في ذلك المبنى العسكري العتيق، تحديدًا في الطابق الرابع…
جلس خالد خلف مكتبه العريض، محاطًا بأوراق وتقارير المهمات الأخيرة. كانت عيناه الداكنتان تتابعان الأسطر بتركيز حاد، والصرامة مرسومة على ملامحه. طويل القامة، بشرته حنطيّة دافئة، وجسدٌ صُقل بسنوات من التدريب العسكري حتى امتلأ عضلات تزيده جاذبية وهيبة. كان شعره الأسود الناعم يختفي أسفل قبعة الزي العسكري، بينما وقفته وحتى جلوسه تعكس حضور قائدٍ يُحسب له ألف حساب.
قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب.
بصوت ثابت صارم قال:
– تفضل.
أطلّ يامن برأسه بخفّة، وابتسامة مشاكسة ترتسم على شفتيه. عيونه العسليّة تلمع بخبث المرح، وهو يشبه خالد في الملامح والطول، لكن جسده أقل عضلية بقليل، وأكثر ميلًا للخفة من الهيبة الصارمة.
دخل بخطوات مترددة - بسبب عيني خالد التي ترمقانه بحده - وهو يحك مؤخرة رأسه قائلًا بمزاح:
– يا رجل… ألا تعلم أن نظرتك هذه تخيفني؟ أشعر وكأنك تخترق عقلي بعينيك هذه !
رمقه خالد بنظرة ثابتة قبل أن يرد ببرود:
– هذا حتى تكف عن تصرفاتك السخيفة. ذكرني مجددًا… كيف أصبحت قائد فرقة وأنت بهذه التصرفات ؟
ضحك يامن وجلس على الكرسي المقابل للمكتب، وقال بنبرة مرحة:
– هل تشك في قدراتي يا سيادة القائد؟ صحيح أنني أتمتع بروح فكاهية، لكنك تعلم أنني مذهل في ميدان القتال والتصويب…
ثم غمز بمكر وأضاف: – أليس كذلك؟
أغلق خالد الملف الذي بين يديه بعد أن وقّعه، ورد بصوت هادئ:
– أعترف أنك تملك مهارات فذّة… لكنك أحيانًا تتصرف كالأطفال.
قهقه يامن وهو يراقب صديقه منهمكًا في نقل الملفات، ثم سكنت ابتسامته قليلًا وهو يتأمل خالد بهدوء.
كان يتذكر كيف أن خالد نفسه كان يومًا مصدر الضحك والمزاح أينما حلّ لكن بعد ذلك الحادث الذي حدث قبل سنوات أصبح هناك شيء ثقيل يسكن ملامحه.
تنهد دون وعي، ما جعل خالد يرمقه بطرف عينه ويسأل ببرود خفيف:
– هل صرت تتنهد الآن؟ ما السبب؟ هل أنت متوتر من زيارة اليوم؟
هزّ يامن رأسه مبتسمًا بخفوت:
– ولمَ أتوتّر؟ أنا ذاهب لرؤية أمي فقط…
رفع خالد حاجبًا بابتسامة باردة ونظرة فاحصة وقال بمكر:
– ألست متوترًا لأنك قد تصادف حبيبة القلب هناك؟
غزا الاحمرار وجه يامن فورًا، فحدّق بخالد بغضب مصطنع وهو يجزّ على أسنانه:
– أنت تستمتع بهذا كثيرًا… أليس كذلك؟
ضحك خالد بهدوء، ضحكة قصيرة هادئة لكنها ساخرة:
– لا أصدق أنك فعلًا ترتبك لأجل فتاة! أنت الذي لا يهتز من معقل عدو مليء بالقنابل والألغام!
ارتسمت ابتسامة ساحرة على وجه يامن وهو يشيح بنظره، وكأنه يتخيل وجه من يحب:
– لا أعلم ما يحدث لي حين أراها… بالكاد أتحدث معها، لكنني أشرُد فيها فورًا.
وقف خالد بهدوء وهو يعدّل قبعته العسكرية قائلاً بنبرة منخفضة:
– حسنًا أيها العاشق… هيا بنا قبل أن تأتي والدتك بنفسها وتشعل المقر علينا.
قهقه يامن وهو ينهض خلفه:
– وما ذنبي أنا؟ كله بسببك لأنك لم تزرها منذ فترة طويلة. تحمّل مسؤولية إهمالك.
رفع خالد كتفيه قليلًا بنبرة خافتة وهو يغادر المصعد:
– أظنك محق… لا بد أنها غاضبة جدًا مني لأني لم أرها مؤخرًا. لا عجب أنها هددت والدك أن يفصِلني من العمل إن لم أحضر اليوم.
انفجر يامن ضاحكًا وهو يتخيل المشهد، ثم أسند ذراعه على كتف خالد قائلًا بمزاح:
– أعرف أمي عندما تهدد جيدًا. لكنها تفعل ذلك لأنها تحبك يا رجل. ثم اطمئن… لن تضربنا أمام الجميع في الميتم، أليس كذلك؟
تبادل الصديقان نظرات جامدة لثوانٍ قبل أن ينفجرا ضاحكين معًا، وهما يتجهان نحو السيارة التي ستأخذهما إلى الميتم الذي تديره والدة يامن.
وصل الاثنان إلى السيارة، وتبادلا نظرات متفهمة
ابتسم يامن وهو يضع يده على مقبض الباب:
حسنًا يا قائد، فلنواجه غضب والدتي سويًا.
ضحك خالد بخفة وهو يركب في مقعد السائق
لينطلقان ذاهبين ..
ومع إغلاق الباب، شعر كلاهما بأن هذا اليوم لن يكون كبقية الأيام، وأن شيئًا ما، مهما كان صغيرًا، على وشك أن يغير مجرى حياتهما....
Naya Shadi