الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري

الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري

18 0

⛔️⚠️ تنبيه قبل قراءة الفصل: هذا الفصل قد لا يناسب بعض القرّاء، لذا يُرجى المتابعة بحذر\. الفصل يتناول علاقة أزرغيث وداريوس، بكل ما تحمله من سادية، تملّك، وقسوة… للتوضيح المهم جدًا: العلاقة بين أزرغيث وداريوس ليست علاقة حب — لا تطير نيتكم بعيد ، هذه علاقة مُعقدة بين سيدٍ مهووس وخادمٍ منكسر\. تحتوي على جوانب من العنف، السيطرة النفسية، الإذلال المغلف بالرعاية، والتعلق المرضي\. ما يبدو وكأنه "اهتمام"\.\.\. هو ببساطة وجه آخر للامتلاك\. كتبت هذا الفصل لأني أردت رسم صورة واقعية وداكنة لـ ملك شياطين يتجسد فيه الشرّ بكل أشكاله، دون تجميل أو تبرير\. رأيكم الصريح بالفصل يهمني جدًا، سواء أعجبكم أو لا، فأنتم مرآتي ومرجع قراراتي القادمة\. \-\-\- في القبو السفلي لقصر الظلال، حيث لا يصل ضوء ولا رحمة، كان الصوت الوحيد الذي يُسمع هو صدى السلاسل ووقع الخطى الثقيلة لملك الشياطين، أزرغيث\. وقف أمام داريوس، خادمه الوفي، الذي كان راكعًا، يلهث بأنفاس متقطعة، يداه مكبلتان، وجهه مُتسخٌ بالتراب والدم، وصدره يرتفع ويهبط من الإرهاق\. قال أزرغيث بصوت ناعم متناقض تمامًا مع نواياه: — "أتعلم، داريوس… كنت أفكر… أن صمتك بدأ يزعجني\." لم يمنح داريوس وقتًا للرد\. ركله فجأة في بطنه بقوة جعلته يرتطم بالحائط خلفه، فُسُمع صوت تحطم ضلعين على الأقل\. صرخة مبحوحة صدرت من داريوس، صرخة تحمل أكثر من ألم جسدي؛ كان فيها شيء من الانكسار\. ضحك أزرغيث — ضحكة مريضة مملوءة بالسادية\. — "آآه، هذا هو\! صوتك… يطربني، صغيري\." ثم اقترب منه، كأن شيئًا لم يكن، وجثا على ركبة واحدة، وبدأ يُمرر يده برفق على شعر داريوس المُبعثر، وكأن المشهد السابق لم يكن أكثر من حلم سيئ\. — "لكن أن تجرح بهذا الشكل؟ لا، لا يمكن أن أسمح بذلك… من سمح لك أن تُصاب؟ من سمح لك أن تتألم دون إذني؟" مرر يده على صدره المجروح، لتتوهج أنامله بطاقة سحرية حمراء دافئة بدأت تلحم العظام وتداوي النزف\. داريوس، رغم شدة الألم، لم يقاوم\. عينيه الممتلئتين بالدموع بقيتا مُعلقتين بوجه سيده\. كان يرتجف، لا من الخوف فقط، بل من شدة الارتباك… لأن في أعماقه، رغم كل شيء، لم يكن يكرهه\. أزرغيث همس وهو يربّت على شعره: — "أتذكر حين كنت صغيرًا، وكانوا يضربونك خلف ظهر والديك؟ أنا الذي قطعت أيديهم جميعًا… ثم قلت لك: ‘الوجع نعمة… حين يكون بيدي أنا فقط’\." ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تحمل من الرحمة شيئًا: — "صغيري داريوس… ستظل ملكي\. لحمي، ودمي، ودمعك… كلّها لي\." ثم فجأة، ومن دون سابق إنذار، صفَعه صفعة خفيفة على الخد وقال بلطف: — "لكن إن بكيت مجددًا دون إذني، سأخلع جلدك وألبسه وسادة، واضح؟" داريوس أومأ بصمت، فيما بدأت الدماء تتجمد في عروقه خوفًا… وولاءً\. في الأعلى، كان الحرس الشيطانيون يتجنبون النزول، وقد أغلقوا أذانهم عن كل ما يُسمع من الأسفل\. لا أحد يتحدى ملك الشياطين… لا أحد يعترض جنونه… لا أحد يلمس داريوس… سوى هو\. \-\-\- في عتمة القبو الملعون، حيث الرطوبة تخنق الهواء، والصمت لا يُكسر سوى بأنين داريوس، كان أزرغيث، ملك الشياطين، واقفًا أمام خادمه كما يقف العذاب متجسدًا في هيئة رجل جميل بجنون منفر، وعينين لا تنبضان إلا بالهاوية\. داريوس كان ملقى على الأرض، الدم يسيل من أنفه، وجوانب فمه، والقيود تشد معصميه خلف ظهره بقسوة\. ورغم أن أزرغيث قد عالج كسوره قبل دقائق… إلا أنه الآن يعيد تكسيرها بعنف أشد\. ركله مجددًا — هذه المرة في صدره — جعلت جسده يتلوى\. صرخ داريوس بصوت مختنق، فابتسم أزرغيث كمن يسمع لحنه المفضل\. — "كم أفتقد هذا الصوت عندما تغيب عني، داريوس\. صوتك يطمئنني\.\.\. يثبت أنني لم أفقدك بعد\." تقدم نحوه ببطء، ثم جلس على الأرض وجرّ داريوس من شعره ليرفع رأسه نحوه\. أمسك وجهه بكفيه كما يُمسك المرء شيئًا هشًّا، ثم مرّر إبهامه على وجنته المُلطخة بالدم والدموع\. — "لكنك ما زلت تُخفي نفسك عني\.\.\." مد إصبعه ببطء نحو الشريط الأسود الذي لطالما غطّى عيني داريوس\. داريوس ارتجف\. — "لا\.\.\." همس برجاءٍ ضعيف، لكن أزرغيث لم يُعره أي اهتمام\. تمزق الشريط\. سقط القماش على الأرض، وبانَت عينا داريوس البنفسجيتان — اللامعتان، الساحرتان، المختلفتان\. جميلتان… بشكل يثير غضب ملك الشياطين ذاته\. تسمرت عينا أزرغيث على عينيه، ولمع بريق الغضب والمرض معًا\. — "كم أكره هذا اللون…\!" تمتم بغضبٍ هادئ\. "عيونهم كانت هكذا… تلك الجنيات اللعينات… أختي، أغاثا… ذلك الكلب سايلاس…" ثم شدّ وجه داريوس نحوه بقسوة، جبهته تلامس جبهة خادمه الجريح، عينيه تشتعلان بجنون\. — "لكن أنت… أنت لست واحدًا منهم… أليس كذلك؟" — "أنا\.\.\. لستُ منهم، سيدي\.\.\." تمتم داريوس بصوت مكسور\. — "أنت لي\. مِلكي\. خادمي\. لعبتي\. وحدي\!" ثم رفع يده وصفعه بعنف على وجهه… ثم قبّل الخد ذاته كأنه يعتذر\. داريوس أغلق عينيه، وكأن المشهد أصبح أكثر من أن يتحمله\. — "افتح عينيك\!" صرخ أزرغيث فجأة\. — "سيدي…" — "قلتُ: انظر إلي\!" فتح داريوس عينيه\. لم يستطع أن يهرب\. أزرغيث تمعّن فيه، طويلًا، وكأن العيون البنفسجية تلك تبتلع روحه شيئًا فشيئًا\. ثم، في لحظة غريبة، بدأ يتنفس ببطء… هدأ… وابتسم\. — "هكذا… هكذا فقط… عندما تنظر إليّ، أنسى العالم\. لا أحد سواك يستحق أن أؤذيه… ولا أحد سواك أريده أن يبقى\." "انظر إليَّ فقط\.\.\. صغيري الذي لا يهرب" ثم احتضنه فجأة، شدّه لصدره كأنما يحتمي به من جنونه\. — "صغيري داريوس… لا تهرب… لا تدمع دون إذني… ولا تُغلق عينيك… أنت، نوري الوحيد في هذا الجحيم\." أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ يربت على شعره المتسخ: — "هل تؤلمك ضلوعك؟ دعني أصلحها مرة أخرى\. لا أريدك أن تُكسر… إلا بيدي\." وبينما داريوس يذوب بين الألم والارتباك والعاطفة المشوشة… كان في الأعلى، في قصر أورفال، ضوء النهار يسطع\. لكن في قبو ملك الشياطين… لا شيء يسطع سوى ظلمة لا تنتهي، وخادم لم يعرف من نفسه شيئًا… إلا ما أراده أزرغيث\. \-\-\- في قبو مظلم تعبق فيه رائحة الدم والجنون، هدأ صوت الصرخات\. لم يبقَ سوى تنفّس داريوس المتقطع، وهو يرتجف كغصن مكسور، جالسًا على الأرض، محاطًا ببرك دم كبيرة\. أزرغيث، ملك الشياطين، وقف بهدوء غير متوقع أمامه\. عيناه الحمراوان خمد فيهما البرق قليلًا\. وبحركة واحدة من يده، تحطّمت القيود المعدنية التي كانت تغلّف معصمي داريوس، تناثرت كأنها زجاج هش\. ثم جلس القاتل المجنون على ركبتيه، ومد يده ببطء نحو شعر داريوس، يربّت عليه برفق مفزع، وكأن من عذّبه للتو ليس هو\. — "داريوس\.\.\." نطق اسمه بنغمة منخفضة كأنها دعاء أو لعنة\. "طفلي الصغير\.\.\. من المؤسف أنك هش جدًا، لولا هذا\.\.\. لما تألمت بهذه السهولة\." رفع داريوس عينيه إليه، مرتبكًا، مرتعدًا\. فابتسم أزرغيث، ثم انحنى وحمله بذراعيه، كأنه كنز لا يُمس\. بدأ سحر العلاج يتغلغل في جسده، يُصلح العظام المكسورة والجلد الممزق\. أزرغيث لم يرفع عينيه عن وجهه، كأنّ في كل ندبة حكاية يعرفها وحده\. — "اذهب، واستحمّ\.\.\. وغيّر هذه الملابس المقززة\." تمتم وهو يربت على ظهره برفق\. لكنه لم يُنزل داريوس مباشرة، بل أمسك وجهه بين يديه بقوة مفاجئة، وقرّب وجهه منه حدّ الالتصاق تقريبًا\. — "وعينك هذه\.\.\." صمت قليلًا، ثم أشار إلى عينه البنفسجية\. — "غطّها مجددًا\. لا يحق لأحد أن يراها\. لا أنت\. لا أنا\. إلا عندما أسمح\." داريوس أومأ بخنوع\. أزرغيث أنزله أخيرًا، ودفعه بلطف للخروج\. — "هيا\.\.\. قبل أن أغيّر رأيي وأجعلك تمشي  شبه عاريًا إلى الحمّام\." استدار أزرغيث بعدها، وسار نحو عرشه، بثيابه السوداء الطويلة التي تجرّ خلفه كظلٍّ كثيف\. جلس، وأخرج أنبوب التدخين الأسود الخاص به، أشعله بسحر ناري خفيف، ونفث سحابة دخان حمراء في الهواء الملبد بالصمت\. أمسك كأسًا من النبيذ الداكن، وارتشف رشفة، ثم بدأ يهمهم بصوت خافت: — "عيناه\.\.\. تشبهانها كثيرًا\. ذلك اليوم\.\.\. عندما اختفت أغاثا، كانت تبتسم بنفس العيون\.\.\." ثم سعل ضحكة قصيرة، مجنونة، ورمى الكأس بجانب العرش، ليتحطم دون اكتراث\. — "أغاثا، أنتِ خائنة\. لكن ابنكم\.\.\. سيكون لي\. وسأكسر عينيه أيضًا إن وُلدتا مثلها\." وبين دخان النبيذ والهمهمات… جلس ملك الشياطين، على عرشه، كجراحٍ يعالج جرحه بالبكاء المسعور\. \-\-\- جلس أزرغيث على عرشه، والدخان البنفسجي يتصاعد من أنبوبه الطويل، بينما عينيه الحمراوان تنطفئان وتتّقدان كوميض البرق في العاصفة\. ارتشف جرعة أخرى من النبيذ، ثم أمال رأسه للخلف وأغمض عينيه\.\.\. الذكريات تسللت دون إذن\. "ذلك اليوم\.\.\." كان المكان قاعة العرش القديمة، وقد امتلأت بجثث متناثرة، لأجساد نحيلة بأجنحة شفافة، ملوّثة بالدماء\. رائحة رماد وسحر محترق كانت تسد أنف كل من دخل، إلا أزرغيث\. وقف وسط المجزرة، سيفه الأسود يقطر من دم الجنيات\. لم يكن قلبه ينبض وقتها بالحقد فقط، بل بشيء آخر\.\.\. الخيانة\. أخته، أغاثا، كانت الوريثة الشرعية للعرش\. أقوى منه، أعقل، أجمل\.\.\. لكنها خانت كل شيء حين هامت عشقًا بجنيّ حقير يُدعى سايلاس من سلالة أورفال \. وهربت معه\. تركت عرش الشياطين، وعرشه هو، بلا كلمة\. — "كانت ضعيفة\.\.\." تمتم وهو ينظر إلى أحد الجثث\. ثم تابع: "الحب يجعلهم حمقى\." لكن هناك جنيٌّ صغير كان لا يزال حيًا، صبي يرتجف خلف أعمدة القاعة، شعره الاسود يغطي نصف وجهه، وعيناه البنفسجيتان تتألقان بالدموع والذعر\. أزرغيث رفع سيفه\.\.\. ثم توقف\. — "أنت من سلالة القذر سايلاس؟" — "\.\.\.ن\-نعم\.\.\." — "إذًا\.\.\. ستكون الكفّارة\." داريوس\. لم يكن يعلم حينها لِمَ لم يقتله\. هل لأن عينيه تلك ذكّرته بعينَي أخته؟ أم لأنه أراد أن يُبقي تذكار الخيانة أمامه، حيًا، ذليلًا؟ — "جعلتك عبدي لأجل أن تتعذّب كل يوم، داريوس\.\.\. لتتذكّر\." لكن الوقت غيّره\.\.\. قليلاً\. كان داريوس صامتًا، مطيعًا، نظيفًا\.\.\. يذكّره بأخته من حيث لا يريد\. — "وها أنا، أضربك، أُهينك\.\.\. ثم أحملك كطفلٍ تائه\." تمتم أزرغيث وهو يبتسم تلك الابتسامة المتوترة، المشقوقة بالجنون\. نهض من عرشه فجأة، وصرخ في القاعة الخالية: — "لقد أبقيتك حيًا\.\.\. فقط لأني أردت أن أرى ملامحها وهي تتحطم فيك\! أغاثا\! هل تسمعين؟\!\!" صدى صوته ارتدّ على جدران القاعة كصوت مخلوق جريح\. ثم هدأ، كالعادة، فجأة\. تنفّس بعمق، جلس، وبدأ يهمهم مجددًا: — "داريوس\.\.\. أنت آخر الجنيات، آخر الوهم، آخر الخطايا\.\.\. ولن تخرج من قبضتي، لا حيًّا، ولا ميتًا\." ثم شرب\. وضحك\. وضرب الكأس على الأرض\. وجدران الجحيم صمتت، تنتظر أمرًا جديدًا\. \-\-\- في الزاوية البعيدة من القصر السفلي، خلف الأروقة الحجرية والستائر الثقيلة المعطرة بالبخور، كان البخار الكثيف يملأ حمام الملكي التابع لملك الشياطين\. قطرات الماء تنهمر من فتحات ذهبية في السقف، والحرارة تعبث بالأنفاس\. كان داريوس جالسًا على الأرض الرخامية، المياه تتدفق فوق جسده الهزيل، تلامس كدماته القديمة والجديدة، وتذيب شيئًا من وجعه\.\.\. أو تحركه\. أسند رأسه على الحائط، ورفع نظره إلى البخار المتصاعد، ثم تمتم بصوتٍ مخنوق: — "أيها الحمقى\.\.\. كنتُ مجرد خادم حتى وأنتم تبتسمون لي\." أصابعه تحركت ببطء عبر خصلات شعره الأسود، يبللها، يضغط عليها\. — "شعري\.\.\. لوني\.\.\. لعنة وُلدت بها\. لم أطلبها، لم أخترها\." كان شعره الأسود كارثة بين الجنيات ذات الخصل البيضاء ، والفضية\. كان شاذًا، غريبًا، وصمة في سجل نسبٍ يتفاخر بالنقاء\. — "أمي كانت تتظاهر بأنها لا تراني\.\.\. وأبي؟ كان يحدق بي كأنني حشرة تسللت لفراشه\." الدموع اختلطت بالماء، لكن حرارتها كانت مختلفة\. الدموع لا تخدع الجلد\. — "كانوا يهمسون دائمًا: ’ابن الخطيئة\.\.\. الجنيّ الأسود‘\.\.\." ثم عض شفتيه حتى نزف\. — "قالوا إنني أجلب الحظ السيئ\.\.\. قالوا إنني تلوث\! ولهذا\.\.\. أرسلوني\." أغمض عينيه وهو يتذكر\.\.\. ذلك اليوم\. كان يقف أمام عربة الوفد المغادر لمملكة الجنيات إلى الشياطين\. والدته تقف على الدرج، تمسك أخته الصغرى بحنان، بينما لم تلتفت نحوه\. — "اذهب مع الوفد، داريوس\. ستتعلم الكثير\." — "\.\.\.لكن متى أعود؟" — "حين تصبح نافعًا\." نافعًا؟\! كان طفلًا بعشر سنوات، يحمل حقيبة صغيرة وعينين كبيرتين ممتلئتين بالأسئلة\. لكنهم لم يكونوا يريدون عودته\. لم يكونوا يريدون وجوده أصلاً\. — "كنتُ طردًا بريدياً غير مرغوب فيه\.\.\. فأوصلوني للذبح\." ثم وضع يده على صدره العاري، مكان الضلع المحطم حديثًا\. — "لكني نجوت\.\.\. أو لم أنجُ؟" ضحكة حزينة خرجت من بين شفتيه، ثم قهقه فجأة، وهو يركل الماء أمامه كطفلٍ غاضب\. — "وها أنا الآن\! خادم ملك الشياطين\! الصبي الذي بقي حيًا فقط لأن سيد الظلام أراد لعبة حية تشبه أخته الخائنة\!" ثم بدأ يبكي بصوتٍ أعلى، ركبتاه إلى صدره، وهو يهمس: — "أنا لستُ لعبة\.\.\. لست خيانة\.\.\. لست ظل أحد\.\.\." لكنه لم يُنهِ الجملة\. بل انخفض صوته حتى عاد مجرد شهقة\. في تلك اللحظة، وقف أمام المرآة البخارية، يحدق في انعكاسه المشوش، ومد يده نحوها\. — "لو كنتُ جنيًا حقيقيًا\.\.\. لما انتهى بي الحال هنا\." ثم تراجع ببطء، وسحب المنشفة حوله، قبل أن يهمس: — "سأغطي عيناي\.\.\. كما أمرني\.\.\. لكني أقسم، يا أزرغيث\.\.\. يومًا ما، سأجعل نظرتي الأخيرة تحرق قلبك\." ثم خطا خارج الحمام، بينما البخار ما زال يلف المكان\.\.\. كذكرى لا تمحى\. \-\-\- في الممرات الباردة المؤدية إلى عرش ملك الشياطين، كان داريوس يسير ببطء، رأسه منخفض، وقطرات الماء ما تزال تتساقط من خصلات شعره الداكن، رغم أنه ارتدى ملابسه الجديدة بعناية\. القماش الحريري الأسود المطرز بخيوط قرمزية لم يُخفِ آثار الضرب التي تسللت من بين الياقة والأكمام، لكنه بدا أكثر انضباطًا من أي وقت مضى\. أنفاسه كانت ثابتة\.\.\. تقريبًا\. عند مدخل القاعة الكبرى، وقبل أن ينطق، جاءه الصوت العميق، الساحر، المشوب بجنون هادئ: — "اقترب، صغيري المشاغب\.\.\." رفع داريوس عينيه ببطء\. كان أزرغيث جالسًا على عرشه، ساق واحدة ممددة، والأخرى معقوفة، وذراعه متكئة على المسند\. في يده كأس نبيذ، وفي عينيه ذلك البريق المجنون المعتاد، المتقلب بين الحنان والعنف، بين اللهب والجليد\. — "تعال\. لا أجيد النداء ثلاث مرات\." قالها بابتسامة خافتة، يشير له أن يقترب\. اقترب داريوس بصمت، خطواته خفيفة كأنها تحاول ألا تثير انتباه الغضب النائم في القاعة\. وفور وصوله، سُحب برفق مفاجئ إلى حجر العرش، وجلس في حضن أزرغيث كما لو أنه مجرد طفل صغير عائد من المدرسة، لا عبد ملكٍ مجنون\. — "هممم\.\.\." همهم الملك وهو يضع ذراعه حوله ويبدأ يربت على شعره المبلل\. — "أخبرني، داريوس\.\.\." قال بصوت هادئ بشكل مريب، "\.\.\.كم مرّة بكيت في الحمام؟" شدّ داريوس قبضته على ردائه، وجهه لا يجرؤ على الالتفات\. — "لم\.\.\. لم أبكِ\." ضحك أزرغيث، ضحكة قصيرة، كأنها تصفيق من يد واحدة\. — "كاذب\." ثم أمسك بذقنه ورفع وجهه نحوه، ينظر مباشرة إلى عينيه المغطاة بالشريط الأسود، ابتسم بسخرية وقال: — "حتى وأنت تعمى نفسك، لا تزال مشاعرك تشع من جلدك\.\.\. صغيري المشاغب\." — "أنا لست صغيرًا\." تمتم داريوس بصوت خافت\. لكن أزرغيث ضحك مجددًا، هذه المرة أعمق، وأشد سخرية\. — "أوه، لكنك كذلك\. هل نسيت أنك لي؟ أنا من قررت حجمك، دورك، ومتى تنام ومتى تنهض\.\.\. ومتى تبكي\." ثم أمسك بكأس النبيذ، شرب رشفة طويلة، وتركه على الطاولة المجاورة\. أدار داريوس بلطف نحوه، وبدأ يمسح على شعره بإيقاع هادئ: — "تقول إنك لم تبكِ، لكنني سمعت تنهدات الحمام\. هل كنت تغني؟" داريوس، رغم كل شيء، لم يستطع كبح دمعة صغيرة أفلتت دون استئذان\. — "أغني\.\.\. لنفسي فقط\." أزرغيث قربه أكثر، حتى أصبح رأس داريوس على صدره مباشرة، وبدأ يتمتم: — "سأدعك تغني لي أيضًا\.\.\. لكن أولًا، أخبرني يا داريوس\.\.\." ثم انحنى على أذنه وهمس بصوت مخملي مشوب بالجنون: — "ما الاسم الذي تحب أن أناديك به\.\.\. حين تبكي في الحمام؟" داريوس تجمد للحظة، ثم تمتم: — "\.\.\.لا اسم\." — "خطأ\." قال أزرغيث وهو يشدّه إليه بشدة مفاجئة حتى كاد يسحقه، "الصغار الذين يبكون يجب أن يكون لهم اسم خاص\.\.\. مثل\.\.\. 'لعبتي المحطمة'؟ أو\.\.\. 'قلبي الثاني'؟" ثم، كما لو أن النيران في عروقه هدأت، همهم بلطف وهو يداعب شعره: — "لكنني لن أختار الآن\.\.\. سأراقبك الليلة\.\.\. وأقرر بناءً على البكاء القادم\." صمت يسود المكان\.\.\. ثم همس داريوس، بصوت مكسور: — "\.\.\.هل ستؤذيني مجددًا؟" أزرغيث ابتسم، ووضع قبلة خفيفة على جبينه\. — "لا اليوم\. لقد بكيت بما فيه الكفاية\.\.\. اليوم، سأحتفظ بك دافئًا\.\.\. في حضني فقط\." ثم أدار وجهه نحو القاعة، وقال: — "لكن غدًا؟ لا اعد بشيء، يا صغيري\." \-\-\- كانت القاعة قد غرقَت في صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى طقطقة النار في الموقد العتيق، وتنهدات خافتة تقطعها أنامل تتحرك برفق غير متوقع\. جلس أزرغيث على عرشه، وداريوس بين ساقيه، ظهره مستند إلى صدر الملك، وعيناه نصف مغلقتين من التعب والسكينة المريبة\. كانت يد أزرغيث تعمل بهدوء على تجفيف شعره الطويل بمنشفة حريرية داكنة، يتحسس الخصلات بلطف يناقض كل ما فعله قبل ساعة فقط\. — "داريوس\.\.\. داريوس\.\.\. داريوس\.\.\." همس الاسم مرارًا، كل مرة بنغمة مختلفة: مرة بإعجاب، مرة بشفقة، ومرة بنغمة المالك الذي يعد كنزه\. ثم بدأ يمشط شعره بأصابعه، يتأمل خيوطه السوداء المتشابكة قبل أن يبدأ بتضفيره بمهارة واضحة\. — "كنت دومًا الطفل المختلف، أليس كذلك؟ ذلك الغريب في بيت من الضوء\.\.\. شعر أسود كالفحم بين خيوط الذهب، وعينان تفضحان خزيهم\.\.\. لم يكن لك مكان بينهم، هاه؟" تمتم أزرغيث وهو يسحب خصلة ويبدأ جديلة جديدة\. داريوس لم يرد، لكنه انكمش قليلاً، كمن يحاول أن يختفي داخل جلده\. تابع أزرغيث بهمس حاد، صوته يمتزج بذكرى تحترق في داخله: — "أتذكر عندما جاء وفدهم إلى مملكتي؟ كانوا بسطاء، مزهوين بجمالهم المتأنق\.\.\. لكنهم جلبوك معهم كقربان صامت\. طفل لا يشبههم، لا يتكلم، لا يجرؤ حتى أن ينظر\.\.\. كأنهم رموك في فمي\." ابتسم، وهو ينهي الضفيرة ويبدأ في ربطها بشريط أحمر داكن، ناعم كالدم الطازج\. ثم ببطء، رفع ردائه عن ظهر داريوس، وبدأ يتأمل آثار الجلد والضربات القديمة التي رسمها بنفسه ذات ليلة غضب\. — "هذه\.\.\." لمس ندبة طويلة بخفة، "نقشتها حين أخطأت اسمي، أتذكر؟ قلت 'سيدي' بدلاً من 'مولاي'\.\.\. كم كنت حساسًا حينها\." ثم ضغط بكفه على أحد الكدمات القديمة، لكن هذه المرة بشعور مختلف\. مانا حمراء سرت من يده إلى الجرح، تعالجه ببطء، توهج الجرح وتلاشى\. — "أنت لا تعرف، أليس كذلك؟ كم من مرة كدت أقتلك، فقط لأنك تشبهها\.\.\." داريوس فتح عينيه، وجسده ارتعش\. — "آغاثا\.\.\." نطق الاسم كأنه لعنة\. أزرغيث أكمل وهو يتنقل بين الندوب، يعالجها واحدة تلو الأخرى: — "كانت أختي\.\.\. وريثة العرش، الشيطانة الأذكى، والأجمل، واللعينة التي خانتنا جميعًا\. هربت مع ذلك الجني، سايلاس\.\.\. وكأنها بصقت في وجه النار التي ولدتنا\." ثم همس وهو يسند ذقن داريوس بيده الأخرى: — "لكنهم كانوا أعداء دائمين، الجنيات\.\.\. نحن الشياطين نتكون من غضب، وهم من نفاق\.\.\. النور الذي يبتلعك حتى تخنق نفسك فيه\." داريوس ارتجف، لكن أزرغيث سحب جسده إليه مجددًا\. — "أنت مختلف، داريوس\.\.\. أنت الجني الذي بقي\. الجني الذي احترق، وذاب، وأصبح لي\. أعدك\.\.\. لا أحد سيجرؤ على نبذك بعد الآن\." ثم، كأن الجنون يعود، ضحك بهدوء وهمس في أذنه: — "لأنني سأجعلهم كلهم يحترقون لأجلك، صغيري المشاغب\." داريوس أغلق عينيه، لا يعلم هل يرتجف من الخوف، أو من تلك الراحة الغريبة التي يجلبها ألم مألوف\. وفي مكان آخر، حيث لا تصل النار\.\.\. كانت الحرب على وشك أن تبدأ\. \-\-\- كان أزرغيث قد استلقى أخيرًا على عرشه الأسود، قدماه تتدليان من جانب واحد، وكأس النبيذ يتمايل بين أنامله بينما أعمدة الدخان الرمادي تتصاعد من غليونه المصنوع من عظم تنين صغير\. ظلال الحمم التي ترقص على الجدران أعطت القاعة هيئة مذبذبة، كأنها تنبض بجنون مالكها\. — "اذهب للنوم، صغيري المشاغب،" قالها وهو يمسح خصلة من شعر داريوس، وابتسامة صغيرة، شبه بشرية، تلمع على شفتيه\. — "غدًا سأريك شيئًا\.\.\. شيئًا لن تنساه\." داريوس أومأ بهدوء، وجهه لا يزال متوردًا من آثار القرب واللمسة، وعيناه نصف ناعستين، يحمل مزيجًا بين الحذر، والانتماء المشوَّه\. خرج من القاعة بخطوات خفيفة، وندوب ظهره تعكس في ضوء المشاعل كخرائط حروب قديمة\. \-\-\- في الممر الحجري الطويل المؤدي إلى الأجنحة الخاصة، كان الصمت يخيم على المكان، حتى بدأ يقترب من منطقة الحرس الجدد، أولئك الذين لم يُبلغوا بعد عن "من يكون هذا الفتى ذو الشعر الأسود الذي يتجول كأنه أمير في قصر الجحيم"\. أحدهم، شاب ضخم بقرنين ملتويين، أشار بسخرية: — "أنت\! من سمح لك بالتجول هنا؟" داريوس توقف، ولم يجب\. — "صامت؟ ألا تسمع أوامرنا؟\! هل تظن نفسك فوقنا؟" ثم دون سابق إنذار، دفعه أحد الحراس بعنف إلى الجدار، وارتطم رأس داريوس بالحجر\. — "فليكن درسًا\.\.\. لمن ينسى موقعه\!" بدأ الضرب\. ركلات في البطن، وصفعات على الوجه، وشد لشعره المتدلي، دون رحمة\. داريوس حاول أن يحمي رأسه، لكنه كان ضعيفًا، والجروح التي لم تلتئم بعد كانت تنزف من جديد\. ثم— صرخة مكتومة خرجت منه\.\.\. أنين ألم حاد\.\.\. قصير\.\.\. ضعيف\.\.\. لكنه وصل\. في القاعة البعيدة، عند العرش، توقف أزرغيث عن التنفس لثانية\. ذلك الصوت\. تلك النبرة\. ذلك الأنين تحديدًا\. رفع رأسه فجأة، عروقه نبضت كأنها تستدعي غضب العصور\. كأس النبيذ تحطم تحت قبضته، والزجاج انغرس في راحته، لكن الدم لم يكن مهمًا\. — "\.\.\.داريوس؟" همس الاسم كأنما استُدعي به شيطان قديم\. وفي لحظة، كان قد اختفى\. \-\-\- في الممر، الحراس كانوا يضحكون، أحدهم قال: — "ضعيف كالقمامة التي تُكنَس\.\.\. كيف بقي على قيد الحياة أصلاً؟" لكنهم لم يكملوا الجملة\. صرخة أخرى\.\.\. هذه المرة، لم تكن من داريوس\. كانت من أحد الحراس، الذي فجأة تقطع جذعه نصفين، ولم يُعرف كيف أو متى\. ظهر أزرغيث في الظلال، عينيه مشعتين بهالة حمراء داكنة، وصوته منخفض لكنه يهز الجدران: — "أيها الحثالة\.\.\. من لمس ناري؟" حاول أحدهم أن يتحدث، أن يشرح، أن يهرب\.\.\. لكنه احترق قبل أن يهمس حرفًا\. كان أزرغيث لا يتحرك، فقط ينظر، ومع كل من تسقط عليه عيناه، يحترق رأسه أو ينفجر قلبه أو يتبخر عظم ساقه\. خلال ثوانٍ، تحولت الممرات إلى مقبرة حمراء\. ثم، وسط الجثث، ركض أزرغيث نحو جسد صغير متكوم، ينزف\. — "داريوس\.\.\. صغيري\.\.\. هل آذوك؟ هل\.\.\. أفسدوا شيئًا؟" صوته ارتجف، ويداه المرتجفتان أمسكتا الطفل بين ذراعيه كما لو كان عصفورا سقط من السماء\. داريوس شهق، ونظر إليه بعين واحدة مفتوحة بصعوبة\. — "أنا آسف\.\.\. لم أرد أن أزعجك\.\.\." أزرغيث لم يرد\. فقط ضمّه إليه بعنف، وصوته كان أشبه بزئير بركاني: — "من يزعجك\.\.\. سيموت ألف مرة\. سأحفر أسماءهم على جدران الجحيم وأجعل الشياطين يبصقون عليهم\." ثم رفعه بين ذراعيه، وسار نحو جناح العلاج، وظهره مغطى بدم من ليس له أهمية\. وفي عينيه\.\.\. وعدٌ لا يُغفر\. \-\-\- كان صرير الباب المعدني الثقيل يعلن عودة أزرغيث إلى جناح داريوس، الأرض لا تزال مبتلة ببقع دم جافة، والهواء مشبع برائحة النحاس، لكنه لم يهتم، كل ما رآه أمامه هو جسد صغير يرتجف على الفراش الحريري\. "صغيري\.\.\." همس بصوتٍ أخمد غضبه مؤقتًا\. اقترب بخفة غريبة لا تليق بملك شياطين، جلس بجانبه، وبدأ يزيل قطعة القماش الممزقة عن جسد داريوس\. الندوب الجديدة انضمت إلى خارطة قديمة محفورة على جلده كأنما الجحيم قد طبعته بذكرياتها\. أخرج أزرغيث قارورة سوداء، وسكب من سائلها السميك فوق الجروح، بينما يهمس: — "أنت ناري، من يلمسك كأنه لمس قلبي بيد قذرة\.\.\. هل فهمت؟" داريوس لم يجب، فقط أغلق عينيه بألم مكتوم\. أزرغيث تأمل ملامحه الصغيرة، ثم فجأة صفعه بخفة على الجبين، وقال بنبرة حادة: — "أحمق\! لمَ لم تنادِني؟\! أنت تعرف أنني سأُحرق العوالم من أجلك\.\.\. ومع هذا، تسكت؟" داريوس تمتم، متلعثمًا: — "ظننت أنك\.\.\. نائم\." صمت لثوانٍ، ثم ضحك أزرغيث ضحكة غليظة حادة، وقال: — "أنا لا أنام يا داريوس\.\.\. النار لا تنام\!" ثم حمله من جديد، وسحبه إلى حضنه، يداه تمسحان شعره برقة لا تليق بجنون نيرانه\. بدأ يسرّح خصلاته السوداء بأصابعه ثم جدلها في ضفيرة بسيطة، وصوته يروي: — "حين كنت صغيرًا\.\.\. كان من يلمس لعبتي يُشنق\. وأنت الآن\.\.\. لست لعبة\. أنت ناري\." داريوس همس، بنبرة خجولة: — "أتعني\.\.\. أنك\.\.\. تحبني و ستتركني؟" أزرغيث نظر إليه، ابتسامته كانت مرعبة وحنونة في آنٍ، ثم قال: — "الحب لا يُكفي، أنا مهووس بك\. مَن يؤذيك؟ مَن يخدشك؟ من ينظر إليك بغير إذني\.\.\. يحترق\." ثم وضعه بهدوء تحت الأغطية، وقبّل جبهته وهمس: — "نم، صغيري\. الآن دوري\." \-\-\- في القبو السفلي، حيث الرطوبة تعانق الجدران، والسلاسل تتدلى كأفاعٍ نائمة، دخل أزرغيث كإعصار من الظلام\. حراس الشياطين الجدد الذين تجرؤوا على ضرب داريوس كانوا مكبلين، بعضهم يصرخ، بعضهم يبكي، وبعضهم يقاوم كذبًا\. أزرغيث لم يتحدث\. فقط أخرج سوطًا من نار سوداء\. وسار أمامهم كقاضٍ لا يعرف الرحمة\. ثم قال، بصوت بارد: — "من يلمس ناري\.\.\. يُحكم عليه بالاحتراق من الداخل\." أول صرخة خرجت بعد ثانية فقط، عندما اشتعل جلد أحدهم دون سبب واضح، ثم تبعها آخر، وعويل، وصراخ، ودعوات بالمغفرة، لكن عيني أزرغيث لم ترفّ\. أمسك برأس أحدهم، وسحب روحه من عينيه، ثم همس: — "لقد استغرق منك  جعل هذا الطفل يبكي يومًا كاملًا\.\.\. سأجعلك تبكي ألف عام\." بدأ يتلو تعاويذ بلغة مفقودة، وتحولت الغرفة إلى مشهد من الجحيم نفسه\. الصراخ لم يعد إنسانيًا، بل أشبه بأنين أرواح تُسلخ من أعماقها\. وفي النهاية، وقف أزرغيث وسط الدخان والنار، قطرات من الدم تتساقط من أطراف عباءته، وابتسامة باهتة ترتسم على وجهه\. — "نام بسلام يا داريوس\.\.\. لم يعد هناك مَن يؤذيك\." \-\-\- جلس أزرغيث على عرشه المرتفع، ساقاه تتدليان بشكل متقاطع، في يده كأس نبيذ داكن بلون الدم الطازج، واليد الأخرى ترفع سيجارًا أسود تتصاعد منه أدخنة خضراء متراقصة، تلتف في الهواء وتتشكل كأنها أرواح تصرخ\. كان يضحك بهمس، ضحكة لا تنتمي للبشر، لا حتى للشياطين\. – "أه\.\.\. صغيري المشاغب\.\.\. كم أحب أنينه\. كأنه يعزف على أوتار الجنون داخلي\.\.\." همس وهو يغمض عينيه، يستنشق دخان سيجاره ثم يخرجه ببطء، ممزوجًا بكلمات مختنقة: – "آه، صوت البكاء\.\.\. الانكسار\.\.\. والرجفة تلك\.\.\. إنها سيمفونية من نوع خاص\." وضع الكأس على ذراع العرش، ثم مالت شفتاه بابتسامة مشوهة بنرجسية مطلقة، وهو يحدّق في انعكاس وجهه على سطح النبيذ: – "انظر إليّ… شيطان كامل\. وجه منحوت من فوضى ، عينان تتلألآن كالنار الملكية\.\.\. آه، يا داريوس، هل تدرك كم أنا جميل؟" صمت، ثم انفجر ضاحكًا فجأة، ضحكة طويلة مجنونة جعلت الجنود بالخارج يتجمدون في أماكنهم\. ثم أردف، كأنه يرد على شخص غير موجود: – "أجل، أجل\! أنا أسمعك\. تقول إنني مجنون؟ كلا، أنا ببساطة… أكثر وعياً من أن أكون طبيعيًا\. أنا أزرغيث\. أنا من أحرق سبع ممالك لأجل صرخة واحدة منه\." ثم أعاد السيجار لفمه، وبدأ يهمس وهو يغرق بذكرياته: – "أتذكر أول مرة رأيته فيها\.\.\. بين ركام الوفد الجنيّ، كان يختبئ خلف جناح محترق\.\.\. شعره مبلل، وجهه مغطى بالرماد، لكنه\.\.\. نظر إليّ\." شرب رشفة طويلة، ثم أغلق عينيه وقال بنبرة شاعر مهووس: – "كانت تلك النظرة\.\.\. لا خوف، لا تحدي\.\.\. فقط، استسلام تام\. آه، كيف أحببت ذلك\! لم يركض، لم يبكِ، فقط\.\.\. انتظرني أن أقتله\. لكنه لم يمت\." نفض رماد السيجار، ثم صرخ فجأة: – "لأنه لي\! كان لي منذ اللحظة التي نفض فيها رماد الجنيات من على جبينه\!" ثم خف صوته ثانية، وهو يعاود التدخين: – "كنت سأقتل الجميع\.\.\. وهذا ما فعلته\. لم أترك طفلاً، لا أنثى، لا شيخًا\. فقط هو\. جميل بلون خطيئة\." بدأ يمسح على ذراعه، كأنها داريوس الصغير، يتمتم: – "إنه ضعيف، هش\.\.\. وأنا، أنا من يمنحه القوة\. من دوني، هو مجرد خردة جنيّة متكسرة\." ثم وقف فجأة، وسار حول العرش بخطوات بطيئة، يعبث بخصلات شعره بيده، ثم صاح كأن العالم كله يسمعه: – "أنا الملك\! أنا  الذي اختار لي عبدا ، من أنتم لتنتقدوني؟\! إنه يبكي من أجلي، ينكسر من أجلي\.\.\. لأنه يعرف\.\.\. أنا وحدي من سيعيد بناءه\. بيديّ\.\.\. وبناري\!" عاد إلى العرش، جلس بصوتٍ ثقيل، أطلق تنهيدة طويلة وهو يرمق الكأس الفارغ: – "صوت بكائه يشبه الأغاني القديمة\.\.\. تلك التي نُسيت منذ أن طُردنا من النور\." همهم كلمات غير مفهومة، ثم ارتشف آخر ما تبقى في الكأس، ومال برأسه للخلف: – "غدًا\.\.\. سأشتري له لعبة جديدة\. وأقطع يد من يلمسها\." صمت لثوانٍ، ثم تمتم بخفوت مجنون: – "هل سيبكي من أجلي الليلة؟ أتمنى ذلك\.\.\. كم أشتاق لصوت احتراقه الصغير\.\.\." صمت المكان\. حتى الأنفاس توقفت\. في هذا العرش\.\.\. لا يجلس ملك\. بل نارٌ تتنفس، وتحب\.\.\. وتحرق\. \-\-\- كان الليل قد خيّم على قلعة الجحيم، والظلال الطويلة تزحف على جدرانها السوداء\. أزرغيث، الذي نفض رماد السيجار الأخير، كان يهمّ بالعودة إلى جناحه، خطواته تتردد في الممرات الهادئة، كأنها صدى جنون يمشي على قدمين\. لكن، وهو يمر بجانب أحد الأجنحة، توقف فجأة\. "أه\.\.\." صوت أنين خافت، هش، كأن من أطلقه لا يملك القوة حتى ليصرخ\. كان مألوفًا له\.\.\. بشكل مزعج\. داريوس\. جفلت عينه اليسرى، وخطوته توقفت\. للحظة، لم يتحرك\. ثم استدار ببطء نحو الباب، كأنه صائد يشم رائحة فريسته المفضلة\. فتح الباب بصمت، عينيه تتوهجان بلون الدم\. داريوس كان مستلقيًا على السرير، يتلوى من الحمى، وجهه شاحب وقطرات العرق تتصبب من جبينه، شفتاه ترتجفان من الألم\. اقترب أزرغيث ببطء، وعيناه لا ترمش\. – "صغيري\.\.\." همس، بصوت مبحوح، يكاد لا يكون بشريًا\. جلس على حافة السرير، مدّ يده ولمس جبين داريوس\.\.\. كان يحترق\. أنين آخر خرج من شفتي الجنيّ الصغير، جعل عيني أزرغيث تتسعان أكثر\. ثم\.\.\. فجأة، ابتسم\. ابتسامة خطيرة، مزيج من الحنان والهوس\. – "آه\.\.\. هكذا إذًا، أنت تبكي من دوني؟ تتألم\.\.\. بدوني؟" مال بوجهه حتى صار أنفه يلامس خد داريوس، وهمس كأنما يعترف بسر شيطاني: – "هل تعلم أن صوتك حين تتألم يجعلني أرغب\.\.\. في تمزيق العالم؟" ثم جلس معتدلًا، وخلع سترته، بدأ ينزع الأغطية عن داريوس برفق، وكأنه يتعامل مع قطعة أثرية لا يجب خدشها\. – "من فعل بك هذا؟" صوته كان ناعمًا، لكن تحته نارًا تهدر\. بدأ بلمس جسده بحثًا عن مصدر الألم، وكلما لمس موضعًا أطلق داريوس أنينًا، يتشنج، وعيناه مغلقتان بشدة\. – "حرارتك مرتفعة\.\.\. حبيبي الصغير\.\.\. أيها الجنيّ المكسور\.\.\. كيف تجرؤ على السقوط دون إذني؟" لم ينتظر\. وضع يديه على جسد داريوس، وبدأ يضخ المانا الخاصة به، مانا داكنة، راقصة، مجنونة كصاحبها\. أحاطه بدفء خانق، وبدأ الألم يتراجع\. لكن أزرغيث لم يتوقف عند ذلك\. بدأ يتمتم كلمات بلغة ميتة، لعنات وشعائر، وأخذ يمسح العرق عن وجه داريوس، يمشط شعره المبلل، يقبّله على جبينه مرارًا\. – "أنت لي\. ملكي\. أنا من يكسر، أنا من يعالج\. لا يلمسك أحد\.\.\. لا أحد\.\.\. إلا أنا\." ثم نظر إليه طويلاً، وجثا على الأرض بجانبه، وأسند رأسه على صدره، كأنه يحرسه\. – "لو ماتت تلك الحمى، كنت سأمزقها وأشويها بنفسي\.\.\. فقط لأني سمعتك تتألم، بدوني\." ظلّ جالسًا هناك، يراقب كل نفس، كل رعشة، وعيناه لا تغمضان\. لم يكن ذلك حبًا\.\.\. بل شيء أعمق\. شيء وحشي\.\.\. مقدّس\.\.\. ومرعب\. \-\-\- جلس أزرغيث على سرير داريوس، يمدّ ذراعيه ويطوق الجسد النحيل بنعومة مخيفة، كأن ذراعيه ليستا إلا أفعى ملتفة حول كنزها الثمين\. رفع داريوس من على الوسادة، وأسنده إلى صدره ، واضعًا رأسه أسفل ذقنه مباشرة\. – "شـشـش\.\.\. لا تصدر صوتًا، صغيري المشاغب\.\.\." قالها وهو يربّت على ظهره برفق لا يُصدق أن صانعها هو ذات اليد التي هشمت أضلاع حارس قبل ساعات\. بدأ يهزّه ببطء، تمايل خفيف، كأن داريوس طفل صغير يحتاج لمن يهدهده لينام\. ومع كل هزّة، كان يضخ ماناه في جسد الجني، مانا قاتمة لكن دافئة، تتسلل إلى كل خلية وتعيد ترتيب الألم فيها\. صوت تنفس داريوس المضطرب بدأ يهدأ، أنينه انخفض، لكنه لم يغب عن سمع أزرغيث\. عيناه الضيقتان تلألأتا بجنون بارد\. ابتسامة صغيرة شقّت وجهه\. – "كنت تئنّ\.\.\. وحدك\.\.\. وأنا هنا؟" شدّه أكثر، حتى التصق الجسد الضعيف بقلبه\. – "هل تحاول معاقبتي؟ هل تعتقد أنك تستطيع إخفاء ألمك؟" ضحك، ضحكة قصيرة، ثم همس في أذن داريوس وكأنها اعتراف مُخيف: – "تلك الحركات الصغيرة\.\.\. الارتجافات\.\.\. الشهقات التي بالكاد تُسمع\.\.\. كلّها لي\." مرر أصابعه داخل شعر داريوس وبدأ يربّت عليه بلطف مريب، كأنه يروض وحشًا، أو طفلًا على وشك الانهيار\. – "لكنك أخطأت، داريوس\." تبدلت نبرته بلحظة، أصبحت أعمق، أكثر جنونًا\. – "حين تتألم، يجب أن تصرخ اسمي\. تناديني\. تركض إليّ\.\.\. وتبكي في حضني، تفهم؟" ثم فجأة، شدّه إليه أكثر، حتى كاد يخنقه بحضنه الحامي والمخيف معًا\. – "سأعاقبك، لأنك لم تفعل\." همسها برقة، لكن الشر كان يقطر من كل كلمة\. بدأ يتخيل العقاب\.\. – "لا أحد يلمسك\. لا أحد يسمعك\. حتى آهاتك\.\.\. يجب أن تكون لي فقط\." ثم قبل جبينه مجددًا، وضغط على خصره برقة\. – "صغيري المشاغب\.\.\. ما زلت تصدر صوتًا أثناء النوم\. تظنني لا أسمعك؟" ضحك، ثم رفع رأس داريوس قليلًا لينظر إليه وهو نائم\. – "أقسم، لو لم تكن بهذا اللطف حين تتألم، لكنت قتلتك من زمان\." عاد ليحتضنه، عينيه تلمعان بنار لا تطفأ، بينما عقله يغرق في جنون  والتملك، وفي قلبه نبض مريض يتمتم: "أنتَ لي\. كلّك لي\. ولا حقّ لأحد بك\.\.\. حتى نفسك\."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"الأمير الكسول يرفض البطولة!"

المؤلف rwzi_1
2025/07/12 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: بداية غير مرغوبة
2025/07/12
الفصل 20: تاريخ يتكرر!!!
2025/07/13
الفصل 21: ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر
2025/07/13
الفصل 22: طاغية يستمتع ... في تعذيبي !!
2025/07/13
الفصل 23: زواج الأرنب...و دموع جنيات
2025/07/13
الفصل 24: الموكب الملكي... بين الأرنب والسنجاب والسهم الوردي
2025/07/13
الفصل 25: الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري
2025/07/13
الفصل 26: ليس مجددا التنين .... و الفراغ!!
2025/07/13
الفصل 27: أجنحة رماد و دماء جنيات
2025/07/13
الفصل 27: سقوط الفأر....وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 28: سقوط الفأر وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 29: شيفرة الخيانة... ونبض إليانورا الأخير
2025/07/13
الفصل 30: الصغير و المجنون
2025/07/13
الفصل 31: حاجز من جحيم .....وعقاب الارنب
2025/07/13
الفصل 32: حين قرر الأرنب أن يقفز من سريره... فوق رؤوس الجميع!
2025/07/13
الفصل 33: سيف، عناق، و50 جنيّة غاضبة
2025/07/13
الفصل 19: شيطان في خدمتك ؟
2025/07/13
الفصل 18: أمي ؟
2025/07/12
الفصل 17: أبي يفضل الأرنب
2025/07/12
الفصل 2: صباح كارثي
2025/07/12
الفصل 3: النظام وصدمة الكبرى
2025/07/12
الفصل 4: عودة الأخ... الأكبر مكبرة جدا
2025/07/12
الفصل 5: الأرنب الملكي في ورطة ملكية
2025/07/12
الفصل 6: زفاف الملكي للارنب المتمرد
2025/07/12
الفصل 7: هل غيرت رواية دون أن أدري ؟
2025/07/12
الفصل 8: راين متجسد !!!!!!
2025/07/12
الفصل 9: ألارنب الملكي في جولة !
2025/07/12
الفصل 10: عائلة ڤالينثرا
2025/07/12
الفصل 11: حفلة ملكية على شرف الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 12: حفلة تعذيب؟
2025/07/12
الفصل 13: مهمة إنقاذ الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 14: عودة أدريان هل هذا سيء ؟
2025/07/12
الفصل 15: أذهبوا إلى الجحيم ؟!
2025/07/12
الفصل 16: صراع الأرنب والديك
2025/07/12
الفصل 34: أنا أريد الحلوى... لا البطولة
2025/07/13

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة