الفصل الثالث

الفصل الثالث

16 0

استيقظت تاليا مبكرًا كعادتها. لم تكن من هؤلاء الذين يلتصقون بأسرّتهم طويلاً، ربما لأن النوم لم يعد ملاذًا منذ زمن، بل كان مجرد استراحة مؤقتة من عالمٍ جاف، خالٍ من الدفء. نهضت بهدوء، ارتدت ملابسها الرياضية؛ بنطال ضيّق رمادي، وتي شيرت أسود بسيط يلتصق بجسدها ويُبرز ملامحه الأنثوية.

فتحت باب غرفتها واتجهت بخطى هادئة إلى الصالة، تبحث بعينيها عن الأوراق المعتادة التي يتركها مراد لها لتوقيعها. جالت نظراتها على الطاولة، على الأرائك، ثم قرب المطبخ… لا شيء. لم يكن هناك أي أثر لتلك الأوراق. رفعت حاجبًا بتعجب، تُحدث نفسها: "ألم يأتِ بها؟ هل نسي؟ لكنه لم ينسَ من قبل. هل لم يسافر بعد؟ غريب…"

زفرت بقوة، وبدون تفكير أكثر، اتجهت إلى الخارج. الهواء كان نقيًّا، والسماء لا تزال تحتفظ بزرقتها الهادئة. بدأت تاليا تركض حول المنزل، كما تفعل كل صباح. كانت المنطقة التي يسكنان فيها معزولة بعض الشيء، عدد السكان محدود، وجميعهم يعرفونها، يلقي عليها معظمهم التحية كل يوم، وغالبًا ما ترد بابتسامة واسعة وعينين تلمعان باللطف.

لكن هذا اليوم لم يكن كأي يوم. ذهنها كان مشغولًا بالكامل بالحوار الذي دار بينها وبين مراد في الليلة السابقة. كان يدور في رأسها كدوّامة لا تهدأ، كأن صدى كلماته يصفعها مجددًا في كل خطوة تركضها.

مرّت ساعة، وربما أكثر، قبل أن تعود أدراجها إلى الداخل، تتصبب عرقًا، ولكنها لم تكن تشعر بالتعب، بل بفراغ في روحها. اتجهت إلى المطبخ، فتحت زجاجة الماء وبدأت تشرب بنهم. وما إن أغلقت الغطاء وهمّت بالاستدارة حتى صرخت صرخة حادة، تراجعت خطوتين إلى الخلف، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.

كان مراد واقفًا خلفها، دون أن تُلاحظ حضوره. أما هو، فقد ارتبك هو الآخر وتراجع قليلًا قائلًا وقد وضع يده على صدره:

– "في إيه يا بنتي! انتي كل ما تشوفيني تصرخي! هو أنا عفريت! انتي خضّيتيني أنا."

وضعت يدها على صدرها وهي تلهث من المفاجأة، ثم قالت بحدة:

– "انت اللي خضتني! ماعملتش صوت ليه؟! وبعدين… انت هنا بتعمل إيه؟ ما سافرتش ليه؟!"

أجابها مراد وهو يعدل وقفته:

– "لسه عندي شغل هنا ما خلصش."

عادت تاليا إلى الصمت، ولكن عقلها لم يهدأ. تمتمت في نفسها: "غريبة… يعني أول مرة مايسافرش على طول. عشان كده ماسابش الورق… لسه بيجهزه يعني؟"

لكن قبل أن تكمل أفكارها، باغتها صوته مرة أخرى:

– "انتي كنتي فين ع الصبح كده؟ أنا صحيت ما لقتكيش."

نظرت إليه باندهاش، لم تكن معتادة على أسئلته، فقالت:

– "كنت بجري."

قطّب حاجبيه وقال بنبرة لا تخلو من المزاح المغلّف بالغيرة:

– "بتجري من مين؟!"

لم تستطع أن تمنع ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهها، لكنها كانت باهتة، وقالت:

– "هو لازم أكون بجري من حد؟! بجري عادي… تمارين، رياضة يعني."

كان ينظر إليها، إلى جسدها، إلى ملابسها الضيّقة التي التصقت بها من العرق والجهد. فجأة شعر بغضبٍ داخلي يتصاعد كالنار في عروقه. صوته خرج أكثر حدة مما أراد:

– "انتي خرجتي كده؟! كنتي بتجري باللبس ده في الشارع؟!!!"

نظرت تاليا إلى نفسها باستغراب، ثم رفعت عينيها إليه قائلة:

– "أيوه، ماله اللبس ده؟!"

اقترب منها قليلًا وهو يقول بانزعاج واضح:

– "ماله؟! انتي مش عارفة ماله؟! لبسك ضيق جدًا، ومفصّل جسمك! كمان مكشوف أوي! مفيش حاجة تانية تخرجي بيها؟! وبعدين… انتي بقى دايمًا بتخرجي كده وأنا مش موجود؟!"

لم تردّ، فقط استدارت وسارت باتجاه غرفتها، لكنها قالت بصوت مرتفع وهو يسمع كل كلمة بوضوح:

– "عاجبني! وبعدين أنا ألبس اللي أنا عايزاه، ضيق، مكشوف، شيء مايخصكش! خليك فاكر: كل واحد حر في اللي بيعمله… ها! ماتنساش قانونك ده ونبي! مش كل شوية هفكرك بيه!"

ثم دخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، تاركة إيّاه خلفها يحترق بنار الغيرة والندم.

وقف مراد مكانه، يعتصر قبضته، يشعر بأنه فقد السيطرة على كل شيء، حتى على زوجته. لم يكن يتخيل أن تاليا ستقلب قواعد لعبته عليه بتلك الطريقة، أن تستخدم قوانينه التي لا يتذكرها كسلاح في وجهه.

أما هي، فقد دخلت إلى غرفتها بخطى ثقيلة، كأنها لا تحمل جسدها فقط، بل عبء قلبها أيضًا. خلعت ملابس الرياضة ودخلت إلى الحمام، وقفت تحت الماء فترة طويلة، كأنها تحاول غسل كل ما علق بها من توتر ونظرات وصراخ.

بعد الحمام، ارتدت منامة منزلية بسيطة، بلون وردي هادئ، مزينة برسوم كرتونية بريئة، كانت طويلة وفضفاضة بعكس ما كانت ترتديه في الصباح. خرجت من غرفتها بهدوء، واتجهت إلى المطبخ لتحضير طعام الفطور. لم تكن تعلم إن كان سيتناوله معها أم لا، لكنها – لسبب تجهله – بدأت تعده.

كانت هناك مشاعر كثيرة في داخلها… لكنها قررت أن تُبقي كل شيء صامتًا.

حتى إشعار آخر.

عندما فتحت تاليا باب غرفتها، لم يكن مراد في الأرجاء، وقد شعرت بارتياح لم تتوقعه، تنهيدة خفيفة أفلتت من صدرها وهي تشكر الله بصوت غير مسموع. كانت لا تزال تشعر بثقل الحوار الذي دار بينهما بالأمس، وبينما يراها الآخرون قوية وصلبة، كانت تشعر بأن قلبها قد تهشّم من الداخل، لكنها تعلمت كيف تخفيه بإتقان.

اتجهت مسرعة إلى المطبخ، رغبةً منها في الانشغال بأي شيء يُبعد عنها شرودها. أعدّت عصيرها المفضل بتركيز آلي، ثم بدأت بتحضير الفطور بخطى روتينية. وقبل أن تنتهي من أول حركة بسكين التقطيع، تعالى رنين هاتفها فجأة، مُعلناً عن مكالمة فيديو.

نظرت إلى اسم المتصل، فارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها، لم تكن من تلك الابتسامات التي تصل إلى العين، لكنها ابتسامة اعتادت أن تهديها لمن تحب. ثبّتت الهاتف في مكان مناسب، حيث تستطيع التحدث والانشغال بالطهو في آنٍ معًا، فهي تدرك جيداً أن هذه المكالمة ستطول، كما هي العادة.

وما إن ضغطت زر الرد، حتى باغتها صوت ياسمين الغاضب:

– "والله واقفة بتشربي عصير وشكلك بتحضري فطار كمان وهتاكلي، ولا هامك الحمارة اللي أعصابها اتحرقت بسببك! انتي كنتي فين من امبارح؟! قافلة تليفونك ليه يا زفتة؟!"

قهقهت تاليا بخفة، متجاهلة نبرتها الصاخبة وقالت:

– "الناس بتقول صباح الخير الأول على فكرة، وبعدين يا ستي تليفوني فصل ونمت بدري، إيه اللي فيها؟!"

جاءها صوت ياسمين هذه المرة أكثر غضبًا ولكن لا يخلو من القلق:

– "والناس لما تليفونها يفصل تشحنه، وتبعت للناس اللي بتقلق عليها مسدچ تطمنهم! ولا يسيبوهم طول الليل عقلهم بيفكر: يا ترى إيه اللي حصلّك!"

ارتخت شفتا تاليا بأسف صادق، وقالت بنبرة معتذرة:

– "آسفة والله، ماتزعليش مني، بس ما جاش في بالي إنك هتقلقي… وبعدين يعني، هيحصلي إيه؟ أنا كويسة أهو."

لكن لم تمهلها ياسمين فرصة الرد، إذ رن الهاتف مُعلناً انضمام طرف جديد للمحادثة، وكانت رنا. لم تكد صورتها تستقر على الشاشة حتى دوّت كلماتها:

– "انتي بتستهبلي يا تاليا؟! أنا من بالليل برن عليكي وتليفونك مقفول! كنتي فين؟!"

جاء صوت ياسمين سريعًا متداخلًا:

– "قوليلها، عشان بتقول: فيها إيه لما تليفوني يفصل!"

ابتسمت تاليا بخجل وحرج حقيقي هذه المرة، وقالت:

– "ماكنتش أعرف إنكم هتقلقوا كده والله… أنا آسفة بجد، غصب عني… التليفون فصل وماأخدتش بالي."

أجابتها ياسمين بجدية خفيفة:

– "المهم إنك كويسة، الحمد لله… أنا كنت هاجيلك والله، بس ماما كانت هتطردني من البيت وتقولي: التار ولا العار يا هنادي."

ضحك الثلاثة، وتسللت بعض الراحة إلى قلب تاليا، حتى جاء صوت الهاتف مُعلنًا انضمام حسن، صديقهم المشاغب دائمًا، والذي بدأ حديثه كما بدأه الجميع: عتاب، لكنه عتاب مغلّف بالمحبة.

– "مش مصدق إنك بخير بجد! خلاص، انتي هتعوضينا النهارده عن خضة امبارح دي."

ضحكت تاليا وقالت:

– "أعوضكم إزاي؟! وفين عادل ومها؟ ما ظهروش ليه؟!"

ردّت رنا:

– "هتلاقيهم لسه نايمين… هرن عليهم، استنوا كده."

وبالفعل، ما لبث عادل ومها أن انضما إلى المكالمة، وحين عرفا بالأمر، أمطراها بأسئلة مشابهة، أجابتهم جميعًا بنفس التبرير: تليفوني فصل.

قال حسن بعد أن شعر أن الأمور أصبحت أخف:

– "جماعة، لازم تاليا تعملنا تعويض عن القلق اللي سببتّهولنا امبارح، ولازم يا تاليا توافقي عليه."

تضاحك الجميع، وردّت تاليا مستسلمة:

– "أيوه مانا لازم أعرف التعويض عبارة عن إيه الأول؟!"

قال حسن:

– "هتودينا إسكندرية بعربيتك، نروح نتغدى النهارده، هو ده عقابك."

ارتسم على وجهها توتر خفيف، وقالت برجاء:

– "لا يا جماعة، أرجوكم… انتوا عارفين إني ما بحبش أخرج بعيد كده… هغديكم في أي مكان هنا، المكان اللي يعجبكم، بس يكون هنا… بليز."

لكن الجميع اعترض، وارتفعت أصوات الضحك والنقاش، حتى قال عادل بلطف:

– "انتوا عارفين إنها بتتعب من السفر يا شباب… خلونا نروح مكان هنا."

ردّت ياسمين بحزم:

– "اسكت انت لو سمحت، ما تدافعش عنها زي كل مرة… احنا هنخرج، وده آخر كلام. حضّري نفسك يا تاليا عشان هتيجي تاخدينا الساعة ٤."

وفي وسط تلك الفوضى المرحة، جاء صوت مها فجأة، لكن هذه المرة كانت كلماتها همسًا مرتبكًا:

– "تاليا… إيه القمر اللي واقف وراكي ده؟!"

ثم صمتت، وضعت يدها على فمها وقد صُدمت:

– "هو ده جوزك؟!"

تجمدت تاليا في مكانها، التفت ببطء، لترى مراد يقف بعيدًا خلفها، لكنه كان ظاهرًا بوضوح في الكاميرا. فارتبكت تمامًا، وتلعثمت، ولم تجد ما تقول.

بينما انطلقت ياسمين بمرح:

– "عشان كده كنتي مخبياه؟! بصراحة عندِك حق! الواد قمر يخربيتك!"

قال حسن ممازحًا:

– "مش مصدق إني أخيرًا شوفت جوزك! احنا بقالنا ٣ سنين مع بعض، أول مرة أشوفه! بقولك إيه، ما تقوليله ييجي يخرج معانا!"

تاليا، وقد بدا الاضطراب جليًا في صوتها، قالت:

– "لا… أصله ما بيحبش الخروجات والكلام ده، أنا قايلة لكم قبل كده… هو ما بيحبش يعني الدوشة وكده، هو بيحب يقعد في البيت."

قال عادل ساخرًا:

– "ييجي معانا فين؟! هو يعرفنا ولا احنا نعرفه؟! هو أي هبل وخلاص! وانتي يا تاليا ما قولتيش ليه إنه جه؟!"

ردت رنا، وكأنها استوعبت الأمر فجأة:

– "عشان كده كنتي قافلة تليفونك! أيوه بقى! واحنا اللي قلقانين وبنقول جرالِك إيه! لازم يا ستي تقفلي التليفون… الله يسهلّه يا عم!"

قهقهت ياسمين ضاحكة:

– "أنا لو مكانها والله ما أبص في وشكوا! حد يسيب الجمال ده ويبص لكوا!"

أحسّت تاليا بأن الحوار انزلق في اتجاه لا تريده، فقررت إنهاء المكالمة بسرعة:

– "شباب، أنا هقفل دلوقتي، ونتكلم بعدين نتفق، ماشي؟"

وقبل أن يرد أحد، كانت قد أنهت الاتصال.

ثم التفتت، لتجد مراد لا يزال واقفًا في مكانه، وعيناه غارقتان في أفكار كثيرة.

لقد سمع كل شيء. شاهد كل شيء.

في البداية، راق له ما رآه، وجود أصدقاء يحبونها ويقلقون عليها. شعر بنوع من الطمأنينة، كأنها ليست وحدها كما تخيّل. لكنها طمأنينة لم تدم طويلًا. سرعان ما تحولت إلى شعور بالغيرة، بالضيق، خاصة من الشابين… حسن وعادل.

لقد كانت تحادثهم بحرية… أريحية واضحة. كانوا جميعًا يضحكون، وكأن بينهم عشرة عمر. منذ متى؟ منذ متى وهم في حياتها؟ ولماذا أخبرها بالحدود من البداية؟ بل، لماذا أخبرها من قبل أن تفعل ما تشاء، وتحادث من تشاء؟!

سؤال واحد بدأ يقرع رأسه بإلحاح:

من تكون تاليا… حقًا؟

وهل يعرفها أصلًا؟

بعد أن أتمّت تاليا إعداد الإفطار، حملت الأطباق بهدوء إلى الطاولة، نظرت إليها لوهلة، وكأنها تتردد في مشاركتها مع أحد، ثم جلست وبدأت تتناول طعامها في صمت، تحركت يدها بين الشوكة والهاتف، كانت تكتب شيئًا ما بإصبع خفيف الحركة، كمن يهرب من الواقع نحو شاشة باردة. أما هو، فاقترب ببطء، وجلس على الكرسي المقابل لها، متصنعًا اللامبالاة، فقالت بتردد:

"تحب تفطر؟!"

فقال بنبرة فيها شيء من الدعابة:

– "افتكرتك مش هتسأليني، شكلك بخيلة على فكرة."

رفعت حاجبيها للحظة، ولم تجب، فخيم بينهما صمت غريب. لم يكن من النوع المريح، بل ذلك الصمت الذي يفضح كل ما لا يُقال. كان يراقبها، يحدّق فيها كما لو يراها للمرة الأولى. عيناها هادئتان، تنظران إلى الطعام دون تركيز، شفاهها تتحرك ببطء، وجنتاها تنقبضان وتنفرجان مع كل مضغ، حتى حركتها البسيطة بدت له مدهشة.

في تلك اللحظة، بدت له تاليا ككائنين في جسد واحد: البارحة كانت أنثى شهية، جذابة، تشبه ثمرة ناضجة على وشك السقوط بين يديه، واليوم تجلس أمامه في منامة وردية عليها رسومات كرتونية، فتبدو كطفلة بريئة تائهة، بشعرها المرسل بعفوية على كتفيها ووجهها الملائكي.

تساءل بصمت: كيف تمكّنت من الصمود أمام هذا الجمال طوال خمس سنوات؟

أيّ نوع من الغباء هذا الذي دفعه لوضع قوانين باردة بينه وبين امرأة كهذه؟

هل كان مكفوف القلب، أم أنه اعتقد فعلاً أن المشاعر يمكن أن تُنظّم كما تُنظّم جداول الأعمال؟

قطع تفكيره سؤال طرحه، بدا وكأنه محاولة للدخول إلى عالمها من باب جديد:

– "هما اللي كنتي بتكلميهم دول أصحابك من زمان؟"

رفعت نظرها نحوه للحظة، ثم أشارت برأسها إيجابًا، دون أن تضيف شيئًا، فتابع بصوت متروٍ:

– "بس شكلهم بيقلقوا عليكي أوي… كلهم لاحظوا غيابك عشان قفلتي تليفونك… للدرجة دي بيخافوا عليكي؟"

أجابت بصوت هادئ، لم ترفع فيه عينها عن طبقها:

– "أيوه، كلهم بيخافوا عليّا وبيحسوا بغيابي، كل يوم بيكلموني بالليل يسألوني عاملة إيه، حتى لو كنت لسه سايباهم وراجعة البيت، عشان عارفين إني لوحدي."

نظر إليها بنظرة ذات مغزى، ممتزجة بشكّ لم يُخفه، وقال:

– "شكلهم بيحبوكي… بنات وشباب."

رفعت عينيها بثقة، ثم قالت:

– "وأنا كمان بحبهم، ربنا بعتهم ليا في وقت ماكانش معايا فيه أي حد، كنت لوحدي بقضي يومي، كانت حياتي فاضية بس هما ملوها… أنا مش محتاجة حد غيرهم في حياتي، عشان هما عوضوني عن كل حاجة."

كان في كلماتها صدق مؤلم، أراد الرد، أراد الاعتراض، لكنه تردد، ثم قال أخيرًا:

– "بس مش شايفة إن اهتمام الشباب أوڤر شوية؟ وبعدين واخدين عليكي أوي وبيفرضوا عقاب؟ مش المفروض يبقى في حدود… حتى في التعامل مع الشباب على الأقل."

رفعت حاجبيها بعناد صريح، وقالت بنبرة تمتلئ بالتحدي:

– "لأ، إحنا مفيش بينا حدود، أي حد عايز يقول حاجة بيقولها، محدش فينا بيحكم على التاني، كلنا عارفين بعض كويس وبنخاف على بعض، محدش فينا بيبص للتاني نظرة غير إنه أخوه أو أخته… أكيد انت مش فاهم اللي بقوله لأن أصحابك من نوع تاني."

قطّب حاجبيه، وتغير صوته وهو يقول:

– "تقصدِي إيه بأصحابي نوع تاني دي؟! ليه، أصحابي مالهم يعني؟"

قالت بحدة، دون أن تحاول التجميل:

– "ملزقين وتافهين وبجحين."

استنكر قولها، وهو يحاول أن يبدو واثقًا:

– "والله؟ وانتي كنتي شفتيهم فين عشان تعرفي؟!"

نظرت إليه بدهشة واستهزاء معًا، ثم قالت بنفاد صبر:

– "انت عندك الزهايمر؟ انت محتاج تكشف بجد، انت إنسان غريب أوي وبتستفزني، مش فاهماك… إزاي يعني شفتهم فين؟! انت مش جبتهم هنا أكتر من مرة، هما وصاحبتك الملزقة البايخة دي!"

حاول التدارك، لكنه بدا باهتًا في محاولته:

– "آه طبعًا فاكر… بس بشوفك انتي فاكرة ولا لأ… بس شكلك مركّزة أوي."

قالت ببرود لاذع:

– "ناس في بيتي، وعاملين صداع ودوشة، مش هركّز معاهم إزاي؟! أنا صحيح ماكنتش بقعد معاكم، لكن صوتكم كان بيوصلني، فطبيعي أركز يعني. وبعدين أنا شبعت الحمد لله، لو خلصت ابقى شيّل الأطباق، عشان أنا مش فاضية."

قطّب جبينه، وقال بفضول زائد:

– "مش فاضية ليه بقى إن شاء الله؟ عندك إيه تعمليه؟!"

أجابت باستفزاز واضح وهي تنهض:

– "خارجة مع أصحابي الكيوتين العسولين… مش الملزقين."

زم شفتيه بغضب، وقال محتدًا:

– "هتخرجي وأنا هنا؟! إزاي يعني؟! أنا جاي بعد ٨ شهور غياب وتسيبيني وتخرجي؟! ده حتى أصحابك هيستغربوا… ولا انتي مفهماهم كل حاجة بقى؟"

نظرت إليه بعصبية، ثم قالت:

– "لأ، هما مايعرفوش حاجة، ومايعرفوش أصلًا إنك بتسافر فترات طويلة كده… أنا أوقات كتير بقولهم إنك موجود وإنت مش موجود أصلاً عشان ما يستغربوش بس. كمان انت تقعد لوحدك، ماتقعدش… شيء مايخصنيش، وأخرج، ماخرجش… شيء مايخصكش، تمام؟!"

هنا، لم يحتمل، فوقف فجأة وأمسك بذراعها بعنف، وقال بغضب:

– "إزاي يعني مايخصنيش؟! أنا جوزك! انتي بتتعاملي معايا بطريقة تنرفزني ليه؟!"

جذبت يدها منه بقوة، نظرت إليه بعينين تتقدان نارًا، وقالت:

– "عشان انت ماتستاهلش إلا المعاملة دي! بص للي انت عملته… وانت هتعرف أنا ليه بعاملك كده، ولا نسيت ده كمان؟!"

ومضت مسرعة، أغلقت باب غرفتها خلفها بقوة كأنها تحاول أن تُغلق كل شيء خلفها… صوتها، دموعها، غضبها.

أما هو… فظل واقفًا، يحدق في الباب المغلق، كأن وراءه إجابة ما… ظل جالسًا بعدها في مكانه كأن الكلمات ما زالت تطن في رأسه.

يحاول أن يتذكر، أن يفهم…

ماذا فعل لها؟

متى بدأ كل هذا الجفاء؟

كيف وصلت به الأمور إلى أن تكرهه هكذا؟

هو فقط يريد أن يعرف…

يريد أن يتذكّر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة