حلّ الصباح فوق قلعة الظلال، بأشعةٍ خجولة بالكاد تتسلل عبر النوافذ العالية\. داريوس خرج بهدوء من جناحه، بعدما استحم بماء معطر بأزهار الليل النادرة، وارتدى زيه الجديد… زيّه كـ"خادم الملك الشخصي"، كما أطلق عليه أزرغيث – وإن كان يعرف الجميع أنه أكثر من ذلك بكثير\. كانت البدلة سوداء داكنة، مزينة بخيوط فضية دقيقة ترسم علامات شياطينية حول الياقة والأكمام\. القميص الداخلي رمادي ناعم، وربطة عنق رفيعة مُثبتة بدبوس يحمل ختم الملك نفسه: عنقاء تخرج من ألسنة النار\. الحذاء الجلدي الأسود مصقول كأنه مرآة، والشعر قد تم تجفيفه وربطه بخيط أسود أنيق، كما أمر أزرغيث\. ومع أنه بدا كمساعد ملكي أنيق… كانت هناك غصة في عينيه، لم تُخفِها الأناقة ولا الخطوات المتزنة\. \-\-\- في قاعة العرش، جلس أزرغيث وقد أعاد ترتيب نفسه بالكامل، ملكًا بكل ما للكلمة من سطوة\. شعره الاسود مرفوع، تاجه الأسود الناري فوق رأسه، السيجار في يده، ونظراته مسلطة على الباب قبل حتى أن يُفتح\. حين دخل داريوس، نظر له أزرغيث طويلًا… بعينين باردتين\. – "تأخرت\." داريوس انحنى فورًا، صوته هادئ، محايد، كما تدرب: – "أعتذر… مولاي\." – "مولاي؟" رفع أزرغيث حاجبه، ونهض عن عرشه\. خطواته بطيئة، لكنها تنذر بعاصفة\. وقف أمام داريوس، نظر إلى عينيه المغطاة بالشريط الأسود، ثم أمسكه من ذقنه ورفعه قليلًا لينظر إلى وجهه\. – "حين أكون غاضبًا منك… لا تناديني بمولاي\." صمت لحظة، ثم مال وهمس بجوار أذنه: – "نادِني باسمي… أو لا تنطق بشيء إطلاقًا\." ثم فجأة، دون تحذير، صفعه\. لم تكن ضربة مميتة، لكنها حملت ألمًا صاعقًا، كأنها تُعيد تذكيره بموقعه الحقيقي\. – "لأنك تألمت دون إذني، لأنك أننت دون أن تناديني، لأنك جعلتني أسمعك من خلف الباب كأنك\.\.\. غريب\!" ثم انحنى إليه، يهمس بنبرة مخيفة: – "عقابك اليوم لن يكون جسديًا، صغيري\." أمره بالجلوس على ركبتيه أمام العرش، ثم أشار لعدد من الخدم والحراس بالدخول\. قال بصوت عالٍ: – "داريوس… سيقوم اليوم بتنظيف أجنحة القصر كلها وحده، كل غرفة… كل حجر\. ممنوع استخدام السحر\. ممنوع الشكوى\. ممنوع النظر لأحد\. وإن سقط، لا أحد يساعده\." ثم نظر إليه بابتسامة قاسية: – "ستعمل حتى تنكسر قدماك، حتى تتوسل لي أن أضمك مجددًا… عندها، فقط، سأفكر في الأمر\." داريوس انحنى بصمت، عينيه خلف الشريط تلمعان بالحزن، لكنه لم يعترض\. – "هيّا، صغيري المشاغب\. أظهر كم تحبني… بطريقتي\." ثم عاد أزرغيث إلى عرشه، يراقب داريوس ينهض ببطء، ويغادر بخطوات هادئة… نحو العقاب\. وأثناء ذلك، أخذ نفسًا عميقًا من سيجاره، وابتسم ابتسامة ملتوية\. – "هو لي… لا يعرف ذلك تمامًا بعد، لكنه سيعرف\." \-\-\- مرّ الوقت ببطء في جناح العرش، والصمت يلتهم أركان القصر الكبير\. داريوس كان لا يزال منهمكًا في تنظيف الأرضية الرخامية اللامعة، يحاول بكل ما لديه أن يُنهي عمله بدقة كما أمره أزرغيث… لكن التعب، الجوع، والجروح التي بالكاد تعافت من عقاب الأمس، كلها بدأت تسرق من جسده قوته\. أخيرًا، فتح باب الجناح بصوت منخفض\. دخل أزرغيث بخطوات هادئة، لكنه لم يكن هادئًا أبدًا\. كان جسده مشدودًا، وعيناه تشعّان بنار قديمة لا تخبو\. وقف عند الباب لحظة، يراقب داريوس وهو يلتقط أنفاسه\. – "أهذا هو أداء صغيري المشاغب؟" صوته خرج ناعمًا… ناعمًا جدًا لدرجة أن داريوس توقف، ثم نهض فورًا محاولًا الوقوف باستقامة\. – "مولاي… لقد كنت—" لكن لم يُكمل\. أزرغيث خلع الحزام الجلدي الأسود من خصره، وأسقطه على الأرض، ثم التقطه مجددًا ببطء… ونظر نحوه\. – "قلت لك… لا تُنهِ عملك وأنت تتألم، دون أن تناديني\." ثم أتى، ببطء، حتى وقف أمامه\. صوته كان مزيجًا من الغضب والحزن والجنون: – "هل تعلم كم كرهت نفسي حين سمعتك تتألم وحدك؟ وكأنك عدوي… لا صغيري\." رفع الحزام، وضرب به الأرض مرة… واثنتين… ثم نظر في عيني داريوس، ثم… رمَاه جانبًا\. اقترب منه، أمسكه من كتفيه، وصاح: – "أغضبني لأنك اخترت الصمت\! كان عليك أن تصرخ… أن تناديني… أن تثق بي\!" صوته ارتفع، لكنه ارتجف\. داريوس لم يجب، فقط انحنى رأسه بخجل وارتباك\. عندها… احتضنه أزرغيث فجأة\. بيد واحدة جذب جسده النحيل إليه، واليد الأخرى تربت على ظهره المرتجف\. بصوت أهدأ، لكنه مهزوم: – "أقسم… إن فعلتها مجددًا، إن تألمت وحدك مجددًا… لن أسامحك، داريوس\." ثم أجلسه على السرير، جثا أمامه، وأخرج مرهمًا طبيًا وسحب قميصه بلطف\. كانت هناك آثار ضربٍ قديمة، وجروح لم تندمل تمامًا\. بدأ أزرغيث يدهن المراهم ببطء، وعيناه لا تفارقانه\. – "هذه… من الأمس، أليس كذلك؟ كنت غبيًا\." ثم، بنبرة أرقّ، همس: – "لكنني سأعالجك دومًا… لأنك لي\." أنهى تضميد جراحه، ثم أمسك وجهه بين يديه، نظر لعينيه المغطاة بالشريط الأسود، وتمتم: – "أتعلم؟ لا أريدك أن ترى العالم… أريده أن يراك فقط من خلالي\." ثم طبَع قبلة خفيفة على جبينه، ثم أخرى على خده، وهو يهمس: – "لن تبتعد… أليس كذلك؟ صغيري المشاغب\." \-\-\- في ساحة القصر الإمبراطوري الواسعة، حيث تفتّحت أزهار الخريف بجمالها الذهبي، وركضت طيور خفيفة على العشب، كان نيل يسير بخطوات صغيرة هادئة\. على جانبه الأيسر كانت سيليا، بشعرها البنفسجي المربوط بإحكام، تمسك كتابًا وتحاول تجاهل من بجانبها\. وعلى جانبه الأيمن كان ليونارد، الأمير المدرب المثالي ذو الملامح الصارمة، يمشي كأنه في مهمة عسكرية\. لكن هذا التوازن كان هشًا\. – "قلت لكِ إن ذلك الإملاء كان خاطئًا\! حتى المعلم نفسه اعترف بخطئه لاحقًا\!" – "ها؟\! لا تضحكني، يا أمير العضلات\! أنت لا تعرف الفرق بين الفعل والمفعول به\!" – "على الأقل أنا أقرأ كتبًا حقيقية، ليست روايات حمقاء عن فرسان يحبون الأرواح\!" – "لا تقلل من أذواق غيرك\! وإن كنت غبيًا بما يكفي لتقرأ قوانين الإمبراطورية قبل النوم، فلا تلومني إن كنت أذكى منك\!" في وسط نيران الحوار، كان نيل يمشي مطرق الرأس، يركل حصاة صغيرة أمامه، ثم تنهد بكسل\. \[لوكا – المساعد الافتراضي\]: – \(مستوى الضجيج مرتفع\. نسبة الإزعاج 87%\. اقتراح: الهرب بهدوء\.\) همس نيل في ذهنه: – \(هرب؟ لااا، الجو ممتع، والشمس لطيفة، ومشاجرتهم تمنحني خلفية صوتية مجانية\.\) ثم رفع صوته، يتصنع الحيرة: – "هل هناك طريقة أعرف فيها من منكم على حق؟" ردّ ليونارد بسرعة: – "أنا طبعًا\!" – "أنت؟ هه، لو فكرت نبتة، لاختارتني أنا\!" قالت سيليا\. نيل أومأ بحكمة مزيفة، وابتسم: – "رائع، إذا لا أحد منكما على حق\! إذًا يمكنني أن أقرر أنني الفائز؟" توقف كلاهما وحدقا به\. – "الفائز؟ في ماذا؟\!" – "في مسابقة أفضل من لا يصرخ في الصباح\!" ثم أشار لنفسه ببساطة\. لوكا تمتم في ذهنه: \[لوكا\]: – \(تم تنفيذ عملية استفزاز غير مباشر بنجاح\. الحالة النفسية للهدف \[نيل\]: مرتاحة\.\) كان نيل يراقب مشيتهما من الجانبين، يشبهان الوالدين المنهكين وهما يتشاجران على من نسي إحضار الحليب\. ومن وقت لآخر، يلتفت لأحدهم ليسكب مزيدًا من الزيت: – "ليونارد، أنت لا تزال غاضبًا لأن سيليا قالت أن عضلاتك تشبه كومة خبز؟" – "نيل\!" – "سيليا، ألم تقولي البارحة إن ليونارد يبدو أجمل وهو صامت؟" – "نيل\!" – "ما المشكلة؟ أنا فقط أساعد على تحسين التواصل\!" لوكا كاد ينفجر من التعليق الافتراضي: \[لوكا\]: – \(أنت حرفيًا السبب الرئيسي لانفجار كل نقاش في هذا القصر\. الحالة: فوضى محسوبة\.\) وبينما هما يتشاجران من جديد، جلس نيل على العشب، أخذ تفاحة من جيبه، وبدأ يأكلها ببطء\. – "الحياة جميلة… طالما أني لست الطرف الذي يصرخ\." رفع نظره إلى السماء وقال في ذهنه: – \(لوكا، كم نسبة النجاح لخطة "الكسول لا يتحمل المسؤولية"؟\) \[لوكا\]: – \(91%… ما لم يُجبراك على دراسة السحر مجددًا\.\) – "إذن سنبقى هنا… حتى تغرب الشمس… أو حتى يقرر أحدهما خنق الآخر\." وابتسم نيل بكسل، بينما استمرت المشاجرات من حوله كأغنية متكررة… وهو يكتفي بالمراقبة، كما لو كان يشاهد عرضًا كوميديًا بعنوان: "أذكى من حولك… هو من لا يتدخل"\. \-\-\-\- غفى نيل فوق العشب وهو يسمع شجار ليونارد وسيليا يتلاشى تدريجيًا… ثم دخل في حلم غريب دون مقدمات\. كان في فراغ\. لا سماء، لا أرض، لا أفق\. فقط بياضٌ ممدود إلى ما لا نهاية، كأنه داخل بيضة لم تفقس بعد\. – "ها\.\.\.آه… لا… لا مجددًا الفراغ الممل مع التنين المجنون\." قبل أن ينهي الجملة، سُمعت الأجنحة البلورية تضرب الفراغ بقوة، وصوت زئير مألوف يدوّي، ثم ظهر كيان عملاق من الأعلى: تنين أزورا\. تجمّع الضوء، وتحوّل من هيئته التنينية الضخمة إلى شكله البشري المعتاد… طويل، بارد، وأجنحته لا تزال تنبض خلفه\. أزورا قال بصوته الرتيب المعتاد: – "لقد تأخرت، نيل\." نيل أشار له بملل: – "أنا لم أتأخر\. أنت من يختطفني من أحلامي كل مرة\. هل هذه هوايتك؟ عندك مشكلة مع الناس اللي تنام؟\!" أزورا تجاهل كلامه تمامًا وألقى عصا خشبية طويلة نحو نيل\. – "سنبدأ التدريب\." – "آه لا لا لا… لا أريد\! آخر مرة انتهيت بساق مكسورة داخل حلم\!" – "إن لم تروّض المانا داخلك… ستهلك\. العالم سيفعل\." – "وهل العالم مشغول بي وحدي؟ هناك أشرار أكثر خطورة\! وأنا لم أخطط لأي شرّ حتى الآن\!" اقترب أزورا، والفراغ من خلفه بدأ يتجمّد ويتحوّل إلى حلبة جليدية\. تراجع نيل خطوتين: – "أنا لستُ مستعدًا اليوم\. لدي صداع، وهناك امتحان أخلاقيات قريبًا\.\.\. و\.\.\. أظنّ أن بطني يؤلمني أيضًا\." – "قاتلني، أو ستظلّ تسقط في هذا الفراغ إلى الأبد\." – "أنت مجنون\. تنين \.\.\. ولديك هوس بالتعليم\!" ومع ذلك، التقط نيل العصا، مغلقًا عينيه: – "فقط لأُنهِي هذا الحلم بسرعة\!" لكن ما إن بدأ أزورا الهجوم، حتى رمى نيل العصا وركض بأقصى ما يستطيع\! – "لوكااا\! فعّل خاصية الهروب السريع\! أين زر تسجيل الخروج من هذا الجنون؟\!" جاء صوت أزورا من خلفه، ببرودة قاتلة: – "جبان\." – "بل أنا ناجٍ من كوابيس\! وهناك فرق\!" وأثناء الركض، التفت نيل بخفة، وهو يلهث: – "أنا أكره التنانين\.\.\. أكره الفراغ\.\.\. وأكره التدريب\! بطل ؟ على مسؤوليتي، هذا التنين يحتاج إلى تقليل جرعة الجدية\!" لكن لم يكن هناك من يجيبه… سوى صدى خطواته في الفراغ الأبدي\. \-\-\- كانت الشمس تلمع في السماء البنفسجية لحلبة التدريب الغريبة، والهواء يعجّ برائحة الأزهار السحرية\.\.\. لكن بالنسبة لنيل، كانت كل تلك الجماليات خداعًا بصريًا يخبّئ جحيمًا متنكّرًا في هيئة حديقة\! أُسقط نيل أخيرًا من الشبكة الذهبية، وهبط فوق العشب بوجهه مباشرة، مطلقًا صوتًا مختنقًا من الألم\. – "آه\.\.\. أنفي\! كان هذا الجزء الوحيد الذي لا يؤلمني بعد\!" اقترب أزورا، ممسكًا بعصًا طويلة مرصعة بالكريستال، وقال بنبرة شبه ودودة: – "حسنًا، حان وقت تمرين التركيز\. اجلس متقاطع القدمين، وركّز مانا في مركزك\." استدار نيل ببطء، حدّق في أزورا بعينين نصف مغلقتين، وقال ببرود: – "هل تبدو لي كأنني أمتلك مانا؟ بالكاد أملك طاقة أفتح بها عيني\!" – "أنت تملكها، لكنك تهدرها على التذمّر\." – "وهل لديك دليل؟\! أنا أُتقن التذمّر\! هذه موهبتي الحقيقية\!" أشار أزورا إلى دائرة سحرية تلمع تحت الأشجار، ثم قال: – "سنبدأ من تمرين \(الصفاء الداخلي\)\. ادخل إلى الدائرة، اجلس، وأغلق عينيك\. لا تتحرك حتى يعود الضوء الأزرق\." رفع نيل حاجبيه وقال بسخرية: – "وهل سيعيد الضوء الأزرق سريري ووسادتي وكرامتي؟ لا؟ إذاً لا أريد\." – "نيل\." – "أريد تمرين \(النوم الداخلي\)\.\.\. هل لديك ذلك؟ أقسم أنني سأتفوق فيه\!" أطلق أزورا زفرة طويلة، ثم أشار بإصبعه\. فجأة، ارتفعت نبتة من الأرض ودفعت نيل داخل الدائرة السحرية كما لو كانت تحشر حبة بطاطا في قدر\. جلس نيل مرغَمًا، متكئًا على ذراعه بتثاقل: – "أشعر أنني سلعة تُسحب للعرض في مزادٍ فاشل\.\.\." أغمض عينيه على مضض\. وبعد خمس ثوانٍ فقط، فتحهما مجددًا وصرخ: – "كم بقي؟ مرت ساعة بالتأكيد\!" رد أزورا من بعيد دون أن ينظر إليه: – "مرت تسع ثوانٍ فقط\." – "يا إلهي\.\.\. سأنفجر\." – "أنت تتنفس من فمك\. تنفّس من مركزك\." – "أتنفّس من أين؟ من مركز كسلي؟ لأنه ناشط جدًا حاليًا\." صمت أزورا للحظة، ثم لمح فراشة مانا تمرّ قرب نيل، فابتسم بخبث وقال: – "حسنًا\.\.\. لننتقل إلى اختبار التركيز\. إذا نجحت في ملامسة الفراشة، سنتوقف\." فتح نيل عينيه ببطء، ورأى الفراشة الصغيرة اللامعة تطير من بعيد، فتمتم: – "أوه، هذا سهل… أخيرًا شيء يمكنني فعله\." مدّ يده ببطء\.\.\. اقتربت الفراشة\.\.\. ابتسم نيل\.\.\. ثم طارت الفراشة فجأة كأنها شعرت بخطر عظيم، وبدأت تدور حول رأسه بحركات بهلوانية\. – "هَي\! توقفي\! لماذا تتصرفين كأنني وحش؟\!" قال أزورا بنبرة هادئة: – "إنها تشعر بعدم التوازن في طاقتك\. حاول الهدوء\." – "أنا هادئ\! هادئ جداً\! فقط\.\.\. غاضب قليلاً، منهار قليلًا، وجائع كثيرًا\!" وبينما كان يحاول اللحاق بالفراشة، تعثّر نيل بحجر صغير وسقط أرضًا بطريقة درامية، رافعًا يديه للسماء: – "لقد انهزمت… سأنام هنا للأبد\. أخبر العالم أنني حاولت\." وقف أزورا فوقه مباشرة، وأخرج قطعة فاكهة براقة تشبه المانجا\. لوّح بها أمام أنف نيل، ثم قال: – "إن أمسكت الفراشة\.\.\. سأعطيك هذه\." فتح نيل عينيه ببطء، بدا وكأنه رأى الخلاص، ثم قال بصوت مبحوح: – "هل… هل هي ناضجة؟" – "تمامًا\." قفز نيل فجأة واقفًا كأن عضلاته عادت للحياة: – "سأتدرب\! سأقاتل\! سأكون بطلاً عظيماً\!" ضحك أزورا بخفة، وأشار إلى الفراشة التي عادت لتقترب\. وبينما بدأ نيل يتحرك باتزان أكثر، عينه على الفاكهة، صرخ بحماس: – "انتظريني أيتها المانجا الحبيبة\! سأثبت أن الأرنب الكسول يمكنه الركض عندما يكون الحافز… لذيذًا\!" \-\-\- استيقظ نيل ببطء، وهو يشعر بشيء دافئ يضغط على خده\.\.\. بل يقضم خده برفق؟\! فتح عينيه بتعب، ليجد نفسه في حضن ريتشارد، الإمبراطور العظيم\.\.\. وخصمه اللدود في سباق الحياة الهادئة\. لكن ما أيقظه فعليًا لم يكن الهيبة الإمبراطورية، بل صوت ريتشارد وهو يتمتم وكأنه يتحدث إلى حيوان لطيف: "همم\.\.\. خدود ناعمة\.\.\. قابلة للعض\." ثم عضّ خده الصغير برفق مرة أخرى، قبل أن يقرصه بين إصبعيه ويقول بابتسامة حالمة: "يا لهذه الوسادة الطبيعية… من أين اشتريتها أيها الأرنب؟" شهق نيل، وحاول سحب نفسه من بين يدي الإمبراطور، وهو يصرخ: "توقف\! هذا يُعد تحرشًا بالخدود الملكية\! أطلق سراحي فورًا\!" لكن ريتشارد لم يكن ليسمع، فقد كان مشغولًا الآن بفرك أذن نيل الأرنبية بلطف، ثم سحبها قليلًا وقال بإعجاب: "حتى الأذنان\.\.\. تتحركان مثل الجيلي\! إنها ناعمة\!" نيل كان يحاول التراجع للخلف، لكن ريتشارد شدّه أكثر إلى صدره، وقبّل أذنه من الجانبين، ثم بدأ باللعب بذيله الأرنبي الناعم، وهو يضحك كطفل وجد لعبته المفضلة\. نيل صرخ بيأس: "أنا لست دمية\! أنا شخص\! كيان مستقل\! لدي حقوق وكرامة ومجموعة قادمة من كوابيس التنين، لا أحتاج فوقها لعناق سلطوي\!" رد ريتشارد بنبرة حالمة: "بل أنت أرنب صغير مدلل\.\.\. والآن حان وقت جلسة التدليل اليومية\." بدأ ينفخ على خده، ويطبع قبلة طويلة فوق أنفه، ثم يعاود مص خده وكأنه قطعة حلوى\. نيل كان يتلوى كالسمكة، يركل الهواء برجليه القصيرتين، ويهتف: "أريد استقالتي من هذا القصر\! أريد حضنًا لا يتضمن مصًّا\!" ثم سحب الغطاء الذي كان قد وضعه ريتشارد عليه وقال بانفعال: "أنا أهرب من تنين مجنون لأسقط في يد اب مجنون؟\! أي حياة هذه؟\!" ضحك ريتشارد بهدوء، وشد نيل مجددًا إلى صدره وقال بنبرة حنونة بشكل مخيف: "اهدأ، سنأخذ قيلولة قصيرة فقط\. بعدها نبدأ جدول الترفيه الملكي… يتضمن تقبيل الأرنب كل ربع ساعة\." نيل شهق: "هذا جدول تعذيب وليس ترفيه\!" رد ريتشارد بابتسامة حالمة: "أنا الإمبراطور\. أنا من يقرر\." ثم غطى وجه نيل بيده الكبيرة وربت عليه بلطف، بينما نيل كان يئنّ بصوت خافت، يشبه خرخرة قطة حزينة: "كل هذا لأنني أردت حياة هادئة\.\.\. أين أذهب لأكون أرنبًا حراً؟" لكن لا أحد أجابه\.\.\. سوى قبلة جديدة على جبينه من ريتشارد، الذي تمتم بنعاس: "تصرف بهدوء\.\.\. أو أعضّ الذيل التالي\." وارتجف نيل في مكانه\. لكن الغريب أنه\.\.\. رغم تذمره وصراخه، لم يحاول الهرب هذه المرة\. ربما لأن الحضن كان\.\.\. دافئًا قليلًا؟ لكنه لن يعترف بذلك أبدًا\. أبدًا\. \-\-\- بعد أن هدأت الزوبعة وتوقف ريتشارد عن عضّ خدوده \(مؤقتًا على الأقل\)، بقي نيل مستسلمًا في حضنه، يزفر بهدوء كمن قرر قبول مصيره… ولو إلى حين\. ومع مرور لحظات من الصمت الدافئ، بدأ شيء ما يتغيّر في نيل\. فتح إحدى عينيه ببطء، ونظر إلى وجه ريتشارد المغمض، ثم حرّك رأسه بخفة… وحكّ شعره بلطافة في ذقن والده \. ارتجف ريتشارد قليلاً وفتح عينًا بتسلية: "أوه؟ هل هذا ما أظنه؟ أرنبنا الكسول بدأ بالتدلل؟" لم يرد نيل مباشرة، بل تمتم بصوت ناعم أشبه بخرير ماء دافئ: "هممم\.\.\. بابا … هل تعرف ماذا ينقص هذا الحضن الملكي؟" أجاب ريتشارد وهو يرفع حاجبًا: "مزيد من العض؟" صرخ نيل فورًا: "لا\! أقصد\.\.\. شيء صغير، مستدير، مليء بالسكر والسعادة\.\.\. شيء يبدأ بحرف الحاء وينتهي بحرف \(ى\)\!" أخذ ريتشارد نفسًا عميقًا وقال بتمهل مصطنع: "هممم\.\.\. حلوى؟" أشرق وجه نيل فورًا ورفع رأسه قليلاً، وهو يومئ بحماس، ثم أكمل بصوت مدلل كقطة صغيرة: "أجل\! حلوى\! الحلوى تُعزز الروابط العائلية، وتمنحني الطاقة لأستمر في العيش\.\.\. مع هذه المعاناة\." ابتسم ريتشارد، وهو يربّت على رأسه ببطء وقال: "إذًا أنت تقول\.\.\. إنك تحتاج لحلوى كي تنجو من التنين\.\.\. وأنا؟" اقترب نيل منه أكثر، وأسند رأسه إلى كتف الإمبراطور، ثم حكّ شعره مجددًا بذقنه وقال بنبرة تمثيلية لطيفة: "أنت تحتاج لإعطائي الحلوى\.\.\. كي تشعر بأنك أب ناجح ومحب\." ضحك ريتشارد ضحكة مكتومة وقال: "أيها الماكر الصغير\.\.\." ثم مدّ يده إلى جيبه الداخلي وأخرج علبة صغيرة مخملية، فتحها ببطء ليكشف عن مجموعة من الحلوى الذهبية الملفوفة بورق براق\. عين نيل لمعت فورًا كمن رأى كنزًا، وقفز جالسًا في حضن والده وقال: "واحدة فقط؟ أم\.\.\. دعنا نقول ثلاث لأجل الروح المعنوية؟" أعطاه ريتشارد واحدة، وقال بابتسامة هادئة: "ابدأ بواحدة\.\.\. وسنرى إن كنت تستحق المزيد\." أخذ نيل الحلوى بسرعة، وبدأ بمصّها بسعادة وهو يتأوه من الطعم كمن وصل إلى الجنة، ثم تمتم: "السكر\.\.\. الحياة\.\.\. الحب\.\.\. هذا هو السلام الذي كنت أبحث عنه\." أمال ريتشارد رأسه وهو ينظر إليه وقال: "أرأيت؟ لست بحاجة للهروب دائمًا، فقط بعض التدليل\.\.\. وأنت تتصرف كطفل لطيف\." رد نيل وهو يغمض عينيه متدلّيًا في حضنه: "فقط إن كانت هناك حلوى\. بدونها\.\.\. أعود أرنبًا متمرد\." ضحك ريتشارد وربّت على رأسه مجددًا وقال: "سأجلب لك حلوى… إن وعدتني أن تظل صغيري المدلل دائماً\." رد نيل وهو يلتهم الحلوى: "صفقة… لكن تذكر، الحلوى أولًا، الأبوة لاحقًا\." وهكذا، انتهت تلك اللحظة الغريبة بمزيج من السكر، الحضن، وخد ناعم لا يسلم من التهديد بالعض في أي لحظة\. \-\-\- بينما كان نيل غارقًا في لذة الحلوى، بعينين نصف مغمضتين وبصوت خافت يهمهم "مممم، نكهة الحياة\.\.\."، بدأ الإمبراطور ريتشارد يتحرك بطريقة مريبة\. نظر نيل إليه بريبة، لكنه كان بطيئًا جدًا من فرط الكسل ليهرب\. "بابا\.\.\. لا\.\.\. لا تقل إنك ست—" لكن فوات الأوان\. بحركة خبيرة تُحاكي حنان الآباء القدامى، أخرج ريتشارد من معطفه الملكي رضّاعة حليب فاخرة، مصنوعة من الكريستال السحري المخصص للأمراء الصغار شديدي العناد، والمليئة بحليب دافئ مع نكهة الفانيليا والعسل والتوت النادر من جبال أسترا الزرقاء\. رفع نيل رأسه فورًا: "لا\! ليس مجددًا\! أنا لست طفلًا، أنا فتى بالغ، لدي أذى داخلي وتعقيدات نفسية، لا يليق بي أن—" قاطعته الرضّاعة وهي تقترب بخطورة\. "أبييي\! أقسم أني سأهرب من القصر هذه المرة\! وسأغير اسمي إلى فلفل وأبدأ حياة في الريف\!" لكن ريتشارد لم يرد\. فقط احتضنه بلطف، وأسند رأسه إلى صدره، ثم دسّ الرضّاعة في فمه بحركة تمرّن عليها على ما يبدو كثيرًا\. نيل قاوم قليلًا، مرّة بيد، ومرّة بصوت احتجاج ناعم، ومرّة بمحاولة عض الرضّاعة نفسها… لكنه أخيرًا استسلم بتنهيدة طويلة\. وبدأ بالرضاعة\. "ممم… يا إلهي، لمَ هي لذيذة هكذا؟ هذا غير عادل…"، تمتم وهو يتابع الشرب بعينين مغمضتين\. ريتشارد، الذي بدأ يهزه بلطف في حضنه وكأن نيل رضيع فعلي، أخذ نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى الأشجار في الحديقة الملكية وقال: "أحيانًا أتساءل… كيف لهذا الأرنب المتدلل أن يكون… الأمل الوحيد في مواجهة الكارثة القادمة؟" أغمض عينيه لوهلة\. الريح هبّت بخفة، والسماء في الأفق بدأت تلبد\. بين طيات السكون، سمع ريتشارد همسًا لا يسمعه سوى من حمل عبء الملك منذ صباه: "أزرغيث استيقظ\." شدّ ريتشارد ذراعيه حول نيل، وكأن عليه حمايته من هواء العالم بأسره\. ملك الشياطين، أزرغيث، الكائن الذي طُمر في أعماق النسيان منذ قرن، استعاد وعيه\. ذلك لا يعني فقط نهاية السلام، بل بداية اسطورة ظن الجميع أنها مجرد أسطورة: "حين يستيقظ الظلام، سينهض وريث النجوم"\. ونيل… وريث النجوم، وإن كان لا يعرف ذلك بعد\. انتهى نيل من الرضّاعة، وأصدر صوتًا مكتومًا يدل على الشبع والسخط في آن\. ريتشارد رفعه قليلًا، وربّت على ظهره بهدوء حتى خرج منه تجشؤ ناعم\. "كأنك قطة مدللة\.\.\."، تمتم ريتشارد وهو يبتسم بتعب\. نيل، نصف نائم، تمتم: "قطة؟ أنا أرنب… أرنب متعب… وأحتاج خمس ساعات نوم إضافية… وإن لم توقظني سأفكر بالأمر\.\.\. ربما\.\.\. يومًا ما\.\.\. أنقذ العالم\." ضحك ريتشارد، لكنه لم يرد\. بدأ بهزه برقة، يدندن لحنًا قديمًا من أيام شبابه\. لحنًا يُقال إنه غنّاه أول من تنبأ بعودة أزرغيث\. عيناه كانتا على السماء… لكن قلبه كان مع الطفل النائم في حضنه\. هل يمكن لهذا الأرنب الكسول أن يتحول إلى المنقذ؟ هل سيستيقظ يومًا\.\.\. بإرادته؟ أم سيضطر العالم لإيقاظه قسرًا؟ ريتشارد همس أخيرًا: "نم الآن، يا نيل\. لأنك حين تستيقظ\.\.\. قد لا تكون الحياة بهذه السهولة مجددًا\." وامتدت ليلة أخرى، في حضن أبٍ يخشى الغد، وولدٍ لا يدري أنه يحمل في دمه آخر نور للعالم\. \-\-\- بعد أن تأكد الإمبراطور ريتشارد من أن نيل قد استسلم أخيرًا للنوم — ورأسه ما يزال مستندًا على صدره وذيله الأرنب ممدود فوق الرداء الإمبراطوري — رفع يده اليمنى بلطف، ورسم دائرة سحرية صغيرة في الهواء\. وهج أرجواني انبعث من الرمز، وسرعان ما انفتح صدع شيطاني صغير في الفراغ، خرج منه خادم يرتدي بدلة سوداء ممزقة من جهة الكتف، وشعره مشعث بشكل لا يليق بأي شيطان محترم\. "صاحب الجلالة…\!" قال بصوت خافت، ثم انحنى بتوتر\. زالفان\. خادم نيل المخلص، أو هذا ما يدّعيه\. شيطان سابق من الطبقة المتوسطة، هبطت مرتبته لسبب غامض، وانتهى به المطاف تحت خدمة وريث الأرنب الكسول بعد حادثة مريعة تمزق بدلته الرسمية\. ريتشارد لم يرد عليه مباشرة، بل ألقى عليه نظرة طويلة، شاملة، من أعلى رأسه حتى أطراف حذائه المتآكل\. "\.\.\. ما زلت ترتدي هذه الخرقة؟" "إنها\.\.\. تحمل ذكريات، يا صاحب الجلالة\.\.\."، قال زالفان محاولًا رسم ابتسامة مهذبة\. "ذكريات؟ بل تحمل رائحة فشل\." اقترب ريتشارد، ووضع نيل النائم برفق على أريكة صغيرة بجانب الشجرة\. ثم تقدم نحو زالفان، وعيناه مليئتان بغضب مكتوم\. "استمع جيدًا، أيها المتسكع الشيطاني\. أزرغيث استيقظ\." زالفان شحب وجهه للحظة\. "\.\.\. آسف، مَن بالضبط؟" ضربه ريتشارد فورًا على مؤخرة رأسه بكتاب ضخم ظهر فجأة من لا شيء، مكتوب عليه: "أساطير نحاول نسيانها"\. تطايرت عدة أوراق من بين الغلافين\. "أزرغيث\! ملك الشياطين\! الذي نُفي قبل مئة عام\! \! يا لك من خائن عديم الثقافة\!" زالفان وضع يده على رأسه، متألمًا\. "أنا مجرد خادم أرنب، لست باحثًا أكاديميًا، يا سمو الإمبراطور\!" "وهذا سبب آخر يجعلك مثاليًا للعملية القادمة\." "أي عملية؟" اقترب ريتشارد حتى أصبح على بُعد أنف من وجه زالفان، وقال بهمس ثقيل: "ستذهب إلى مملكة الرماد… وتتسلل إلى دار الظلال… وتكون عيوني داخل مملكة أزرغيث\." "جاسوس؟\!" صرخ زالفان\. "بالضبط\." "لكن\.\.\. لكني بالكاد أنجو من تنظيف غرفته الملكية\! ألا يوجد شخص محترف؟ قاتل مأجور؟ أو على الأقل طباخ؟\!" "زالفان\.\.