الفصل الاربعون

الفصل الاربعون

12 0

كانت "تاليا" جالسة على الأريكة تتوسط أصدقاءها الذين جاءوا إليها بدعوة منها، بعدما شعرت أن أفكارها تكاد تفتك بعقلها. كانت قد قضت يومها في المكتبة تحاول التركيز في عملها المعتاد، تقلب الصفحات، تنظّم الرفوف، وتدير المكان الذي طالما منحها شعورًا بالهدوء والانضباط… لكن لا شيء من هذا استطاع أن يُسكت صوت مراد داخِلها.

حديثه معها، كلماته، نظرته وهي تلمح فيها رجاءً خفيًا بأن تعود إليه، كلها أمور شغلت عقلها وقلبها. كانت تشعر بالحيرة، حيرة تبتلعها حتى تكاد تفقد معها توازنها.

أتعود إليه؟

أم تبتعد حتى تحفظ كرامتها من الوقوع في شرك الذكرى والحيرة والغيرة؟

هي لا تستطيع أن تُنكر… ما زالت تحبه.

ورغم كل ما حدث، ما زال قلبها ينبض باسمه، ما زالت تشتاق إلى حضوره، إلى كلماته، إلى شعور الأمان الذي شعرت به عندما قال لها: "بحبك".

لكنها لم تستطع أن تنسى، لم تنجُ من صور الماضي… من ذكرياته مع بسنت. تلك التي كانت الهواء الذي يتنفسه، تلك التي أحبتها عيونه قبل أن تراها هي.

نعم، قال لها إنها قد خانته، بل كانت سببًا في حادثٍ مؤلمٍ ألقت به في غيبوبةٍ طويلةٍ أفاق منها فاقدًا للذاكرة… ناسيًا الجميع، ناسيًا قلبه.

لكنها تتساءل الآن، ومراد يريد عودتها إليه:

هل نسي حقًا؟

أم أنه فقط في فترة مؤقتة، فترة انتقالية سيعود بعدها كل شيء كما كان؟

هل ستكون هي مجرد محطة عبور، تؤنس وحدته وتطبب ذاكرته حتى يتذكر من كانت تسكنه؟

هي لا تريد ذلك، لا تريد أن تكون مؤقتة في حياة أحد، ولا أن تبقى ظلًا لامرأةٍ أخرى.

لكن… قلبها كان له رأي آخر.

قلبها، المشتاق، المُنهك، المُتعب… كان يريدها أن تعود إليه. أن تغامر، أن تراه يبتسم من جديد ويقول لها: "أنا بحبك".

ولما شعرت أنها على شفا حفرة من الجنون، قررت أن تطلب العون من أحبّتها، من أصدقائها الذين أصبحوا لها السند والأمان.

كانوا جميعًا في غرفة المعيشة، بعضهم جلس على الأريكة، وبعضهم على الأرض. تحيط بهم ألوان خفيفة دافئة، وصوت الموسيقى في الخلفية منخفض بالكاد يُسمع.

أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى أعينهم ثم قالت:

– "مراد طلب إني أرجعله…"

ساد الصمت، الكل ينظر إليها في انتظار أن تكمل، فقط "ياسمين" اقتربت منها وأمسكت يدها برفق وقالت:

– "حبيبتي ده قرارك انتي. انتي حاسه انك هتكوني مبسوطة لو رجعتي ولا لا؟ لو هتبقي مبسوطة، ارجعي ومايهمكيش كلام أي حد مهما كان."

هزت "تاليا" رأسها بخفة ثم عضّت ظفرها بتوتر وقالت بصوت أقرب للبكاء:

– "بس أنا حاسه إني كده هكون حرامية… أخدته منها. حاسه إني حد مش كويس وأنا بفرق بينهم كده."

