الفصل الثاني والاربعون

الفصل الثاني والاربعون

12 0

قرر مراد بعدما غادر عادل أن يذهب إلى بسنت فورًا، قبل أن يستفيق ذاك الثمل من سكره ويبلغها بما دار بينهما. لم يكن يثق في توازنه، ولا في مدى قدرته على الصمت. كان عليه أن يسبق الحدث، أن يسيطر على زمام الأمور قبل أن تخرج عن يده.

اتصل بها، فأتاه صوتها متكاسلًا، كعادتها حين تشعر بالأمان الزائف، أخبرته بأنها لا تزال بالخارج، وأنها ستتوجه إلى شقتها القديمة خلال نصف ساعة تقريبًا.

رغم تجاوز الساعة الثالثة صباحًا، كانت لا تزال تتسكع بالخارج، بلا اكتراث لشيء، وكأن العالم ملك يديها.

انتظرها أمام شقتها، تلك التي لم يزرها سوى مرات معدودة في بداية علاقتهما، قبل أن تبدأ في التذمر من الجيران وضيق المكان. حينها، لم تكن تملك من المال شيئًا، فابتاع لها هو شقة في حيّ راقٍ، مفروشة، أنيقة، لا تشوبها شائبة، لتعيش كما حلمت دائمًا.

واليوم، تعود إلى نفس المكان الذي ادعت كراهيته، بعد أن باعته له بدم بارد.

كان يفكر وهو جالس في السيارة: كيف انجرف بهذا الشكل خلفها؟ كيف أنفق عليها ماله، ووقته، وحتى عقله، دون أن يدرك أنها كانت ترى فيه مجرد وسيلة؟

كلما استرجع مواقفها، تذكّر كيف كانت تطلب منه ما تشاء دون حياء، وكيف كان يلبي بلا نقاش، وبلا شروط.

لقد أحبها بطريقة أعمته عن حقيقتها، كان الحب كالغشاوة التي حجبت عنه ملامح طمعها وانتهازيتها، أما الآن، فقد انقشعت هذه الغشاوة إلى الأبد.

رآها من بعيد وهي تترنح في خطواتها نحو البناية، ترتدي ملابس منزلية غير مهندمة، وشعرها معقوص بكعكة فوضوية أعلى رأسها.

وجهها شاحب، وقدماها بالكاد تحملان جسدها.

أكان هذا مظهرها بالخارج؟!

هل تجولت في الطرقات بهذا الشكل المبتذل؟!

نزل من سيارته وقد بدأ الغليان يتصاعد في صدره، وراح يقترب منها بخطى سريعة، صوته غاضبًا وهو يناديها:

– "بسنت!"

لكنها لم تلتفت.

ربما لأنها لم تسمعه، وربما لأنها كانت شديدة التيه.

زاد من خطواته، ولحق بها قبل أن يغلق المصعد بابه. دخل خلفها، فرفعت عينيها نحوه بأعين زائغة، وقالت بنبرة مُترنّحة:

– "مودي... أنا كنت نسيت إنك كلمتني... إنت هنا من زمان؟"

ارتمت بجسدها عليه، واضعة رأسها على صدره، تستند إليه كما تستند الميتة إلى آخر رمق.

لكن يده أبعدتها عنه ببرود مشوب بالقرف، لم تلحظه، فقال بجفاء:

– "انتي كنتي بره ليه لحد دلوقتي؟ كنتي بتشربي شكلك... ولا كنتي سهرانة مع رامي؟"

لم تجبه، خرجت من المصعد حين توقف، تمشي ببطء إلى باب شقتها، راحت تعبث في جيوب بنطالها بحثًا عن المفتاح، عبثًا.

نظر مراد نحو المزهرية المتهالكة الموضوعة بجانب الباب، تذكر فورًا أنها كانت دائمًا ما تضع المفتاح فيها.

مد يده، فأخرجه، وقبل أن يناولها إياه، سمعها تقول وهي تضرب جبهتها بتذكر:

– "أنا نسيت إني سايباه هنا... بس انت لسه فاكر أنا بحط المفتاح فين! لسه مانستش الشقة دي مع إني نسيتها بكل قرفها."

أجابها مراد وهو ينظر إليها بنظرة لا تخلو من السخرية:

– "أكيد فاكر... انتي ناسية إني جيت معاكي هنا كتير... وكل مرة كنتي بتدوري ع المفتاح هنا، بس معلش بقى... اضطريتي ترجعي لها تاني."

راحت تحاول فتح الباب بيد مرتجفة، لكنها لم تنجح. كانت كلما حاولت سقط منها المفتاح، فتنهّدت بضيق وهي تهمهم بكلمات مبهمة.

مد يده وأبعدها جانبًا، تولّى هو الأمر، وبعد محاولتين، فتح الباب.

الرائحة النتنة التي انبعثت من الداخل كانت كفيلة بأن تعيد له كل الذكريات السيئة المرتبطة بهذه الفوضوية التي تسكنها.

الشقة كأنها لم تنظّف منذ أعوام. الفوضى تعمّ المكان، والقمامة تملأ الطاولات، والمطبخ... لا يوصف.

دخل خلفها وقد اتسعت عيناه. كل شيء بها يبعث على الاشمئزاز، كل زاوية تروي قصة من قصص انحدارها.

كانت تجلس على الأريكة، وحين التفت إليها، وجدها تجلس أمام طاولة صغيرة، تنثر عليها مسحوقًا أبيض، وتشكّله بخط مستقيم، ثم... تهمّ باستنشاقه!

تجمّد مراد في مكانه.

هل ما يراه حقيقي؟!

هل وصلت لهذه الدرجة؟!

متى؟!

كيف؟!

كان يعلم أنها تحتسي الخمر، وقد حاول كثيرًا أن يمنعها، لكنها كانت دائمًا توعده بالكف، ثم تنكث.

لكنها الآن أمامه… تشمّ الكوكايين أو ما يشبهه، بلا خوف، بلا خجل.

اقترب منها بخطوات بطيئة، والاشمئزاز في كل ملامحه.

عقله يصرخ، وقلبه يدمى، لكنه تمالك نفسه بصعوبة.

هذه هي المرأة التي أنفق عليها عمرًا…

ها هي حقيقتها تتجلى أمامه في أوضح صور الانهيار.

اقترب منها أكثر وقال بنبرة متماسكة، تخفي خلفها قهرًا لا يُحتمل:

– "انتي بتعملي إيه؟!"

– "هاااه؟!" رفعت عينيها إليه، وقد بدأت تفقد اتزانها.

– "بتقول إيه؟ مش سامعة كويس..."

– "بقولك... ده إيه اللي قدامك؟! انتي بتشربي إيه؟!"

ضحكت ضحكة رخوة، وقالت بلامبالاة:

– "ده؟! ده ولا حاجه !"

لكم كان مشهدها مثيرًا للشفقة…

لكن الشفقة لا تستحقها.

الخيانة… الإدمان… الخداع… كل ذلك يجعلها لا تستحق شيئًا سوى العقاب.

نظر إليها مطولًا… بعينين تجمد فيهما كل شيء.

كان يعرف أن عليه أن يبدأ الحساب الآن…

وأن ينتزع منها الحقيقة بكل طرقه.

لقد آن وقت النهاية… لكنها ستكون نهاية مُذلة، مستحقة.

اقترب مراد منها بخطوات ثابتة، والغضب يتفجر من مقلتيه كحمم بركان ثائر، ثم رفع يده فجأة وأطاح بكل ما كان فوق الطاولة، ناثرًا المسحوق الأبيض والعلبة الزجاجية وكل شيء أمامه، فتناثرت البقايا في الهواء كرماد حلم محترق.

اتسعت عينا بسنت بصدمة هائلة، وسرعان ما نهضت من مكانها بعنف، كادت تسقط من ترنحها، لكنها تماسكت بالكاد، ثم صرخت في وجهه بجنون:

– "انت ازاي تعمل كده! انت اتجننت؟! انت عارف أنا عملت ايه على ماجبتهم؟!"

كان صوتها عاليًا، مهتزًا، يفضح هلعها وفقدان سيطرتها، لكن مراد لم يجزع، لم يتراجع، بل تقدّم منها بخطوات أبطأ، أكثر إيلامًا من الصراخ، ثم قال بصوت غاضب، نبرته تحمل مزيجًا من الخذلان والحنق:

– "انتي وصلتي للمرحلة دي امتى؟! بقيتي بتشمي كمان؟! مش كفاية الكحول اللي دمرك؟! كمان دخلتي ف طريق الشم؟!انتي بتعملي في نفسك كده ليه؟! ازاي توصلي للحالة دي؟! انتي مش شايفة نفسك بقيتي عاملة ازاي؟!مش شايفة السواد اللي تحت عنيكي؟! جسمك اللي خسّ أكتر من اللازم؟! شكلك اللي اتغير؟!لبسك اللي كنتي خارجة بيه دلوقتي؟! انتي ازاي سايبة نفسك توصلي لكده؟! وليه؟!"

تراجع جسدها للخلف، كأن كلماته تصفعها، لكنها لم تبكِ في البداية، بل انتفضت بانفعال هستيري، وصرخت بكل ما فيها من وجع مختلط بالغضب:

– "أنا عاجبني نفسي! مالكش دعوة!انت زهقتني بنصايحك اللي مابتخلصش! كل ما تشوف وشي: بطلي شرب، بطلي تتكلمي بالطريقة دي، بطلي تتعاملي كده! انت مالك؟! مش عجباك؟! كان ايه خلاك تحبني من الأول؟! ايه اللي خلاك تدخل حياتي من الأساس؟!"

ثم سكتت للحظة، كأنها استنزفت صراخها، وهوت فجأة في دوامة ضعفها، فلم تعد تملك ما تقاتل به.

انخفض صوتها حتى أصبح همسًا مختنقًا بالدموع، وراحت تبكي بحرقة وهي تقول بتوسل:

– "أنا عايزة غير اللي انت رميته ده...تجيبلي دلوقتي حالًا غيره...عشان خاطري، اتصل انت على رامي، قوله يجيبلي غيره، مش هيرضى يسمع كلامي...أنا اتحايلت عليه كتير أوي على ما وافق يجيبلي دول..."

ثم اقتربت منه، تمشي كطفلة تائهة تبحث عن دفء ما، وضعت يدها على ذراعه تتوسل وهي تجهش بالبكاء:

– "كلمه انت... هو بيسمع كلامك، عشان خاطري...

هعملك أي حاجة انت عايزها، بس خليه يجيبلي غيرهم دلوقتي..."

كان قلب مراد يدمى وهو يراها بهذه الحالة، كأن كل خلية بداخله تصرخ، لقد أحبها، وحاول إنقاذها مرارًا، لكنه الآن يرى ما لم يكن يتخيله، إنها أصبحت مجرد ظل إنسانة، كأنها قطعة زجاج مهشّمة بالكاد تعكس الضوء.

لكنّه أيضًا لم ينسَ… لم ينسَ خيانتها… ولم ينسَ المؤامرة.

لذا تماسَك، أخفى ألمه، وراح يصنع على وجهه ملامح الهدوء، ثم قال لها بصوت خافت، يتظاهر باللين:

– "هجيبلك اللي انتي عايزاه… وأكتر كمان…

بس لو جاوبتيني على كل حاجة بصراحة.

لو قلتيلي كلمة واحدة مش حقيقية، مش هجيبلك حاجة…وهخلي رامي كمان مايسمعش كلامك تاني."

هزّت رأسها سريعًا، الدموع تتساقط بغزارة، وهي تقول بصوت مخنوق:

– "هقولك أي حاجة انت عايزها… بس هاتلي بدل اللي رميته…"

جلس مراد على الأريكة، ووضع ساقًا فوق الأخرى، بينما هي سقطت أرضًا، منهكة، جالسة على ركبتيها كمن ينتظر حكمًا بالإعدام، أو نجاة مشروطة.

أخرج مراد هاتفه، فتح الفيديو الذي سجّله لعادل، ووضعه أمام عينيها، صامتًا.

ظلت عيناها تتنقلان بين وجهه ووجه الهاتف، وبين عادل الذي يتكلم بكل تفاصيل الخيانة، وبين مراد الذي يراقبها كالصقر.

مع كل ثانية في الفيديو، كانت تتقلص عضلات وجهها، تتوتر، تتعرّق، ترتعش أطرافها، حتى بدأ وجهها يمتقع بالرعب، وفمها يهمس بكلمات غير مسموعة.

وحين انتهى الفيديو، مدّ يده وأخذ الهاتف منها، ثم نظر في عينيها مباشرة وقال بهدوء غارق في السخرية:

– "إيه رأيك في اللي سمعتيه؟"

كانت النظرة في عينيها تحمل ألف جواب…

لكن مراد لم يرد نظرة… كان ينتظر اعترافًا، أو انهيارًا، أو حتى كذبة جديدة لتفضحها ملامحها وحدها.

لقد بدأ الحساب… وبسنت… أول من ستقف أمام مرآة الحقيقة، بلا زينة، بلا تمثيل.

هتفت بسنت فجأة بصوت مرتعش، تتشبث بالكذب كما تتشبث الغريقة بقشة:

– "ده كداب! أنا معرفش حاجه من اللي بيقوله ده! أنا معرفش هو مين ده أصلاً!"

لكن مراد لم يظهر انفعالًا، بل ظل جالسًا في مكانه بنفس البرود الجارح الذي كان أقسى من أي صراخ، وقال بنبرة هادئة تقطر تهديدًا:

– "أنا قولتلك من الأول إنك لو ماقولتيش الحقيقة مش هجيبلك اللي انتي عايزاه… وواضح كده إنك عايزه تكدبي وتطولي الموضوع… فبراحتك.

أنا همشي، وهعتبر إني ماسمعتش منك حاجه… ومش عايز أعرف حاجه عموماً."

ثم تظاهر بالوقوف، أدار جسده نحو الباب ليغادر، لكن يدها امتدت فجأة، أمسكت بمعصمه كطفلة تتوسل لعبتها الأخيرة، وعيناها المرتعشتان تطلبان الرحمة، لكنها لم تكن في وعيها الكامل، فقد أفسد الخمر والمخدر عقلها تمامًا، حتى نسيت عواقب الكلام، فصرخت برجاء مهين:

– "لا! عشان خاطري… أنا هقولك كل حاجه… مش هكدب، رامي وعادل هما السبب، أنا ماليش ذنب، هما اللي قالولي أعمل كده!"

توقف مراد، التفت إليها وقد بدا كأنه يصغي بشفقة ممزوجة بالاشمئزاز، وقال بثبات:

– "قالولِك إيه؟ احكيلي… بالتفصيل."

ترددت قليلًا، تحرك لسانها بتلعثم ثم قالت، وصوتها ينخفض تدريجيًا:

– "رامي قالي نجيبها ونخدرها ونصورها ونبعتلك الصور عشان تبعد عنها، ولو مابعدتش… نبعتها لباباك، عشان تخرج من حياتك بقى، وعادل قال إنه عايز يكون موجود وهي متخدرة كده، معرفش ليه… بس رامي وافق، أنا… أنا ماعملتش حاجه غير إني صورتها وبعتلك الصور… بس."

حدّق فيها مراد طويلًا، ثم قال بحدة خالية من الرحمة:

– "ومين اللي بعتها لتاليا وهددها تبعد عني؟!"

فردّت بسرعة، كأنها تحاول إطفاء نار تتصاعد في الغرفة:

– "مش أنا والله! ده رامي!"

اقترب منها مراد خطوة، وقد ازدادت نبرته حدة:

– "إزاي؟! والصور معاكي انتي! هي والكاميرا بتاعة عادل!"

تلعثمت بسنت، ارتبكت للحظات ثم قالت محاولة الخروج من المأزق:

– "هو… كان عندي هنا… وطلب يشوف الصور… وبعد ما شافها، قالي إنه هيبعتهالها عشان يخوفها ويخليها تبعد عنك، فقولتله يبعتها من تليفوني، عشان ماياخدش الصور عنده ويعمل بيها حاجه من ورايا…"

تغيرت نظرة مراد فجأة، لم تعد فقط نظرة غضب… بل احتقار.

جلس من جديد، نبرته كانت تمزق:

– "طيب… وانتي؟ دخلتي حياتي من الأول ليه؟! مثلتي إنك بتحبيني ليه؟! كل السنين دي كنتي بتكدبي عليا وبتخدعيني عشان الفلوس… مش كده؟!"

لكن بسنت لم تحتمل هذا الاتهام، وصرخت وهي تبكي:

– "لا يا مراد! أنا بحبك، والـ..."

لكنه لم يدعها تكمل، فقاطعها صارخًا بعنف انفجر من قلبه كالقذيفة:

– "اخرسي! ما تكدبيش!أنا قولتلك من الأول… قولي الحقيقة!أنا عارف كل حاجه!وشوفتك بعيني ف حضن رامي!عارف إنك عمرك ما حبتيني!

كل اللي كنتي عايزاه كان الفلوس… وبس!

عشان كده أنا أخدت فلوسي اللي اديتهالك: الشقة، والعربية، والفلوس اللي بتجيلك كل شهر… وقفتها.

هي صحيح مش كل الفلوس اللي أخدتيها مني، بس على الأقل اللي معاكي حالياً. أنا مش مهم عندي الفلوس… بس انتي مهم عندك، انتي بتعبديها… عشان كده عقابك المناسب…

إني آخد فلوسي منك! وأوعي تفكري إني هسيب تاليا… بجد! أنا بحبها… وهنرجع لبعض،

هي أقدر أآمن على حياتي، وعلى فلوسي، وعلى ولادي معاها.إنما واحدة زيك… عايشة ف الخمرة، وف المخدرات، والسفالة…محدش يآمن على نفسه معاها!انتي اخترتي طريقك بإيديكي… محدش غصبك عليه. زي ما هي عاشت لوحدها…

انتي كمان عشتي لوحدك…بس هي اختارت طريق… وانتي اختارتي طريق تاني."

وقفت بسنت تصرخ، كأنها تنهار داخليًا:

– "يعني إيه؟!يعني انت مش هتكتب حاجه باسمي زي ما قولتلي؟!مش هترجعلي الفلوس تاني؟!

لا! أنا… أنا مش كل اللي عملته ده، والسنين اللي عدت دي كلها… هتروح كده! أنا هاخد الفلوس اللي أنا عايزاها… غصب عنك!حتى لو اضطريت أقتلك… وأقتلها! انت فاهم؟!"

اقترب مراد منها، عينيه كانتا جمرًا مشتعلاً، وصوته نزل كالصاعقة على رأسها:

– "انتي ماتقدريش تلمسيها…ولو فكرتي… بس مجرد تفكير إنك تقربي منها…أنا مش هرحمك!

والفيديو ده… هوصله للشرطة، وهي تتصرف معاكم بقى…أو ليه؟أنشره على النت!إيه رأيك؟!

أخلي مصر كلها تتفرج…زي ما قولتيلها في الرسالة اللي بعتوها…انتي أو رامي!"

كانت كلماته قاضية… كسيف مسموم ضرب أعماقها.

بينما كانت بسنت ترتجف، عاجزة عن النطق، تائهة بين ما فقدته، وما لم تعد تملكه أبدًا… لا الحب… ولا المال… ولا حتى الكرامة.

أدار مراد الهاتف نحو وجهها، كانت عيناه جامدتين خاليتين من الرحمة، وحين رأت الشاشة أمامها، أدركت الكارثة... لقد قام بتصوير كل شيء، كل كلمة تفوهت بها، كل اعتراف خرج منها تحت وطأة الخوف والحاجة. انتفضت كمن لدغتها أفعى، قفزت من مكانها تحاول أن تنتزع الهاتف من يده، لكنها لم تجد سوى دفعة عنيفة منه، أبعدها فيها بذراعه بقرف، وهو يقول بنبرة ملأها الاشمئزاز:

– "ما تلمسينيش... ارجعي مكانك!ولو مش عايزة الفيديو ده مصر كلها تشوفه، قدامك فرصة واحدة تنفذيها،لو نفذتي اللي هقولهولك بالحرف، محدش هيشوف الفيديو ده غيري،إنما لو ما نفذتيش... انتي حرة بقى!"

كانت تتنفس بسرعة، الخوف ينهشها، وعقلها الغائم بالمخدرات يحاول أن يفيق على الواقع المؤلم، فهتفت بتردد يشوبه الغضب:

– "وأنا أضمن منين إنك مش هتخلي حد يشوف الفيديو بعد ما أعملك اللي انت عايزه؟!"

أجابه بهدوء بارد كالصقيع:

– "ماعنديش ضمانات… عاجبك تنفذي… أوك،

مش عاجبك… براحتك بردو."

شعرت بالاختناق، فابتلعت ريقها بصعوبة وسألته، وكأنها تسلّم نفسها لحكمه:

– "طب… انت عاوزني أعمل إيه؟!"

رد دون أن يحيد ببصره عنها، صوته كان كالسيف:

– "أول حاجه: تاليا… إياكي تقربي منها،

ولو هي موجودة ف مكان… تسيبيه وتمشي،

ولو حصلها أي حاجه…ولو صدفة… الفيديو اللي انتي فيه بتقولي إنك هتقتليها…هيكون في إيد كل الناس.

ثانيًا:

تليفونك،والكاميرا،وتليفون رامي،وأي تليفون عليه صورة ليها… يجيلي."

قاطعته، وقد ارتفعت نبرة صوتها قليلًا، والقلق يفضحها:

– "طب… وأنا هجيبلك تليفون رامي إزاي؟!"

رمقها بنظرة ساخرة، وقال بتهكم واضح:

– "في أي قاعدة شاعرية من اللي بتقعدوها مع بعض…تاخديه من غير ما يحس…وانتي شاطرة أوي ف القعدات اللي زي دي…أنا عارف."

أطرقت برأسها قليلًا، شعرت بالخجل يتسلل إلى ملامحها، كيف عرف كل شيء؟ بل كيف استطاع أن يراها على حقيقتها دون أن يرتبك؟

نظرت بعيدًا تحاول تجنب نظراته، لكن فجأة عادت تتذكر، فقالت وقد اعتراها الحذر:

– "طب… واشمعنا ماطلبتش تليفون عادل؟!"

رد مراد ببرود:

– "لأني مسحتله الداتا اللي على تليفونه كلها… قبل ما أمشي وأسيبه."

ثم مال نحوها قليلًا وأضاف، بنبرة أكثر حدة:

– "وثالثًا…لسه ماعرفتيهاش على فكره."

رفعت رأسها بنفاد صبر، وقالت بتأفف:

– "وايه هو ثالثًا إن شاء الله؟!"

اقترب منها خطوة، كأن كلماته سكاكين تجهزها للذبح:

– "رامي مايعرفش حاجه من اللي حصل هنا…

وكمان أنا هقوله إني كتبت كل حاجه بإسمك،

ولو سألك… تأكدي كلامي.وكمان… أي حاجه يقولها لك…تسمعيهالي.يا إما تتصلي بيا وقتها،

يا إما تسجليها فيديو…زي ما أنا عملت معاكي كده.

مفهوم؟"

نظرت إليه وقد سقطت الأقنعة بينهما، شعرت كأنها عارية من كل شيء… حتى من كرامتها، لم تكن تجرؤ على المجادلة بعد الآن، لقد رأته في صورة لم ترها من قبل،

قوة لا تعرف الرحمة، وذكاء لم تظن يومًا أنه يملك مثله…

هذا الرجل لم يعد "مراد" الذي أحبته – أو أوهمت نفسها بذلك –

لقد صار كائنًا آخر… لا يرحم.

خفضت بصرها، وهمست بصوت خافت تملؤه الهزيمة:

– "مفهوم."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة