في ذلك المبنى الكبير الواقع على أطراف المدينة، حيث تزين بوابته الحديدية لافتة ضخمة مكتوب عليها
"ميتم الأمل"،
كانت العاملات تتنقل كالنحل، كل واحدة تعرف مهمتها بدقة، تحت إشراف مدبرة الميتم الصارمة، السيدة ميرفت.
اليوم كان يومًا استثنائيًا، فهناك ضيوف مهمون قادمون، ويجب أن يكون كل شيء مرتبًا ولامعًا.
ميرفت كانت تراقب كل حركة، توجه العاملات دون توقف، وتحرص على بقاء الأطفال في صفوفهم مع المربيات حتى لا يحدث أي فوضى.
كانت كل عاملة تعرف مسؤوليتها—تحضير الطعام، تنظيف الأرضيات، ترتيب الحديقة—بدقة وكفاءة عالية.
في الطابق الثاني، كانت ريم تعمل بهدوء وصمت كما اعتادت .
شعرها الأسود الملفوف بإحكام وراء رأسها لا يختلط أثناء عملها، وبشرتها الشاحبة ونحولها يبدوان واضحين خلف زي العاملة البسيط الذي ترتديه.
لكن ما كان يجعلها عرضة للسخرية و لنميمة العاملات كان عدم قدرتها على النطق
فقدت القدرة على الكلام قبل سنوات بسبب حادث مأساوي - سنتعرف عليه في الفصول القادمة - ومن بعد أن افاقت من غيبوبتها شخصوها بان سبب عدم قدرتها على الكلام هو صدمة ما تعرضت له ..
تقبلت الأمر بهدوء ومن يومها تلازمها مذكرة صغيرة الحجم اهدتها اياها مديرة الميتم حتى تساعدها على الكلام تعلمت لغة الإشارة ليسهل تواصلها مع الآخرين.
ومن يومها وهي تعمل هنا قرابة ثلاث سنوات... وهي تؤدي مهامها بدقة لا تشوبها شائبة.
بعد أن انتهت من تنظيف المكتبة، مسحت الزجاج والرفوف والأرضية بعناية، كانت على وشك الانتقال إلى الغرفة التالية عندما ظهرت صديقتها مرام مسرعة، بشعرها الأشقر الذي يتطاير خلفها أثناء الركض وهي تقول :
– ريم! أين كنتِ؟ لقد بحثت عنكِ!
أومأت ريم برأسها بلطف، كأنها تقول: أنا؟ لماذا؟
قالت مرام بعد أن هدأت:
– لا أعلم حقًا، لكن المديرة تطلبك الآن. أعطيني الممسحة والوعاء، سأكمل عنكِ الباقي.
دفعتها مرام برفق لتسرع، ومشت ريم بخطوات هادئة نحو مكتب المديرة.
في طريقها، صادفت السيدة ميرفت، التي رمقتها بحدة:
– أنتِ… ألم أطلب منكِ البقاء في الطابق الثاني وتنظيفه؟ ماذا تفعلين هنا؟ هل تظنين نفسك في نزهة؟ أجيبي!
أخرجت ريم مذكرتها، وكتبت أنها انتهت من المكتبة، وأن مرام تكمل عنها لأن السيدة هالة طلبتها الآن. رمقتها ميرفت باشمئزاز، وأشارت لها بالابتعاد.
كان دائماً هو الحال هكذا مع مدبرة الميتم ليس جديداً صراخها و اشمئزارها منها...
توجهت ريم بضيق نحو مكتب المديرة، حيث استقبلتها سالي، سكرتيرة المديرة بابتسامة هادئة، وأخبرتها أن السيدة هالة تنتظرها.
طرقت ريم الباب بهدوء، وسمعت صوت المديرة تقول:
– تفضلي.
دخلت ريم وأغلقت الباب خلفها، واقفة أمام مكتب السيدة هالة.
رفعت هالة عينيها ونظرت إليها بحنان واهتمام، فقد كانت تحب ريم كثيرًا، ربما بسبب ما حدث لها في الماضي.
نهضت هالة متجهة نحوها بحماس، ابتسامة دافئة تزين وجهها:
– ريم! أخيرًا أتيتِ… كنت أنتظرك!
أشارت ريم بيديها، مستفسرة عن سبب طلبها،
فأجابتها هالة بحماس وهي تحرك يديها:
– هل تعلمين أن ابن أخ زوجي سيزورني اليوم؟ هو مثل ابني، وقد اشتقت إليه كثيرًا. لم يزرني منذ فترة طويلة بسبب عمله الجديد. أريد أن أقدّم له شيئًا يحبه. ما رأيكِ بأن تحضري له شاي الحليب الذي تتقنين إعداده؟
أشارت ريم متسائلة بهدوء: هل هذا مناسب؟
تغيرت ملامح هالة قليلًا، وغابت ابتسامتها للحظة، وكأنها غمامة حزن:
– كان يحب شاي الحليب كثيرًا قبل الحادث. أخبرني أنه كان يظن أن حبيبته تعد أفضل شاي في العالم… لكنه تغير الآن.
أريد أن أعيد له تلك الابتسامة التي كانت تزين وجهه في الماضي.
غمرت ريم تعابير العاطفة، فردت على هالة بتربيتة هادئة على كتفها، مؤشرة لها بأنها ستقوم بذلك.
احتضنتها هالة بشكر، واستأذنت ريم لتعود إلى أعمالها، وخرجت مبتسمة بحزن، وقد لمحها وميض من ذكريات الماضي، رفعت نظرها للسماء لوهلة وهي تبتسم لكنها سرعان ما أبعدت اطياف الماضي عنها لتستمر في عملها.
Naya Shadi