لم تكن المفاجأة التي باغتت "مراد" تلك اللحظة، عابرةً أو مجرد صدمة وقتية، بل كانت كالسهم الذي انغرس عميقًا في صدره، لمجرد أن رأى ملامح ذلك الشاب كاملة بوضوح...
لقد عرفه.
بل تساءل بذهولٍ داخليٍّ: كيف لم يعرفه منذ البداية؟! كيف لم يخطر له أن يكون هو؟!
كل تفصيلة فيه الآن صارت واضحة، كل نظرة، كل حركة، كل لفتةٍ في جسده كانت مألوفة... كان قريبًا جدًا من تاليا، أقرب مما يجب، أقرب من أن يكون مجرد عابر.
تسارعت دقات قلبه، لا من الخوف، بل من الغضب… من الصدمة… ومن الغليان الذي تصاعد في صدره كبركان أوشك على الانفجار.
كيف أصبح على علاقة بكليهما، "رامي" و"بسنت"؟!
أي عبثٍ هذا؟!
هل يعرفهم منذ البداية؟ أم أن هناك اتفاقًا خفيًّا تم بينهم مؤخرًا؟
ولكن، إن لم يكن يعرفهم، فكيف عرفوه هم؟!
من الذي وصل بمن إلى من؟
هل هي صدفة؟ أم مخطط؟
في كل الاحتمالات، هناك شيء خبيث يحدث… شيء أكثر من مجرد خيانة… هناك مؤامرة تُحاك من خلف ظهره، ولم يكن يعلم أنه أحد ضحاياها.
أغمض "مراد" عينيه لحظةً قصيرة، ثم فتحهما كمن استفاق من حلمٍ ثقيل.
كم من الوقت مر وهي تعتبر هذا الشاب صديقًا؟!
كم من مرّةٍ رآه جوار "تاليا"، يبتسمان سويًا، يحضنها ليواسيها وقت حزنها، يضحكان في أفراحها، يربت على كتفها في مصائبها، يخبرها بأنه يحبها…
نعم، لقد أخبرها بذلك ذات يوم… قالها بصدقٍ كما خُيّل لمراد، أو هكذا ظنّت هي.
فكيف له أن يطعِنها في ظهرها بهذه القسوة؟!
كيف له أن يتآمر مع من دمّروها، مع من ألقوا بروحها أرضًا وسحقوها دون رحمة؟!
هل هذا هو الحب لديهم؟!
هل يُقاس الحب بالخديعة؟!
هل يُترجم الوفاء بالمكر؟
تساءل "مراد" بمرارة:
هل فكّر هذا الخائن بما ستشعر به "تاليا" حين تعرف الحقيقة؟
أيعقل أنه تواطأ ليدمرها فقط؟
أم أنه كان وسيلة في يد "بسنت" و"رامي"، وأن الطمع جعله يتخلى عن كل قيمة؟
إنها لم تكن مجرد مؤامرة، بل خيانة مزدوجة… من صديقٍ قبل أن تكون من حبيبٍ كاذب.
والآن، اتضح كل شيء…
تلك الصور التي كانت تُظهر "تاليا" وحدها… والظلّ في الخلف… الذراع الذي يحضنها، ولكن الوجه دومًا مختفٍ… كانت حيلة محكمة.
اختبأ كي لا يُفضح أمره، ولكنهم نسوا تفصيلة صغيرة…
الشامة أسفل أذنه.
كم من مجرمٍ خانته التفصيلة!
وها هو الآن، تنكشف حقيقته بكاملها أمام من لم يكن يتوقع ظهوره في هذا المكان.
وبينما كانت هذه المشاعر تتدفق في عقل "مراد" كفيضانٍ هائج، لم ينتبه أنه قد اقترب منه… اقترب حتى صار أمامه وجهًا لوجه.
توقف الزمن للحظة بينهما.
عيناهما التقتا… الأولى تغلي من الغضب، والثانية مصدومة، مرتعشة، مذعورة.
الوجه الآخر شحب لونه، توردت ملامحه بالقلق والريبة، بدا كمن رآى شبحًا خرج من قبره.
كان "مراد" واقفًا أمامه بثباتٍ أشبه بالرصاص، صامتًا، لكنه يشتعل.
أما الآخر، فقد جاهد ليجد صوته، وما إن وجده حتى خرج مرتجفًا، مغلفًا بسخرية خائفة:
– "أهلا يا مراد... إيه اللي جايبك هنا؟! إيه؟! بقيت تيجي تسهر ف نايت كلاب وسايب تاليا كالعادة لوحدها مستنيّة ف البيت... على ما سي السيد يحنّ عليها ويرجع؟!"
قالها وهو يحاول أن يظهر اللامبالاة، ولكن صوته خانته، ونبراته كشفت ارتباكه، ونظراته تهرب في كل اتجاه.
أما "مراد"، فلم يجب… بل اكتفى بنظرةٍ نافذة، تخترق قلبه وعقله.
نظرته تلك كانت كفيلة بجعل أي جبانٍ يركع.
لم يكن بحاجة للكلمات، فكل ما في وجهه كان يتحدث… عن الخيانة، والخذلان، والانتقام.
"مراد" لم يكن رجلًا يُستغفل، ولم يكن ليغفر.
هو الآن يرى الصورة كاملة، لكن عليه أن يسمع منه، من فمه، أن يعترف… أن يفضح نفسه بنفسه.
ولم يكن ذلك اللقاء صدفة… بل كان خطوة نحو النهاية.
نهاية لا يعلمها أحد… سوى من قرر أن يُنهي اللعبة بيده.
اشتعل الغضب في عيني مراد، لم يعد قادرًا على كبح جماح ثورته، لم تردعه الأصوات من حوله، ولا الأضواء الخافتة، ولا الحضور الكثيف داخل المكان. كانت كلمات ذلك الشاب – الخائن – كفيلة بإشعال النار التي ظل يكتمها لأسابيع في صدره. وفي لحظة لم يستطع أن يمنع نفسه، انقضّ عليه ولكمه بقوة مباشرة في وجهه.
كانت ضربة نارية.
ضربة محمّلة بالقهر، بالخذلان، بالدموع التي لم تُذرف، بالثقة التي طُعنت.
تساقطت النظرات عليهما من كل اتجاه، وتعالت الأصوات المستنكرة، وهرع الحاضرون لفصلهما، وسرعان ما تدخّل الأمن ببدلاتهم السوداء الضخمة، ليُبعدوا الاثنين عن بعضهما. ولم تمر دقائق حتى تم طردهم خارج المكان.
وقفا الآن في الخارج، تحت أضواء الشارع المتراقصة، وقلوبهم تشتعل.
ورغم الدماء التي سالت من شفته، لم يفقد الآخر سُمعته المعتادة في السخرية، بل بصق الدم على الأرض بجانبه وقال باستهزاء وهو يتلمس أثر الضرب:
– "هو ده اللي انت بتعرف تعمله، بس عارف؟... أنا مبسوط أوي إن وشي بيسببلك أزمة كده، مبسوط إنك كل مابتشوفني بتتدايق، عشان أنا مجرب نفس الإحساس حتى من غير ما أشوفك… كانت كل ما تجيب سيرتك… بتدايق وببقى نفسي أشوفك قدامي عشان أطلّع فيك غيظي."
تصلّب جسد "مراد"، وتقلصت عضلاته كما لو كان على وشك الانقضاض مرة أخرى، لكن هذه المرة، لم تكن قبضته هي التي تحرّكت، بل صوته، جهوريًا، غاضبًا، وممتزجًا بالمرارة، وهو يمسك بياقة قميصه الملطخة بالدم:
– "ماتجيبش سيرتها على لسانك يا حيوان… تاليا اسمها مايتذكرش على لسان واحد زيك! إيه؟! مش مكفيك اللي عملته قبل كده؟!"
ازدادت قبضته قوة على القميص، وكأنّه يُحاول أن يفرغ غضبه من خلال أصابعه فقط، وهو يُكمل بصوتٍ يكاد يُمزّق الهواء:
– "أنا بجد مش متخيل… إنتوا إزاي كده؟! إزاي قادرين تكونوا بالقرف ده كله؟! إزاي خاينين كده؟! وإنت بالذات! تاليا ماعملتلكش أي حاجة… بالعكس… دي اعتبرتك أخ ليها، وصديق وفي… وانت أصلاً من البداية دخلت حياتها لهدف… كل ده كان تمثيلية حقيرة منك ومن رامي وبسنت… مش كده؟"
ابتلع الآخر ريقه، وظهر عليه الارتباك لأول مرة، لكن مراد لم يُمهله فرصة للهرب، بل زاد ضغطه وقال:
– "هما اللي قالولك من الأول ادخل حياتها… وقعها في حبك عشان تسيبني… ولما مالقتش منها فايدة، وهما فقدوا الأمل… خدرتوها… صورتوها الصور دي… وبعتوهالي… عشان أنا اللي أسيبها… بجد مش قادر أستوعب… أنا إزاي ما فكرتش فيك؟! إزاي ماجاش في بالي إنك خسيس وخاين زيهم؟! ومفيش غيرك كان هيستفيد من بعدها زيهم!"
في تلك اللحظة، لم يكن في حديث "مراد" فقط اتهام…
كان فيه جُرح.
جرح عميق لشخصٍ لم يُطعَن من عدوه، بل من من ظنّه قريبًا.
أما الآخر، فقد بدأ توتره يتضح جليًا…
نظراته تهرب، جبينه يعرق، وفمه يرتجف… كيف علم "مراد" بكل هذا؟!
هل أخبره "رامي"؟ أم "بسنت"؟!
أم أنه اكتشف وحده، دون أي مساعدة؟!
سلسلة من الأسئلة تضرب رأسه كالمطارق، ولكن بدا له الآن أن كل شيء قد انكشف…
لقد انتهت اللعبة.
ولم يعد هناك ما يُخفى…
فإذا كانت النهاية قد بدأت، فليُكملها بطريقته…
فليلعبا الآن على المكشوف.
ساد الصمت للحظة بينهما، صمت مُثقل بالفضائح والخذلان، ثم قاطعه "عادل" بصوت مفعم بالسخرية، وهو يصفق بكفّيه صفقةً متعمدة، بطيئة، قبيحة، كأنّه يُكرم ممثلًا على مسرح جريمة:
– "براڤو عليك، بس اللي قالك كل ده نسي يقولك حاجه مهمه... وهي إني فعلاً حبيتها."
كان يتحدث كمن ينهار من الداخل، يحاول أن يبدو قويًا لكنه يتشظى في كل كلمة، وتابع:
– "مانكرش إن في البداية كان كله خطة مرتبينها مع بعض… من أول الصورة اللي صورتهالها مع أصحابها، والخناقة اللي حسن اتخانقها معايا… ولما رجعت، رُحت لهم نفس المكان واتعرفت عليهم… كل ده كان عشان أخليها تحبني وتطلب منك الطلاق."
كان مراد يصغي بصمت، ينظر إليه بعينين تقدحان نارًا، فيما أكمل عادل حديثه بانفعالٍ عميق، وكأنه يقذف بكل ما بداخله من اعتراف:
– "بس لما عرفتها… حبيتها. ولقيتها خسارة فيك. إنت ماتستاهلش واحدة زي دي. مش فاهم هي بتحبك على إيه؟! واحد عمره ماقدملها اهتمام ولا حب، إزاي تفضل تحبك بالشكل ده؟!"
ثم قال بتنهيدة يملأها الندم والخذلان:
– "أنا عارف إن بسنت هي اللي أكيد قالتلك… ومن الأول قولت لرامي إنها هتبيعنا ليك…ماصدقنيش."
ظلّ مراد واجمًا، يُفكر… يحلل… يخطط. كانت كل كلمة يقولها عادل كأنها مفتاح لباب جديد في شبكة الخيانة تلك. قرر أن يجعلهم ينهارون على رؤوس بعضهم البعض، واحدًا تلو الآخر، من دون أن يوسّخ يديه.
لهذا قال بكذبٍ بارع، وكأنه يُلقي طُعمًا:
– "أيوه، بسنت قالتلي من زمان… بس أنا ما رضيتش أقول لتاليا… ولا أقول لحد، عشان هي حلفتني ماقولش، عشان ماعملش مشاكل ليها معاك إنت ورامي."
كان وقع الكذبة شديدًا على "عادل". استشاط غضبًا، وبدت عيناه كأن فيهما نارًا مشتعلة. قبض على راحتيه، توعّد بسنت في سره، وشتمها في عقله ألف مرة. ثم زمّ شفتيه وتمتم بغضب خافت، كمن يطهو انتقامه ببطء.
قال بصوت مشحون، يكشف ما كان يعتمل بداخله طيلة الشهور الماضية:
– "عشان كده من أول ما شوفتني مع تاليا وإنت بتعاملني وحش… من أول خروجة خرجتها معانا… وإنت نظراتك ليا كان فيها عداوة واضحة… رغم إنك كنت بتعامل الكل كويس."
مراد، بصوت هادئ لكنه حاد، أجابه:
– "بالظبط كده… ولو لاحظت، أنا كنت بتكلم مع حسن عادي، رغم إنه صديقها هو كمان، بس كنت عارف من البداية إن نيته صافية من ناحيتها، وبيعتبرها مجرد أخت له وبيخاف عليها بجد، لكن إنت؟ إنت حتى نظراتك ليها ماكانتش بريئة، وكلامك معايا من البداية أكدلي إن بسنت مابتكدبش عليا، وإنك فعلاً بتعمل كل حاجة عشان تبعدني عنها."
صمت قليلًا، ثم أردف وهو يحدّق في عينيه مباشرة:
– "بس اللي مش قادر أفهمه… هو ليه؟ من البداية… ليه تشترك معاهم في حاجة زي دي وإنت ماتعرفهاش؟ ولا هي أذتك في حاجة؟! وبعد كمان ماعرفتها، وزي مابتقول حبتها، ليه ما قولتلهاش الحقيقة يا عادل؟ لو كنت فعلاً حبيتها زي مابتقول… كنت هتتمنى لها تكون مبسوطة."
بدت ملامح "عادل" مُحمّلة بالغضب… والتناقض… ثم انفجر بصوته، وكأنه ينفث نارًا ظلّت تحرقه بصمت:
– "أنا كنت هخليها مبسوطة! كنت هبعدها عنك، وعنهم، وعن كل القرف اللي كانت عايشة فيه بسببك! كنت هاخدها معايا وهنمشي من البلد دي كلها! كنت هعوضها عن كل اللي عملتوه فيها!"
مدّ يده داخل جيب بنطاله بإعياء، وكأنها عادة لم يستطع التخلي عنها، وأخرج زجاجة صغيرة من الخمر، فتحها واحتسى منها جرعة.
مرّت لحظة صمت وهو يغمض عينيه وكأن طعمها الحارق يهدّئ الحريق بداخله، ثم قال بصوت متهدج:
– "أنا في الأول… وافقت أعمل كده… عشان بسنت. أنا أعرفها من زمان أوي، من قبل حتى ماتعرفك. كنا بنشرب مع بعض… بنخرج سوا… بوسه… حضن… علاقة… بس ماكانش حب يعني."
نظر إلى مراد، كمن يُلقي عليه قاذورات ماضيه بوقاحة، ثم تابع:
– "لما احتجت فلوس، بسنت قالتلي إن في موضوع لو عملته هاخد من وراه فلوس كتير أوي. فهمتني كل حاجة… ولاقيت الموضوع سهل يعني. كنت فاكر إن أول ما أظهر لها جانب الشاب الرقيق الحساس اللي بيخاف عليها من الهوا… هتقع في حبي زي بنات كتير غيرها."
أطلق ضحكة ساخرة، وقال بمرارة:
– "واللي كان مأكدلي إن الموضوع هيبقى سهل… إن بسنت قالتلي إنك مش مديها ريق حلو، ولا حتى بتقرب منها، ولا حسستها في يوم إنها ست. ماتخيلتش إنها بتحبك كده. رغم إن بسنت بردو قالتلي إنك حتى ما لمستهاش… بس كانت صعبة… أصعب مما تخيلت."
ثم سكت، والسكوت هذه المرة كان مليئًا بالانكسار… بالهزيمة.
أما مراد، فكان يقف أمامه، عينيه لا تزال تشتعل، لكنه لم يُجب.
لقد اكتملت الصورة.
والآن، جاء وقت اللعب الحقيقي… لا أقنعة بعد اليوم.
ظلّ مراد واقفًا أمامه، متماسكًا في مظهره، لكن بداخله كانت النيران تلتهم كل شيء… لم يكن يستمع فقط إلى كلمات عادل، بل كان يختنق بها، كأنها سكاكين تُطعن بها كرامته، وتغرز في قلبه كلما نُطقت تاليا على لسان شخصٍ لا يستحق حتى أن يذكر اسمها.
ومع ذلك، احتوى غضبه، وسجن انفعالاته داخل صدره، لأنه شعر أن هذا السكير الثمل سيبوح بكل ما يُخفيه… فآثر أن يصمت، أن يُنصت حتى النهاية.
رفع عادل رأسه إليه، وعيناه مغرورقتان ببعض من حزن زائف، وبعض من خمر عميق، ثم قال بصوت منكسر:
– "مع الوقت… لقيت نفسي بحبها، بقيت بتدايق لما بتجيب سيرتك قدامي، كانت دايمًا بتكدب وتقول إنها سعيدة معاك، وإنك لما بترجع بتعوضها عن فترة غيابك… بس أنا عارف إنها كانت بتكدب… كنت عارف إنها مش مبسوطة معاك…"
ابتلع ريقه بصعوبة وكأن الكلمات تجرحه وهو ينطقها:
– "أكيد عايزة حد يهتم بيها، يحتويها، يقولها كلام حلو… قولت هدخلها أنا من هنا، وفعلاً بدأت أقولها كلام حلو كتير، بقيت دايمًا بسمعها، حاولت أعوضها عن كل اللي انت حرمتها منه… بس برضو ماكانت بتديني فرصة، دايمًا كانت بتعاملني زي حسن ورنا ومها وياسمين، لا… والأدهى من كده إني لاقيتها بتحاول تقربني من مها، عشان معجبة بيا!"
قهقه بسخرية وقال:
– "حاولت أوضح لها كتير… بس هي كانت غبية… أو حبها ليك كان عاميها، مخليها مش عارفة فين مصلحتها، فضلت مستحمل… وكل ما بسنت تسألني أو رامي… أقولهم إني قربت أوصل للي عايزينه."
عندها رفع مراد حاجبيه وسأله بجمود حاد:
– "وإيه هو اللي كانوا عايزينه بالظبط؟"
أخذ عادل رشفة جديدة من الزجاجة، وقد بدأت الثمالة تُلقي بثقلها على عقله، فاستند إلى الجدار بتمايل ثم قال بصوت خافت، لكن واضح بما يكفي لأن يُلهب قلب مراد:
– "كانوا عايزني أصورها معايا… أو مع غيري، لو لاقيتها على علاقة بحد، أصورنا واحنا مع بعض… يعني في علاقة، مثلاً حضن… أي حاجة سخنة كده، عشان تبعت الصور لأبوك… ويخليك تطلقها."
لمعت عينا مراد بغضبٍ لم يعد قادرًا على إخفائه، لكنه ظل رابط الجأش، قبض على فكيه بشدة، ثم قال بنبرة قاتمة:
– "عشان كده لما ركبت معاك العربية في شبكة ياسمين… استغليت الفرصة وأخدتها للمكان المعزول ده… وحاولت تنفذ اللي هما طلبوه منك."
صرخ عادل وقد انقلب حاله فجأة، كأنه يتأرجح بين الثمالة والعاطفة المتأججة:
– "إنت ليه مابتفهمش؟! أنا بقولك… حبيتها! وكنت عاوز أعمل كده عشان بحبها، مش عشان رامي ولا بسنت ولا أي حد… بس إنت جيت وبوظت كل حاجة… كعادتك!"
رد مراد ببرود قاتل:
– "وليه لما إنت حبيتها زي ما بتقول، كنت عايزها تعمل حاجة هي مش عايزاها، ولا حباها؟ ما فكرتش إنك كده بتبعدها عنك زي ما حصل فعلاً؟ وإنها بقت بتخاف منك؟ فقدت الثقة فيك؟!"
صمت عادل لحظة ثم قال بحنق:
– "أنا ما فكرتش في كل ده… أنا كنت فاكرها هتحس بيا… بس هي غبية… مابتفهمش."
رد عليه مراد، وهو يثبّت نظراته كالسهم:
– "وليه ما تقولش إنها كانت معتبرك أخ؟ وكانت بتاخد كل تصرفاتك كاهتمام أخوي مش أكتر؟ وكمان… مش مكفيك اللي عملته؟ رُحت خليتهم يخدروها ويصوروها بالشكل ده؟! ده حب؟ بذمتك؟! هو ده الحب اللي إنت تعرفه؟ إنك تأذيها بالشكل ده وتبقى بتحبها؟!"
عندها بكى عادل بحرقة، ثم صرخ:
– "أنا كنت عايزها تبعد عنك بس! مش مهم إزاي، المهم إنك تخرج من حياتها! أنا حاولت بعد اللي حصل في شبكة ياسمين أكلمها واعتذر لها… بس هي ما ادتنيش فرصة… رمتني بره حياتها وكأني ماكنتش موجود فيها، قدرت تنساني بسهولة… وكأني هوا!"
ظل مراد صامتًا، لكن بعقله بدأت قطع الأحجية تتجمع، وبدهاء شديد أراد أن يستدرجه للمزيد فقال:
– "طيب… هي في صور تانية لتاليا؟ اتصورت معاها صور تانية يعني؟ في أكتر من الصور اللي وصلت لي؟!"
انشغل عادل بزجاجته مجددًا، ومراد استغل اللحظة، أخرج هاتفه بهدوء، وفتح خاصية التسجيل دون أن يظهرها، ثم ناوله بيده ليبدو وكأنه يتفحصه، بينما صوته يُسجَّل كاملًا.
قال عادل بصوت مبحوح:
– "لا… ما لحقناش نصورها صور أكتر، مع إننا كنا ناويين نصورها واحنا مخدرينها كده… صور في أوضاع مقنعة أكتر، بس ماعرفناش… لإن المخدر ماكانش قوي كفاية، وماكانش معانا غيره، رامي الحمار جاب مخدر من واحد صاحبه حمار زيه، وعلى ماوصلنا بالعربية للمكان اللي هنصوّر فيه… واتصورنا الصور دي… كانت بدأت تفوق، اضطرينا نرجعها تاني مكان ما أخدناها… عشان ما تفوقش وتعرفنا."
تقدم مراد نحوه، يسأله بنبرة حادة، مُقنّعة:
– "مين اللي كان بيصوّر؟ والصور دي موجودة فين؟ أقصد يعني… على تليفون مين؟!"
رفع عادل عينيه بصعوبة، وبلع ريقه، ثم قال:
– "بسنت… هي اللي كانت بتصورنا… بالكاميرا بتاعتي، والكاميرا وتليفون بسنت هما بس اللي عليهم الصور… والاتنين عندها… ما رضيتش تخلينا ناخدهم… عشان ما نعملش حاجة من وراها."
في تلك اللحظة، أغلق مراد هاتفه ببطء، عينيه تشتعلان… وكأن كل قواه عادت إليه دفعة واحدة.
تقدم منه بخطوة واحدة، أمسك بياقة قميصه الملطخة ببقع الدم، وقبض على عنقه بغلٍّ ظاهر، ثم قال بصوت متهدج… تخرج فيه الكلمات كالرصاص:
– "أنا هخليكم إنتوا التلاتة تدفعوا تمن اللي عملتوه… مش عشاني، أنا خلاص… عقابي ليكم كان الفلوس، وأخدتها كلها… بس تمن اللي عملتوه في تاليا… هتتحاسبوا عليه… واحد ورا التاني."
ثم وبلا تردد… سدد لكمة عنيفة إلى فكه، سقط عادل من شدّتها أرضًا، فقد توازنه، وتطايرت إحدى أسنانه مع دمٍ اختلط بعجزه وثمالته.
تراجع مراد عنه، ينظر إليه من علٍ، ثم قال لنفسه:
"لا… مش دلوقتي. مش هيموت دلوقتي. اللي زيه لازم يتعفن… بس مش على الأرض… في زنزانة."
تركه في قذارته، على الأرض المبللة بخزيه، ورحل.
رحل وهو يخطط… يجهز أوراق الحرب الأخيرة… لينتقم لكل دمعة نزلت من عين تاليا…
وليعرف الجميع قريبًا أن عدالة القدر، حين تتأخر… لا تُخطئ.
sara ahmed