\." قال ريتشارد ببطء، وصوته يقطر تهديدًا: "لقد أنقذك نيل من محاكمتي لك بعد تلك الحادثة\." زالفان صمت، وكأن الذكرى ضربته بقوة\. "لا… ليس هذا مجددًا… لقد أقسمت أن لا أرتدي زيّ لارنب مجددًا…" "إذا لم تذهب، سأجعلك ترتديه الآن\. مع الزهور\. وردية\." شهق زالفان بشدة\. "سأذهب\! سيدي\! حاضر\! لكن فقط سؤال صغير…" "تكلم\." "هل أستطيع أن أودّع الامير نيل؟" ريتشارد نظر إلى نيل النائم، ثم قال ببرود: "إنه يظنك جرذًا أليفًا تحول إلى شيطان\. لا تفسد الأمر عليه\." "\.\.\. ماذا؟\!" "تحرك قبل أن أغير رأيي\." وهكذا، وبينما كانت نسمات الليل تمرّ على الحديقة الهادئة، شيطان غير مؤهل تمامًا للمهمات الصعبة، يرتدي بدلة ممزقة ويشتم حظه الرديء، انطلق في أخطر مهمة تجسس في عصره… فقط لأنه مدين لصبي أرنب كسول كان أول من ابتسم له\. وفي الأفق، خلف الغيوم، عينٌ حمراء فتحت للمرة الأولى منذ قرن… \-\-\- حمل ريتشارد ولده النائم نيل مجددًا، بين ذراعيه، وهو يغطيه بردائه الفخم كي لا يبرد خدّه \. خطواته كانت هادئة، لكن عينيه المتوهجتين بلون الأحمر القاني كانت تراقب كل شيء في الحديقة الملكية\. وبينما كان يسير عبر الممرات المرصوفة بالرخام، توقّف فجأة\. في زاوية بعيدة من الساحة الخلفية، كان مشهد مألوف يتكرر\. ليونيل، الابن الأكبر، كان يتدلّى رأسًا على عقب بواسطة تعويذة جاذبية أطلقها خاله راينوس – بينما يقرأ عليه قانون العقوبات الملكي بصوت مرتفع، ويضربه بين الفقرات بتعويذة كهربائية خفيفة\. وعلى الجهة الأخرى من الحديقة، كان أدريان، ابن ريتشارد الأوسط، محاصرًا داخل فقاعة سحرية شفافة، يتدحرج بها بلا حول ولا قوة بينما ليستر، يلاحقه بعصا طويلة ويصيح: "تعلم المصفوفات وإلا ستبقى داخل الفقاعه حتى العيد الشتوي\!" ريتشارد نظر إليهم للحظة\.\.\. ثم زفر\. "حسناً، لقد طفح الكيل\." بخطوات بطيئة لكنها مشبعة بالهيبة الإمبراطورية، تقدم نحو المشهد\. وعيناه ما تزالان تراقبان وجه نيل النائم بحذر، كي لا ينزعج من أي اهتزاز\. ومع ذلك، كان صوته حين تكلم واضحًا كالرعد: "راينوس\. ليستر\. يكفي\." توقّف الاثنان فجأة\. التعويذات انطفأت، والصراخ توقف\. راينوس التفت، وعيناه البنفسجيتان توسعتا بدهشة\. "ريتشي؟\! أأنت من تحدث؟" "آه، لقد قال اسمي بشكل صحيح، حدث نادر\." قال ريتشارد بنبرة ساخرة\. ليستر اقترب بخفة، ممسكًا بعصاه خلف ظهره\. "هل\.\.\. هل هناك مشكلة، جلالتك؟" "نعم\. هناك\." الطفلان، ليونيل وأدريان، كانا يحدقان الآن في والدهما، أحدهما لا يزال مقلوبًا، والآخر يزحف على الأرض بعد خروجه من الفقاعة، وكأن رؤية والده يأمر بإنقاذهما شيء لم يحدث من قبل\. "أي نوع من العقاب هذا؟ هل أنتما مدربا سيرك أم معلمان؟" راينوس عبس\. "أنا أعلمه الانضباط\!" "وأنا أعلمه الخوف من الفشل\!" أضاف ليستر بحماسة\. ريتشارد ضيّق عينيه\. "بل أنتما تحوّلان أولادي إلى مشاريع انتقام من طفولتكم المكسورة\." "أجل، والآن ابتعدا\.\.\. ليس بدافع الحب الأبوي، اطمئنا، بل لأنني بحاجة لمناقشة أمر خاص معهما\." الاثنان تبادلا النظرات، ثم ابتعدا بتذمر، راينوس يتمتم بشيء عن "جيل مدلل"، وليستر يركل حجرًا وهو يشتم علم التربية\. ريتشارد جلس على المقعد الحجري في وسط الحديقة، وضم نيل إلى صدره مجددًا، ناظراً إلى ليونيل وأدريان اللذين ما زالا مصدومَين\. قال ببرود: "اقتربا\. لا أملك وقتًا لأشرح مرتين\." ليونيل، وهو لا يزال يفرك كاحله، سأل بتردد: "هل\.\.\. هل نحن في ورطة؟" "لا\. أنتما على وشك أن تكونا في مهمة\." أدريان قفز واقفًا، متحمسًا\. "مهمة؟ أخيرًا\!" "لا تتحمس\. هذه ليست مغامرة بطولية\. إنها حاجة لوجستية\." ريتشارد مدّ يده، وسحَب من الهواء خريطة سحرية تمثل مملكة "الرماد الداخلي" — موطن ملك الشياطين أزرغيث\. "زالفان سيتسلل إلى قلب مملكة أزرغيث، لكني أحتاج لتغطية جانبية\. أنتما الاثنان ستذهبان في زيارة رسمية إلى أكاديمية الشمال، كواجهة\." ليونيل ارتبك\. "لكن هذه أكاديمية لتعليم الدبلوماسيين\!" "وأنتما ستُظهران للعالم أن أبناء الإمبراطور مثقفون ومهذبون، على الأقل شكلياً\. وسيكون معكما جاسوس ثالث\." "مَن؟" سأل أدريان\. "نيل\." "نيل؟\! لكنه نائم\!" صرخ الاثنان معًا\. ريتشارد ابتسم للمرة الأولى\. "نعم، ولهذا السبب لن يكشف أحد هويته الحقيقية\. فقط احملوه معكما واهتموا برضاعته\. لا تنسوا الرضاعة بنكهة الفانيلا، وليس الكاكاو، وإلا\.\.\." ليونيل همس: "\.\.\. وإلا ماذا؟" "ستكتشفون الوجه الآخر من نيل\." نظر الثلاثة إلى بعضهم بخوف\. وبينما كانت الشمس تغرب خلف الأبراج، ومعركة سياسية – شيطانية تقترب من الأفق، وقف ريتشارد، ووجهه جاد هذه المرة: "أزرغيث تحرّك، والدماء القديمة لن تبقى ساكنة\. هذه لعبة عروش، لكننا سنلعبها ونحن نحمل أرنبًا نائمًا\." كان صباحًا نادرًا\.\.\. الشمس بدت أقل ازدراءً من المعتاد، ونسيم الحديقة الملكية لا يحمل رائحة الكتب المحترقة أو تعاويذ الفوضى\. الإمبراطور ريتشارد، بكامل زيه الإمبراطوري، وقف أمام البوابة الكبرى للقصر، بينما العربة الملكية تنتظر بخيلها المجنّحة\. ليونيل يرتدي زيه الرسمي – مُكوي بشكل مريب، ووجهه يصرخ "أنقذوني"\. أدريان كان مشغولًا بإخفاء سكاكين صغيرة داخل حذائه دون أن يلاحظ أحد \(عدا الجميع\)\. أما نيل\.\.\. فكان يحتضن وسادته الأرنبية، يرتدي عباءة صغيرة فوق بيجامته، ووجهه نصف نائم ونصف غاضب لأنه أُخرج من سريره في وقت لا يُسمح فيه عادةً حتى للشمس بالاقتراب منه\. "اسمعوا جيدًا\." قال ريتشارد بنبرة منخفضة، بينما ينحني قليلًا نحو أطفاله\. "اعتنوا بأخيكم الصغير\. لا تنسوا رضاعة الفانيلا، لا توقظوه فجأة، وإن بدأ بالتذمر، امنحوه الحلوى أولًا ثم اركضوا\." ليونيل عقد حاجبيه\. "لماذا تشعرني هذه الوصايا وكأننا نأخذ قنبلة قابلة للتفجير معنا؟" ريتشارد تجاهله، وهو ينظر إلى نيل الذي بدأ يفتح عينيه بنعاس وتمعن فيه\. "بابا\.\.\." تمتم نيل بصوته المبحوح\. "أنت تبدو\.\.\. غريب اليوم\." ريتشارد رفع حاجبه\. "غريب؟ أنا دائمًا غريب\. هذا هو جمالي\." لكن نيل لم يضحك\. فقط نظر إليه طويلًا، بعينين نصف مغمضتين ونصف قلقتين\. "أنت تخفي شيئًا\. أنا أعرف وجهك عندما تنوي فعل شيء متهور\." ريتشارد صمت لوهلة، ثم مد يده ومسح على رأسه بلطف\. "اذهب\. هناك أشياء لا يجب أن تراها بعد\.\.\. ليس بعد\." \.\.\. انطلقت العربة في السماء ببطء، تترك خلفها أثرًا من الغبار السحري المتلألئ\. وقف ريتشارد يراقبها حتى اختفت خلف السحب\. عندها فقط التفت\. ليستر وراينوس كانا واقفَين على بعد خطوات، ووجهيهما كعادتهما مزيج من الحذر والسخرية\. قال ريتشارد دون أن ينظر إليهما: "لقد مكثتما في قصري طويلًا\.\.\. أكثر مما يفترض لأي أحد\." ليستر تنحنح\. "نحن إخوة إليانورا، ومن الطبيعي–" "كفى\." قاطعه ريتشارد\. استدار إليهما، ونظر مباشرة في عيون راينوس البنفسجية\. "كنت أظنها صُدفة\. تلك العيون البنفسجية التي ورثها نيل عن أمه\. لكن لا\. لا شيء في هذا العالم يحدث صدفة\." راينوس تصلب في مكانه\. "أنت\.\.\." "أجل\." تابع ريتشارد\. "أعرف أنكما من نسل الجنيات\. أعلم أن زوجتي – إليانورا – كانت جنية\.\.\. لكنها أخفت الأمر عني\. كنت أعلم، منذ الليلة التي رأيت فيها نيل لأول مرة\. تلك الهالة\.\.\. لا تشبه البشر\." ليستر ابتلع ريقه\. "وهل\.\.\. هل أخبرته؟" "لا\." قال ريتشارد ببرود\. "لم أخبره\. لأنه ليس وقته بعد\. لكنه سيعرف\.\.\. سيعرف كل شيء عندما تفتح أجنحته\." راينوس تقدم خطوة\. "إذًا، هل تعتقد هذا سبب بقائنا في القصر؟" ريتشارد ضحك بهدوء\. "لولا أنكما كنتم جزءًا من خطة اللورد أروفال لما تركتكما حيَّين منذ البداية\." صمت للحظة، ثم أضاف: "لقد ترككما هنا قبل أشهر لتراقبا نيل\.\.\. لتمنحاه المعززات حين يحين الوقت\. وأنا سمحت بذلك، لأنني أردت أن أرى، هل ستختاران الخيانة؟ أم الولاء لأختكما؟" ليستر همس: "وهل\.\.\. حان الوقت الآن؟" ريتشارد نظر نحو السماء حيث اختفت عربة أولاده\. "نعم\. أزرغيث استيقظ\. وأنا ذاهب لأقطع رأسه بنفسي\." ثم استدار، وكأن الحديث انتهى\. "ابقيا هنا\. ولا تعبثا بالقصر\. لأنني إن عدت ووجدت مقعدي مشقوقًا أو سريري مفكوكًا، سأرميكما في مملكة العناكب المجنونة\." وبخطوات بطيئة، مضى الإمبراطور، معطفه يتطاير خلفه، ونظراته تشتعل بنيران الماضي وسرّ الجنيات\.
rwzi_1