الفصل السادس والثلاثون

الفصل السادس والثلاثون

10 0

كان مراد يجلس بمنزله، يُحدق في الفراغ بعينين غارقتين في صمتٍ ثقيل، بينما كانت بسنت تجلس إلى جواره، تتكئ على كتفه، تتدلل كما اعتادت، ويدها تتسلل بين الحين والآخر إلى عنقه، كأنها تحاول التعلق به جسديًّا، علّها تنجح في ربط قلبه بها من جديد.

عاد مراد إلى منزله بعد أن أوصل تاليا إلى بيتها، وبعد أن أفرغ ما في قلبه، وبعد أن أسقط على مسامعها كل ما كان مختبئًا خلف ستار الغيبوبة والنسيان. لقد صارحها، احتضن قلقها عليه، واستمع لدموعها التي سقطت حبًّا وخوفًا. والآن… هو هنا، لكنه لا يرغب أن يكون.

كان يتمنى ألا يجد بسنت، أن يفتح باب منزله ويجده خاليًا من زيفها ومكرها، أن يكون قد عاد ليُريح جسده من ثقل المواجهة، لا ليبدأ معركة أخرى داخل أسوار بيته.

لكنه عندما دخل وجدها كما هي، تنتظره، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأنها لم ترَ ما رأت، أو كأنها تتغافل عن كل ما شهدته.

تعلّقت به كعادتها، تضحك وتُمازحه، وكأنها امرأة عاشقة عاد إليها حبيبها.

تدللت، تمسكت به، كأنها مازالت تراه ملكًا لها وحدها.

لكنه… لم يكن كذلك.

لقد كان مراد متيقنًا هذه المرة، يعلم جيدًا من هي بسنت، يعلم أي قناع ترتدي، وأي مستنقع خفي تنتمي إليه.

قرر ألّا يُظهر شيئًا، ألّا يُبدي لها ما بداخله من غضبٍ أو ازدراء. لن يمنحها متعة الانتصار، لن يُفسد خطته بالثأر.

قرر أن يستخدم نفس أساليبها الملتوية، قرر أن يتقن لعبتها حتى يهزمها بها.

سيمثل عليها الحب والعشق والهيام، سيجعلها تظن أنه أصبح ملكًا لها، أنه لم يعد يرى سواها.

سيبرر لها كل ما فعل مع تاليا، سيجعلها تعتقد أنها لا تزال الملكة في مملكته، بينما هو في الحقيقة… يشيد مملكته الجديدة على أنقاضها.

بسنت، في المقابل، كانت تفكر بطريقة مختلفة تمامًا.

كل ما يشغلها الآن هو كيف تستعيده، كيف تنتزع قلبه من بين ذراعي تاليا وتغرسه من جديد في قلبها.

لقد رأت بعينيها نظراته لتلك الفتاة، رأت الخوف والقلق واللهفة، رأت الحب الذي لم تره يومًا يخرج منه.

كان واضحًا كالشمس… مراد يحب تاليا.

وكان ذلك كافيًا لإشعال فتيل الغيرة والحقد في قلبها.

تاليا أصبحت عقبة، حجرًا في طريقها، ويجب التخلص منها، وبأي وسيلة.

"حتى لو اضطريت أقتلها، هموتها بإيديا، مش هتكون موجودة بينا، مش بعد كل اللي عديت بيه، مش بعد ما وصلت للي وصلتله."

هكذا كانت تحدث نفسها، ونظراتها تتسلل خفيةً إلى وجه مراد المرهق.

لن تخسره الآن، ليس بعد كل شيء.

هي تعرف أن ما فعلته بتاليا لم يكن كافيًا، يبدو أن مراد صدّق براءتها، أو أن تاليا أقنعته بالكذب المعتاد.

لكنه إن صدقها الآن، فلابد من أن تجعله يكرهها للأبد… أو تُنهي وجودها للأبد.

أما قلب بسنت، ذلك القلب الذي لم يعرف الحنان، كان مجرد نتوء صغير نشأ بين والدٍ خائن لا يرى في النساء سوى أدوات لإشباع رغباته، وأمٍّ مهزومة جعلت زواجها لعبة عبثية كلما خسرت فيها أعادت الكرة برجل جديد.

لم تشعر يومًا أنها كافية، لم يخبرها أحدٌ أنها محبوبة، لم يكن هناك من يحتضن طفولتها حين كانت تخاف من الظلام أو تبكي دون سبب.

كانت وحيدة، ضائعة، تتخبط بين خيبات والدها ولامبالاة والدتها.

وحين كبرت، لم تجد أمامها سوى أصدقاء السوء، فملأت فراغها معهم، وملأت وحدتها بالخمر، وملأت عجزها بالمخدرات.

لم يهتم أحد بها، لا أحد سألها يومًا عن تغير حالها أو علتها، لم ينتبه أحد إلى كم الغضب والعتمة التي كانت تتراكم داخلها.

وحين أفلس والدها وسافرت والدتها مع آخر أزواجها تاركة إياها بلا وداع، وجدت نفسها فارغة اليد، لا تملك شيئًا.

فكان المال هو هدفها الوحيد، وكان الرجال طريقها إليه.

مرت من رجلٍ إلى آخر، كلما جفَّ معين أحدهم، انتقلت إلى غيره، بلا شعور، بلا حب.

إلى أن جاء رامي.

لا تدري إن كانت أحبته فعلًا، أم أنه مجرد مرحلة جديدة، لكنه كان يملك ما تريد…

وكان مثلها، يبيع ويشتري.

لكنه لم يكن يُحبها، بل استغلها كما استغل الجميع.

كان يحتاج إلى المال، وكانت هي الأداة.

رامي…

ذلك الاسم الذي كان يحمل وجهًا باسمًا لمراد منذ الطفولة، لم يكن يومًا صديقًا حقيقيًّا، بل كان مجرد ظلٍّ باهت لرجلٍ اسمه "مراد".

دائمًا ما شعر بالنقص أمامه، دائمًا ما شعر بالغيرة من علاقته بياسين، التي كانت أقرب للدم منها للصداقة.

ولأن رامي لم يعرف يومًا طريق النجاح، كان كلما احتاج مالًا، التفت إلى مراد.

ومراد، بسذاجة طيبةٍ لا تليق بعالمهم المسموم، كان يعطي.

أعطاه مالًا ليشتري المقهى ويبدأ مشروعه، أعانه، ساعده، احتواه كصديق…

ولم يكن يعلم أن في قلب رامي غيظًا يشتعل كلما مد له يد العون.

كان يظن أنه يرفعه، لكنه لم يعلم أنه كان يصعد به ليكون أول من يسقطه.

ومع بسنت، وجد رامي ضالته.

هي تعرف نقاط ضعف مراد، تعرف أسراره، وتستطيع الوصول إليه.

وكانت تدين له بالكثير…

ولذلك باعها، واستغلها، ودفعها لارتكاب كل ما يضمن أن يسقط مراد.

والآن…

مراد يجلس، يتظاهر بأنه لم يعلم بعد.

بسنت إلى جواره، تتظاهر بأنها مازالت تملك قلبه.

وكل منهما… يخطط للآخر.

ووسط كل هذا… كانت تاليا بعيدة، لا تعلم أن الخيوط بدأت تُنسج من حولها، وأن الحب وحده، لن يكون كافيًا لتبقى في مأمن.

حين تعرف رامي على بسنت، لم يكن يضمر لها مشاعر جادة، بل اعتبرها مجرد علاقة عابرة كسابقاتها، شيئًا مؤقتًا يُنهي به وحدته لبعض الوقت. لم يكن يبحث عن ارتباط، ولم يكن مستعدًا لأن يفتح قلبه مجددًا بعد ما مرّ به.

لكن ما لم يكن في حسبانه أن تكون تلك المرأة ذات الأوجه المتعددة جزءًا من مخطط لم يكن هو صانعه، بل مجرد ضحية فيه.

بسنت، كما أخبره عنها أحدهم لاحقًا، لا تبقى مع رجل إلا حتى تنفد نقوده. وعندما ينتهي المال، تنتهي العلاقة… بلا ندم، بلا تأثر.

كانت بارعة في التلاعب، تعرف كيف تظهر الضعف، متقنة للدموع، خبيرة في تقمص دور المرأة المكسورة التي تحتاج إلى من ينتشلها من ظلمة الحياة.

وهذا ما فعلته مع رامي من قبل، وهو بدوره أدرك أنها وسيلته، لا غايته. لذا… استخدمها.

عندما طلبت بسنت من رامي المال ذات مرة، لم يكن يملك ما تعوّدت عليه، لكن فكرته كانت حاضرة في ذهنه من قبل أن تطلب:

قال لها ببساطة:

"أنا ماعنديش، بس أنا أعرف واحد عنده كتير… وكتير أوي كمان. الفلوس عنده ما بتخلصش، ونيته صافية وطيب وغلبان. لو عرفتي تلعبي عليه وتوقعيه في شباكك، هتاخدي اللي عمرك ماحلمتي بيه."

وهكذا… دلّها على مراد.

دخلت بسنت إلى حياته بملامح ناعمة، وقصة مأساوية محبوكة، وأداء احترافي جعل مراد، رغم كل حذره، يصدقها.

بل… وقع في حبها.

كان يظن أنه أنقذها من الجحيم، لم يعلم أنه في الحقيقة ألقى بنفسه فيه.

كان يمنحها المال بسخاء، يشعر بالشفقة تجاه وحدتها، لم يسأل كثيرًا عن ماضيها، فقد رأى فيها من تستحق بداية جديدة.

وعندما أخبرته أن مسكنها لم يعد آمنًا، وأن هناك من يضايقها، لم يتردد لحظة واحدة.

اشترى لها شقة جديدة، ليس ذلك فحسب، بل قام بتسجيلها باسمها كي لا تشعر بأنها مجرد ضيفة مؤقتة.

ثم اشترى لها سيارة، ليُيسر عليها التنقل، وهاتفًا جديدًا، وكل ما تحتاجه، دون أن تطلب مرتين.

بل خصص لها مصروفًا شهريًا ثابتًا، فقط لتشتري ما تحتاجه، دون أن تشعر بالحاجة أو القيد.

لقد أحبها حقًا، أحبها بصدقٍ لم تكن أهلًا له.

أما هي، فلم تحب فيه سوى تلك الأوراق النقدية التي كانت تهطل عليها منه دون حساب.

لم تشعر تجاهه بشيء سوى الاستفادة القصوى.

كرهت فيه أشياء كثيرة…

كرهت نصائحه لها بالإقلاع عن شرب الخمر،

كرهت غيرته ورفضه لتأخرها في العودة،

كرهت رفضه المستمر لأن تقترب منه جسديًا…

وكلما طالبت بذلك، قال لها:

"عايز كل حاجة بعد الجواز… مش قبل كده. أنا يمكن عشت برا، بس أنا راجل شرقي، ودي عاداتي وتقاليدي."

ذلك وحده كان كفيلًا بإثارتها ضده.

أرادت أن تنال كل شيء منه دون أن تُعطيه شيئًا، وكانت خطتها بسيطة لكنها خبيثة:

الزواج.

فالزواج يعني امتلاك اسمه، وثروته، وحقها الشرعي في نصفه على الأقل.

وكان رامي، شريك الخطة، من وضع لها الخطوط الأولى.

لكن وجود تاليا في حياة مراد أربك كل شيء.

تاليا، تلك الفتاة التي لم تكن في حسبان بسنت، وقفت أمام كل ما خُطط له.

كانت مختلفة، لا تُشبه أي أنثى عرفتها بسنت من قبل.

بريئة، عنيدة، صلبة رغم هشاشتها الظاهرة.

وكانت هي الوحيدة التي جعلت مراد يتغير… دون أن تطلب شيئًا.

رأت بسنت كل شيء بعينيها:

رأته يُحب، يخاف، يشتاق، يضعف… وكل ذلك لم يكن من نصيبها.

ولأول مرة، شعرت أن ما تريده سيفلت من بين يديها.

ولأول مرة، اشتعلت في داخلها غريزة الخوف…

لكنها لم تكن تخاف الخسارة، بل كانت تخاف أن تحرم من الغنيمة.

لذا… عقدت النية على شيءٍ واحد:

"تاليا لازم تخرج من حياتنا… لازم تتشال بأي تمن.

لو مافهمتش بالذوق، هتفهم بالقوة.

ولو فضلت ف وشّي، هتبقى نهايتها… مش نهايتي."

هكذا فكرت…

ولم تكن تمزح.

بعد أن استغرق كلٌّ منهما في دوامة أفكاره الخاصة، كانت الأفكار تختلف في مضمونها لكن تتفق في شدتها وثقلها على الروح… اقتربت بسنت من مراد حتى التصقت بفخذه، وكأنها تستمد منه الدفء الذي لم يكن يشعر به نحوها منذ زمن، ثم نظرت إليه بعينيها الواسعتين، المحاطتين بمكر ناعم خادع، وقالت بدلال مفتعل:

"كده تسيبني كل ده لوحدي عشان توصلها؟"

شعر مراد بقشعريرة من الاشمئزاز تسري في جسده من قربها، ذلك القرب الذي كان يومًا يستسيغه، أما الآن فأصبح ضاغطًا على أنفاسه. ومع ذلك، أخفى مشاعره الحقيقية خلف ابتسامة مزيفة أتقن رسمها، وردّ بهدوء لا يخلو من نبرة تمثيل:

"سوري، كنت مضطر، أعمل إيه؟ عشان بس ما تقولش حاجه لبابا على ما نتطلق، أنا كل ده عشان الموضوع يعدي بقى وأخلص منها."

وضعت بسنت يدها على وجهه، لمست شفتيه بأناملها وكأنها تختبر صدق قوله أو تحاول التملك من جديد، وقالت بنبرة مغرية:

"ومضطر ليه يا بيبي؟ ابعت الصور لباباك وقوله على خيانتها، وأظنه لما يعرف هو بنفسه هيقولك طلقها."

كاد مراد أن يُبعد يدها عن وجهه بعنف، كاد أن يصرخ في وجهها لولا أنه تذكر هدفه الحقيقي. لذلك، أدعى الانشغال، نظر حوله كمن يبحث عن شيء ثم تحرك مسرعًا نحو المطبخ متعللًا:

"المشكلة دلوقتي إني اكتشفت حاجه مهمه جدًا."

تبعته بسنت بنظراتٍ قلقة، وباهتمام لم تستطع إخفاءه، فتابع حديثه بينما يفتح زجاجة مياه ويصبها ببطء، محاولًا ربح الوقت لتقوية تمثيله:

"أنا اكتشفت إن بابا كاتب لها كل حاجه باسمها، عشان ماعرفش أطلقها. عشان كده مضطر أمثل عليها إني مهتم بيها لحد ما تكتبلي كل حاجه تاني."

قالت بسنت بصدمة واضحة، وقد اتسعت عيناها:

"كاتب لها كل حاجه؟! إزاي يا مراد؟!"

ابتلع مراد رشفته من الماء، ثم عاد ليكمل حديثه بكذب بارد ومصطنع:

"يعني كاتب لها الفيلا دي، والشركة اللي هنا، وكل حاجه المفروض تبقى بتاعتي… لاقيتها باسمها."

وضعت بسنت يدها على فمها في حركة مبالغ فيها، وقالت بدهشة:

"وإزاي باباك يعمل كده؟ هو اتجنن؟! إزاي يكتب لها كل حاجه؟! هي مش بنته عشان يعمل كده. ولا هو عمل كده أصلًا عشان تضطر ما تطلقهاش؟!"

أومأ مراد برأسه كأنه يؤكد شكوكها، وردّ بنبرة هادئة خبيثة:

"فاكر إنه كده بيلوي دراعي. مايعرفش إني ممكن أطلقها عادي ومايهمنيش أي فلوس… أنا المهم عندي هو انتي."

في تلك اللحظة، قفزت اللهفة في صوتها، وقالت وكأنها تذكّره بما هو أهم:

"لا، فلوس إيه اللي تسيبها لها؟! انت مجنون؟! أقصد يعني… حرام تاخد هي كل فلوسك كده."

هزّ كتفيه، ثم قال بصوت أقرب إلى البراءة:

"طب أعمل إيه يا بسنت؟ أنا عايز أتجوزك ومابقتش قادر نبعد عن بعض أكتر من كده. أنا من الأول كنت متغير عشان كده معاكي، كنت مشغول أرجع فلوسي إزاي، كنت بحاول ألاقي حل بس ما لقتش… قولت أقولك وآخد رأيك… أعمل إيه؟"

بدت بسنت وكأنها تستجمع كل دهائها، ثم قالت بتفكير وتخطيط:

"انت ما تطلقهاش إلا لما تتنازلك عن كل فلوسك. انت بس حاول تقنعها إنك دايب فيها، وهي هتمضي لك على كل حاجه. لأن تاليا دي من نوعية البنات اللي ممكن تتنازل عن كل حاجه عشان اللي بتحبه."

نظر إليها مراد بابتسامة باردة، تحمل قدرًا من التهكم والخبث، ثم سألها:

"وانتي يا بسنت، مش ممكن تتنازلي عن كل حاجه عشان اللي بتحبيه؟"

ترددت للحظة، ارتبك وجهها، ثم قالت سريعًا وكأنها تدارك الأمر:

"أنا… أيوه طبعًا. مانا عشان كده فاهمه تاليا، لأنها زيي يعني."

عاد مراد إلى الأريكة، جلس مسترخيًا وكأنه في حوار مصيري، ثم قال:

"بسنت، أنا محتاج فلوس… أنا بطلب منك الطلب ده وأنا محرج جدًا منك. بس بابا مقفلها عليا من كل ناحية. حتى الكريديت بتاعتي وقفها، مش عارف أعمل إيه، مفيش قدامي غيرك انتي ورامي… ده حتى عربيتي باظت، مش عارف أصلحها. عشان كده أخدت عربية رامي."

شعرت بسنت بالتوتر يلفّ جسدها، تفكّر بعقلية الطامعة…

هو دائمًا من يمنح، لا من يطلب.

فهل يُعقل أن ينقلب الحال؟

لكنها أدركت بسرعة…

إن تهربت الآن، وفقد ثقته، سيعيد السيطرة على ماله، وحينها ستُحرم من كل ما أرادته يومًا.

لا، لن تدع ذلك يحدث.

لابد أن تظل في الصورة…

وإن كان الثمن هذه المرة… أن تدفع.

لم تكن بسنت تحتاج وقتًا للتفكير… لقد بدا لها الأمر كما لو أن السماء قد أمطرت عليها ذهبًا من حيث لا تدري. مراد، الذي طالما أرادت إحكام قبضتها عليه، هو من يعرض عليها الآن ما كانت تحلم بالحصول عليه، دون الحاجة للحيل أو التمثيل أو حتى التلاعب المُعتاد. ابتسمت بسعادة مُصطنعة ولكن مشاعر الطمع الحقيقي كانت تتوهّج في عينيها. نظرت إليه بعينين شبه دامعتين ووجهٍ مملوء بالحيوية الزائفة، وقالت بنبرة تحمل دفئًا مخادعًا:

"طبعاً يا مراد، اللي انت عايزه… دي فلوسك يا بيبي، وانت كده كده هترجعهم لي أول ما ترجع فلوسك."

ابتسم مراد، تلك الابتسامة الهادئة التي يتقنها عندما يريد إخفاء الكراهية خلف رداء الحب، وقال بثقة:

"طبعاً يا روحي، مش بس هرجعهم لك، ده أنا هزودهم لك كمان. أنا أصلاً النهارده أقنعتها إني بحبها وعايزها، عشان كده لما وصلتي شفتيني كنت قريب منها إزاي، وهي اقتنعت. أنا هرجع فلوسي كلها، ما تقلقيش، وكل اللي هاخده منك هديهولك الضعف، أو أكتب لك كل حاجه بإسمك عشان بابا مايعرفش ياخدهم تاني."

كان وقع كلماته على بسنت كالسحر… لقد سهّل عليها طريقًا طويلًا كانت قد بدأت السير فيه بحذر، والآن يُفتح أمامها على مصراعيه. لن تضطر إلى أن تُدخله في دائرة إدمانها لتسيطر عليه، لن تحتاج إلى تخديره أو خداعه أو التلاعب به كثيرًا، فهو يُعطيها كل شيء بملء إرادته، وكأنه يسلم نفسه بالكامل لها. اندفعت نحوه تعانقه بشغفٍ مزيف، وغمره بذراعيها وكأنها تحتضن كنزًا ثمينًا، ثم همست له بدفء مصطنع:

"بيبي، اللي انت عايزه أعمله… أنا مش عايزه منك لا فلوس ولا حاجه، أنا عايزاك إنت وبس، عشان أنا بحبك أوي. بس لو عايز تكتب كل حاجه باسمي، أنا شايفة إن دي فكرة حلوة أوي، عشان باباك ما يعرفش يضغط عليك تاني."

نظر إليها مراد بعينين بارعتين في التمثيل، وأجابها بصوته الهادئ الذي بدا وكأنه يبوح بسر دفين:

"أنا كمان شايف كده… أنا هفضل معاها لحد ما أخليها تتنازل عن كل حاجه، وبعدين هكتب كله بإسمك. بس المشكلة دلوقتي إني مش معايا فلوس، عشان بصراحة بفكر أشتري نصيب الشريك التالت معانا في الشركة، وهي لما تتنازل عن نصيبها، هتبقى الشركة بتاعتي كلها، ومحدش هيقدر يقولي بتعمل إيه لو بعتها."

أومأت بسنت برأسها بسرعة، وكأن عقلها بدأ يُخطط بالفعل، ثم قالت:

"أنا معايا الفلوس اللي إنت بعتهم لي الشهر ده، أنا ممكن أحولهم لك."

هز مراد رأسه قليلًا، وكأنه يقول لها إن هذا ليس كافيًا، ثم أردف بصوت فيه نبرة خفيفة من التردد:

"بس دول مش هيكفوا حاجه يا بسنت، انتي عارفة… نصيب الشريك التالت معانا بالملايين."

شعرت بسنت بالحيرة لحظات، ولكن رغبتها في السيطرة على كل شيء دفعتها لأن تقول:

"طيب نعمل إيه؟! أنا مش معايا غيرهم."

وهنا، مثّل مراد دوره بإتقان، فخفض رأسه قليلًا وتظاهر بالخجل، كمن لا يريد أن يطلب شيئًا ولكنه مضطر، ثم قال بصوت منخفض:

"هو في حاجه… بس أنا محرج أقولك عليها."

نظرت إليه بسنت بتوتر ولكنه مملوء بالفضول، ثم قالت:

"لا، قول يا مراد… ماهو كله كده كده هيرجع لي، أقصد… هيرجع لنا تاني، قولي ممكن أساعدك إزاي؟!"

رفع مراد عينيه نحوها، وقال بنبرة وكأنها فكرة وُلِدت الآن أمامها مباشرة:

"أنا كنت بفكر… لو نبيع عربيتك وشقتك… ورامي يساعدنا بأي فلوس تانية… لو حتى يبيع الكافيه بتاعه… وبعدين هرجعهم لكم تاني، ولو عاوزني أمضيلكم على شيك أنا ما عنديش مشكلة."

في تلك اللحظة، بدأ عقل بسنت يدور بسرعة البرق…

طلب بيع الشقة والسيارة؟ هل تضمن أن يكون صادقًا؟ أم أنه فقط يستخدمها كما فعل كثيرون؟

لكنها أيضًا تدرك أنه إن عاد لمكانته وثروته، لن تحتاج لأحدٍ بعدها…

ولن يكون أمامه سواها.

كانت أمام خيارين:

إما أن تخاطر، أو تفقد كل شيء.

وبسنت… لم تكن يومًا ممن يخشون المجازفة، خاصةً حين تكون الجائزة رجل بثروة مراد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة