحن ڤالينثرا\. لا أحد يحدّق بنا كما فعلت دون أن يُحاسب\." ابتسم ليونيل، بتلك الابتسامة الهادئة الخطرة التي كان يرثها من والده، وقال: — "وأنا… من العائلة الإمبراطورية\. لا أحد يهددني دون أن يندم\." ساد صمت مشحون للحظة\. ثم ابتعد راينوس، مدّ يديه في الهواء بلا مبالاة وقال وهو يتراجع نحو الباب: — "جيد… جيد… كنت فقط أتأكد من صلابتك\." ثم التفت فجأة وضحك: — "لكن إن سقط شعرك من هذا الفرك، لا تلقِ اللوم عليَّ\!" وغادر، تاركًا ليونيل يعدّل طوق سترته وهو يهمس: — "من الواضح أن العائلة هذه\.\.\. لن تكون سهلة\." \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. ما إن غادر راينوس، حتى أطلق ليونيل تنهيدة طويلة، وهو يعدّل سترته، ثم تمتم ساخرًا: — "يا له من مهرّج\.\.\. يتصرف وكأنه الشخصية المحورية في مسرحية رخيصة\." ثم زمّ شفتيه، وبدأ يقلد صوته بتهكم: — "نحن ڤالينثرا\! لا أحد يحدّق بنا دون أن يُحاسب\.\.\. يا للدراما الزائدة\." قهقه ضاحكًا لنفسه، لكنه لم ينتبه للحركة الخفيفة خلفه\. فجأة شعر بأصابع قاسية تمسك بأذنه اليمنى وتلفّها بشراسة، مع صوت مألوف: — "أها\! إذن كنتَ تتحدث عني، صغيري الإمبراطوري؟\!" انتفض ليونيل وهو يحاول التملص: — "آه\! أتركني، أتركني أيها المعتوه\! من سمح لك بدخول القاعة مجددًا؟\!" ضحك راينوس ضحكة منتصرة وهو يسحب أذنه كأنما يوبّخه: — "آه، لا حاجة لأحد أن يسمح لي، أنا خالك\! وأنتَ قليل الأدب\! التقليد من خلف الناس عيب، ألم تُعلِّمك أمك شيئًا؟" صاح ليونيل غاضبًا: — "لقد ماتت قبل أن تعلّمني كيف أتعامل مع الكائنات المزعجة من نوعك\!" توقف راينوس فجأة، وتراخى قبضه على أذنه، ملامحه تلبّدت للحظة، ثم قال بخفوت: — "همم\.\.\. ضربة مؤلمة\." لكن سرعان ما استعاد ابتسامته، وربّت على رأس ليونيل بإفراط كأنما يعاقبه بلطف: — "على الأقل حافظ على أدبك أمام الأكبر منك، خالك اللطيف هذا قد يتركك تنام دون وسادة يومًا ما\." صرخ ليونيل وهو يبتعد عنه: — "لن أنسى هذا، راينوس\! انتظرني في معركة العيون القادمة\!" راينوس، الذي خرج بخطى منتصرة، لوّح بيده وقال: — "فليكن، لكن جهّز نظارات شمسية، لأن نظراتي مشعّة\!" \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. خرج راينوس إلى الحديقة الملكية وهو يمدّد ذراعيه ويتنفس بعمق، مستمتعًا بنسمات الهواء العليل، قبل أن تقع عيناه على مشهد مثير للريبة—جسد صغير يتسلل بين الأزهار والأشجار، وكيس حلوى ضخم يتدلّى من سترته الأرنبية\. رفع حاجبًا وقال متمتمًا: — "أوه، وما هذا الأرنب الصغير؟ أهو سارقٌ ملكي؟" اقترب بخفة، وقبل أن يفر نيل، انقضّ عليه ورفعه عالياً بذراع واحدة، وهو يضحك: — "أمسكتك، أيها اللص الصغير\! سرقة الحلوى من الولائم جريمة عظيمة، ما قولك؟" لكن نيل، كعادته، لم يخذل توقّعات أحد\. عبس وصرخ: — "أنزلني أيها الأحمق\! يا طويل الأرجل قليل العقل\! لست أرنباً حتى تعاملني كهذا\!" ضحك راينوس وهو يهزّه برفق: — "بل أنت أرنب\.\.\. وأنت الآن تحت رحمة خالك الوسيم\!" مد راينوس يده نحو كيس الحلوى في محاولة لأخذ قطعة، لكن نيل أطلق صرخة حرب صغيرة وعض إصبع راينوس بقوة\. — "آآآه\! لقد عضّني فعلاً\! أنت وحش صغير\!" وبينما كان راينوس يهز إصبعه في الهواء، اغتنم نيل الفرصة ودفع بالحلوى كاملة في فمه دفعة واحدة، حتى انتفخت وجنتاه مثل سنجاب\. أخذ يقهقه من فمه الممتلئ: — "الآن لا يمكنك أخذها\! إنها في الحِماية الملكية\!" حدّق راينوس فيه مذهولًا، ثم انفجر ضاحكًا وهو يُنزل نيل برفق: — "أقسم أنك تشبه والدتك في وقاحتها أيام الطفولة… لكنها كانت على الأقل لا تعض\!" ابتسم نيل نصف ابتسامة مملوءة بالسكر وهو يمضغ، ثم همس من بين فمه: — "أنت لا تصل لمستواي حتى في العض… يا خال\." \.\.\.\.\.\.\.\.\. ابتعد نيل قليلاً وهو يمسح فمه، وقد بدأت آثار السكر تتلاشى من ملامحه ليحل محلها العبوس والتذمر المعتاد\. تمتم بغضب وهو يحدّق بكيس الحلوى الفارغ: — "أحمق طويل\! كنت سأخبئها في غرفتي… للطوارئ\! ماذا لو جاع الأرنب الملكي في منتصف الليل؟ هل سيأكل الوسائد؟" ثم أضاف هامسًا بين أسنانه: — "ذلك الأحمق راينوس… وسيم؟ هه، حتى شعره يبدو وكأنه نبتة مقلوبة…\!" لكن ما لم يدركه نيل، هو أن راينوس لم يبتعد كثيرًا\. كان يقف خلف شجيرة صغيرة، وقد سمع كل شيء، من أول "أحمق" إلى "نبتة مقلوبة"\. ظهر فجأة من خلف نيل وابتسم ابتسامة مشؤومة: — "آه… نبتة مقلوبة؟" تجمّد نيل في مكانه\. استدار ببطء شديد، وعيناه تتسعان برعب بينما يهمس: — "أنت… سمعت؟" — "كـلّ شيء، صغيري الوقح\." وقبل أن يتمكن نيل من الفرار، كان راينوس قد حمله كحقيبة صغيرة تحت ذراعه، ثم بدأ يفرك شعره بعنف وكأنه ينظف سجادة: — "هذا عقاب الأرنب الذي يتذمر كثيرًا\! فرك الشعر الملكي المتمرّد\!" — "آااااه\! توقّف\! هذا شعر نبيل\! سأقاضيك\! سأخبر أبي\! سأشتمك أمام الإمبراطور\!" — "زدني\! هذا يجعلني أفرك بقوة أكثر\!" ظلّ نيل يتلوى ويصرخ، وراينوس يضحك وكأنه فاز للتو بحرب عالمية… بين الأرنب العنيد والخال الشيطاني\.
rwzi_1