============
كل ما بها كان ساكن ، وكأنها قد تجردت من كل ما بداخلها من مشاعر ، كأن كل دارات تشغيل دماغها قد سمحت لها بأخذ راحة بعد عناء طويل ..
ووسط كل ذلك السكون و العتمة كان هناك خافق خافت يخترقها ، و لسبب ما بدا لها دافئاً و يشبه شمعه أمل صغيرة وسط ما كانت فيه من ظلام ..
فتحت عينيها رمشة تلو الأخرى و اتضح كل شي لها ، ضوء الصباح الذي يصطدم بالستائر و غرفة النوم التي كانت بها ، و النبض الذي كانت تستمع إليه ما هو إلا قلب خالد الذي يضمها إليه بشكل كبير و مريح حتى تسترخي أكثر في نومها ..
كان رأسها يتكىء على صدره قرب كتفه الايسر و إحدى يديه تلف خصرها من الخلف و كأنها تحميها و الأخرى كانت تمسك يدها الموضوعه داخل حجرها ..
وضعية غريبه لكن السؤال هو لماذا ؟
لماذا هي بهذه الوضعية ؟
ماذا حدث ليبدو احتضان خالد لها و كأنه خائف عليها ؟
ومع أن ذكريات البارحه زارتها الا أنها كانت تظنها مجرد حلم فقط ، لكن يبدو أنها قد اصيبت حقا بالحمى المفاجئة بسبب ما جرى ...
حبست أنفاسها و هي تحاول الابتعاد عن حضنه ظانة أنه نائم من هدوء حركته ، و فور أن ابتعدت و رفعت رأسها إليه قابلت وجهه و اصطدمت بعينيه الناعسه التي تحدق بها ، توقفت اثر صدمتها من استيقاظه ... و ليتها تعلم بأنه لم يغفل عنها للحظة و لم تذق عيونه النوم طوال الليل أبدا
تحركت أصابعه التي لا تزال على خصرها برقه أضاعت انفاسها ، و يده الاخرى قد تركت يدها ليلفها على جسدها بينما يضع رأسه على كتفها ، انحنى بجسده فوقها و درعها بالكامل متنفساً بعمق متعب جوار عنقها
رمشت قليلاً علها تحاول أن تهرب من هذا الوضع الذي هي به ، أبت أن تنظر إليه رغم أن انفاسه القريبة كافية لتخدر تفكيرها ، لذا ابقت نظرها على مقدمة السرير التي كان يتكئ عليها ، و يديها تقبض على الملاءة أسفلها تخرج ارتباكها بها ..
شعرت بهواء كلماته الهامسة المملوءة بالارهاق تضرب عنقها عندما قال :
هل أنتِ بخير الآن ؟
ابتلعت ريقها ببطء و هزت برأسها مجيبة عليه ، لكنها ليست بخير ، قلبها يخفق بقوة و انفاسها هاربة منها ، و كل هذا بسبب قربه ووضعيته هذه
أغمضت عينيها و هي تحاول تناسي شعور الخجل و رميه في آخر نقطة داخل عقلها ، و لكن كل ذلك ذهب مهب الرياح عندما شعرت بيده فوق يدها القابضه على الملاءة ، انبلجت عينيها على وسعها عند شعورها بجبينه يلامس جانب عنقها ، و يديه تشددان الحصار عليها أكثر
و قبل أن تفعل أي شيء كرد فعل أتى صوته مرسلاً لها تلك القشعريرة في جسدها و قال:
جيد ... حرارتكِ قد انخفضت الآن
طوال مدة نطقه بتلك الكلمات كان يحرك جبينه على جانب رقبتها و كأنه يتأكد من من حرارتها ... لكن بطريقته هو
ابعدت يده عن يدها بارتباك واضح و نيتها ابعاده عنها ، و كأنه عرف فيما تفكر لذا هيمن بجسده عليها متمسكاً بها أكثر ، و قال لها بنبرة مقصودة :
هذا عقابكِ لأنكِ جعلتني أكاد افقد عقلي من خوفي عليكِ ..
استكانت للحظة عندما استمعت له ، و استعادت ما حدث ... من لقاء والدته و انهيارها و بكائها إلى مرضها ...و حينها فقط هدأ كل شي بها ، لكنه لم يمنحها فرصه لتفكر بل أكمل هامسا لها :
أنا آسف ...
لأني لم أكن متواجداً في ذلك الوقت بجواركِ
تجمعت مياه عينيها و عضت شفتيها بقوة ، كان هذا ما لا تريد سماعه منه ، ليس و كأنه السبب حقاً ، هو تأذى مثلها تماماً ، فقد ذاكرته و كان مشوشا ، لا تريد اعتذاره و لا كانت تريده أن يعلم من الأساس
لكن خالد تابع حديثه و كأنه يعلم جيداً ما تفكر به الآن قائلا لها بنبرة دافئة :
أعلم أن اعتذاري لن يغير شيئاً
لكنني هنا الآن و سأفعل ما يجب لكي احاسب الجميع على ما فعلوه بكِ ...
هذه المرة فقط ... ثقي بي
سالت دموعها و ارتجفت شفتيها و هي تسمعه ، أبتعد عنها قليلاً عندما لامسه بلل ماء وجهها ، و إلتقى بعينيها التي تنظران إليه بشئ من اليأس الغريب
لكنها رفعت يدها و .... ضربته !!؟
ضربة تليها أخرى على صدره و كتفيه ، و كأنها توصل له إجابتها من خلال ذلك ، و الاسوء أنها كانت تبكي وسط كل هذا ، باعدت بين شفتيها عل صراخها يخرج وهي تضربه ، لكن لم يكن هناك شي سوا ذبذبة غير مسموعه منها
يعاقب من ؟ أمه ؟ ابيها ؟ هل هو مجنون ؟ .... لذلك لا تريده أن يعلم لا تريده أن يخرج غضبه بأحد ، والدته حمته بطريقتها لأنها تحبه كانت ترى أنها تحافظ عليه هكذا ، و عائلتها كانوا دائماً هكذا ليست اول مرة يحتقرونها بهذه الطريقه ، لذلك تكتمت على كل شيء ، لا تريده أن يكره أحدا بسببها.
انفجرت بالبكاء أمام عينيه ، هذه المرة كان حائراً ولا يعلم ما بها حقاً ، هوى خافقه عندما لاحظ أنها انهارت بشدة ، حاول احتضانها لكنها أبت أن يفعل ، و أبعدته عنها بقوة وهي تستقيم بسرعه من السرير راكضه نحو الحمام
لحق بها و أمسك بالباب قبل أن يغلق و رآها مكومه فوق المرحاض .... تتقيأ !؟
وقف قربها و أمسك بجسدها الذي يهتز بعنف ، هي لم تأكل شيئاً حتى فلم تتقيأ هكذا ؟
ابعد خصلات غرتها حتى لا تعيقها و لا يزال يشعر بجسدها يرتجف مختلطا ببكائها ...
شعر لوهلة أنه هو من سيبكي ، ووسط كل هذا كانت تستمر في إبعاده عنها ، لا تريده أن يرى شيئا مما سيحدث ، لكنه و بعناده أخبرها بأنه لن يتحرك من هنا أبدا ...
و لأنها معتادة على ما يحدث لها لم تتفاجأ وهي تشعر بالدماء تندفع من جوفها و تتناثر على المرحاض بشكل مفزع ، حاولت أن تمد يدها بسرعه لكي تفتح الصنبور و تندفع المياه لكي لا يرى شيئا
لكن خالد كان ملاصقا لها لذا رأى كل شي ، رأى دمائها و محاولتها في إخفائها ، عجز عن التفوه بأي شي و هو يحدق بجانب وجهها المقابل له بصدمة كبيرة
و عندما اندفعت المياه من الصنبور محت آثار الدماء الموجودة هناك و كأنها لم تكن ، لم تستطع النظر إليه يكفيها الشعور بجسده المتصلب الذي يمسكها و أنفاسه الضائعه التي تتناهى إلى مسامعها
غسلت وجهها برجفة و هي تستشعر انظاره تخترقها ، و عندما انتهت حاولت أن تبعده و تمشي رغم شعورها بالوهن الشديد و ما أن كادت تخطو حتى تفاجأت به يلفها و يحملها
و أخيراً نظرت إليه بارتباك واضح في عينيها و لكن نظرته التي قابلتها كانت مختلفة ، و كأنها لأول مرة ترى هذه الملامح تغمره ، حاجبيه معقودان لكن ليس بغضب و لمعان عينيه التي تحدق بها بنظرة خائفة جعلت توترها يخبو
تحرك بها بهدوء مريب حتى وصل إلى السرير وضعها عليه و قرفص أمامها على ركبتيه ملامسا خديها الشاحبين
و قال بنبرة تسمعها منه لأول مرة ، نبرة حملت لمحة انهيار بدون دموع :
اريحي قلبي و أخبريني ما بكِ ؟
و لا تقولي انكِ بخير لانكِ لستِ كذلك أبدا
انزلقت عينيها نحو الأسفل غير قادرة على مواصله النظر إليه و تلك النظرة تتلبسه ، لكنه رفع وجهها و اقترب منها نافياً و كأنه يخبرها بأن لا تهرب و لا تكذب عليه
رفعت يدها لتشير إليه و أجابت
( إنه أمر طبيعي يحدث لي عندما احزن )
تنقل بين عينيها على مهله بعد اشارتها له ، نفى لها و كأنه على وشك البكاء و قال :
ليس طبيعياً ريم ...
