الفصل الرابع

الفصل الرابع

12 0

عندما دلفت تاليا إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها بتنهيدة ثقيلة، كأنها تود أن تغلق معها كل ما في الخارج... كل التوتر، كل العيون التي تحاول اقتحام حدودها، وكل الأصوات التي باتت تزعج سكونها.

جلست على حافة السرير، التقطت هاتفها بسرعة، وبدأت في كتابة رسالة قصيرة لأصدقائها، كانت كلماتها واضحة ومباشرة:

"هعدي عليكم الساعة ٤ زي مااتفقنا، موافقة نروح اسكندرية."

لم تكتب أكثر من ذلك، ولم تكن بحاجة لتبرير قرارها. لم يكن شغفًا بالرحلة ولا رغبة في الترفيه، بل كانت فقط تهرب. نعم، تهرب من البقاء في المنزل، من الجلوس في ذات المكان مع ذلك الرجل الذي يعكر عليها هدوءها، يعبث بأمانها، ويوقظ مشاعر كانت قد دفنتها تحت طبقات من النسيان البارد.

كانت تاليا من النوع الذي يعشق البقاء بالمنزل. بيتها هو عالمها الآمن. تقضي ساعاتها بين صفحات رواية، أو في متابعة فيلم قديم، أو الجلوس بحديقتها الصغيرة تحت ضوء الشمس المتسلل. لكن هذا الأمان قد تلاشى الآن. منذ عاد مراد إلى البيت، وهي لا تشعر بشيء يشبه الراحة.

كأن المنزل الذي اعتادت أن تتنفس فيه قد ضاق بها فجأة. كأن كل زاوية فيه تنطق بوجوده.

لذلك، رغم كرهها للخروج، قررت أن تذهب معهم… فقط لتتنفس.

نظرت إلى الساعة، كانت تشير إلى الحادية عشرة صباحًا. لا يزال هناك الكثير من الوقت قبل موعدهم. حاولت أن تنام، فقط لتهرب من التفكير، من الزحام في رأسها…

لكن النوم أبى أن يزورها.

فقط أغمضت عينيها، وبدأ شريط الذكريات يعرض نفسه بلا استئذان.

بدأ كل شيء منذ ست سنوات.

يومها، كانت الحياة لا تزال تبتسم لها.

كان والدها حيًّا، يملأ البيت دفئًا وصوتًا وضحكًا.

لم تكن تعرف الوحدة، لم تكن تخشى الليل، ولم تكن قد جُرحت بعد بما يكفي لتخاف من الأحلام.

تذكرت جيدًا ذلك اليوم…

كان والدها يقيم حفلاً بمنزلهم للاحتفال بعيد ميلادها.

كان منزلهم يضجّ بالحياة، يملؤه الضيوف من كل صوب، أصدقاؤها، جيرانهم، وزملاء والدها في العمل، وبعض الغرباء الذين لم تتعرف عليهم من قبل.

كانت تاليا آنذاك فتاة مدللة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

لم تكن تعرف شيئًا عن العمل أو المسؤولية.

حياتها كانت تدور في مدار ضيق من اللهو والتنزه، وشراء ما تشاء وقتما تشاء، من الثياب إلى السيارات، ومن الدعوات إلى النوادي والمناسبات الاجتماعية.

في ذلك اليوم، ارتدت فستانًا أسود قصيرًا، يليق بجمالها اللافت.

كان شعرها الطويل منسابًا على ظهرها بنعومة، ووجهها مشرقًا بابتسامة تلقائية اعتادت أن تزين بها ملامحها في كل مناسبة.

كانت تبدو كنجمة الحفل… لا بل كقمره الوحيد.

كل من رأوها أثنوا على جمالها، وتلألأت عبارات الإعجاب من حولها، لكنها لم تكترث إلا بذلك الرجل الذي دخل المشهد بهدوء وأربك كل ما حوله.

نظرت حينها إليه، فوقعت عيناها على شاب طويل القامة، عريض الكتفين، ذا بنية قوية وملامح جذابة، لم يكن يشبه أحدًا من الذين عرفتهم.

كان شعره أسود قاتمًا، ينسدل بنظام فوق جبينه، عيناه بلون القهوة الساخنة، يحيط بهما رموش كثيفة تكاد تخفي نظراته، وحواجبه المرسومة تزيد ملامحه رجولةً وحزمًا.

بشرته بيضاء مائلة للدفء، وصوته حين اقترب بدا عميقًا وهادئًا كنسيم منتصف الليل.

لمحت والدها يقترب منه، يربّت على كتفه، ثم يلتفت إليها قائلاً بصوت مفعم بالفخر:

"تاليا، ده مراد… ابن عمو محمود، شريكي في الشركة. ودي تاليا بنتي يا مراد."

مدّ مراد يده وصافحها، لم يكن سلامًا عابرًا، بل كان دافئًا، فيه نوع من الاحترام الذي لم تعتده كثيرًا من أبناء جيلها.

قال لها بابتسامة لا تُنسى:

"كل سنة وانتي طيبة، عيد ميلاد سعيد."

أجابت بابتسامة خجولة:

"وانت طيب، شكراً."

وقفا يتبادلان أطراف الحديث لبعض الوقت.

كان حديثه لبقًا، متزنًا، صوته لا يعلو ولا ينخفض، كل كلمة يقولها وكأنها محسوبة.

لم تنكر، لقد أُعجبت به فورًا.

بشيء لا تفهمه… لا يمكن تفسيره.

جذبها شكله، أسلوبه، حضوره المختلف.

وحتى بعد انتهاء الحفل، لم تستطع أن تنساه.

بل إن صديقاتها أيضًا لم يتركن لها مجالاً لنسيانه.

في اليوم التالي، انهالت عليها الأسئلة:

"مين ده؟!"

"انتي تعرفيه؟!"

"مش معقول الجمال ده، هو بيشتغل إيه؟!"

ضحكت يومها كثيرًا، لم تكن تظن أن لقاؤها به سيتكرر، لكنها كانت تتمنى ذلك.

ابتسمت تاليا بألم وهي تتذكر كل هذه التفاصيل، كم تغيرت الأمور منذ ذلك اليوم، كم بعدت المسافة بين تلك الفتاة التي كانت ترتدي الفستان الأسود وتضحك دون حساب، وبين هذه المرأة التي تغلق باب غرفتها كلما عاد زوجها، وتبحث عن وسيلة للهروب حتى من المنزل الذي هو حقها.

شعرت بحرقة في صدرها…

كم هي قاسية الحياة حين تسرقك من نفسك، وتعيدك نسخة مشوهة، باهتة، مطفأة النور.

وضعت الوسادة على وجهها، ضغطت عليها كأنها تحاول أن تخمد النار المشتعلة بداخلها، ولكن الذكرى كانت أقوى من أي مقاومة.

مراد…

كيف تحوّل ذلك الإعجاب إلى برود، ثم إلى جفاء، ثم إلى هذا الصراع الصامت؟

تنهّدت تاليا، ثم نظرت إلى الهاتف، لم يأتِ أي رد بعد على رسالتها، لكنها لم تهتم.

هي فقط تنتظر أن تمر الساعات الثلاث المقبلة…

ثم سترتدي ثيابها، تنزل من البيت، وتغادر كل شيء…

حتى وإن كان لساعات فقط، لكنها بحاجة لأن تتنفس.

وأن تهرب من مراد... ولو للحظة.

عادت ذكرياتها إلى ذلك اليوم ، بعدما انتهى الحفل، لم تستطع تاليا أن تطرد صورته من مخيلتها.

كان شيء ما قد انطبع في ذهنها، ملامحه، نبرته، حتى ضحكته القصيرة الهادئة…

أصبحت تفكر فيه دون وعي، تتخيله يمرّ بجانبها، يبتسم، يلقي عليها السلام، تقول شيئًا فتراه ينصت باهتمام، وتضحك هي على شيء لم تقله بعد.

لقد كانت مفتونة به.

وفي صباح اليوم التالي، انتبهت لنفسها وهي تبحث عن هاتف والدها، تتذكر جملته في الحفل:

"ده مراد، ابن عمو محمود، شريكي."

إذًا… هو يعمل معهم في الشركة.

فورًا خطرت لها الفكرة، لماذا لا تذهب إلى الشركة؟ حجة بسيطة: "أزور بابا."

لكن قلبها كان يقول شيئًا آخر…

"ربما أراه، فقط أراه… هذا يكفي."

جمعت أغراضها، ارتدت ملابسها بعناية، لم تُبالغ، لكنها اختارت قميصًا أبيض ناعمًا، وسروالًا بسيطًا بلون السماء، وتركت شعرها ينسدل بحرية على كتفيها، ثم انطلقت.

ما إن وصلت إلى مقر الشركة، حتى شعرت بتلك الرهبة التي ترافق من يبحث عن شيء يعرف تمامًا أنه لن يعترف بأنه يبحث عنه.

سألت السكرتيرة عن والدها، ودلّتها عليه، دخلت مكتبه مبتسمة، عانقته كعادتها، ثم جلست تحادثه قليلًا.

لكن عيناها كانتا تفتشان في أرجاء المكتب… لا أثر له.

سألت والدها بتردد:

"هو مراد مش هنا؟!"

فأجابها ببساطة:

"لا يا حبيبتي، ده في ألمانيا، عندنا فرع هناك وراح يخلص شوية شغل ويرجع."

خنقت خيبة الأمل صدرها، لكن ملامحها لم تُظهر شيئًا.

ابتسمت كأن الأمر لا يعنيها، جلست لبعض الوقت، ثم غادرت الشركة وهي تشعر أن شيئًا ما انكسر بداخلها.

لكنها لم تيأس…

قالت في نفسها: "هرجع تاني."

وبالفعل، في الأسبوع التالي، عادت مجددًا.

كانت متوترة أكثر من ذي قبل، تنظر في ساعتها كل بضع دقائق، حتى رأته أخيرًا.

كان قادمًا من آخر الممر، ببدلته الرمادية، يحمل بعض الأوراق في يده، وعيناه تسبحان في تركيز واضح.

لكن ما إن رآها حتى توقف، وابتسم.

"أهلاً، إزيك؟!"

قالها بود بالغ.

"الحمد لله، إنت عامل إيه؟!"

أجابته بارتباك خفيف.

"تمام والله، نورتي الشركة، انتي هنا بتعملي ايه؟!"

أجابته :

"أنا جاية لبابا، هو قالي أبقى أعدي أشوف الشركة، بقالي كتير ماجتش هنا، وكمان مابقتش أشوفه كتير، الشغل أخده مني."

ضحك مراد، وقال:

"الشغل كده بقى، معلش… بس ابقي اعمليها كتير، خلينا نشوفك. انتي صحيح ماقولتيش بتدرسي إيه؟!"

ردت وهي تقضم شفتيها:

"أنا في تانية فنون جميلة."

رفع حاجبيه بانتباه وقال:

"فنون جميلة!… والله؟ طيب شاطرة بقى في الرسم والحاجات دي؟!"

ضحكت بخفة وقالت:

"آه شوية كده، بس على قدّي."

قال بابتسامة:

"أنا بقى ماليش في الفن خالص، أنا في آخر سنة إدارة أعمال، أكبر منك بسنتين، بس لو احتاجتي مساعده قوليلي، عشان أقولك معرفش."

ضحكا معًا، كانت اللحظة لطيفة، دافئة، خالية من أي تعقيد.

لكن وقته كان محدودًا، كما أخبرها، إذ قال:

"أنا مضطر أرجع الشغل، عندي اجتماع، بس اتبسط إنك جيتي، وياريت تيجي تاني."

هزّت رأسها بابتسامة:

"إن شاء الله، هحاول."

وما إن خرجت من الشركة حتى كانت تطير فرحًا…

لقد رأت مراد، وتحدثت معه، وضحكا معًا.

ولكن، وكأن القدر كان يجهز لها امتحانًا صعبًا، لم تمضِ سوى أسابيع قليلة، حتى بدأت صحة والدها تتدهور.

لم يكن شيئًا عاديًا، بل كان انهيارًا مفاجئًا في جسده.

اضطر الأطباء إلى نقله إلى المشفى فورًا، ولم تكن تاليا تعرف كيف تتصرف.

كانت وحدها، تمامًا.

لم يزرها أحد من أصدقائها.

رغم علمهم بما تمر به، لم يكلف أحدهم نفسه حتى برسالة أو مكالمة.

كان الموقف صادمًا، جارحًا، مفزعًا.

للمرة الأولى، شعرت بأن العالم حولها فارغ، مفرغ من الوجوه والقلوب.

كانت قد انتقلت للعيش في مصر منذ سنوات قليلة.

قبلها، كانت تقيم في لبنان، فقد كانت والدتها لبنانية، ووالدها مصري.

التقيا خلال إحدى رحلات العمل، ووقع الحب بينهما بسرعة.

أصرّت والدتها على البقاء في لبنان، لتكون قريبة من عائلتها، بينما لم يكن لوالد تاليا أي أقرباء في مصر، فقد كان وحيدًا، مات والداه وهو لا يزال شابًا، لذا قرر العيش معها بلبنان.

عاشت تاليا طفولتها هناك، في بيت لبناني دافئ، تتكلم اللهجتين، وتعيش بنصف قلب مصري ونصف لبناني.

لكن بعد وفاة والدتها، حين كانت في العاشرة، لم يعد لوالدها شيء يربطه بلبنان، فقرر العودة بها إلى مصر.

ومنذ تسع سنوات، بدأت تاليا حياتها هنا.

لم يكن سهلاً عليها التأقلم.

اللغة، الأصدقاء، الشوارع، اللهجة… كل شيء بدا جديدًا.

لكنها قاومت، وتأقلمت، وابتسمت للحياة من جديد…

حتى جاء ذلك اليوم، في الحفل…

وظهر مراد، وأيقظ شيئًا كان نائمًا في داخلها.

ثم عاد واختفى.

والآن… ها هي تعود لتفكر به، في ذات اللحظة التي تحاول فيها نسيان ألم والدها، وخذلان أصدقائها.

وضعت تاليا رأسها على الوسادة مجددًا، عينان مفتوحتان، وقلب مثقل، وروح لا تعرف بعد إن كانت هذه القصة ستبدأ… أم تنتهي قبل أن تبدأ.

في الأيام التي تلت دخول والدها المشفى، كانت تاليا كمن يسير فوق الماء، تحاول أن تبقي رأسها فوق السطح، أن تتنفس، أن تتمسك بأي خيط أمل…

زارها مراد بصحبة والده وبعض أصدقاء والدها. لم يكن في قلبها متسع للحديث، لكنهم كانوا طيبين، سألها مراد:

"محتاجة حاجه؟"

هزّت رأسها نافية، ثم شكرته بصوت خافت وابتسامة شاحبة.

كانت تنام على مقعد بجوار سرير والدها، ترقبه كل لحظة، وكأن عينيها وحدهما قادرتان على إعادته للحياة.

ولكن المرض كان أقوى، وأشد ضراوة.

وفي إحدى الليالي، وبينما كانت تجلس بجواره، قال لها بصوت متقطع:

"يا تاليا… اتصلي بعمو محمود والمحامي بتاعي… بسرعة."

خرجت مسرعة، أرسلت له رسالة، ثم اتصلت بالمحامي الخاص بوالدها، كما أوصاها.

وصل الرجلان إلى المشفى بعد ساعة واحدة.

هناك، داخل غرفة المشفى، وعلى سرير أبيض يشبه نعشًا، كان والدها يلفظ وصاياه الأخيرة، وعيناه تغصّان بدموع لم يُرِد لها أن تسقط.

قال بصوت ضعيف، يكاد لا يُسمع:

"يا محمود… انت عارف إن تاليا ملهاش حد بعد ربنا غيري… وأنا عارف… عارف إني مش هقوم من التعب ده… خد بالك منها يا محمود، عشان خاطري… انت أكتر واحد أقدر أستأمنه عليها. تاليا ضعيفة… وطيبة… وانت عارف الدنيا بتيجي إزاي على اللي زيها… اعتبرها زي مراد… خلي بالك منها… ماتسيبهاش لوحدها… أنا واثق فيك… إنك هتحافظ عليها."

أطبق محمود على يد صديقه وكأنه يُقسم له قسمًا غليظًا:

"وعد، وعد يا صاحبي، تاليا بنتي زي مراد… ماتخافش عليها هي في أمانتي."

وبعدها بأيام قليلة، كانت يد الموت أسبق من أمل الشفاء.

رحل والدها، وانطفأ النور الوحيد في حياتها.

لم تكن تاليا تبكي فقط والدها، بل تبكي نفسها أيضًا، تبكي طفولتها التي انتهت، وسندها الذي سقط، وذكرياتها التي أصبحت الآن يتيمة مثله.

لم تكن تريد شيئًا من الدنيا، لا الشركات، ولا الأملاك، ولا العقارات.

كانت تريد فقط أن تسمع صوته يناديها كما كان دائما.

ولكنها الآن… لم تعد تسمع سوى الصمت.

في أيام العزاء، توافد المعزون، وكانت هي تجلس ساكنة، غير قادرة على الحديث، ترد بكلمات مقتضبة، ثم تغيب في سرحان طويل.

بعد انتهاء العزاء، زارها السيد محمود.

طرق الباب، ففتحت له الخادمة، ودلف إلى الصالون حيث كانت تاليا تجلس وحدها، ترتدي الأسود وتبدو أصغر من عمرها الحقيقي بسنوات.

كانت هزيلة، باهتة، شاحبة كزهرة ظمأى.

جلس أمامها وقال بصوت حنون:

"أنا جنبك يا تاليا… ماتقلقيش، اعتبريني زي باباكي الله يرحمه، وأي حاجه تحتاجيها كلميني في أي وقت، ولو حابة تيجي الشركة مكان باباكي تعالي، وأنا هعلمك كل حاجه عشان تاخدي بالك من فلوسك يا بنتي."

هزّت رأسها بخجل، وقالت بهدوء:

"متشكرة جدًا لحضرتك يا عمو… بس ممكن حضرتك تاخد بالك من الشغل مكاني، حضرتك عارف إني ما بفهمش في الشغل ده، وبابا الله يرحمه قالي إن حضرتك هتتولى كل حاجة."

ابتسم بحنو وقال:

"ماشي يا بنتي زي ما تحبي… بس الورق هنحتاج توقيعك عليه، أي اتفاقية هتتم لازم توقيعك."

فقالت بتردد:

"أنا ممكن أعمل لحضرتك توكيل؟"

نظر في عينيها طويلًا ثم قال:

"لا يا بنتي… الدنيا محدش عارف إيه اللي هيحصل فيها بعدين، وانتي ما تديش ثقتك كده لأي حد… احنا لما نحتاج توقيعك هخلي مراد يجيبلك الورق لحد عندك، توقعيه."

بدت متوترة للحظة، ثم قالت بصوت خافت:

"بس… أنا هسافر لبنان الأيام الجاية… أهل ماما الله يرحمها كلموني، وطلبوا مني أروح أعيش معاهم، وبما إني زي ما حضرتك عارف ماليش حد هنا، أنا هسافر أعيش معاهم. وكده هبقى أوقع الأوراق إزاي؟"

كان وقع كلماتها كالصاعقة على أذنه.

سفر؟ إلى لبنان؟ تترك كل شيء وتذهب؟

لا، لا يمكن. لقد وعد والدها، أقسم له.

ثم إنّ الشركة تحتاج إلى شريكة رسمية، وأهل والدتها كما أخبره صديقه لا يكنّون لها خيرًا، وربما يستغلونها، يسحبون ثروتها بهدوء.

تحدث بعد صمت وتفكير:

"ممكن تأجلي السفر ده شوية؟… ممكن يبقى عندي حل أحسن من السفر."

نظرت إليه باستغراب، لكنها لم تجادله.

قالت بهدوء:

"ماشي يا عمو… هشوف."

غادر السيد محمود منزلها وهو يحمل في رأسه قرارًا مصيريًا:

"لن أدعها تسافر."

لقد وعد والدها… ولن يخل بالوعد.

لكن كيف؟ كيف يُبقيها تحت جناحه؟

كيف يمنع الغرباء من أن يسيطروا عليها؟

كيف يضمن أن تظل في حمايةٍ دائمة؟

لا حلّ سوى… الزواج.

نعم، يجب أن يزوجها لمراد.

ليس فقط ليحفظ عهدًا، بل لأنه يعلم أن مراد لن يظلمها، وأنها تستحق من يحبها ويحميها.

تاليا ليست فتاة عادية، بل هي مزيج من الرقة والجمال والضعف… والمال أيضًا.

هي الزوجة المثالية لأي رجل… فلماذا لا تكون لابنه؟

هكذا أقنع نفسه.

وغدًا… سيبدأ تنفيذ الخطة.

عاد السيد محمود إلى منزله بعد لقائه بتاليا يحمل على كتفيه ثِقلاً لا يُرى. لم يكن وعده لجلال مجرد كلمات نطق بها على فراش الموت، بل عهدٌ، وديعةٌ، أمانة في رقبته.

جلس في غرفة مكتبه يدور حول نفسه كأن القرار الذي سيتخذه أثقل من أن يُحمَل، وأكبر من أن يُقال.

التقط هاتفه ببطء ثم طلب الرقم الوحيد الذي كان يجب أن يسمعه الآن.

"تعالى فورًا يامراد… في موضوع مهم… مهم جدًا ومينفعش يتأجل."

لم يُطل مراد التأخير، بل حضر مسرعًا تتخبطه ظنونه، قلبه يسبق قدميه، وعيناه تنطقان بالقلق.

فتح باب المكتب بعجلة، ثم قال بتوتر:

"خير يا بابا، في إيه؟! ماما تعبانة؟! ولا أنت فيك حاجة؟!"

رفع السيد محمود يده مطمئنًا:

"لا، مفيش حاجة. ماتقلقش. أنا بس عايزك في موضوع مهم."

تنفس مراد الصعداء وهو يُجلس جسده المرهق على الكرسي المقابل، ثم قال:

"موضوع إيه يابابا؟! ده أنا سايب أصحابي وجاي جري، افتكرت إنك أو ماما تعبانين."

أسند محمود ظهره للكرسي، عقد أصابعه، ثم قال ببطء وثبات:

"مراد، أنا عايزك تتجوز تاليا."

لم تكن الصدمة أقل من صفعة مباغتة نزلت على قلب مراد.

اعتدل في جلسته فجأة، عيناه تشتعلان بغضب واستغراب:

"تاليا؟!… تاليا مين يابابا؟!"

أجابه بصوت حازم:

"تاليا بنت عمك جلال… الله يرحمه."

سكن الهواء في الغرفة للحظة، قبل أن ينتفض مراد واقفًا، وصوته يعلو ممتزجًا بالرفض:

"تاليا مين اللي اتجوزها يا بابا؟!… أنت عارف إني بحب بسنت، وعايز اتجوزها، وقلتلك ميت مرة، وانت كل مرة تأجل بحجة، تقوم دلوقتي تقولي اتجوز تاليا؟!… أنا مش هتجوز غير بسنت!"

لم يرتبك محمود من رد فعله، بل كان يتوقع ذلك.

قال بهدوء يكاد يخفي جمرة غضبه:

"ممكن تهدى وتفهم وجهة نظري الأول؟ البنت هتسافر عند أهل مامتها، وانت عارف إن ماحدش ليها غيرنا… أنا وعدت أبوها إني أخد بالي منها… هاخد بالي منها إزاي وهي مسافرة؟! وبعدين، أهل مامتها مش كويسين، جلال حكى لي عنهم كتير قبل مايموت."

ردّ مراد بعينين مشتعلتين ونبرة حادة:

"وأنا مالي يا بابا؟! تسافر ولا ماتسافرش… مالي ومال أهلها؟! أنت اللي وعدت باباها، أنا مالي؟! تشيلني أنا الليلة ليه؟!"

كان محمود على وشك الانفجار. ضاق صدره بهذا التمرد، فقال بعصبية:

"يعني إيه انت مالك؟! البنت محتاجة لنا… محتاجة راجل يحميها… وبعدين بصراحة كده، لا أنا ولا أمك موافقين على البنت اللي اسمها بسنت دي، دي بنت مانعرفلهاش أصل من فصل، وكمان أنا ما برتاحلهاش."

لكن مراد ظل متشبثًا برأيه، وكأن حبّه لبسنت هو الحبل الوحيد الذي يتمسك به وسط كل هذا الضغط.

قال بإصرار:

"بس أنا بحبها، ومش هتجوز غيرها. أنا حر! اتجوز اللي أنا عايزه! هو أنا بنت؟! هتغصبوني على الجواز من واحدة ما بحبهاش؟!"

وهنا… تدخلت والدته التي كانت تتابع الحوار بصمت موجع، كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتقول كلمتها.

قالت بصوت ناعم ولكنه صارم:

"يا مراد… تاليا بنت محترمة وجميلة وبنت ناس… وعارفينها كويس… والبنت ما شوفناش منها أي حاجة وحشة، وكمان بقت شريكة باباك في الشركة… ليه نسيب واحد غريب ييجي يتحكم في الفلوس بتاعتها وييجي يقرفنا؟! إفرض اتجوزت واحد وجيه هو مسك الشغل مكانها، وكان أخلاقه وحشة ولا حرامي… هنعمل إيه ساعتها؟!"

ثم أردفت بنبرة أكثر حنانًا:

"وبعدين يا سيدي… اتجوزها وجرب… مش يمكن تحبها أكتر من اللي اسمها بسنت دي؟!"

لكن مراد لم يلن…

بل كان عناده أقسى من أن يُكسر، وحبه لبسنت أعمى قلبه عن أي منطق، فقال بعصبية تقطع الهواء:

"أنا مش هتجوز غير بسنت… وده آخر كلام عندي!… أنا مش عيل صغير عشان تمشّوني على مزاجكم… واعملوا حسابكم… محدش يكلّمني في موضوع البنت دي تاني!"

ثم التفت وغادر الغرفة، صافقًا الباب خلفه، تاركًا والدَيه في دوّامة من الحيرة والخذلان.

أما محمود… فجلس واضعًا يده على جبينه، يدور في رأسه ألف سؤال وسؤال.

كيف يُقنع ابنه؟

هل يخبره بالحقيقة كاملة؟

هل يستخدم الوعد كورقة ضغط؟

أم يترك الأمر للوقت؟

الليل كان طويلًا على الجميع…

والأقدار كانت تكتب سطورها بهدوء… تنتظر لحظة الانفجار.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة