جلست تاليا مقابلة له، والقهوة تتصاعد منها أبخرة دافئة، تتماشى مع دفء اللحظة ولكن تتناقض تماماً مع اضطراب مشاعرها. كانت تحدّق في مراد، لا تنبس ببنت شفة، وكل ما يدور داخلها لا يعكسه شيء على ملامحها سوى نظرة حائرة، مشوشة، مترددة. هل هو أمامها حقًا؟! أم أن تفكيرها المستمر فيه أصبح يخلق له وجودًا من العدم؟
مراد، ذلك الرجل الذي حاولت بكل قواها أن تنساه، أن تتجاوزه، أن تملأ الفراغ الذي تركه بداخلها بكتب، ورفوف، وضحكات عابرة، ومواعيد ثابتة للعمل... لكنه الآن أمامها، يتحدث، يبتسم، يطلب منها أن تستمع له، وكأن شيئًا لم يكن.
هي تعلم يقينًا أنها لم تنسه. كيف يمكنها ذلك؟! وقد عاشا معًا شهرين لم تكن الأيام فيهما مجرد أرقام، بل كانت ذاكرة يومية تنبض، بكل جدال دار بينهما، وكل نظرة دفء، وكل كلمة تسللت إليها كأنها وعد بالخلود.
ولكن رغم ذلك، لا تريد العودة إلى ذلك الضغط... ذلك التوتر الذي حاصرها طوال وجودها معه... ذلك القلق من عدم الفهم، ومن كلماته الحادة أحيانًا، ومن صمته الطويل في أحيانٍ أخرى. هي ممزقة الآن، ما بين الحنين والرغبة في النجاة، ما بين قلبٍ يتوق إليه، وعقلٍ يذكّرها بضرورة البقاء بعيدة.
كانت تحدق فيه بعينين ثابتتين، ولكن فكرها سابح في ماضٍ يشدها بقوة، وفي حاضرٍ غامض، وفي مستقبلٍ لا تعرف إن كانت تريده معه أم لا. لم تجبه، شردت في صمتها، وكأن الكلمات لم تجد سبيلاً للخروج من بين شفتيها.
مراد شعر بترددها، قرأ في عينيها صراعًا حاولت إخفاءه، فأزاح نظره عن عينيها للحظة وكأنه لا يطيق أن يرى ذاك التمزق، ثم تنفس بعمق وقال بنبرة ممزوجة بالتردد والحاجة إلى البوح:
– "أنا عايز أقولك حاجه مهمة... حاجة أنا خبيتها عنك."
انتبهت تاليا لحديثه، وكأن صوت كلماته أعادها من شرودها، رفعت حاجبيها قليلاً وسألته:
– "حاجة ايه؟!"
نظر إليها نظرة طويلة، عميقة، تملأها الخشية من ردة فعلها، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
– "تاليا... أنا ال٨ شهور الأخيرة اللي قعدتهم في ألمانيا... ماكنتش قاعد عشان شغل زي مانتي فاهمة... أنا كنت عملت حادثة ودخلت ف غيبوبة... فوقت بعدها وأنا مش فاكر حاجة."
صمت ثقيل لفّ المكان فجأة، وكأن الهواء نفسه انحبس عن الحركة، وكأن القهوة فقدت دفأها، والمقهى فقد ضجيجه، وكأن الزمن توقف لوهلة.
نظرت إليه تاليا بذهول، فقد كانت تلك الكلمات أشبه بصفعة، لم تكن تتوقعها بأي شكل من الأشكال. فغر فمها قليلاً، ولكنها لم تقل شيئًا، فقط نظرت إليه نظرة امتزج فيها التعاطف بالدهشة، والحيرة بالشك.
تابع مراد وهو يخفض عينيه إلى الطاولة، كمن يعترف بذنب لا يعرف إن كان سيُغفر له:
– "أنا ماكنتش فاكر اسمك... ولا شكلنا واحنا سوا... حتى أول ما رجعت مصر، ماكنتش فاكرك، لأن دماغي كانت فاضية، كنت كل يوم بحاول أفتكر حاجه ومش بعرف... ولما شوفتك أول مره في بيتنا، في أول لقاء، قلبي حس بحاجة بس مخي ماكانش قادر يفسرها... كنت حاسس إني أعرفك... بس مش عارف ازاي ولا امتى..."
كلمات مراد كانت تسقط على تاليا كقطرات مطرٍ باردة على جسدٍ مشتعل، لا تبرده ولا تزيده إلا ارتجافًا.
مرت لحظات لم تتحدث فيها تاليا، ولكن عيناها امتلأتا بالدموع، تلك الدموع التي لم تجد طريقها بعد للسقوط، كأنها تنتظر أن تسمع المزيد لتقرر إن كانت ستفرح أم ستحزن، ستسامح أم سترحل.
رفع مراد عينيه إليها، وكأنه يتوسل رد فعل، أي رد، حتى لو كان صفعه، لكنه لم يحتمل صمتها، فقال:
– "أنا عارف إنك دلوقتي مش عارفة تحكمي... بس أنا كان لازم أقولك... كان لازم تعرفي إني ماكنتش عارف إني ظلمتك، وماكنتش فاكر أي حاجة من اللي حصل بينا... وأنا دلوقتي... فاكرك... فاكرك يا تاليا بكل تفاصيلك... وكل حاجة حصلت بينا بقت بتجيلي في أحلامي...."
قال كلماته الأخيرة وهو يمد يده قليلاً نحو فنجانه، ثم تراجع قبل أن يلمسه، كمن يخشى أن يكسر شيئًا.
أما تاليا، فقد أراحت ظهرها على الكرسي، تنظر إليه وكأنها تحاول جمع قطع الأحجية التي انفجرت فجأة أمامها، لم تتوقع هذا الاعتراف، لم تتخيل أن كل ذلك الغموض الذي اكتنف تصرفاته في الفترة الأخيرة كان له سبب بهذا العمق، بهذه القسوة.
كل ما بداخلها الآن كان سؤالًا واحدًا يصرخ في أعماقها...
"هل يمكن للذاكرة أن تمحو الحب؟"
لكنها لم تسأله، فقط جلست، صامتة، تتنفس، وتحاول أن تفهم.
أما هو، فكان ينظر إليها بتوتر، ينتظر الرد، ينتظر الحكم... ربما كان يأمل بفرصة، أو حتى نظرة غفران.
وعندما استوعبت ما يقوله ضعت تاليا يدها على فمها بصدمة شديدة، وقد اتسعت عيناها كأنما وقع عليها خبر صاعق. جسدها تحرك لا إراديًا وهي تعتدل في جلستها وتقترب من الطاولة، تستند بكفيها عليها، بينما اللهفة تسابق كلماتها:
"حادثة ايه ؟! وانت ازاي ماتقوليش، ليه محدش قالي؟!"
كان صوتها مضطربًا، ووجهها غارقًا في مشاعر متناقضة ما بين قلق وغضب وذهول، أما مراد فخفض عينيه، كأنه يخشى النظر في عينيها، ثم قال بصوت منخفض مليء بالارتباك:
"الحقيقة أنا نفسي معرفش حادثة ايه، انا فوقت لاقيت ناس قدام ناس بتقولي إنها أبويا وأمي، أنا ماكنتش فاكر أي حاجة، لكن بعد ماقضيت معاهم شوية وقت بدأت أفتكر حاجات كتير، قعدت تقريباً ٣ شهور افتكرت فيهم كل حاجه عن أهلي، وكنت فاكر اني كده خلاص افتكرت كل حاجه، لكن اتفاجئت ببابا بيقولي اني متجوز، متجوز في مصر واحدة أنا كنت بحبها، هو قالي كده... بصراحة أنا لما قعدت مع نفسي وفكرت قولت لما انا متجوز ليه مراتي ماسألتش عليا ولا مرة، بس لما سألت بابا قال إنك اتصلتي عليهم وسألتي عني، وقالولك مسافر ف مكان تاني لان تليفوني ضاع ف الحادثة، المهم إني اقتنعت شوية لما قالولي كده."
كانت تاليا تصغي إليه بانتباه شديد، ملامح وجهها توترت أكثر، ثم قاطعته قائلة بحدة ممزوجة بدهشة:
"بس أنا ماتصلتش بحد، انت عارف إنك كنت مانعني اني أتواصل معاهم بأي شكل."
رد مراد بنبرة حزينة تشوبها المرارة:
"أنا كنت بصدق أي حاجه بيقولوها لي، لأني ماكنتش فاكرك ولا فاكر أي حاجه هنا."
ساد صمت قصير، لكنه كان ممتلئًا بأصوات في رأس تاليا، تحاول أن تستوعب ما تسمعه، ثم قالت بإدراك كأنما أحجية حلت وحيرتها بدأت تتضح ملامحها:
"انت كده فهمتني سر تغييرك، أنا كنت عمالة بسأل نفسي ايه اللي غيرك بالشكل ده، بتكلمني وبتهزر وبتاكل وتخرج معايا، بس دلوقتي فهمت، انت عملت كده لانك أصلاً كنت ناسيني وناسي قوانينك، مش عشان اتغيرت ولا حاجه."
رفع مراد نظره إليها ببطء وقال بهدوء:
"أنا فعلاً ف الأول ماكنتش فاكرك ولا فاكر حاجه تخصنا، بس مع الوقت بدأت أفتكر كل حاجه، أنا تقريباً افتكرت كل حاجه بعد أسبوعين، صدقيني ياتاليا، أنا كنت بعمل كل ده معاكي وأنا فاكرك، وفاكر قوانينا، وفاكر كل حاجه عنك."
نظرت إليه تاليا بعتاب أليم وقالت:
"وليه ماقولتليش أول ماجيت، ليه ماعرفتنيش اللي حصلك؟!"
تنهّد مراد، وأجابها بصوت كأنه يخرج من جوفه لا من فمه:
"لأني كنت خايف، خايف تكدبي عليا وتفهميني حاجه مش حقيقية، وده ماكانش هيساعدني في اني افتكر، لأن الدكتور قال لازم افتكر لوحدي."
رفعت تاليا حاجبيها بدهشة أكبر، وقالت باستنكار:
"وبتقولي ليه الكلام ده دلوقتي يامراد، ايه اللي فرق؟! مش ممكن أكذب دلوقتي يعني وافهمك حاجه غلط؟!"
هز مراد رأسه نافيًا، ونظر في عينيها بثقة خافتة وقال:
"لا، انتي مش ممكن تعملي كده، لأنك ببساطة مش محتاجه مني حاجه، بالعكس انتي اصلاً مش عايزاني ف حياتك، ف ايه اللي هيخليك تغيري تفاصيل حاجات حصلت، وكمان انتي أكتر حد أنا بثق فيه دلوقتي."
سألته تاليا بحدة وريبة:
"بردو ماقولتليش ليه دلوقتي، ليه بتقولي اللي حصلك دلوقتي."
أجاب مراد وهو يتنفس بعمق:
"عشان عايزك تساعديني."
بدت الدهشة على ملامحها أكثر، وردت بسؤال فوري:
"أساعدك؟! أنا أقدر أساعدك ف ايه؟!"
قال مراد بنبرة محمّلة بالحيرة والارتباك:
"تاليا، انتوا كلكوا بتقولولي إني بحب بسنت، وإني ماكنتش متقبل جوازنا عشان بحبها، بس أنا مش حاسس كده، أنا مش مرتاح معاها أبدا، دي مش مشاعر واحد كان بيعشق واحدة للدرجة دي."
أخذت تاليا نفسًا طويلًا، ثم قالت بتساؤل حائر:
"وأنا هساعدك ازاي ف الموضوع ده؟!"
نظر إليها مراد مباشرة، كأنما يبحث عن حقيقة ضائعة بين عينيها، وقال:
"قوليلي الحقيقة، أنا عارف إنك مش هتكدبي عليا، بس قوليلي، أنا فعلاً كنت بحبها؟!"
حاولت تاليا أن تتمالك نفسها، أن تظل هادئة وهي تسترجع ذكرى لطالما آلمتها، ولكن قلبها خانها، فخرج صوتها مشوبًا بشيء من الحزن العميق:
"أيوه كنت بتحبها."
سألها مراد مجددًا، وكأن التردد يعصف به:
"ايه دليلك، يعني ايه اللي خلاكي تحسي كده؟! أنا قولتهالك صريحة بنفسي، قولتلك اني بحبها؟!"
شعرت تاليا أن كل ما دفنته بداخلها عاد ليطفو على السطح من جديد، قالت بصوت يحمل ضيقًا ظاهرًا:
"أيوه يامراد، قولتلي انك بتحب واحدة تانية عشان كده حطيت القوانين اللي مابينا."
ردّ مراد وهو يحدق في وجهها كأنه يبحث عن ثغرة:
"ومين قالك إنها هي، مش يمكن واحدة تانية؟!"
لم تستطع تاليا سوى أن تضحك بسخرية مؤلمة، وقالت بصوت غاضب ممزوج بمرارة:
"لا هي يامراد، ودليلي إنها كانت بتجيلك البيت قدامي، وكانت بتفضل تحضن فيك وتبوسك وتتمايع وانت كنت مبسوط بيها، دليلي اني سمعتك أكتر من مرة وانت بتقولها إنك عمرك ماهتحب غيرها، دليلي إنك كنت بتخليني أخرج أول ما هي بتيجي عشان ماتزعلش، وهي كانت بتيجي حتى لو انت مش موجود، كانت بتيجي تقولي إنك ملكها هي لوحدها، وإني عمري ماهكون موجودة ف حياتك، ولا عمرك هتبص لي عشان هي ماليه حياتك وتفكيرك... تحب أقولك أدلة تانيه؟"
في تلك اللحظة، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدمي مراد، سقطت عليه كلمات تاليا كالرصاص البارد، بلا مقدمات، بلا تلطيف، بلا محاولة لتخفيف الألم. لم تكن تجلد قلبه فقط، بل كانت تقطع شرايين ذاكرته بكل ما قاله وفعله، وهو لا يتذكر... أو ربما بدأ يتذكر الآن.
تاليا كانت تميل بجسدها قليلاً للأمام، تتكئ على الطاولة وكأنها تحتمي بها من موجات الألم الذي يعاود الصعود من أعماق قلبها. نظراتها لم تكن غاضبة بقدر ما كانت متألمة، مضطربة، تحمل داخلهما خيبة امرأة لم ترد يومًا أن تكون ضحية، ولكنها كانت كذلك. خذلها، خان ثقتها، أهان كرامتها، وها هو الآن يسألها ما إذا كان يحب الأخرى... وكأنها مجرد عابرة، مجرد هامش، مجرد غلطة في حياة فقد فيها الذاكرة.
أما مراد، فقد تجمد مكانه، نظره مشوش، حاجباه معقودان، قلبه يخفق بقوة وكأن عقله بدأ يسترجع خيالات مشوهة، أصوات، مشاهد مبعثرة، لم يكن واثقًا من شيء، إلا أنه بدأ يشعر بخجل لم يعرفه من قبل. خجل من نفسه. من صمته، من نسيانه، من اختياراته.
سكتت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه مباشرة، وأردفت بنبرة مختنقة:
– "تحب أقولك أدلة تانية؟!"
مراد لم يستطع الرد. لم يملك أن يدافع عن نفسه، لأنه ببساطة لا يتذكر. لا يستطيع أن ينكر شيئًا، ولا حتى يبرر. فقط جلس، وهو يشعر أن الدم يتجمد في عروقه، أن أنفاسه ثقيلة، أن عيناه لم تعد قادرتين على النظر إليها. كم مرة أساء إليها وهو لا يدري؟ كم مرة كان صوتها يبكي خلف باب مغلق وهو في حضن أخرى؟!
ظهرت العصبية جلية بصوتها، ولكن مع حزنٍ دفين لم تستطع إخفاءه، كان ينساب من ملامح وجهها، ومن رعشة بسيطة مرت بعينيها وهي تتحدث، وكأن الألم القديم عاد فجأة ينبش قلبها دون استئذان. أما مراد، فكان يجلس أمامها يراقب انفعالها بذهول، وشعور بالذنب كان يخنقه كلما تذكّر أن كل هذا ناتج عن أفعاله، حتى وإن كان لا يذكرها.
قال لها مراد معتذرًا، وصوته يخرج واهنًا متألمًا:
"أنا آسف اني كنت حد وحش اوي للدرجة دي، بس حقيقي أنا مش فاكر أي حاجه عنها، أنا بقعد معاها عشان افتكر وبردو مابفتكرش غير شوية مشاهد لينا مع بعض أو كلام انا قولته او هي قالته قبل كده وبيتكرر، بس أنا مش مرتاح وحاسس اني مش قادر من كتر التفكير، كل لما بحاول افتكرها بحس بستارة حاجزة مش بتخليني أشوف اللي وراها، ومش عارف أحكي لحد لان محدش يعرف، عشان كده كلمتك انتي، انا محتاجك ياتاليا، محتاج حد يفهمني اللي بيحصل، محتاج حد أحس انه فعلا أنا عارفه."
كان كلامه يخرج مرتبكًا، مضطربًا، كأن قلبه يسبق لسانه في البوح بما يحمله من ضيق وضياع. أما تاليا، فرغم الجراح التي ما زالت تنزف في أعماقها، لم تستطع إلا أن تشعر بالشفقة عليه. لم يكن هذا الرجل هو نفسه المتحكم البارد الذي كان يومًا ما جزءًا من حياتها، لقد تغير، أو لعل الضياع فقط قد أظهر ضعفه الحقيقي.
قالت تاليا بحزن على حالته، ونبرة صادقة فيها شيء من الحنان:
"أنا هساعدك يامراد، بس قولي ازاي، قولي ايه اللي المفروض اعمله وأنا هعمله."
رفع رأسه إليها، ونظراته ملأى بالامتنان والانكسار في آنٍ واحد، كأنه طفل تائه ووجد يدًا تمد له الطمأنينة. قال:
"كفاية انك تكوني معايا وتسمعيني ده كل اللي محتاجه منك عشان حاسس اني بدأت أتجنن."
أجابته تاليا محاولة التخفيف عنه:
"كل حاجه هتبقى كويسه، وبعدين انت مش قولت انك افتكرتني لما قعدت معايا شوية، يمكن لما تفضل معاها شويه بردو تفتكرها."
ضغط مراد على رأسه بألم وهو يقول:
"مش قادر ياتاليا، مش قادر افتكر، حاسس اني معاها في دوامة."
اقتربت تاليا وجلست على المقعد المجاور له، تنظر إليه بقلق واضح على وجهها، وضعت يدها برفق على رأسه وقالت:
"اهدى يامراد أرجوك، كل حاجه هتتحل، وانا معاك هنفكر سوا أو نروح لدكتور."
رفع مراد رأسه ببطء، ونظر إليها وهو يقول:
"انا كلمت الدكتور اللي متابع حالتي ف ألمانيا وحكيت له، قالي كل ده عادي وممكن من أثر الحادثة، ومع الوقت هفتكر كل حاجه، بس أنا مش مرتاح، أنا مش عايز أكون معاها، ببقى مخنوق وأنا مضطر أبقى معاها عشان أفتكر، مش عارف اعمل ايه أنا تعبت."
ثم استند برأسه على كتفها، كأنما وجد لحظة راحة في حضن الذكريات، فربتت تاليا على رأسه برفق، وصوتها ينساب هادئًا:
"هنحلها سوا ان شاء الله، بس انت حاول تهدى عشان تفهم، حاول ماتضغطش عقلك عشان يفتكر، سيبه يفتكر براحته."
ظل مستندًا برأسه على كتفها لحظة، كأن تلك اللحظة وحدها كانت قادرة أن تمحو كل الخوف، ثم قال بنبرة فيها شيء من الخجل:
"أنا قابلت ياسين."
رفعت تاليا حاجبيها بتساؤل:
"مين ياسين؟!"
اعتدل مراد في جلسته وقال وهو ينظر إليها بعينين فيهما بعض الحنين:
"ياسين ده صاحب عمري، صديق الدراسة والطفولة والمراهقة، أول لما شوفته افتكرته حتى قبل مايتكلم، انا فاكره، فاكر كل اللي عملناه زمان، فاكر أد ايه كنت بحبه وبرتاح وانا بكلمه، كنا عارفين عن بعض كل حاجه."
ابتسمت تاليا وقالت:
"طيب ما ده حلو ممكن يساعدك انك تفتكر لانه عارف عنك كل حاجه، انما أنا ماعرفش عنك حاجات كتير."
ردّ مراد بنبرة حزينة:
"ماهو احنا طلعنا متخانقين ومابنتكلمش من ٣ سنين بسبب بسنت، هو قالي كده لما كلمته."
دهشت تاليا وسألت:
"بسببها ؟! طيب انت مش فاكر انكم كنتوا متخاصمين."
مراد بهدوء مكسور:
"لا، مش فاكر ولا فاكر حتى اتخاصمنا ليه، هو بيقول عشان كلام قاله على بسنت وانا صدقتها وكذبته."
فكّرت تاليا قليلاً ثم قالت:
"طيب ماتحاول تكلمه وتقعد معاه، تفهم منه ايه اللي حصل."
قال مراد وهو يعقد حاجبيه:
"بس هوصله ازاي أنا معرفش رقمه، ومعرفش هو ف نفس البيت اللي كان عايش فيه زمان ولا راح مكان تاني."
تاليا باقتراح عملي:
"طيب مفيش صديق كان مشترك بينكم تقدر تسأله عن رقمه او مكانه ؟!"
فكر مراد ثم قال:
"رامي، كان رامي زميلنا، بس غريبة اني اول ماشوفت ياسين افتكرته انما رامي أنا مش فاكر حاجات كتير عنه."
ردت تاليا بهدوء:
"ممكن كان ياسين اقربلك منه، المهم دلوقتي انك ممكن تكلمه وتسأله عن ياسين وبعدها نشوف."
نظر مراد إليها بنظرة امتنان صادق وقال:
"تاليا أنا بجد مش عارف أقولك ايه، يعني برغم كل اللي عملته فيكي وقسوتي معاكي انتي بردو بتساعديني وبتقدميلي حلول."
أجابته تاليا بصدق واضح:
"لو انا مكانك كنت هتعمل معايا كده انا متأكده، وكمان انت صديقي زيك زي حسن، والأصدقاء مابيسيبوش بعض وقت الشدة."
تردد مراد لوهلة قبل أن يقول:
"ممكن اطلب منك كمان طلب ؟!"
قالت تاليا بابتسامة صغيرة:
"أكيد."
فقال بنبرة متوسلة:
"أنا مش عايز اكون مع بسنت لوحدي."
نظرت إليه بعدم فهم وقالت:
"طيب أنا المفروض أعمل ايه؟!"
أجابها:
"عايزك تكوني معانا."
نظرت إليه بدهشة:
"أكون معاكم ؟! ازاي يعني مش فاهمه ؟!"
قال موضحًا:
"يعني لما تقولي هتجيلي البيت، تيجي تقعدي معانا عشان تضطر تمشي بسرعه، ولو قالت نتقابل بره، بردو تيجي معايا بأي حجه، هنبقى نتفق وقتها."
ضحكت تاليا وقالت بنبرة ساخرة:
"بنت أختك أنا هتاخدني ف ايدك، ماينفعش طبعاً، هاجي معاك بصفتي ايه ؟!"
أجابها مراد سريعًا:
"بصفتك مراتي."
ردّت بحدة:
"والله والطبيعي ان مراتك تروح معاك وانت بتقابل واحدة تانيه غيرها، مش شايف ان الموضوع العقل مايستوعبوش."
قال مراد برجاء:
"عشان خاطري ياتاليا، انا مش عايز اكون معاها لوحدي، انا بخاف منها."
لم تستطع تاليا تمالك نفسها من الضحك وقالت:
"بتخاف منها ؟! ليه بتعضك."
قال مراد بإصرار:
"عشان خاطري ياتاليا، هو انتي مش قولتي الاصدقاء بيساعدوا بعض، ساعديني ف دي بس، خليكي معايا، لو سمحتي عشان خاطري."
sara ahmed