في مساء اليوم التالي، كانت الأضواء تتلألأ في أنحاء القصر الإمبراطوري استعدادًا للأمسية الملكية، إذ وُزعت الدعوات وتهيّأ الوزراء والنبلاء لحفلٍ استثنائي دُعي إليه الصفوة فقط\. أما في الجناح الغربي، وتحديدًا في غرفة الأمير نيل، كان الظلام لا يزال يعمّ المكان\. نيل كان متكوّمًا تحت الأغطية، يحاول أن يتظاهر بالنوم، لكن الخطوات الثقيلة المتعمدة كانت تقترب\. فُتح الباب بقوة\. قال الإمبراطور بصوت خافت ولكن حازم: "نيل\.\.\. لقد تأخرتَ عن تجهيزك\. لا تجبرني على استعمال سلطتي الإمبراطورية هنا\." رفع نيل الغطاء قليلاً، بدا وجهه مكتئبًا، ثم تمتم: "أبي\.\.\. أرجوك، دعني ألبس شيئًا آخر\.\.\. زي الأرنب محرج أمام الجميع\." لكن الإمبراطور تجاهل التوسلات، واقترب بخطى ثابتة، وجهه يحمل ابتسامة نصر طفولية لم تزل تزين ملامحه رغم سلطته المخيفة\. "قلتُ مئة مرة، نادني بابا\. وليس أبي حين تكون متدلّلاً هكذا\." قال نيل بامتعاض: "بابا\.\.\. أرجوك\.\.\." ضحك ريتشارد، ثم جلس بجانبه وسحب الغطاء عنه\. "لا فائدة من المقاومة\. بدلة الأرنب مصممة خصيصًا لك، إنها رمزك الملكي الجديد\." ثم بدأ بلباسه البدلة البيضاء الحريرية المزينة بأذنين طويلتين مرنتين، بينما نيل يتلوى اعتراضًا، لا من البدلة، بل من تصرفات والده\. ففي كل مرة يمد فيها الإمبراطور يده لضبط أكمام الرداء أو تعديل الياقة، كان يتوقف ليقرص خد نيل الوردي أو يمصه، أو حتى يعضه عضّة خفيفة تقابلها صرخة خافتة من الأمير\. "آه\! بابا\! هذا ليس عدلاً\!" ضحك الإمبراطور من صراخه، وقال بلطافة ماكرة: "بل هو عدل الملوك، فأنت أمير، ولا بدّ أن تُدلّل لتُقدّر\." بينما نيل يتأفف، بدأ ريتشارد بتمشيط شعره بعناية، ثم ثبت له زينة صغيرة على شكل جزر صغير ذهبي فوق رأسه\. "هل ستجعلني مزحة الحفل الليلة؟" قال نيل وهو ينظر إلى نفسه في المرآة\. لكن الإمبراطور أجابه وهو يرفعه بين ذراعيه: "بل ستكون نجم الليلة، وكلّهم سيتمنون لمسك، لكنك لي وحدي، أرنبي المدلل\." ثم خرج به من الغرفة، وبدلة الأرنب ترفرف خلفه بخفة، ونيل يتدلّى من ذراعي والده بين التذمر والتسليم، بينما الجو الإمبراطوري امتلأ بهالة عبثية ساحرة\.\.\. كعادة هذا القصر العجيب\. دخل الإمبراطور ريتشارد قاعة الحفل الفاخرة بخطوات مهيبة، تعلو محيّاه ابتسامة لا تخلو من فخر وغرور، وعلى ذراعيه استقرّ نيل، الأمير الصغير، مرتديًا بدلته الأرنبية المذهلة التي خيطت بخيوط حرير بيضاء، وزُيّنت بأشرطة ذهبية وأذنين طويلتين تهتزان مع كل خطوة\. خلفه سار وليّا العهد، ليونيل وأدريان، كلاهما في أبهى حُلّته، إلا أن نظراتهما حملت شيئًا من الضيق المكبوت، وقد اعتادا منذ زمن على هذا المشهد المتكرر: نيل، الطفل المرفَّه، يدخل إلى قلب الإمبراطور بلا عناء\. همس أحد الدوقات وهو يطأطئ رأسه لصديقه: "إنه هو\.\.