الفصل الاخير

الفصل الاخير

16 0

بعد مرور ثلاثة أشهر...

لم يكن ذلك اليوم يومًا عاديًا؛ فالأجواء كانت مفعمة بالبهجة، والضحكات تتعالى من زوايا المنزل الواسع. كانت الزينة تُعلق، والورود تُصفّ بعناية، والستائر البيضاء تتراقص بخفة مع نسمات المساء. فقد جاء اليوم الذي طال انتظاره… يوم زفاف ياسمين وحسن.

امتلأ المكان بأحبّتهم، أولئك الذين لم يكونوا فقط ضيوفًا بل شركاء في الحكاية، دعائم قوية في مواجهة العواصف التي عصفت بهم من قبل. كان مراد هناك، يحمل بعض الصناديق ويبتسم في وجه ياسين الذي لا يزال يمازحه كعادته. كانت تاليا توزع التعليمات بتركيز تارة، وتضحك مع مها ورنا تارة أخرى. جميعهم كانوا يعملون معًا كقلب واحد، كعائلة ربطتهم المعاناة فأثمرت دفئًا ووفاءً لا يُقدّر بثمن.

كانت تلك اللحظات بمثابة الشفاء للجميع، لا سيّما بعد الجراح التي خلّفها ما مضى. فـتاليا، التي رأت الموت بعينيها، لم تتجاوز ما حدث بسهولة. لقد تسرب الخوف إلى قلبها، وظلت لليالٍ لا تعرف للنوم طعمًا. أما مراد، فقد أرهقه الشعور بالذنب؛ حمل داخله ثقلًا كبيرًا، فقد شعر أنّه السبب في كل ما حدث… وأنه كان من الممكن أن يمنع النهاية المأساوية لو تصرّف بشكل مختلف.

لكن الأصدقاء كانوا عونًا وسندًا. لم يتركوهما وحدهما. أقنعوهما مرارًا أن الذنب ليس ذنب مراد، وأن الله قد كتب على الظالمين نهاية تستحق طمعهم وخيانتهم.

أدرك مراد بمرور الوقت أن كل ما حدث كان خارجًا عن إرادته. لقد سعى للخير، لكن الطامعين لا يردعهم إحسان، ولا يُثنيهم عطاء. وها قد نال رامي جزاءه العادل، بعدما أثبتت التحقيقات أنّه قاتل عادل وبسنت. نُفذ فيه حكم الإعدام بعد أن ثبت عليه بالدليل القاطع أنه استخدم نفس طريقته الوحشية مع كليهما، وجاءت التسجيلات التي قدّمها مراد شاهدة على كل لحظة، كل كلمة، كل نية سوداء.

أما تاليا، فقد كانت رفيقة مراد في الألم… وها هي اليوم رفيقته في الشفاء. تقاربا كثيرًا خلال الشهور الماضية، ليس فقط كزوج وزوجة، بل كروحَين تمرّدتا على الحزن وتمسكتا ببعضهما. وقفت بجانبه حين خاف أن ينهار، واحتضنها حين غمرها الذهول مما رأته، فخرج كلاهما من تلك التجربة أكثر نضجًا، وأكثر حذرًا، وأكثر تقديرًا لبعضهما.

وفي ظل كل تلك المشاعر المتداخلة، جاء حفل زفاف ياسمين وحسن ليكون بمثابة إعلان للنهاية… ونقطة بداية. الجميع اجتمع، ليس فقط ليحتفل، بل ليغلق صفحة موجعة من حياتهم، ويفتح أخرى أكثر إشراقًا، صفحة عنوانها الأمل.

لم يكن ذلك الحفل مجرد احتفال بالزواج، بل احتفال بالحياة بعد الموت، بالوفاء بعد الخيانة، بالنقاء بعد القذارة. لقد أدرك الجميع أن في هذه الدنيا كل شيء، الخير والشر، الطيب والخبيث، لكن الله لا يترك الطيبين وحدهم، يرسل لهم دائمًا من يحملهم حين يتعبون، من يسندهم حين يسقطون، ومن يُظهر الحق ولو بعد حين.

كان النهار يُوشك أن يودّع الأفق، والضوء الذهبي يتسلل من خلف الستائر كأن الشمس قد جاءت لتبارك هذا اليوم الجميل. أجواء من البهجة والضوضاء اللطيفة تملأ المكان، أصوات النساء تضحك وتتهامس، والموسيقى تنساب خافتة في الخلفية، والجميع ينتظرون لحظة خروج العروس. بعد أن أنهوا آخر اللمسات، ولم يتبقّ سوى الظهور المنتظر... جلست ياسمين متألقة كقمر مكتمل، ولكن داخلها كان يموج بتوتر لا يُوصف، رغم الزينة التي تكللت بها، كانت خائفة، قلقة، تكاد يداها ترتجفان.

لاحظت تاليا ارتباكها، فاقتربت منها وابتسمت تلك الابتسامة التي لطالما كانت بلسمًا للقلوب، ثم قالت ضاحكة وهي تمسك بطرف فستانها:

"مش مصدقة إني أخيراً شوفتك بمكياچ وفستان، حاسه إني بحلم! أنا كنت خلاص قربت أصدق إنك ولد مش بنت زينا."

فانفجرت ياسمين ضاحكة، وقد اتقدت عيناها ببريق الطرافة والغيظ المزعوم، وقالت وهي تمسك طرف شعرها المصقول بعناية:

"يابنتي أنا طول عمري ليدي بس كنت مدارية كل ده عشان يوم فرحي أبقى مفاجأة للكل، وكمان عشان حسوني… كنت خايفة عليه من الفتنة، لما يشوف جمالي الباهر ده كان مش هيقدر يقاومني… صعب عليا بس!"

تضاحك الجمع من حولها، وتعالت ضحكات الفتيات كأنهن نسين كل ما مرّ بهن من قبل، وقالت رنا بتهكم ساخر:

"أيوه طبعًا، الواد ممكن ينبهر ويقع في الأرض من الانبهار، عشان كده كان لازم تداري جمالك الفتّان."

ضاقت عينا مها وقد لاحظت بذكاء نظرة الغضب المتأججة على وجه العروس، فقفزت لتطفئ النار قبل أن تشتعل، وقالت وهي تشير إلى المكياج بعين فاحصة:

"بقولكوا إيه، سيبوها بدل ما تقوم تاكلنا دلوقتي، والمكياچ اللي بقالنا ساعة بنحطّه يبوظ، وترجع لحقيقتها… والناس تتخض."

شهقت ياسمين وضحكت في آن، ثم أمسكت بالوسائد من حولها وراحت تقذف بها صديقاتها وسط صراخ ضاحك، وهي تقول بغيظ مصطنع:

"والله لو ما سكتوا هطردكوا كلكوا وهمشي، مش هتجوز! أنا أصلاً مش عايزة أتجوز خلاص، رجعت ف كلامي… حد يخرج يمشي الناس اللي بره دي، قولولهم العروسة رجعت ف كلامها خلاص، ومفيش جواز النهارده!"

ضحكت تاليا وهي ترفع يدها مازحة:

"خلاص يعني؟! أخرج لحسن أقوله يروح بيته… أو يشوفله عروسة تانية؟!"

توقفت ياسمين عن الضرب والتفت بحدة، ثم تنهدت بمرح وقالت بحزم طفولي:

"يروح فين!؟ مش هيروح إلا وأنا معاه، أنا خللت جمبه! سيبوني بقى أشوف حلاوة الجواز والرومانسية… كفاية بقى عزوبية!"

عقّبت رنا وهي تهز رأسها كمن يوبّخ طفلاً شقيًا:

"يا قليلة الأدب… عايزة رومانسية؟! تفكيرك سيء… هو ده كل هدفك من الجواز؟!"

رفعت ياسمين حاجبًا واحدًا وردّت بلا خجل:

"آه! هو ده هدفي… قوليلهم يا تاليا ونبي… بالذمة، الرومانسية مش أحلى حاجة ف الجواز؟!"

في تلك اللحظة، لم تستطع تاليا أن تردّ. خيم على ملامحها الهدوء، ولكن خلف ذلك الهدوء، كان الخجل يسري في عروقها كحمرة وردية طفت على وجنتيها. خفضت رأسها قليلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجلة، وهي تسترجع بين طيات ذاكرتها تلك الأشهر الماضية.

كم كانت جميلة… كم كانت دافئة. لقد أصبحا زوجين كما تمنى كلٌّ منهما. مراد لم يكن فقط الزوج المحبّ، بل كان الحصن والملاذ. غمرها بحنانه، وأحاطها بعطفه، وجعلها تشعر أنها امرأة تستحق أن تُحَب بكل هذا العمق.

لم تكن تتخيل يومًا أن العلاقة بينهما ستصل إلى هذه الدرجة من الانسجام، كانت تخشى منه في البداية، تخجل من الاقتراب، لكن مراد، ذلك الرجل الذي يعرف كيف يحتوي القلوب المكسورة، جعلها تتخلى عن خجلها شيئًا فشيئًا. بلمساته، بكلماته، بصبره، جعلها تطمئن… وترغب به كما يرغب بها.

ظلت تاليا غارقة في ذكرياتها، لا تسمع ضحكات الفتيات من حولها، ولا ترى سوى صورة مراد في ذاكرتها، وهو يحمل عنها آلامها، يربت على كتفها في ليالي الحزن، ويضحك معها في صباحات الأمل.

كانت الضحكات لا تزال تعلو في أرجاء الغرفة، وتلك البهجة الطفولية التي زرعتها ياسمين بعد تهديدها المُزيف بإلغاء الزواج ما تزال ترسم الابتسامات على وجوه صديقاتها. لكن شيئًا ما قد تغيّر، فقد لاحظت الفتيات أن تاليا انسحبت بصمت إلى عالمها الخاص، حيث لم تعد تشاركهنّ التعليقات الساخرة، ولا الردود المرحة، بل سكن وجهها ذلك الخجل الطفولي، وبدت نظراتها معلقة في البعيد، كأنها تهيم في ذكرى بعيدة.

لم تَفُتْ هذه التغيرات مها، التي أشارت ضاحكة، وهي تلوّح بيدها باتجاه وجه تاليا المتورد:

"شايفين؟ لسه بتتكسف ازاي؟ ووشها بقى زي الطماطم… مع إن عدى على جوازها سنين! إنما انتي يا ياسمين… لسه حتى ماتجوزتيش ومابتتكسفيش!"

ضحكت ياسمين بخفة وقالت، وهي ترفع ذقنها بفخر طفولي مصطنع:

"وأتكسف من إيه؟ ده جوزي قرة عيني!"

قهقهت رنا وقالت:

"انتي مش لسه قايلة مش هتتجوزي؟ ونقول للناس إنك غيرتي رأيك؟"

ردّت ياسمين بإصرار، وقد التمع بريق في عينيها المشرقتين:

"أيوه… بس بردو هو قرة عيني اللي هيغرقني ف الرومانسية، أنا عارفة! بصوا خلاص… أنا هتجوزه، مش هغير رأيي!"

وفي خضم تلك الأحاديث المرحة، كانت ياسمين تستعيد هدوءها تدريجيًا. الضحك الذي شاركته مع صديقاتها، والسخرية اللطيفة التي أحطنها بها، قد نجح في سحبها من دوامة التوتر، فأفاقت من ارتباكها واستعدت للحظة المنتظرة.

أمسكت تاليا بيدها برفق، وبدأت بمساعدتها على الوقوف. وبينما أمسكت بقية الفتيات بطرفي الفستان الطويل، لتجنب أن يلامس الأرض أو يعيق حركتها، كانت ياسمين تسير بخطواتٍ بطيئة وثابتة، كأميرة من الأساطير تنزل من برجها العالي، إلى العالم الحقيقي الذي انتظرها طويلاً.

فستانها الأبيض المطرز باللؤلؤ الناعم كان يليق بها بشدة، شعرها المصفف كأنما هو تاج من نور، ووجهها المشعّ كان يمزج بين الحياء والفرحة، وبين الطفلة والمرأة التي كانت تنتظر هذا اليوم منذ أن عرفت الحب.

وفي مكانٍ ليس ببعيد، كان مراد واقفًا ينتظر، مرتديًا بدلته السوداء الأنيقة، ولكن عينيه لم تكن تبحث عن العروس في تلك اللحظة… بل كانت معلّقة بشخصٍ آخر.

تاليا…

رآها بين الزحام، تمسك بطرف فستان ياسمين، ووجهها يضيء بخجل ساحر، وشعرها المنسدل على كتفيها يُظهر بساطتها ورقيّها، لحظتها فقط، شعر مراد كأنه يرى وجهها لأول مرة. قلبه خفق، عينيه رمشتا في صمت، ثم راح يتأملها كما لو كانت لوحة، لا تملّ النظر إليها مهما طالت الدقائق.

في كل مرة يراها، كان يشعر أنه يقع في حبها مجددًا، كما لو أنه لم يعش معها من قبل، وكأن ذكريات السنين معه لم تكن كافية ليطفئ شغفه، بل كانت تزيده اشتعالًا. تذكّر يوم أن رآها للمرة الأولى وسط حقل من زهور عباد الشمس، ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا، والشمس تغازل شعرها. كان ذلك عقب عودته إلى مصر، بعد حادثه الذي كاد يغيّره إلى الأبد… ولكنه حين رآها، تغيّر للأفضل.

مرت الأشهر، وتوطدت علاقتهما كما لم يتخيل من قبل. عادت لتعيش معه في منزله، وامتلأ البيت بدفئها. صار يستيقظ كل صباح على وجهها النائم بهدوء بجواره، يتناولان الفطور معًا، يضحكان، ويتبادلان الأحاديث الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير للحياة.

كان يأخذها معه في كل مكان… إلى العمل، إلى النادي، إلى المكتبة. لا يحتمل غيابها عن عينيه. كانت قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من يومه، من تنفّسه، من وجوده.

وهي، لم تكن يومًا مجرد امرأة في حياته… بل أصبحت الحياة نفسها.

فرح والديه بذلك القرب الذي نشأ بينهما، وفرحت تاليا بذلك الاستقرار الذي لم تعرفه من قبل. كان يُشعرها بالأمان، بالحب، بالاكتمال. وفي كل مرة يغمرها بذراعيه، كانت تشعر كأن العالم كله اختفى، ولم يتبقَ سوى نبض قلبه الذي يدعوها للبقاء.

في تلك اللحظة، وبينما الجميع يتحركون ويضحكون ويجهزون العروس، كان مراد ينظر إلى تاليا كمن وجد كنزه بعد رحلة ضياع طويلة.

همس في نفسه بابتسامة رقيقة:

كم أنا محظوظ… لأنكِ لي.

كانت القاعة لا تزال تضج بالحياة، وأصوات الموسيقى تملأ المكان فرحًا وبهجة، فيما كانت العروس والعريس قد جلسا أخيرًا على مقعديهما وسط الحضور، وقد زينت الورود مقعديهما كعرشين صغيرين في مملكة من البهجة. ياسمين، بفستانها الأبيض الباهر، بدت كمن خرجت من قصة خيالية، وحسن إلى جوارها كان لا يرفع عينيه عنها.

وفي تلك الأثناء، جذب مراد يد تاليا برفق، واستقام بها واقفًا إلى جوارها. أراد أن يخبر الجميع من خلالها، دون أن ينطق بكلمة، أنها تخصّه، أنها لم تعد وحيدة أبدًا، وأنه زوجها، سندها، وحاميها.

اقترب منها، وقبلها برقة على وجنتها، فتورد وجهها خجلًا وابتعدت عنه قليلًا، تقول وهي تخفض نظرها:

"مراد… الناس بتبص علينا."

ابتسم وهو يضع ذراعه حول خصرها، وكأنما يحتضن قلبها لا جسدها، وقال بنبرة فيها تملّك ودفء:

"خليهم يبصوا… عشان يعرفوا إنك متجوزة، عشان محدش يفكر يقرب منك… وبعدين انتي السبب."

نظرت إليه باستغراب وخجل وقالت:

"أنا السبب إزاي بقى؟!"

أجابها وهو يتأمل وجهها بشغف صادق:

"انتي اللي جميلة أوي، أعملك إيه… وبصراحة النهاردة انتي زي القمر… بقولك إيه، ماتيجى نروح بيتنا ونسيبنا منهم."

ضحكت تاليا بخجل وهي تطرق رأسها وترد:

"كل تفكيرك قليل الأدب… امشي روح لحسن عشان أنا هروح لياسمين، شكلها متوترة وهتعك الدنيا."

اقترب منها أكثر وقال بمكرٍ طفولي محبب:

"طيب استني… هنروح سوا، مش هسيبك تمشي وانتي قمر كده لوحدك."

ذهبا معًا نحو العروسين، وانضما للرقص بين الأصدقاء. سادت الأجواء البهجة والفرح، وتوالت اللحظات كلوحات نابضة بالحب. انتهى الحفل، وعاد الجميع إلى منازلهم والابتسامات لا تفارق وجوههم، فقد اكتملت قصة حب جديدة، وتعمقت روابط أخرى.

بعد مرور أربع سنوات

كان المنزل هادئًا، تغمره أشعة الشمس المتسللة من النوافذ برقة، وكانت الساعة قد تجاوزت الصباح. مراد لا يزال نائمًا، اليوم هو عطلة نهاية الأسبوع، ومن النادر أن يسمح لنفسه بالنوم المتأخر، إلا في أيام قليلة كهذه.

فجأة شعر بجذب خفيف في شعره، تجاهله في البداية، لكن الجذب تكرر، واشتد، حتى شعر بالألم، ففتح عينيه بتكاسل وهو يتأفف، ليجد يدًا صغيرة تعبث بشعره. لم تكن سوى يد طفلته الصغيرة.

ابتسم، وأمسك بيدها يقبّلها وهو يقول:

"هي دي صباح الخير بتاعتك يعني؟!… عموماً، أحلى صباح الخير من أحلى ليا."

غمر وجهها الصغير بالقبلات، فضحكت، ثم دفعته بيديها الصغيرتين بمرح، فراح يدغدغها، لتنطلق ضحكتها الطفولية كجرسٍ يملأ البيت بالحياة.

في تلك اللحظة، فُتح باب الحمّام المُلحق بالغرفة، وخرجت منه تاليا، بشعرها المبلل ومنشفة الاستحمام تلف جسدها. نظر إليها مراد بعينيه المتوهجتين بالعشق، ثم قال بنبرة مازحة مليئة بالرغبة:

"إيه رأيك يا ليا؟ ناكل مامي أنا وانتي؟… عشان هي لذيذة وأنا مش بشبع منها."

ضحكت تاليا بخجل، واقتربت منهما، تقبّل طفلتهما الصغيرة، ثم قالت بمرح:

"قولي لبابي يا ليا يبطل كسل ويقوم… عشان حسن وياسمين وابنهم، ورنا وجوزها، ومها وجوزها، وياسين ومراته وبنته… زمانهم جايين."

جذبها مراد إليه فجأة، فسقطت بجواره على السرير، واعتلاها بضحكة ماكرة، يقول:

"لسه ساعة على ما يجوا… إيه رأيك ناخد دش تاني؟"

أحاطت تاليا عنقه بذراعيها، وقالت بدلال:

"لسه ساعة؟… بس إنت لسه هتاخد دش، وهتغير هدومك، وهغير لـ ليا، وهلبس أنا كمان… كل ده؟ مش هنلحق نعمله ف ساعة!"

اقترب منها أكثر، وهمّ بتقبيل شفتيها، وقال بإغراء طفولي:

"يستنونا، مفيهاش حاجة… نرن عليهم نقولهم نازلين لهم."

ضحكت تاليا، لكن بنبرة حازمة مداعبة، قالت:

"هيبقى عيب أوي، يبقوا في بيتنا وإحنا اللي نتأخر عليهم وما ننزلش!"

اقترب مراد أكثر، يحاول الوصول لشفتيها، لكنها تراجعت قليلًا، فما إن بكت ليا، حتى تنهد بغيظ طفولي وقال:

"حتى انتي يا ليا… متفقة معاهم عليّا؟!"

ضحكت تاليا وهي تدفعه برقة:

"قوم يا مراد يا كسلان… أنا حضرتلك الحمام، يلا بقى عشان ما نتأخرش."

قام من على السرير، وهو يتمطى، يقول بتنهيدة العاشق:

"أعمل إيه… ما أنا مش بشبع منك."

فوقفت خلفه، وأحاطته بذراعيها، وقبّلت عنقه برقة، وهمست:

"ولا أنا بشبع منك."

نظر إليها وهو يبتسم، ثم قال بمزاح:

"طيب… ما تيجي تلبسيني زي ليا… إشمعنا هي؟!"

ابتعدت تاليا عنه وهي تضحك:

"إنت مالكش أمان… أنا عارفاك! هتخلينا نتأخر عليهم بردو."

عاد بكاء ليا، فحملتها تاليا وقبّلتها، بينما اتجه مراد إلى الحمّام وهو يقول باستسلام:

"خلاص دخلت أهو… إنتوا كلكوا متفقين عليّا، أنا عارف!"

بعد قليل، وصل الجميع، واجتمعوا في حديقة المنزل الجميلة للاحتفال بعيد ميلاد ليا، التي أكملت عامها الثاني. كانت الطاولة مليئة بالزينة، والحلوى، والبالونات، والأصدقاء يملؤون المكان دفئًا وسعادة.

جلست تاليا بعيدًا للحظة، تنظر إليهم جميعًا بعينين ممتنّتين. هؤلاء ليسوا مجرد أصدقاء… إنهم العائلة، تلك العائلة التي بنتها هي ومراد يومًا بعد يوم. مها ورنا قد تزوجتا من رجلين لطيفين، وقد انضمّا إلى الدائرة الصغيرة المحببة. أما زوجة ياسين، فقد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتهم، وابنته الصغيرة تلعب مع ليا في سعادة.

لاحظ مراد تلك النظرات التي تعتلي ملامح وجهها، فاقترب منها، واحتضنها من الخلف، وهو يعلم تمامًا ما يدور داخلها. فهؤلاء الأشخاص هم أكثر من مجرد أصدقاء، إنهم الأخوة الذين لم تنجبهم عائلاتهم.

وضعت تاليا رأسها على صدره، وقالت بصوتٍ مفعمٍ بالحب:

"انت عارف إنك أحسن قرار أنا أخدته ف حياتي… مش كده؟… عارف إنّي بحبك أوي، وعمري ما تخيلت أكون سعيدة كده… انت، وليا، وأصحابي… أحسن حاجة حصلتلي ف حياتي… أتمنى نفضل دايمًا مع بعض."

أجابها وهو يضمها أكثر إليه:

"وانتي أجمل هدية ربنا بعتها ليا… حياتي ما بقتش أحسن غير لما عرفتك… ربنا يخليكم ليا كلكم."

وفجأة ارتفعت ضحكة رنا وهي تقول بصوتٍ ساخر من بعيد:

"إيه يا جماعة؟! انتوا بتحرجونا؟ يعني عايزينا نمشي؟ إيه الرومانسية دي كلها؟ اصبروا على ما نمشي حتى!"

ضحك الجميع، وضحكت تاليا وهي تمسك بيد مراد وتقول:

"يلا… عشان نطفي الشمع!"

أُسدل الستار على مشهدٍ مشبع بالحب، حين انطفأت الأضواء، وبقيت تلك القلوب، تنبض تحت وهج الشموع، وقد بلغ كلٌّ منهم مراده.

تمت بحمد الله

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة