في تلك الليلة المقمرة، حيث كانت الأنوار تتلألأ على ضفاف المدينة، وصل مراد وتاليا إلى المطعم الذي اختاره أصدقاؤها لقضاء أمسيتهم. كانت أنفاس مراد تتسارع قليلاً، ليس فقط بفعل الطريق، بل بسبب تلك المشاعر الجديدة التي بدأت تتسلل داخله دون إذن، مشاعر لم يُسمّها بعد، لكنه كان يشعر بها كلما نظر إلى تاليا.
عندما اقتربا من باب المطعم، مد مراد يده نحوها بإيماءة تلقائية، تمسك يدها بيده، كأنما كان يعلن امتلاكًا لطيفًا أمام الآخرين، أو ربما يختبر للمرة الأولى ماذا يعني أن ترافقك امرأةٌ مثل تاليا، أن تسير بجوارك ويدك بيدها… وأن تشعر بنظرات الآخرين نحوها، فتحتد في داخلك غريزة الحماية دون أن تدرك.
دخل الاثنان سويًا، وقد كانت مجموعة الأصدقاء جميعهم في الانتظار، وما إن ظهرا حتى علت الوجوه ابتسامات الترحاب والدهشة معًا. تبادلا التحية، وابتدأ كل منهم بتقديم نفسه لـ مراد، الذي لم يتردد في مشاركتهم الحديث، وكان عفويًا ومندمجًا بشكل أثار إعجاب الجميع، باستثناء شخص واحد… عادل.
كان عادل يجلس متكئًا في مقعده، عيناه تتفحصان مراد بخفية، وإذا تحدث إليه فإنّما يرد بجمل مقتضبة وباردة، فيها نبرة حذر لا تُخفى. وقد لاحظ مراد ذلك، لكنه لم يُعلّق في البداية. فكل شيء بدا يسير بسلاسة، تبادلوا الأحاديث، النكات، وذكريات سابقة، حتى جاءت اللحظة التي قرر فيها مراد أن يُخرج ملاحظته للنور، بعدما رأى نظرات عادل الطويلة التي ثبتها نحو تاليا، دون أن تدرك هي.
قال مراد وهو يتظاهر بالمرح، لكن صوته يحمل طبقة خفية من التحدي:
"في حاجة ياعادل؟ انت أول مرة تشوف تاليا؟ ولا بتشبه عليها ولا إيه؟ شايفك مركز أوي معاها."
لم يرتبك عادل، بل رد بنفس البرود:
"أصل تاليا جميلة أوي النهارده… فستانها حلو أوي عليها، ولونه بارز جمال عينيها."
كأن شرارة خافتة اشتعلت في عين مراد، لكنه كتمها خلف نبرة هادئة ظاهريًا، وقال بتأنٍ مصطنع:
"عندك حق، أنا قولتلها كده قبل ما نيجي… أصلاً تاليا دايمًا حلوة في كل حالاتها، حتى وهي صاحية من النوم بتبقى قمر… انت عارف إني أوقات بصحى من النوم وأفضل جنبها ع السرير أبصلها بس وأتأمل ملامحها؟"
ضحكات خفيفة انطلقت من الفتيات، ثم قالت ياسمين بمزاح محبب:
"أوووه، إيه الكلام ده؟ يابختك ياتاليا والله… الله يسهلك."
رنا أضافت، وهي تنظر إلى تاليا مازحة:
"عشان كده ماكنتيش بتخليه يخرج معانا… عشان مانسمعش الكلام الحلو ده!"
مها ضحكت، وهي تشير إلى احمرار وجه تاليا الواضح وقالت:
"بس بقى ياشباب، كسفتوها… مش شايفينها بقت شبه الطماطماية إزاي!"
وهنا، وكأن مراد أراد أن يُحكم إغلاق الموقف، مدّ ذراعه وجذب تاليا إليه بحركة هادئة، حتى استقرت رأسها على صدره، ثم طبع قبلة خفيفة على شعرها أمامهم جميعًا، وهو ينظر إلى عادل نظرةً لا تخلو من التحدي، نظرة أراد بها أن يعلن وبصمت: "هي لي وحدي".
كانت اللحظة ثقيلة على عادل، وقد بدا في عينيه شيء ما يشبه الانهزام، فوقف فجأة من مقعده وقال بجفاف:
"أنا هروح ياشباب، جالي رسالة مهمة ولازم أمشي دلوقتي."
وقبل أن يُجيبه أحد، كان قد ابتعد بالفعل عن الطاولة وغادر المكان بخطوات سريعة… وغضبٍ مكتوم.
أما تاليا، فقد رفعت رأسها ببطء، وابتعدت قليلاً عن حضن مراد وهي تشعر بوجنتيها تشتعلان، ليس فقط من خجله، ولكن من عيون أصدقائها التي صارت تراقبها بنظرات ما بين الدعابة والإعجاب.
أخرجت هاتفها دون أن يشعر، وكتبت رسالة سريعة أرسلتها إلى مراد تقول فيها:
"مراد خلاص بقى بجد، انت كده أوڤر أوي، انت هتخليهم ياخدوا بالهم إننا بنمثّل، عشان محدش بيعمل كده بجد."
قرأ مراد الرسالة، رفع نظره نحوها وهو يتصنع البراءة، ثم أعاد جذبها لحضنه مرة أخرى بعناد، وكأنما يُصرّ على استفزازها، وكأن جسده يقول لها: "ما دمتِ قبلتِ اللعبة… فلتكمليها للنهاية".
بدأت تهمس له بأصوات مكتومة وهي ترفس قدمه بلطف تحت الطاولة، وتحاول دفعه دون أن ينتبه الآخرون، لكنه ظلّ ثابتًا، مستمتعًا بتعذيبها الخفي، وربما… بحضورها.
وأخيرًا، لم تعد تحتمل، فاستأذنت من الجميع قائلة إنها ذاهبة إلى الحمّام، وقبل أن تنهض لحقنها رنا، مها، وياسمين.
في الداخل، كانت المرايا تعكس وجوهًا مشرقة، كل واحدة منهن تُصلح شيئًا في مظهرها، بينما يدور الحديث بينهن عن موضوع واحد فقط: مراد.
"بجد ياتاليا، مراد لطيف أوي…" قالت مها وهي تضع لمسة من الروج على شفتيها.
"وشكله بيحبك اوي ، عينيه ماتشالتش من عليكي." أضافت رنا.
"وأحلى حاجة، طريقته في الكلام عنك… هو فعلًا بيحبك جدًا، أنا حسيت بده ف كل كلمة قالها." همست ياسمين بسعادة.
بينما الجميع يتحدث عنها… كانت تاليا تتابعهم بعينيها الواسعتين، قلبها يخفق بطريقة غريبة، ليس بسبب المدح، بل من شعورٍ أعمق… شعور بالذنب.
في داخلها، كانت هناك عبارة واحدة تدوي:
"آه لو عرفتوا إن ده كله تمثيل… هتعملوا فيا إيه؟!"
وضعت يدها على قلبها، تنظر إلى انعكاسها في المرآة، تُحاول أن تُخفي اضطرابها خلف ابتسامة زائفة. هي لم تعد تعلم… أي جزءٍ من هذا التمثيل مازال تمثيلًا… وأي جزءٍ بدأ يتحول إلى حقيقة.
بينما كانت تاليا لا تزال غارقة في شرودها أمام مرآة الحمام، تحاول عبثاً أن تهرب من أفكارها، قاطعتها مها بنبرة متسائلة وهي تضبط قرطها في أذنها:
"هو عادل ماله النهارده؟ بجد غريب أوي! ورسالة إيه اللي جاتله عشان يمشي كده؟ من إمتى وهو بيسيبنا؟!"
أدارت تاليا رأسها نحوها ببطء، وقد اتسعت عيناها قليلاً، كأنها خرجت من حلم طويل، بينما أضافت رنا وهي تمسح لمعة خفيفة على وجنتيها:
"هو أصلاً من ساعة ما عرف إن مراد جاي معانا وهو مدايق، وماكانش عايز يجي أصلاً… مش عارفة ليه، مع إن مراد لطيف جدًا!"
ردّت ياسمين بلهجة تميل إلى التهدئة:
"محدش يركز يا جماعة، يمكن فعلًا حد من أهله اتصل بيه… أو شغل ولا حاجة، محدش يعرف ظروف حد."
صمتت تاليا ولم تعلق، لكنها شعرت بانقباض خفيف في صدرها، رغم أنها لم تكن تحب عادل كما يبدو أنه يظن، إلا أن نظراته اليوم وتوتره المتزايد أثارا فيها شيئًا من القلق والحرج. هل كان يشعر بشيء ما؟ هل بدأ يشك في علاقتها بمراد؟ أم أنه كان يكنّ لها مشاعر لم تلتقطها في حينها؟
قطعت رنا الشرود مرة أخرى، ولكن هذه المرة بنبرة عملية:
"المشكلة دلوقتي، إحنا هنروح إزاي أنا ومها؟!"
تاليا، وقد استعادت سيطرتها على تعبيراتها، أجابت بهدوء:
"اركَبوا معايا… أو مع ياسمين، عادي يعني، إحنا كلنا رايحين نفس الاتجاه."
ابتسمت الفتيات واتفقن على تفاصيل الخروج من المكان، ثم خرجن سويًا، وعدن إلى الطاولة حيث كان مراد يتحدث مع حسن ومها، يضحكون على نكتة ما أطلقها هذا الأخير.
عادت تاليا لتجلس، ولكن هذه المرة ابتعدت قليلاً عن مراد، حاولت خلق حاجز هادئ يمنعه من استغلال الفرص مرة أخرى لإحراجها، فجلست بين ياسمين ورنا، وأخذت تشارك في الأحاديث الجانبية.
كان مراد يراقبها من بعيد… ابتسامتها، طريقتها في الانصات، أسلوبها في الردود السريعة، وحتى لمستها الخفيفة لصديقاتها كلما داعبتهن بكلمة أو ضحكة. بدا وكأن شيئًا فيه يتغير، وكأن شيئًا كان مغلقًا قد فُتح، دون أن يطلب أحد ذلك منه.
قالت ياسمين فجأة، بنبرة مرحة وقد أمسكت كوب العصير بيدها:
"إيه رأيكوا نروح نقعد على الكورنيش شوية؟! بما إننا قريبين منه، وبلاش نروح بالعربيات… تعالوا نتمشى."
تبادلت الوجوه نظرات الترحاب بالفكرة، ووافقت تاليا فورًا، وكأنها وجدت مخرجًا مرحًا من ثقل اللحظة، ثم تبعها الجميع بالموافقة.
خرجوا من المطعم، مشوا جنبًا إلى جنب على الرصيف المتلألئ بضوء الأعمدة، الهواء كان عليلًا يغازل أطراف شعر تاليا الهاربة، والضحكات تنساب بينهم كأنها موسيقى ناعمة.
مراد كان يسير بجوار حسن، يتحدث ويضحك، وشيئًا فشيئًا بدا وكأنه اندمج تمامًا مع المجموعة. لقد أحبهم بصدق… عفويتهم، وفاءهم، قلوبهم المفتوحة. لم يكونوا مجرد أصدقاء، بل عائلة صغيرة متماسكة، تستقبل من يُحسن الدخول بصدقٍ ولين.
أما تاليا، فكانت تمشي إلى جوار ياسمين ورنا، تستمع وتمزح وتراقب من وقت لآخر نظرات الآخرين نحو مراد… الجميع يستلطفه، يضحكون على نكاته، يسألونه عن عمله، ويبدون حماسة لسماع المزيد منه.
لم تستطع إلا أن تبتسم، بابتسامة صغيرة، لم تعرف هل هي فخر به… أم راحة لأنه اندمج سريعًا؟ لكنها كانت ابتسامة ناعمة تشبه تلك التي يرتسمها الإنسان حين يُجبر قلبه على عدم الاعتراف بما يشعر، فيكتفي بالمراقبة… والتنهيدة الصامتة.
مرّت الأمسية خفيفة كنسيم البحر، لكنها تركت في القلب شيئًا لا يُفسَّر، ومضات من مشاعر جديدة بدأت تنمو على استحياء، كأنها بذور صغيرة تنتظر الفرصة لتُزهر… في أرضٍ لم تكن يومًا تتوقع أن تنبت فيها الزهور.
وفي هذا المساء اللطيفٍ الذي كان من المفترض أن يُختتم بضحكاتٍ ناعمة، تغير كل شيء بلحظة… صوتُ صراخٍ حاد لفتاةٍ مجهولة قطع سكون الليل، فالتفت الجميع وقد تلبّسهم القلق، واندفع مراد وحسن أولاً نحو مصدر الصوت، تتبعتهما تاليا وبقية الفتيات. وعندما اقتربوا، تبين أن الفتاة لم تكن سوى شابة تتعارك مع صديقها بصوتٍ مرتفع، كانت الغصة تنفلت من شفتيها وتغمرها دموعٌ ساخنة، وقد تجمّع حولها المارّة.
تنفّس الجمع الصعداء بعد أن اتّضح الموقف، لكن تاليا... لم تكن بخير.
بعد خطواتٍ قليلة ابتعدوا فيها عن المشهد، توقفت فجأة واضعة يدها على صدرها، تتنفس بصعوبة. أنينها الخافت جذب أنظار مراد الذي أسرع إليها بخوف وهو يقول:
"مالك يا تاليا؟ وقفتي ليه؟!"
لم تُجبه، إذ لم تستطع. كان وجهها قد شحب، وقطرات العرق تنساب من جبينها، شفتيها ترتجفان ويدها الأخرى ترتعش بشكل واضح. لاحظت ياسمين حالتها، فأسرعت تمسك بذراعها وتقول:
"انتي مش كويسة، صح؟!"
هزّت تاليا رأسها بالإيجاب، كأنها تؤكد أنها تُغرق وسط موجٍ خفيّ لا يُرى. أشارت ياسمين للفتيات، وفهمن على الفور… لقد بدأت النوبة. تاليا تمر الآن بحالة هلع.
بسرعة خاطفة، تحركن حولها، وأجلستها ياسمين على أحد المقاعد الإسمنتية في الشارع، تحت عمود إنارة خافت. كانت تاليا تتنفس بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط وكأنها تركض منذ ساعات، فيما بدت أطرافها لا تكفّ عن الارتجاف.
مراد، الذي كان بجانبها، وضع يده على ظهرها يربت برفق، والذهول يعصف بعينيه وهو يقول:
"تاليا، مالك؟! إيه اللي حصلك فجأة كده؟!"
بينما ياسمين تمسك يدها وتهمس بثباتٍ حنون:
"اتنفسي معايا… براحة… ماتخافيش إحنا جنبك، مفيش حاجة هتحصلك. انتي عارفة إنها هتعدي بعد شوية… بالكتير ربع ساعة وهتبقي كويسة… بس اهدي وركزي معايا، اتنفسي يا تاليا…"
رنا ومها وحسن كانوا يقفون أمامها بحزنٍ واضح. يعلمون أن لا شيء بوسعهم فعله إلا الانتظار. لكن مراد لم يكن يعلم… لم يفهم.
"حسن، روح بسرعة هات العربية… نوديها المستشفى… دي مش قادرة تتنفس!"
قالها مراد بصوتٍ مختنق، تكاد عروقه تنفجر، وكأن أحدهم يخنقه لا تاليا. أجابه حسن بهدوء رغم ارتباكه:
"اهدَى يا مراد… انت عارف إنها بتهدى بعد ربع ساعة… والمستشفى مش هيعملها حاجة دلوقتي."
أجابه بانفعال:
"يعني نسيبها تموت في الربع ساعة دي؟! إنت مش شايف حالتها؟! إيه اللي بيحصل؟! إيه اللي فجأة قلبها كده؟! دي كانت كويسة حالًا!"
رنا تدخلت بنظرة دامعة:
"انت ماتعرفش إنها عندها panic attack؟! هي بتخاف لما بتسمع صريخ أو بتحصل قدامها حاجه مفاجئة زي كده… حتى لو مفيش حاجة تخوف، بيجيلها الحالة دي."
مها أكملت:
"ايوه ،فاكرة لما مرة حصل لها كده واحنا قاعدين؟ ماكناش فاهمين ف الأول… بس الدكتور شرح لنا وعلّمنا نعمل إيه، عشان نعرف نتصرف."
اقترب حسن من مراد قائلاً:
"ماتقلقش يامراد ياسمين كل مرة بتعرف تهديها ، هي أهم حاجه دلوقتي انها تهدى ،تعالى معايا هات عربيتك، عشان لما تهدى مش هتقدر تمشي."
سار مراد خلفه، لكنه كان يلتفت كل لحظة، كأن قلبه عالق عند الفتاة التي تنهار أمامه ولا يملك فعل شيء سوى النظر. مشى وعيناه تراقبان ارتعاش أصابعها، صوت تنفسها المتقطع، ووجهها المتصبب عرقًا رغم برودة الجو. كانت تنظر فقط لـ ياسمين، تتمسك بكلماتها كأنها قشة النجاة.
وعندما وصل إلى سيارته، أخرج هاتفه وكتب panic attack في محرك البحث… ظهرت له عشرات المقالات. راح يقرأ في لهفة، في قلق:
> "نوبة الهلع هي حالة مفاجئة من الخوف الشديد، تصاحبها أعراض مثل: تسارع ضربات القلب، ضيق في التنفس، رعشة، تعرق، شعور بالاختناق أو بالموت الوشيك، دوار، غثيان، وأحيانًا فقدان الإحساس بالواقع."
ثم أكمل:
> "غالبًا ما تحدث نتيجة صدمة نفسية لم يتعافَ منها المريض، وقد تكون بسبب اضطراب كيميائي أو عوامل وراثية. يجب تهدئة المريض وجعله يتنفس ببطء، ومن الأفضل تواجد شخص يعرف كيف يتعامل مع النوبة."
ثم قرأ اسم الدواء… نفس الدواء الذي وجده مرة بحقيبتها. تنهد بأسى، كانت تخفي شيئًا ثقيلًا… شيئًا لم تفصح عنه.
عاد مراد بسيارته سريعًا، وعندما وصل… وجد المشهد الذي جعله يصمت.
كانت تاليا تجلس، رأسها على كتف ياسمين، محاطة بصديقاتها… رنا تمسح على يدها، مها تقرأ عليها نكتة مازحة، وحسن يجثو أمامها يحاول إضحاكها. عيناها مغرورقتان، لكنها تبتسم… تبتسم رغم كل شيء.
يالهم من اصدقاء لقد أحسنت الاختيار ، قد يعيش الانسان عمرا كاملا ولت يستطيع أن يجد صديق واحد وفي ، أما هي فوجدت من يكون لها عونا وسندا وقت الأزمات يحبونها دون شرط.
اقترب منهم بهدوء وجلس إلى جوارها، يراقبها بصمت، قلبه يعتصر، وعقله يتمزق من الأسئلة.
من أوصلها لهذا؟ هل هو؟ هل كانت هكذا منذ البداية؟ من كان يمسك يدها حين تكون وحيدة؟ من كان يسمع أنينها؟ من رأى هذا الوجه البريء يُنهك تحت ثقل الألم؟
لم تكن فتاة ضعيفة، بل كانت محطمة وتحاول أن تبدو قوية. وكان هو… أحد الأسباب.
نظر إليها وهمست له عيناها المُتعبة بكل شيء لا يُقال. وبعد أن مرّت بعض اللحظات… قال برقة:
"يلا يا تاليا… نروح؟ عشان تستريحي."
هزّت رأسها بالإيجاب، فأمسك يدها وساعدها على الوقوف، وحين سارا نحو السيارة ودّعهم الجميع، يطمئنون عليها، يعدونها بالاتصال حين يصلون، الآن فقط علم سر اتصالهم وسؤالهم المستمر عنها.
ركبت في المقعد بجانبه، وأغلقت عينيها. وضعت رأسها على زجاج النافذة، وكأنها تبحث عن برودة تُطفئ حرارة جسدها المنهك. أما هو، فظل يقود وهو يتأملها.
كل يوم معها يكشف له شيئًا جديدًا. وكل يوم معه، يفضح له كم كان أنانيًا وقاسيًا.
ليته يستطيع أن يعود… أن يغيّر بداية القصة. لكنه لا يستطيع. ما يستطيع فعله الآن، هو أن يمنحها نهايةً تستحقها، تعويضًا عن كل ما فاتها.
وسيحاول… بكل قوته أن يكون لها الأمان… الذي لم تحصل عليه أبدًا.
sara ahmed