كأن كلماتها أيقظت الغضب في عروق "رنا" التي قالت بغيظ واضح:

– "خدتي مين من مين؟! تاليا انتي عبيطة؟! ده جوزك… يعني هي اللي خدته منك مش انتي اللي هتاخديه منها! انتي بتفكري ازاي؟! مخك موديكي فين؟!"

خفضت "تاليا" نظرها في خجل، ثم تنهدت بعمق وكأنها تتهيأ لكشف شيء أثقل كاهلها طويلًا:

– "بصراحة كده… أنا كنت مخبية عليكم حاجة."

انعقدت الحواجب، وحدّقت العيون، وتوقفت الأنفاس للحظة، حتى أكملت:

– "أنا ومراد ماكناش متجوزين بجد."

ارتفعت شهقات الدهشة من الجميع، ما عدا "ياسمين" التي كانت تعلم بالأمر.

"مها" قالت أولًا، بصدمة لم تحاول إخفاءها:

– "يعني إيه مش متجوزين بجد؟! أمال كنتوا عايشين مع بعض إزاي في بيت واحد؟!"

سارعت "ياسمين" لتوضيح المعلومة التي فهمت بشكل خاطئ:

– "يا جماعة، هي خانها التعبير… هي فعلًا متجوزاه، بس علاقتهم ماكنتش زي أي اتنين متجوزين."

لم تتقبل "رنا" الإجابة بسهولة وقالت:

– "إزاي ماكانتش زي أي اتنين متجوزين؟ مش فاهمة!"

توترت "ياسمين" وقالت وهي تلوّح بيدها:

– "لا معرفش بقى، هي تفهمكم… أنا ماليش دعوة."

ابتسم "حسن" في محاولة لتخفيف الأجواء وقال بمزاح:

– "لا قوليلنا إزاي يا ياسمين، واضح إن تاليا مش عارفة تفهمنا صح."

زاد خجل "ياسمين" وقالت بسرعة:

– "أنا ماليش دعوة… أنا معرفش حاجة… ماتتكلمي يا تاليا!"

أخذت "تاليا" نفسًا متقطعًا ثم قالت بصوتٍ مبحوح:

– "أنا هفهمكم… إحنا أيوه اتجوزنا، بس من أول يوم لينا مع بعض مراد قالّي إنه اتغصب على الجوازة دي. باباه أجبره يتجوزني، وهو كان بيحب واحدة تانية غيري، وقال إننا فترة وهنتطلق. هو ما ضحكش عليا، ولا خدعني… هو فهمني كل حاجة من البداية، وأنا وافقت أكمل في التمثيلية دي."

صمت الجميع، ثم قال "حسن" بصوت هادئ لكن حاسم:

– "طيب ليه وافقتي على حاجة زي دي من الأول؟ ليه ما طلبتيش منه يطلقك بدل ما تفضلي متعلقة كده؟ على الأقل تشوفي حياتك… ما تفضليش تحت أمره."

قالت "تاليا" وهي تضم ذراعيها إلى صدرها وكأنها تحتضن خوفها:

– "بصراحة… كانت الأسباب كتير. بس أهمها إني كنت خايفة أعيش لوحدي، وخاصة مع لقب مطلقة. وانتوا ما كنتوش لسه ظهرتوا في حياتي. كمان كنت خايفة أهل ماما يغصبوني أروح أعيش معاهم، وأنا ما كنتش عايزة ده. وكمان… هو اللي ماسك شغل بابا الله يرحمه، وأنا ما بفهمش فيه حاجة.عشان كده… فضلت إني أعيش بإسم إني متجوزة، حتى لو مش جواز حقيقي. المهم إنه هيمنع عني كلام الناس ونظراتهم. وعشان ما أكدبش… أنا كنت بحبه من أول مرة شوفته فيها، قبل ما نتجوز. وما عرفتش أبطل أحبه حتى بعد ما عرفت إنه بيحب غيري…عشان كده حاسة إني سرقته منها."