أن تتقيئي دما ليس طبيعياً أبدا...
أخبريني منذ متى و أنتِ هكذا ؟
حاولت أن تتماسك من نبرته تلك و لا تبكي مجدداً ، كل شي تستطيع تحمله الا نبرته القريبه للبكاء كثيرة عليها ، حتى في الماضي كانت تتجنب اقلاقه و اخافته و اشياء كثيرة لم تستطع أخباره بها بسبب هذا ، لا تحتمل أن تراه يشعر هكذا و بسببها لأنها تؤمن بأنها... لا تستحق ذلك
وضعت يديها على خاصته التي تمسك وجهها و بعدها أشارت إليه و كأنها ترجوه أن يصدقها
( انا بخير خالد ... لا يستحق الأمر خوفك هذا
يحدث هذا لي منذ سنوات
انا امامك الآن واعية ولم يحدث لي شئ ... الا ترى ؟ )
انتفضت يديه و ارتعشت انفاسه و قال بنبرة غاضبة مغلفه بالقلق:
لا يستحق أن اقلق ؟
إذن متى يحق لي ... عندما أراكِ أمامي هامدة هاااا
إن لم اقلق عليكِ فمن سيفعل ذلك ؟
أنزل يديه و امسك كفوفها بقوة و تابع هامسا لها :
صحيح أنكِ أمامي ...
لكنكِ لستِ على ما يرام ... وهذا وحده يقتلني ريم
ثم أضاف وهو يحدق بعينيها بقوة قائلاً:
لا تظني أني غافل عن كل ما يخصكِ
أعلم أنك لا تأكلين الا القليل و تصيبك رجفه في اطرافك في أحيان كثيرة تجعلكِ عاجزة عن فعل شي
و رغم كل هذا لم اتخيل أبدا أن يكون الأمر بسبب ....
اختنقت كلماته و لم يستطع الحديث ، أسند جبينه فوق كفوف يدها يحاول تمالك نفسه ، صورة الدم الخارج منها و ارتجاف جسدها كانت طعنه قاسيه في منتصف قلبه ، لم يتخيل أن يكون سبب تصرفاتها تلك أنها .... مريضه بشده هكذا
رفع رأسه ليحدق بها مجدداً و قال لها بينما يقف فجأة :
انتظريني قليلاً ...
تحرك بخطوات تشبه الركض نحو غرفة الملابس ، تابعته بنظرها حتى غاب ، سمحت لانفاسها بأن تخرج أخيراً ، تعلم أنه لن يقتنع بسهولة ، هي نفسها لا تعلم ما خطبها ، منذ أن حدث لها ما حدث لاحظت هذه الأعراض عليها لكنها كانت تتجاهلها بقصد لأنها لم تكن ترغب بالعيش وقتها
و الآن خالد قد ظهر مجدداً في حياتها بعد أن ظنت أنها لن تراه أبدا ، و تعرف جيدا أنه لن يتجاهل أمرا كهذا بل سيفعل ما بوسعه لكي يحصل على دواء لعلاج ما هي به
زفرت مجدداً وهي تراه يقترب بعد أن غير ملابسه بأخرى و وضع قرب جسدها معطفه الطويل ، جلس أمامها مجدداً على ركبتيه و باشر برفع يدها و إدخالها في كم المعطف ، و كذلك فعل مع الأخرى و أقفل الازرار وسط نظراتها المستغربة منه
و عند انتهائه رفع اصابعه ليبعد غرتها الطويلة عن وجهها و لفها خلف أذنها و أخيراً احتضن وجهها بيديه و قال:
دعينا نذهب الآن ...
حركت وجهها قليلاً و كأنها تسأله إلى أين ؟ و جوابه كان:
المشفى بالتأكيد
دعيني أتأكد من كونكِ بخير كما تدعين
و استوعبت أخيراً ماذا يقصد ، اتسعت عينيها بقوة و امسكت ذراعه تمنعه من إكمال ما يريد ، رفع عينيه لها و رآها تنفي له بسرعه
لا لا مستحيل الا المشفى ، لا تريد الذهاب و لا أن يكشف عنها أحد و بحضور خالد خاصه .... هكذا سيعلم ، سيعلم ما بداخلها بالتأكيد
تمهل في حركته و فاه لها بنبرة هادئة بها قليل من الحدة :
أعطني سبباً واحداً يقنعني برفضكِ ريم
تحركت يديها بسرعه و أشارت إليه
( انا بخير امامك .... لا داعي للذهاب....ارجوك )
مال برأسه قليلاً و كأنه يسألها إن كانت تمزح و رد عليها ببرود هادئ:
لم تقنعيني بعد ...
تحركت اصابعها مجدداً و استخدمت حجتها الدائمة التي تتعذر بها و قالت
( انا أعاني من رهاب المشفى)
استكان لوهله بينما عينيه تفترسان ملامحها و قال لها بينما يقف مجدداً و يمد ذراعيه أسفل جسدها ليحملها:
انا معكِ الآن ... لن اسمح للخوف أن يأخذكِ
تمسكت بقميصه بقوة و كم اثلجها كلامه لكنها خائفة مما سيحدث ، لا يهم إن كانت مريضه ام لا لكن الأهم هو ما وضعته تلك العصابه خلف عنقها ، و ماذا سيحدث لو علم خالد بذلك ...
================
أوقف السيارة في مرآب الفلة بعد ان عاد بها من المشفى ، تنهد بعمق و أغمض عينيه وهو يسترجع حديث الطبيبه
أخبرته أن ريم تعاني من ضعف عام في جسدها لكن أكثر ما يقلقها هو اضطراب قلبها ، النبضات ليست منتظمة و لا طبيعية أحيانا تخبو و أحيانا تتسارع بشكل كبير ، لذا نصحته بإجراء تخطيط دقيق للقلب لتجنب أي مشكلة في المستقبل
و حتى موضوع التقيأ كان نتيجته أنها تعاني من قرحه في المعدة و فهم حينها سبب أكلها القليل أو المنعدم
فتح عينيه و ادار وجهه ناحيتها ، بدت و كأنها تنام بعمق شديد ، طوال الوقت في المشفى كانت تمسك قميصه من الخلف بقوة خائفة من أن يتركها أو ربما هذا بسبب الرهاب الذي تعاني منه ...
مد يده نحو خدها ، لمسه بحذر لكي لا يوقظها ، كل ما بها كان بسبب الصدمة التي تعرضت لها ، قطب جبينه و هو يتذكر الأحداث التي اكتشفها في النهاية ، اُختطفت و تم الاعتداء عليها و بعدها تكذيب ابيها لها و دور والدته و أخيراً محاولته قتلها عبر رميها في هاوية الوادي
ربما لو أن شخصاً آخر تعرض لكل ذلك كان قد أنهى حياته منذ زمن ، لكنها صمدت و كم كان شاكراً أنه قابلها و عرف الحقيقه الآن ، و لكن هل هذه هي كل الحقائق ؟ ام أن هناك شيئاً مخبئا اخر لا يعلمه ؟
يقلقه هدوء ألكس هذه الفترة ، بعد شحنه الأسلحة قد هدأ تماماً ، و إلى الآن لا يعلم ما علاقة كل ذلك بريم ؟
وجد نفسه قد خرج من السيارة و وقف قرب بابها طوال مدة تفكيره ، زفر انفاسه بقوة مقرراً عدم الإفراط في الإبحار في تكهناته ، فتح الباب بهدوء و مد يده لنزع حزام الامان منها
بدت ساكنه و شفتيها منفرجتين قليلاً لذا لم تشعر به ، أبتسم و اخذ يدها ليضعها حول عنقه و حمل جسدها بالاخرى بحذر شديد ، و ما أن استقام معدلا وضعيته حتى شعر باهتزاز جسدها بالكامل
أمسكها بإحكام وهو يقول لها بنبرة حانيه:
إشـش ... هذا انا ريم
شعر بها تهز رأسها له و تتمسك به أكثر ، و لا يعلم أنها قد عرفته برائحته قبل صوته ، استكانت على كتفه و هي تتنفس براحه لأنها معه فقط ، بعد ذلك الرعب الذي شعرت به بالمشفى و خوفها من معرفة خالد ما بداخلها قرر عقلها إعطاءها وقتاً مستقطعا لتنال قسطاً من الراحة
تحرك بها بخطوات ثابتة هادئة حتى يأخذها إلى الأعلى ، قابله قيس و سماهر في طريقه و أشار لهم بأنه سيخبرهم فيما بعد
تابع طريقه حتى وصل إلى السرير ، وضعها هناك و غطاها جيداً ، أغلق كل الستائر و منحها نظرة أخيرة و أغلق الباب خلفه ذاهبا نحو الأسفل
شرح لمربيته وضعها باختصار حتى تستطيع اعداد الطعام الذي يناسبها حسب ما اخبرته به الطبيبه ، و شدد عليها بأن لا تلمح لها اي شي عن حالتها الصحية و تتصرف وفق طبيعتها فقط
و لكن كلمات قيس قد ايقظت تفكيره عندما فاه قائلاً له بجدية :
و ماذا ستفعل الآن بخصوص خطوبة اختك خالد ؟
مسح على وجهه بكلتا يديه و شاح بانظاره بعيداً ، ليس و كأنه نسي أن سبب زيارة أمه و خالته هو أخباره بأن خطوبة اخته قد تقررت بعد عدة أيام ، و لا يعلم أن كان يجب أن يذهب ام لا خصوصاً مع هذه الظروف المحيطة به
تبادل كل من سماهر و قيس النظرات الصامته و ليس بوسعهما قول شيئ ما يخفف عن خالد بعد كل ما حدث ، لكنه قاطعهم عندما قال بنبرة متعبة:
علي أن أذهب بالتأكيد ...
و لكني حائر في أخذ ريم معي ام لا
شهقت سماهر و قالت بخوف جلي:
ستأخذها معك ؟
بعد كل ما حدث لها بسبب جليلة ؟
رفع أنظاره إلى مربيته و قال بنبرة حازمة:
لهذا بالضبط علي أخذها معي ...
ريم زوجتي و انتهى النقاش هنا ...
و لا يحق لأحد أن يقلل منها بأي شكل من الأشكال ...
علي وضع حد لهذا الموضوع ....
ايده قيس على كلامه و لم يعقب أحد بعد ذلك ، و في خضم ذلك الصمت تعالا رنين هاتف خالد ، أخرجه من جيبه و نظر إلى شاشته ليقرأ الاسم تنهد بصوت مسموع فالمتصل كانت أخته سلمى
أجاب عليها بنبرة حاول جعلها هادئة و كما توقع والدته قد أخبرتها بما جرى ، سمع سؤالها و هي تقول :
أخي هل ما قالته أمي صحيح ؟
هل ريم ... حية ؟
أجابها بنبرة مقصودة:
أجل سلمى ... ريم حية و بخير
صمت قابله و بعدها سمع أنفاسها المرتجفه و هي تقول :
هذا... جيد
ابتسم بسخرية و قال لها بنبرة تهكم واضحه:
ما الأمر سلمى ؟
هل تمنيتِ أنتِ أيضاً بأن تكون ميته ؟
تعلمين توقعت ذلك من أمي لكن ليس منكِ أنتِ
خاب ظني حقاً
تحدثت سلمى بسرعه و هي تحاول أن تبرر ما حدث و قالت بصوت مكسور :
لم أقصد اخي ... أقسم بالله لم اقصد
كنت أرغب باخبارك بكل شي
لكن صحتك وقتها لم تكن جيدة
و كلنا كنا خائفين عليك و لم يجرؤ أحد منا على فعل ذلك
و امي قد نبهت علينا لذا لم يستطع أحد أخبارك
استقام بغضب وهو يقول لها صارخاً و كأن قدرة تحمله كانت على وشك النفاذ:
صحتي صحتي .... ليس لديكم عذر سواها
حتى على الرغم من ذلك كان يجب عليكم اخباري
كان يجب أن أعلم من تجرأ على فعل ذلك لها
كان يجب أن آخذ حقها سواء كانت ميته ام لا
ولكنكم اخترتم الحل المثالي بأن تصمتوا
و جعلتم مني مجرد رجل مريض لا يعلم ما حدث لزوجته
أخذ يستنشق الهواء بجوع كما لو أنه كان يختنق ، فتح أزرار قميصه العلوية وهو يشعر بصدره يضيق و صداع رأسه أخذ يزحف في كل الجهات ، استمع الى صوت بكاء اخته و عاد له عقله تلك اللحظة
و كم كره ذلك ، طوال حياته لم يغضب من اخواته أو يصرخ عليهم ، كان يعتبرهم كبناته و يداريهم و يعتني بهم في ظل غياب والده ، و حتى عندما يغضب يختلي بنفسه حتى لا يؤذيهم و الآن اخته تبكي ... بسببه ؟
أغمض عينيه قائلاً لها بنبرة ضعيفة و منهكة:
أنا أعتذر سلمى..
لم أقصد أن اصب غضبي عليكِ
لا تبكي يا أختي...
انا مرهق للغاية هذه الأيام لذا لا اعلم ما أقوله
اخبري هناء انني سآتي لحفل خطبتها..
سامحيني لكني مضطر لأن القفل الآن ....
و أقفل الخط راميا الهاتف على الاريكة ، عجز قيس أو سماهر عن الإتيان بأي شي يخفف حدة الوضع الذي يواجهه خالد ، و لكن الجميع يتناسون أنه إنسان في النهاية و من حقه أن يغضب و يتخبط و أن يكون ضعيفا و في اسوأ حالته
أخذ خطواته للأعلى و هو بالكاد يرى أمامه من الصداع الذي استولى عليه ، يعلم أنه قسى على اخته لكن لا يستطيع أحد لومه ، الجميع كان متواطئا في ذلك و حان وقته ليرد لهم بطريقته هو ...
وجد نفسه أمام السرير حيث وضعها قبل قليل ، زحف بجسده حتى وصل قربها ، تمدد وهو يدفن نفسه قرب عنقها ليتنفس محاولا الحصول على قيلولة قصيرة
ضم جسدها الغافي له و اخذت رائحتها تغمر رئتيه شيئاً فشيئا و حينها فقط شعر بالصداع يخفت و كأنه يتلاشى حتى غمره الخمول و أغمض عينيه مقرراً الاستسلام لخدر جسده قربها و قد أدرك أن علاجه هو النوم بين أحضانها الدافئة ...
===================
فتحت عينيها و استقامت ترمق محيطها لترى أن الظلام قد حل بالفعل ، شهقت عندما رأت أن الساعه قد جاوزت الثامنه مساءاً ، هذا يفسر شعورها بأنها قد أخذت أكثر من كفايتها بالنوم ، و بفضل ذلك تشعر و كأنها بخير نوعاً ما
نظرت إلى معطف خالد الذي حولها لذا قررت أن تأخذ حماما منعشا لتبدل المعطف و الملابس التي عليها ، بعد دقائق استقرت على فستان بلون فاتح و لكنه كالعادة طويل الأكمام و يغطيها بالكامل
خرجت من الغرفة و تفقدت مكتبه لتجده فارغاً لذا نزلت الدرجات و قد علمت من الإضاءة الخافته أن الجميع قد تناول العشاء بالفعل ، لكنها دخلت للمطبخ و اكتفت بكوب ماء بارد يرويها في الوقت الحالي كونها لا تشعر بالجوع
خرجت إلى الحديقة لتبحث عن خالد و اتجهت صوب غرفة الرياضه التي دائماً ما يتدرب بها ، و لا تعلم حتى ما سبب رغبتها بأن تراه الآن....
توقفت قدميها و هي ترى الغرفة مضاءة بالكامل و لأن الجدار المقابل لها كان مصنوعا من الزجاج علمت بأنه ليس بالداخل ، لكن عينيها اصطدمت بالمسبح القريب من هناك و .... رأته
كان عاري الصدر و يرتدي بنطالا طويلاً و جسده يطفو بالكامل على السطح بدون اي حركة تصدر منه و هذا سبب كافي لتشعر و كأنها ...... تحتضر في تلك اللحظة
هاجمها ذلك الشعور البشع و كأن الحياة تسحب من خلاياها ، لوهلة فقدت الشعور بقدميها لذا انهارت فوق العشب الذي كانت تقف عليه ، نبضات قلبها أخذت بالتعالي حتى وصلت إلى أذنيها و تنفسها أصبح شبه معدوم ...
خالد الذي تعرفه لا يستطيع السباحه أبدا ، فلماذا فعل ذلك ؟ هل يمكن أن يكون هذا .... بسببها هي مجدداً ؟
و كأن انهيارها لهذه الثوان القليلة قد تحرر عندما خرج صوتها صارخاً بنبرة حملت هلعا شديداً ، نادت اسمه بأعلى صوتها ، و اخذت تركض و تجبر قدميها على الوصول إلى المسبح
غمر الماء جسدها و اخذت تسبح نحو جسده الساكن هناك ، وصلت إليه و هي تشعر بقلبها يكاد يتوقف من سكونه الغريب ، تلمست وجهه و ازحت شعره لتحاول افاقته و هي تقول بخوف:
خــ....ـالـ..ـد تحـ....ـدث معي .... هيا
لكن خالد كان مغمض عينيه و جسده العريض هي من كانت تحمل كل ثقله في الماء ، لم تشعر بدموعها قد هطلت من كثره خوفها ، ضمته إليها بارتجاف و سبحت حتى وصلت إلى الحافة
طوال ذلك الوقت لم تعي على نفسها أنها تتحدث بل كانت عالقة في دوامة الخوف عليه ، وضعته على الارض بعد أن أخرجت جسده بقوتها الضعيفه من المسبح
و لأنها مشوشه و فكرها غايب لم تتفقد نبضات قلبه و لا تنفسه ، لكنها ضغطت على صدره بذراعيها كما تعلمت من قبل و بكاءها يعلوا و هي تردد كلمة واحدة :
لماذا .... لماذا ؟
اخذت أنفاسها بصعوبة و هي تحاول الإسراع في إسعافه ، لم تتردد و هي تنحني إليه لتقترب منه مانحه إياه بعض الهواء منها ، و لكن ما جعل العجز يسيطر عليها هو عدم استجابته لكل هذا ...
علا صوت بكائها و هي تأخذ جسده بين ذراعيها ، وضعت يدها على خده و حدثته بنبرة منكسرة قائلة :
ارجـ...ـوك خالـ...ـد .... افتح عينيك... و تحدث إلي
لا تفعل .... ذلك بي
لا تعاقبني هكذا ....
حركت خصلات شعره عن جبينه و قبلته هناك و تابعت بتلك النبرة المنهارة :
سأخبرك... سأخبرك بكل شي .... اعدك
فقط ... لا تعاقبـ.....ـني بك ارجوك
اخذت يده و قبلتها و احتضنته بقوة لها و صوتها قد أصبح يشبه الهمس من كثرة بكائها و نطقت :
ليس انت .... انا .... انا من يجب أن أموت لا انت
سأفعل اي شي تريده ...
فقط ارجـ.....ـوك .... ارجوك ...أفق
و عند وصولها إلى تلك اللحظة اليائسة أتاها صوته الهامس بهدوء وهو يقول :
ليس لي حياة من بعدكِ ريم ...
توقف جسدها و عينيها اتسعت و هبطت بها نحو وجهه الغافي و ظنت أنها قد تخيلت حديثه ، و لكن عينيه التي أفرج عنهما قد عانقت عينيها الدامعه القريبه منها ، رفع يده و مسح دمعتها التي سالت منها و فاه قائلاً لها :
صوتكِ ...
أجمل شي استمعت إليه في حياتي...
*************

نهاية الفصل الحادي و العشرون 🔥🔥
رأيكم بالاحداث ؟
دمتم بخير و إلى لقاء اخر ❤️
Naya Shadi