\. الأرنب الملكي\." أجابه آخر، بصوت منخفض وساخر: "بل هو ابن الإمبراطور المدلل، يبدو أن ولي العهد الحقيقي ليس من يحمل السيف، بل من يملك الخدود الطرية\." تردد همس في الأرجاء، بين الضيوف والوزراء والسفراء الذين وقفوا عند مداخل القاعة: "إنه المفضل\." "قيل إن الإمبراطور أصدر قانوناً يمنع ارتداء زي الأرنب في كامل الإمبراطورية من أجل الامير نيل فقط\!" "هل رأيت كيف يحمله؟ كأنّه يحمل كنزًا ملكيًا\!" فيما تابع ريتشارد تقدمه، رفع نيل رأسه قليلًا من بين ذراعي والده، وقد بدت على وجهه علامات الاستياء من الاهتمام المبالغ فيه\. تمتم بصوت منخفض: "بابا، هل كان ضرورياً هذا الدخول المسرحي؟" أجابه ريتشارد وهو يضغط على خده بخفة ويقرصه: "إنك رمز الأمل الجديد في الإمبراطورية، عليك أن تتقبّل عظمتك\.\.\. مع الخدود والعذوبة\." أمام منصة العرش جلس الإمبراطور ونيل في حجره كالعادة، بينما انحنى ليونيل وأدريان للجلوس في المقاعد المخصصة لهما\. أدار الإمبراطور رأسه فجأة، وحدّق نحو أحد الوزراء الذي تجرأ وتحدّث عن "ترشيد نفقات الزينة الخاصة بالأمير نيل"، فارتبك الرجل وتراجع، إذ لم يجرؤ أحد على إغضاب الإمبراطور حين يكون نيل في حضنه\. حينها، أُعلنت بداية الحفل رسميًا، وعزفت موسيقى ناعمة، لكن نيل بقي ينظر إلى الجموع، وعيناه تبحثان عن وجه مألوف، يتذكر فجأة\.\.\. "أوه، سيليا\! وروزاليا أيضاً\.\.\. هذا سيكون ممتعاً\." ابتسم بخبث طفولي، بينما في قلبه تدور خطط صغيرة، بعضها لمشاكسة، وبعضها\.\.\. فقط للمتعة\. \.\.\.\.\.\.\.\.\. دوت أبواب القاعة بصوتٍ مهيب، والتفتت أنظار الحاضرين جميعًا نحو المدخل المزخرف بالذهب والحرير الأحمر\. دخل دوق كايل بخطوات ثابتة، يحمل ابنته الصغيرة روزاليا بين ذراعيه، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تخفي بعض التوتر، بينما تمسّكت روزاليا برقبة والدها كقطة مدلّلة، ترتدي فستانًا ورديًا ناعمًا، تعلوه أذنان قططيتان من المخمل، تتمايلان برقة فوق شعرها الاحمر \. سارت بجانبه زوجته الدوقة ماريان، تلك السيدة الأنيقة ذات النظرات الحادة التي لا تُخطئ، وقد رفعت رأسها باعتداد، وكأنها تواجه ساحة حرب لا حفلًا ملكيًا\. همست وهي تلتفت إلى زوجها: "قلت لك، طالما ليست أذنان أرنب، فالأمر مقبول\." رد كايل بهدوء: "على الأقل\.\.\. هدأت، ولو قليلاً\." ضحكات مكتومة انتشرت بين النبلاء، فقد كانت روزاليا مشهورة في البلاط بتدللها المفرط وغيرة طفولية من نيل\. وما إن دخلت القاعة حتى شهقت فرحًا وصرخت بصوت طفولي حاد: "نيل\!\!" فتح نيل عينيه وهو مستلقٍ في حجر الإمبراطور، وقد كان منشغلاً بأكل قطعة حلوى دسها له والده\. نظر إلى روزاليا التي بدأت تتلوى في حجر والدها محاولة النزول، ثم قال ببرود: "ظننتُكِ ستأتين متنكرة على هيئة عنكبوت هذه المرة، روزاليا\." أجابت بفخر وهي تشير إلى أذنيها: "بل قطة لطيفة\! أنيق، أليس كذلك؟" همس ليونيل بجانب أدريان: "بدأ العرض\.\.\." ضحك أدريان بخفّة: "أجل، الحلقة الألف من \(روزاليا تحاول إقناع نيل بالزواج\)\." أعطاها والدها نظرة توبيخ، وهمس: "تذكّري، نحن هنا فقط لنُظهر الاحترام، لا لإثارة الفوضى\." لكن روزاليا كانت قد بدأت بالفعل تخترق الصفوف متوجهة نحو العرش حيث نيل، الذي بدأ وجهه يتلبد بغيوم من التذمر\. أما الإمبراطور ريتشارد، فقد ابتسم ابتسامة جانبية مريبة وقال: "ليلة ممتعة بحق\.\.\. كم أعشق الدراما الأرستقراطية الصغيرة\." اقتربت روزاليا من نيل وقالت وهي ترفع ذقنها: "جئتُ خصيصًا لأراك، أليس ذلك لطيفًا؟" نظر إليها نيل بنظرة جانبية وقال: "لطيف\.\.\. كما لو أن قطة داست على قطعة شوكولا نادرة كنت سأأكلها\." شهقت روزاليا، ثم نظرت إلى الإمبراطور بشكوى: "جلالتك\! انظروا كيف يُعاملني\!" فردّ الإمبراطور وهو يعض خد نيل مجددًا: "إنه صغيري المدلل، افهمي يا روزاليا\.\.\. لا أحد يعلو على الأرنب الملكي\." بين الضحكات والنظرات المتبادلة، بدأ الحفل فعليًا\.\.\. بينما الكامنة خلف تلك الابتسامات الصغيرة كانت نيران غيرة وتنافس طفولي\.\.\. قد تكبر لاحقًا لتصبح شيئًا أعظم\. \-\-\- الكمان تعزف ألحانًا راقية، وقف الإمبراطور ريتشارد بكأسه الفاخر، يرقب الداخلين بابتسامة عريضة تخفي لهفة طفولية\. ما إن دخلت سيليا فون كايدن حتى اتسعت ابتسامته\. كانت سيليا ترتدي فستانًا فضيًّا أنيقًا، تتدلى من رأسها أذنا سنجاب ناعمتان\. خطواتها واثقة، وإن كان الخجل واضحًا في عينيها\. تمتم الإمبراطور وهو يراقبها يختال فرحًا: "أذنا السنجاب تليق بك يا سيليا\.\.\. هيا، لتبدأ المعركة\." وفي الزاوية الأخرى، كانت روزاليا، وقد لمعت عيناها كالجمَر عندما رأت منافستها تدخل\. اقتربت منها بخطى سريعة، ترفع ذقنها الصغير بكبرياء طفولي: "أنتِ… سيليا؟" أجابت سيليا ببرود وهي لا تنظر نحوها: "أجل، ومَن تكونين؟" روزاليا: "أنا روزاليا ، زوجة نيل المستقبلية\!" رفعت سيليا حاجبها أخيرًا ونظرت إليها ثم قالت ببرود مميت: "غريب… لم يخبرني زوجي بذلك البارحة، ونحن ننام في نفس السرير\." شهقت روزاليا وصرخت: "هيييييييييي\!\!\!" "كاذبة\! نيل لا ينام مع أحد\!" من بعيد، ارتفع صوت ليونيل بتنهيدة\. "لا… بل ينام مع أبي، نحن نعلم\." ضحك الإمبراطور وهو يراقب المشهد من بعيد، وقال لليونيل وأدريان: "أقسم أن هذه أفضل من أي عرض مسرحي حضرته في حياتي\." ركضت روزاليا إلى نيل الذي كان جالسًا في حجر الإمبراطور، تصرخ: "نيل\!\! هل تنام مع سيليا؟\!" قفز نيل من حضن والده وصرخ: "لا\! مستحيل\! أنا أنام مع أبي\! \.\.\.وذاك لأنه يجبرني\!"\!" أمسكه الإمبراطور من خده وبدأ يقرصه وهو يضحك: "يا صغيري… لماذا تنكر انت تحب نوم معي؟ لا تنسَ كيف أغني لك أغنية الأرنوب القافز\!" " لكن دعنا نوضح هذا الهراء\." تقدم من الفتاتين ونظر إليهما بصرامة، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "سيليا… كذبتك هذه ستكلفك الكثير\. ونيل… لن يتزوج\. لا الآن ولا لاحقًا\. إنه أرنبي الخاص\!" كفى عبثًا، نيل لن يتزوج\. لا من سنجبة، ولا قطة\." رمشت روزاليا والدموع في عينيها، بينما سيليا تنظر جانبا بخجل\. وما إن دخل جوزيف إلى القاعة مرتديًا بدلة دب تكاد ، حتى خيّم الصمت\. في يده لفافة ذهبية لامعة، رفعها عاليًا وصرخ بفخر كأنه يعلن نهاية الحرب: "أحمل بين يديّ عقد زواج الأمير نيل من أختي الصغيرة\! إنه زواج رسمي\!" تجمد الجميع في أماكنهم\. نيل رمش عدة مرات، ثم تسلّل من حضن الإمبراطور، أخذ الوثيقة وقرأها ببطء… ثم شهق: "هذه… هذه الورقة\! أنت قلت لي خربش هنا وسأعطيك قطعة شوكولاتة… لم تقل إنها عقد زواج\!" جوزيف ابتسم بكبرياء وقال: "وقعت، أيها الأرنب، والاعتراف سيد الأدلة\!" لكن الصمت لم يدم طويلًا، فقد اهتزت الأرض من تحت أقدام الجميع عندما دوّى صوت الإمبراطور ريتشارد وهو ينهض واقفًا، وعيناه تتوهجان كالبرق: "زواج؟ من تجرأ وربط أرنبي بعقد دون إذني؟\! هل هذه مزحة أم تمرد؟\!" أخذ الورقة من يد نيل، نظر فيها برعب، ثم زأر: "زواج نيل من رضيعة؟\! وتوقيع على شكل سنجاب مشوه؟\!" ثم مزّق الورقة بأسنانه، لا بيديه، ورماها في الهواء حتى تناثرت مثل حبوب الزهور، وصاح بنبرة لا تقبل المزاح: "أنا من يختار زوجة نيل\! لا أحد يلمس أرنبي… لا أحد يربطه\.\.\. إنه الأرنب الإمبراطوري، لا الأرنب العائلي\!" جوزيف بدأ يتراجع للخلف مرتعشًا، بينما روزاليا كانت تبكي وتصرخ: "أنا كنت أريد أن أكون عروسه\! الآن حتى الدب سبقني\!" سيليا، من جهتها، وضعت يدها على جبينها وقالت بسخرية: "هذا القصر يحتاج إلى طبيب نفسي، لا مستشار ملكي\." الإمبراطور عاد وجلس وهو يضم نيل إلى صدره، يربت على رأسه: "اهدأ يا صغيري، لن يتزوجك أحد\. سأصدر مرسومًا يمنع زواجك قبل بلوغك الألف عام\." تمتم نيل وهو مكمم في حضن والده: "أريد فقط أن آكل حلوى وأنام… لا زواج، لا خربش، لا ورق…" وبينما بدأت الموسيقى تعود تدريجيًا للحفل، وقف ليونيل جانبًا، ينظر لكل هذا الجنون، ثم قال لأدريان: "هل نحن فعلًا نعيش في إمبراطورية؟" أجاب أدريان وهو يشرب عصيره: "أعتقد أننا نعيش في مسرحية\.\.\. بطلها أرنب\." \-\-\-\- في مكان بعيد عن ضجيج البلاط الإمبراطوري وصخب الحفلات، وتحديدًا في أعماق قصر مظلم منحوت في صخور جبل ميت، جلس ملك الشياطين أزرغيث على عرشه الأسود المتشقق، قدماه تتدلّيان بتكاسل من على مسند الجمجمة العملاقة، وكأس النبيذ القاني في يده يتأرجح بخفة، يراقب ما فيه كأنما يرى أسرار الكون\. ضحك فجأة، ضحكة متقطعة كصوت زجاج يُكسر ببطء\. "داريوس… داريوس… لماذا لون عينيك البنفسجيتين يذكرني بالعار؟" وقف داريوس، خادمه المخلص ذو الشعر الأسود الطويل، خلف العرش بصمت، كما اعتاد دائمًا\. لكنه لم يستطع أن يتجاهل نظرات سيده الحادة التي سكنت في عينيه كشرارات كراهية خالصة\. "أنا آسف يا سيدي، سأرتدي الشريط اسمك مجددًا\." اقترب أزرغيث منه فجأة بخطوتين، خطوتين فقط كانت كافية ليصبحا وجهًا لوجه\. رفع الكأس وسكبه ببطء فوق رأس داريوس\. "هذا اللون البنفسجي\.\.\. كل مرة أراه، أسمع صراخ تلك الجنية القذرة\. أراها وهي تبصق كبرياءها قبل أن تموت تحت يدي\." ثم همس بصوت منخفض كالسّم: "أتريدني أن أقتلك يا داريوس؟ فقط لأني متأكد أنك تحمل في دمك لعنة تلك الجنيات؟" داريوس ركع فورًا، انحنى حتى التصق جبينه بالأرض: "مولاي… أنا عبدك، دمي ملكك، عيوني ملكك… إن أردت اقتلاعها، فلن أصرخ\." صمت أزرغيث لبرهة، ثم انفجر ضاحكًا كالمجنون مجددًا، وهو يدور حول داريوس كالطيف: "لا، لا… سأبقيك حيًا\. أريدك أن تراني وأنا أُبيد تلك السلالة… أريدك أن تحمل الذنب، كل مرة تنظر فيها في المرآة\." ثم عاد إلى عرشه، جلس، رفع يده، فظهرت شعلة سوداء راقصة\. "قريبًا… سيبدأ الحفل الحقيقي… سأُذيب أقنعة البشر… وسأدوس على عظام الجنيات… ولن يبقى سوى رماد\." في الزاوية، ظهر طيف طائر ناري ضخم، يرفرف بلا صوت\. عنقاء سوداء، تُدعى فيليغرا، خادمة ملك الشياطين، أطلقت صرخة اخترقت سكون الليل، صرخة تعني شيئًا واحدًا: الدم البنفسجي سيُسفك قريبًا\. \-\-\-\- في القاعة المظلمة، ظل صدى ضحكة أزرغيث يتردد على الجدران السوداء، كأنها لا تريد المغادرة\. جلس ملك الشياطين على عرشه المتوّج بجماجم مخلوقات منسية، ينظر إلى داريوس الراكع أمامه، كمن ينظر إلى خطيئة تمشي على قدمين\. "انهض، داريوس\." قالها بصوت خافت، لكن فيه تلك النبرة التي تعني الطاعة أو الهلاك\. نهض داريوس بصمت، عينيه البنفسجيتين مخفيتين تحت شريط أسود كما أمر سيده\. جسده النحيل والممشوق يرتعش قليلًا، ليس خوفًا، بل من أثر وقوفه الطويل في حضرة من لا يعرف الرحمة\. وفجأة… ودون سابق إنذار، رفع أزرغيث يده وصفعه بكل ما أوتي من قوة\. صفعة لم تكن مجرد صفعة\. لقد كانت لعنة، كانت سيلًا من الكراهية المتراكمة عبر قرون، لِخيانة، لذكرى، لصوت ضحكة جنية ماتت وهي تلعنه\. ارتجّ رأس داريوس بقسوة، وسقط على الأرض دون مقاومة\. الدم بدأ يتسرب من فمه، ودموعه سالت بلا وعي، كما لو أن جسده قرر أن يبكي نيابةً عنه\. لكن ما حدث بعدها كان… مرعبًا\. اقترب أزرغيث، وجثا على ركبتيه أمامه، ثم… احتضنه\. ضمّه بقوة غير متوقعة، حتى كادت أضلاع داريوس أن تنكسر، وضع رأسه على كتف خادمه، وهمس بجنون: "أنت الوحيد الذي بقي، داريوس… الوحيد الذي لم يهرب مني\. حتى بعد أن ضربتك، بعد أن أذللتك، تبقى هنا\. هذا… هذا يجعلني أُحبك… وأكرهك أكثر\." ضحك، ضحكة غير مستقرة، ثم بدأ بهز جسد داريوس، كأنه لعبة\. "أتعلم، أحيانًا أتمنى لو أنك ميت… لكن لا، لا، لا، لا… من سأعذّبه حينها؟ من سيُذكرني بها؟" ثم شدّ ذقن داريوس ورفع وجهه المُدمى إليه\. "لو أنك فقط لم تكن بتلك العيون اللعينة…" ثم انقلب مزاجه فجأة، قام واقفًا ودفع داريوس عنه بقوة حتى ارتطم بالحائط، وسقط أرضًا\. أزرغيث بدأ يدور في القاعة، يتحدث إلى الفراغ\. "كلهم خونة… الإمبراطور؟ دمية متغطرسة\! الجنيات؟ أكاذيب تطير\! البشر؟ هاهاها… مجرد أطفال يلهون بالنار…" ثم نظر إلى عنقاء الظلام، فيليغرا، وقال: "احرقي المدن يا فيليغرا… اتركي الرماد لي… أريد أن أصنع منه وسادة أرتاح فوقها حين أفرغ من ذبح أحلامهم\." داريوس، رغم الدماء التي تغطي وجهه، نهض مجددًا بصمت، وركع على الأرض، يهمس بخنوع: "أنا خادمك حتى النهاية يا مولاي… حتى النهاية\." ابتسم أزرغيث، ثم قال: "نهاية من، يا داريوس؟" ثم ضحك، وضحك، وضحك… وكأن العالم كله… على وشك أن يحترق\. \-\-\- اقترب أزرغيث من داريوس ببطء، خطواته الثقيلة ترن في قاعة العرش كما لو أنها نذر شؤم\. انحنى أمام خادمه المنهك الذي بالكاد يقوى على التنفس، ثم جلس أرضًا وفتح ذراعيه، قبل أن يسحب داريوس إليه في عناقٍ صادم\. عناقٌ لا يحمل حنانًا بشريًا… بل رغبة مالكٍ لا يريد أن يخسر لعبته المفضلة\. همس بصوت خافت قرب أذنه: "هشش\.\.\. لا تبكِ، يا داريوس\. الدموع تشوّه وجهك الجميل\." ثم بدأ بمسح دموعه بكفه القاسي، كأنها لطخات طين على مرآة، ثم مرر إصبعه على الشق الذي فتحه على شفته، فأضاءت أنامله بوميض مانا داكنة، وبدأ الجرح يلتئم\. "ما قيمة سلطتي إن لم أقدر على شفاء خادمي الوحيد؟" قالها بنبرة هادئة على نحو مزعج\. ربّت على شعر داريوس برفق غير متوقع، أنامل شيطان تلمس حريرًا نادرًا\. "أتدري؟ أنت لا تذكرني بها فقط… بل بي أنا، حين كنت أضعف، حين كنت\.\.\. مخلوقًا صغيرًا يرتجف في الظلام\. ربما لهذا لا أقتلك\." ثم شدّه إلى حضنه أكثر، كأنما ليحميه من عالم لا يرحم — رغم كونه أكثرهم بطشًا\. "ابقَ قربي يا داريوس… قريبًا سيبدأ العالم بالصراخ… وأريدك أن تكون أول من يسمعه\." داريوس لم ينبس بكلمة، فقط أغمض عينيه، وهو يشعر بألم لا يفهمه، وخوف لا يستطيع الإفصاح عنه… لكنه بقي صامتًا، لأن الصمت في حضرة ملك الجنون… هو النجاة الوحيدة\. \-\-\- ثم بينما أزرغيث لا يزال يحتضن داريوس ويعبث بخصل شعره المبللة بالعرق والدم، تجمدت نظراته فجأة، شرد بعيدًا عن الواقع، عن القاعة، حتى عن داريوس نفسه… — وتسللت الذكرى كطيف قذر من ماضٍ يرفض أن يُدفن\. "أغاثا…" تمتم الاسم ببطء، ثم تغيرت نبرته إلى الغيظ: "أغاثا، تلك الأخت الغبية ذات القلب الطري… من سلالة ملك شياطين ومع ذلك، تزوجت من أحد تلك القذارات… جني سايلاس؟\! حقير\! مخادع\!" تغيرت قسمات وجهه، وانكمش غضبًا\. تكسّرت كأس النبيذ في قبضته دون أن يشعر، وتناثر النبيذ كدماء على الأرضية الرخامية\. "من تختار؟ من تهرب معه؟ من تتخلى من أجله عن دمها، عني؟" نهض فجأة من عرشه، ودفع داريوس جانبًا بقوة جعلته يسقط، قبل أن يبدأ في التجول في القاعة كذئب حبيس\. "أغاثا… لم تكتفِ بالخيانة، بل أنجبت منه\! ذلك النذل الصغير، راين\! نصفه جني ونصفه خيانة\! آه، كم أكره تلك العينين البنفسجيتين… تذكرني ، بضعفها، بدموعها\!" نظر إلى سقف القاعة كأنه يتحدث للسماء: "أقسم لكِ، أيتها الحمقاء، سأتأكد أن ابنك يدفع ثمن خيانتك\. سأجعله يرى العالم يحترق ولن يستطيع إنقاذ شيء\. سأقتله… لا، هذا كثير من الكرم… سأجعله عبدي، كما هو داريوس\!" ثم التفت إلى داريوس الذي كان يزحف بخوف على الأرض، وقال: "ما رأيك يا داريوس؟ هل سيكون ممتعًا أن ترى راين يتوسل تحت قدمي؟ أم أنني يجب أن أضعه في قفص وأجعله يلبس أذني هامستر؟" ضحك أزرغيث بجنون، ضحكة طويلة مدوية، كانت كأنها نُذُر لعاصفة قادمة… عاصفة ستغيّر العالم\. \-\-\-\- عاد أزرغيث إلى وعيه فجأة، وكأن عاصفة الغضب التي اجتاحت روحه قد سكنت مؤقتًا\. التفت ببطء إلى داريوس الذي كان لا يزال على الأرض، جسده يرتجف وعيناه البنفسجيتان تلمعان بدموعٍ خفية\. اقترب منه بخطواتٍ ثقيلة، ثم جلس القرفصاء أمامه، وبعينين لا تزال مشتعلة بنيران الماضي، مدّ يده وسحب داريوس إلى حضنه\. وضع ذقنه على رأسه، وبدأ يربّت على شعره بنعومة متناقضة تمامًا مع العنف الذي أظهره قبل لحظات\. — "هل أخبرتك عن أغاثا؟" سكت داريوس، لم يجرؤ على الرد، لكن أزرغيث لم يكن ينتظر إذنًا\. — "كانت أكبر مني بثلاثة قرون، حكيمة، قوية، ذات نظرة تُربك الشياطين قبل أن تتكلم\. الجميع توقعوا أن تكون الملكة القادمة، بمن فيهم والدي\.\.\. وأنا\." ضحك ضحكة قصيرة، مريرة\. — "لكنها كانت\.\.\. ضعيفة\. أتعلم لماذا؟ لأنها كانت تُحب\. يا لسخافة الكلمة\." شد على شعر داريوس للحظة، ثم سرعان ما عاد يربّت عليه كمن يُهدّئ طفلًا\. — "سايلاس، ذلك الجني ذو الابتسامة الهادئة\.\.\. قالوا إنه من نسل الجنيات الأوائل، لكنّي لم أرَ فيه إلا خيانة مغلفة بسحر\. لا أدري كيف استطاع أن يخطف قلبها\. ربما لأنني كنت منشغلًا بتعلم القتال، بانتظار تتويجها، ظننت أنها ستبقى\. لكن في ليلة واحدة\.\.\. اختفت\." سكت للحظة، عيونه تلمع بالذكريات\. — "سرقت تاجها، وهربت به\. والأدهى\.\.\. أنها أنجبت منه طفلاً\. راين، نصفه منها، ونصفه من ذلك الوغد\." ابتسم ابتسامة مشوهة بالمرارة، وقال: — "أغاثا قالت لي آخر مرة التقينا فيها: \(لو أنك أحببتني كما أحببت العرش، لما رحلت\)\." تنهد، ثم مسح دمعة انزلقت من عين داريوس بإصبعه\. — "الحب، يا داريوس، هو نقطة ضعف الجنيات\. ونقطة ضعف كل من يشبههم\.\.\. مثلك\." أمسك وجه داريوس بين يديه، نظر في عينيه البنفسجيتين وقال بهدوء مفزع: — "لكن لا تقلق، أنا أحبك بطريقتي\. وسأجعلهم جميعًا يدفعون\. سايلاس، راين\.\.\. وحتى أغاثا إن قابلتها مجددًا\." ثم أعاد داريوس إلى حضنه وبدأ يهمس له كلمات بلغة شيطانية قديمة، أشبه بلعنات تُغنى على هيئة تهويدة\. كان في كل حركة من أزرغيث، في كل كلمة، بقايا حزن مختلط بالجنون… وكأن قلبه ليس إلا شرنقة، خرج منها ملك شياطين لا يعرف سوى الانتقام، يخبئ وراء احتضانه نارًا لا تنطفئ\. \-\-\- بينما كان داريوس ساكنًا في حضن ملك الشياطين، مستسلمًا لدفءٍ مشوَّه لا يُشبه حنان البشر، تابع أزرغيث تلاوة ذكرياته، كأن الماضي قد تسلّل من شقوق ذهنه المظلم وأبى أن يُغادر\. — "أتذكرُ المرة الأولى التي رأيتُ فيها أغاثا تبتسم لذلك الوغد؟ كان في ساحة البلاط الملعونة، يوم أُرسلت وفود الجنيات بحجّة السلام\. كنت واقفًا خلف العرش، أرتدي درعًا صنعته من عظام نسر أسود، وكانت هي\.\.\. ترتدي فستانًا أبيض من خيوط الحرير الناري\. لكنها لم تكن تنظر نحوي\. كانت تنظر إليه\." زفر بعنف، كأن الهواء الذي يخرج من صدره يحمل سُمًّا\. — "قالت لي: \(إن سايلاس يذكرني بالربيع\)\. ربيع؟\! ما هو الربيع في جحيمنا؟\! نحن لا نعرف سوى الرماد والدماء\." ثم ضحك بصوت مكسور، بينما يمرر أنامله بين خصلات شعر داريوس السوداء الطويلة، كأنه يبحث عن شيء يثبّت به عقله المتصدع\. — "في الليلة التي هربت فيها، تركت لي رسالة\.\.\. كتبت فيها: \(لا تبحث عني، لقد اخترتُ الحياة\)\. هل تعرف ما فعلتُ وقتها؟" نظر في عيني داريوس، ابتسامة باردة تلامس شفتيه، لكنها لا تصل إلى عينيه: — "ذبحتُ كل جنيٍ في بلاط أبي\. ثلاثمئة وواحد وعشرون\. كلهم، حتى السفراء، حتى الخدم\. حتى من لم ينظر إليها قط\. لعلّ أحدهم كان يعرف إلى أين ذهبت\." ثم مال برأسه جانبًا، مستندًا إلى عرش الظلال: — "لكنني لم أندم\. لأنني حين أفكر الآن\.\.\. لا أراها إلا خائنة\. الجنيات لا يستحقن أن يحكمن\. وأنا؟ أنا الملك، لا بالدم فقط، بل بالجنون الذي لا يرحم\." تحرك فجأة، وأخذ يد داريوس الجريحة من ضربته السابقة، ورفعها إلى شفتيه، يقبّلها برقة غريبة: — "أما أنت، داريوس\.\.\. فأنت لن تهرب، أليس كذلك؟" ارتجف داريوس، لا يملك جوابًا\. لكنه هزّ رأسه، خائفًا من أن يقول شيئًا يُغضب سيده\. ابتسم أزرغيث، وعاد يحتضنه كطفل، يغني له بلغة الشياطين، يروي له كيف كانت أغاثا تلاعبه وهو صغير، وكيف كان يظن أن لا شيء سيُفرّق بينهما\.\.\. حتى جاء ذلك الجني\. — "راين\.\.\. ابنها، ابن الخيانة\. ذات يوم، سأمزّق أجنحته وأُطعمها لجوارحي\. سأجعله يرى كيف يكون الحب لعنة\.\.\. مثلما فعلت بي أمه\." أغلق عينيه، وواصل تربيت شعر داريوس بهدوء\. وفي قلب ملك الشياطين، اجتمعت نار الانتقام وندوب الطفولة، لتصنع وحشًا يبتسم وهو يغني لخراب العالم\. \-\-\- في قصر أورفال العريق، حيث تتسلل الريح الباردة بين الجدران المزخرفة بحكايات قديمة، وقفت إيرينا، أخت إليانورا، أمام الباب الحجري الضخم المخبأ تحت سجاد غرفتها، تحدّق فيه بعينين ضيقتين مليئتين بالإصرار\. قالت وهي تضع يدها على النقوش القديمة المنحوتة على السطح الرمادي: — "هذا هو السرداب\.\.\. أنا متأكدة\. إنه يخفي شيئًا عن آل ، عن الجنيات، وربما عن إليانورا نفسها\." إلى جانبها، ظهرت شاشة النظام السحري المتوهجة، يتدلّى منها رمز إيرينا الشخصي، وقال الصوت الآلي بثبات: — "تم التعرف على البوابة\. ولكن: الوصول مقيّد\. يتطلب مفتاح الدم أو إذن السيّدة الأصلية\." إيرينا زفرت بغضب، بينما كانت إيلي، مساعدتها التي استدعتها تطوف في الهواء حولها: — "لقد جرّبت كلمات التفعيل الثلاثة\.\.\. وحتى دمها\! استخدمت خصلة من شعرها\! لماذا لا ينفتح؟\!" ردّت إيلي بهدوء، وهي تحوم أقرب: — "السرداب مربوط بإرادة السيّدة الحقيقية، من نسل ، التي اختارها نظام العائلة لحمل السرّ\. ربما إليانورا لم تعترف بك بعد، أو أن السرداب نفسه يرفض فتح نفسه\.\.\. حتى يحين الوقت\." ضربت إيرينا الباب بقبضتها، فتردد صوتها في الحجر: — "وهل ننتظر أن تقع كارثة أخرى كي يحين الوقت؟\!" النظام أطلق تنبيهاً: — "تحذير: محاولة اختراق غير مصرّح بها ستُسجل في سجلات الأمن العائلي\." شهقت إيرينا، ثم سحبت يدها ببطء، وقد بدأ الغضب يخفت قليلاً لتحلّ مكانه نغمة من الحذر\. قالت بصوت منخفض: — "إذا لم أستطع الدخول\.\.\. فساجعل شخص اخر يدخل\. حتى لو اضطررتُ إلى كشف جزء مما أخفيه\." وقبل أن تغادر، نظرت مجددًا إلى النقوش، وعيناها تلمعان بعناد: — "لن أترك أسرار تُدفن هنا\.\.\. لا مجددًا\."
rwzi_1