ثم خفضت عينيها وساد الصمت…

كل فرد في الغرفة كان غارقًا في تفكيره، يتأمل ما سمعه، يتساءل مثله مثلها:

هل هي سارقة؟

أم فقط امرأة أحبّت في صمت، وعاشت على أمل أن يأتي اليوم الذي يُبادَل فيه هذا الحب؟

لم تستطع "تاليا" أن تتمالك نفسها أكثر، فانفجرت بالبكاء، وكأن كل ما كانت تحبسه في قلبها قد تحرر دفعة واحدة… دموع غزيرة، صامتة في أولها ثم متألمة، باكية بصدق، تمزق بها حنجرتها ووجدانها.

وضعت وجهها بين كفيها، تشهق في مرارة، تشعر بالذنب العميق الذي يكاد يخنقها.

اقتربت "مها" منها بسرعة واحتضنتها بحنان دافئ وهي تمسح على شعرها، تقول لها بصوت حنون اختلط بالغضب النبيل:

– "بس انتي ماسرقتيش حد، بالعكس انتي سبتيهولها. ورغم إنه جوزك احترمتي حبه ليها وبعدتي عنه. كنتي تقدري توقعيه ف حبك بسهولة، وبعدين قمر زيك كده يا جميل، أي حد هيقع ف حبه، إذا كنت أنا واقعة ف حبك يا بطل انتِ ،أمال الواد الغلبان يعمل إيه! دي نظرة واحدة بس كنتي هتجيبيه."

ضحكت "تاليا" من قلبها وسط دموعها، ضحكة مباغتة حررت الحجرة من حزنها، فضحك معها الجميع، وأشرقت الوجوه بابتسامة حقيقية، كأن الطقس العاطفي الثقيل الذي كان يخيّم على المكان تبدد أخيرًا.

رفعت "رنا" حاجبيها وقالت بدهشة تميل إلى الجد:

– "طيب هو ليه عايز يرجعك دلوقتي؟ أنا مش فاهمة بردو… يعني بما إنه بيحب البنت التانية دي، ليه عايزك دلوقتي؟ أو ليه بطل يحبها؟!"

نظرت إليهم "تاليا" نظرةً تحمل كل ما في قلبها من مرارة وصدق ثم قررت أن تحكي لهم كل شيء، أن تخبرهم بالحقيقة التي لم تفصح بها سوى لياسمين.

بدأت تروي ما قاله لها "مراد":

عن خيانتها له…

عن الحادث الأليم الذي غيّر كل شيء…

عن الغيبوبة الطويلة…

عن النسيان…

عن ذلك المشهد المؤلم الذي رآه بعينيه لصديق عمره وحبيبته يطعنانه معًا.

اتسعت أعين "مها"، وضعت يدها على فمها بذهول قائلة:

– "يا بنت اللذين… يعني هي كل ده أصلًا كانت بتضحك عليه عشان الفلوس؟! هي وصاحبه؟! يخرب بيت كده."

أشاح "حسن" بوجهه وهو يكتم غضبه، ثم قال بنبرة حادة:

– "ده لو أنا منه أقتلها هي وهو، ومش مهم أدخل السجن فيهم. يعني واحدة حبها وفضلها حتى على نفسه… وصاحب عمره اللي مأمّن له ويعملوا فيه كده؟! بجد حاجة صعبة أوي… مش متخيل إحساسه عامل إزاي. له حق يفقد الذاكرة، لأن عقله مقدرش يتحمل الصدمة اللي أخدها."

تنهدت "ياسمين" بأسف وألم وقالت:

– "بجد دي بنت وحشة جدًا وماتستاهلش… لا وانتي عمالة بتفكري فيها وتقولي أنا سرقته منها؟! هو أصلًا بعد اللي عملته ده أكيد مالهاش مكان ف حياته."

هزّت "مها" رأسها موافقة وقالت بحماسة:

– "عندك حق يا ياسمين… وهو واضح إنه بيحبك يا تاليا، بصراحة كل المرات اللي قابلناه فيها كان واضح خوفه عليكي، ونظراته ليكي كانت بتقول إنه بيحبك."

قالت "رنا" وهي تشير بيدها كأنها تستعيد لحظات معينة:

– "أيوه، انتي كمان لاحظتي؟! أنا بجد كنت بستغرب نظراته ليكي يا تاليا لما بنخرج، كنت بقول يعني انتي قدامه ف البيت 24 ساعة… بيبصلك ليه كأنه لسه شايفك أو بيتعرف عليكي من أول وجديد؟!"

ضحك "حسن" قليلًا ثم قال برصانة:

– "وغير ده كله… هو شاب كويس ومحترم. أنا ماشوفتش منه حاجة وحشة، بالعكس… راجل يعتمد عليه. لو بتحبيه، ماتعذبيش نفسك وتعذبيه وارجعي."

نظرت إليهم "تاليا" بعينين دامعتين، يملؤهما الارتباك والخوف، ثم همست بصوت ضعيف:

– "بس أنا خايفة."

نظرت إليها "ياسمين" بدهشة وقالت:

– "من إيه تاني؟!"

قالت "تاليا" وهي تضغط على كفها في قلق:

– "معرفش… بس خايفة… خايفة أحبه أكتر من كده… ويرجع لها بعدين."

لم تتحمل "مها" تلك الكلمات، فالتقطت الوسادة التي بجانبها وضربتها بها بخفة قائلة:

– "يرجع لها إزاي بعد اللي عملته ده؟! هو زيرو كرامة للدرجة دي؟!"

ضحكت "تاليا" رغماً عنها وهي تمسك الوسادة وتحتمي بها، لتجد الباقيات يبدأن في حملة ضرب وسائد جماعية عليها.

وبين صرخات الضحك وركضها المتوتر، علت أصوات الفتيات، تقول إحداهن:

– "شكلك عايزة تفوقي… احنا هنفوقك!"

– "انتي زهقتينا بجد… خايفة خايفة، انتي مش حافظة غيرها!"

بين الضربات، والضحكات، والأصوات العالية، كانت تاليا تضحك من قلبها، قلبها الذي خفّ حمله قليلاً، الذي بدأ يرى الضوء.

ركضت بعيدًا عنهن وهي تضحك بصوت عالٍ، وصرخت بسخرية طفولية:

– "خلاص!"

وعندما تأكدت أنهن هدأن، جلست على الأريكة ومسحت دموع الضحك من عينيها. تنفست الصعداء…

لكنها لم تستطع أن تقاوم، نظرت إليهن وقالت:

– "بس أنا خايفة…"

وفجأة، صرخت الفتيات مجددًا ونهضن من أماكنهن، فتفاجأت "تاليا" وهتفت:

– "استنوااا!" ثم ركضت نحو غرفتها وهي تضحك بجنون وتحتمي خلف الباب، بينما الأصوات العالية تتعالى بالخارج:

– "مش هتخرجي من أوضتك النهارده!"

– "هنحبسك فيها!"

– "مش هنسمع كلمة خايفة دي تاني!"

في الداخل، كانت تاليا جالسة خلف الباب، ما زالت تضحك من قلبها… وما بين ضحكاتها، شعرت بشيء ناعم يسري في صدرها، شعور خفيف، دافئ…

ربما لم تودّع خوفها بعد، لكنها عرفت طريق الخلاص منه.

مرّت عدّة أيّام بدا خلالها "مراد" هادئًا في مظهره، بينما في أعماقه كان يشحذ سكين الانتقام بهدوء قاتل. تلقّى في ظهيرة أحد الأيام اتصالًا من "رامي"، دعاه فيه لمقابلته في أحد المقاهي المعتادة. لم يتردد "مراد"، بل توجه إلى المكان في التوقيت المحدد، وقد بدأ قلبه ينبض بوتيرة مختلفة، كأنه يستشعر اقتراب النهاية.

وصل إلى المقهى، فوجد "رامي" و"بسنت" في انتظاره. جلس قبالتهما بهدوء، فوضع "رامي" أمامه ظرفًا به شيك، قائلاً بابتسامة ظاهرها الود، وباطنها التخلّص:

– "دي فلوس الكافيه، أنا بعته، واللي اشتراه هيستلمه بكره."

لم تمر لحظة حتى أخرجت "بسنت" هي الأخرى شيكًا ووضعته بجوار الأول، وقالت بنبرة لم تخف حماسها:

– "ودي فلوس الشقة بتاعتي والعربية، بيعتهم بردو… خدهم واشتري نصيب الشريك التالت، بس المهم، عرفت تقنع زفتة إنها تتنازلك عن نصيبها ولا لأ؟!"

نظر "مراد" إلى الشيكين أمامه، عيناه ثابتتان عليهما بينما في عقله تدور معركة قرارات شرسة.

هل يكتفي بهذا العقاب؟ هل يتركهما وقد ظنا أنه ما زال ألعوبة في أيديهما؟ أم يستكمل لعبته للنهاية؟

لقد أراد فقط أن يسترد ما سُرق منه باسم الحب والخداع، ولهذا لم يطلب منهما إلا بيع ما اشتراه لهما بنفسه… ولكنه لم ينسَ ما فعلاه بـ"تاليا"، ولم يسامح.

رفع عينيه إليهما، وأجاب بصوت واثق فيه قليل من التراخي المتعمد:

– "أيوه… اقنعتها، وهتتنازل بكره أو بعده بالكتير عن كل حاجة ليا."

تهللت أسارير "بسنت"، وارتسمت على وجهها سعادة كأنها اقتربت من حُلم كانت تظنّه بعيدًا، ثم قالت بلهفة:

– "كويس… بس يا مودي، نصيحة مني، أول ما تتنازلك بسرعة اكتب لي كل حاجة باسمي، عشان يعني لو رجعت في كلامها ولا حاجة، تبقى ضمنت إن فلوسك مش هترجع لها تاني."

ابتسم "مراد" في وجهها، ابتسامة كاذبة تحمل نيرانًا لا تراها، وقال:

– "أيوه طبعًا، ما هو ده اللي هعمله… أنا حتى ممكن أبقى أتصل بيكي وقت لما تكون هتتنازل، تيجي لي عشان أكتب لك كل حاجة على طول."

تقدمت منه "بسنت" تقبّله بحماسة ولهفة، وهمست:

– "أنا بحبك أوي يا مودي، ومستعدة أعمل عشانك أي حاجة… أنا مايهمنيش أي حاجة غيرك."

كان "رامي" يتابع هذا المشهد بتأفف واضح، فقال وهو يشيح بنظره:

– "ما خلاص يا بسنت، الناس حواليكوا وبتتفرج عليكي."

رمقته "بسنت" بنظرة غاضبة وقالت بعناد:

– "اللي يتفرج يتفرج، ده هيبقى جوزي وإحنا حرين نعمل اللي عاوزينه… مش فاهمة فين المشكلة."

ثم نظرت إلى "مراد" كأنها تذكرت شيئًا هامًا، وقالت:

– "آه صحيح يا بيبي، أنا هبات فين بعد ما بعت شقتي؟!"

أجابها "مراد" بنبرة محسوبة:

– "شقتك القديمة بتاعت باباكي، ما هي لسه موجودة… باتي فيها على ما نحل الموضوع."

تجهم وجهها فورًا وقالت باستياء طفولي:

– "اخص عليك يا مودي، كنت فكراك هتقولي تعالي اقعدي ف الفيلا بتاعتي… تقوم تقولي شقتي القديمة اللي ف مكان لوكال؟!"

أجابه سريعًا، يخفي وراء كلماته خطة محكمة:

– "ما هو عشان تاليا… على ما اقنعها، يعني لو شافتك معايا في الفيلا هتقول إني بضحك عليها، ومش هترضى تتنازل عن حاجة، ومش هعرف أكتب لك كل حاجة زي ما اتفقنا."

هزّت رأسها بتفهم واستسلام وقالت:

– "عندك حق يا بيبي… خلاص، أنا هقعد ف الشقة القديمة وأمري إلى الله."

لكن "رامي" قاطعها فجأة، وقد بدت الحيرة على ملامحه:

– "شقتك القديمة؟! انتي مش قولتي إنك بعتيها من زمان؟!"

شعرت "بسنت" بارتباك بالغ، فتلعثمت، و"مراد" راقبها باهتمام، الشك بدأ يدب في أعماقه من جديد، وكأنه اكتشف طبقة أخرى من الخداع:

– "أصل أنا… أنا يعني… آه، أنا كنت هبيعها وبعدين مانفعش عشان مشاكل ف الميراث وكده… ونسيت أقولك تاني، ماجتش فرصة."

لم يصدّقها "رامي"، لكنه صمت، ربما لحفظ ماء الوجه… أما "مراد" فقد بدأ يجمع خيوطًا جديدة، لا يمكن أن يتجاهلها.

بعد برهة نهض من مكانه وقال بنبرة معتذرة:

– "أنا لازم أمشي… رايح أقابل الشريك التالت عشان نخلص موضوع التنازل."

غادر "مراد" المقهى بخطى ثابتة، ولكن بينما يهم بالانصراف اصطدم كتفه بكتف شابٍ آخر. التفت ليعتذر، لكن الآخر أسرع إلى الداخل، وأخفى وجهه بشكل مريب.

توقف "مراد"، شيء ما في هذا الشاب لم يكن طبيعيًا، لم يكن عابرًا، لا سيّما أن الرجل كان يرتدي قبعة ويخفضها على وجهه كأنه يتعمّد التخفي…

هل يعرفه؟!

لماذا شعر بذلك الانقباض؟!

اختبأ خلف أحد الجدران، يراقبه من بعيد بعين لا ترمش. رأى الشاب يتجه إلى الطاولة نفسها التي يجلس بها "رامي" و"بسنت". بدأ حوارٌ محتدم بين الثلاثة، من نظرات "رامي" الغاضبة، وفوضى حديث "بسنت"، أدرك أن بينهم أمرًا جللًا…

لكن ما لم يكن يتوقعه، أن يرى "الوجه"… أو بالأحرى الشّامة، تلك العلامة المألوفة…

أسفل أذنه تمامًا، لقد رآها من قبل.

إنه هو! نفس الشاب الذي ظهر في الصور مع "تاليا"!

حبس "مراد" أنفاسه، عيناه لا تفارقان المشهد، ثم قرر أن يتبعه.

ركب سيارته وانتظر خروجه. وما إن خرج، حتى سار خلفه بسيارته دون أن يلفت النظر، حتى توقّف الشاب أمام إحدى الملاهي الليلية!

هل هذا هو المكان الذي ادعت "بسنت" رؤية "تاليا" به؟!

دخل "مراد" خلفه، عيناه ترقبانه كصقر يلاحق فريسته… ظل يراقب من بعيد، حتى خلع الرجل قبّعته… وعندها…

تسمرت قدماه، وتسعت عيناه في ذهول شديد، وقلبه كاد أن يتوقف…

"انت؟!"

قالها "مراد" بذهول تام وصوت هامس يحمل صدمة لا تُوصف.

تُرى من هذا الشخص؟!

وما الذي يربطه ببسنت ورامي؟!

وما علاقة "تاليا" الحقيقية به؟!

النهاية لم تعد بعيدة، والخيوط بدأت تكتمل، لكن الحقيقة…

قد تكون أغرب مما تخيله "مراد" نفسه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة