كانت تاليا تقف في مكانها، لا تُصدق ما سمعته للتو، لا تُصدق أن مراد، هو نفسه، من طلب منها أن تُحضّر له طعامًا.
تكررت الكلمة في ذهنها عدة مرات، كأن أذنيها تعجزان عن استيعابها:
"أنا جعان، ممكن تعمليلي أكل."
ظلّت جامدة في موضعها، لا تحرك ساكنًا، عينها تنظر إليه بدهشة خالصة، ولسانها، رغم جفافه، لم يملك إلا أن ينطق تلك الكلمة الوحيدة، المترددة، المتسائلة:
– "أنا؟!!!"
كان ما يدور في عقلها في تلك اللحظة لا يُحتمل.
ماذا يحدث؟ ما الذي جرى له؟
هل هذا هو مراد ذاته؟
هل يتحدث معها هي؟
هل يطلب منها، حقًا، أن تُعدّ له الطعام؟
شيء ما ليس على ما يُرام.
شيء داخله تبدّل، تغيّر، وهذا التغيّر لم يكن طفيفًا، بل جارفًا، صادمًا، كفيلًا بأن يعيد على ذهنها كل ما مضى، وكل ما دُفن في سنوات خمس من الصمت والجمود.
ألَم يكن هو من وضع القوانين؟
ألَم يُخبرها ليلة زفافهما أن علاقتهما ستقوم على الحدود الواضحة، وأن لا حوارات تجمعهما، ولا حياة مشتركة تربطهما؟
ألَم يقل بوضوح وجفاف، أنه لا يأكل إلا أطعمة بعينها، من يد أشخاص محددين، لا تشملها هي بأي حال؟
ألَم يكن ذلك قراره منذ اللحظة الأولى، يوم عقد قرانهما، حين جلس أمامها، لا كزوج، بل كرجل يوزّع التعليمات، ويُلقي الأوامر؟
منذ زواجهما، وسيدة ما تأتي بانتظام لتحضير طعامه، وتلك السيدة لم تكن غريبة على المكان.
كانت تعرف جدول حضوره وغيابه بدقة، وتسبق عودته بساعات، تنظف غرفته، تجهّز طعامه، ثم ترحل.
وخلال هذا كله، كانت تاليا تختفي في غرفتها.
تلتزم الصمت، لا تخرج، لا تقترب، كما طلب منها.
كان الحضور الوحيد لمراد في حياتها، مرورًا صامتًا، ثقيلًا، مثل طيف لا يُلمس ولا يُرى.
لقد كان يأتي لساعة أو ساعتين، يستريح قليلاً، ثم يغادر،
وفي كل مرّة، كانت هي تنتظر خروجه لتبدأ يومها.
تتحرك بحرية في بيتها، تتنفس، تمارس رياضتها، تقرأ، تحيا… كما يمكن لها أن تحيا.
وعندما يعود، تختفي.
كان أشبه بزائر غريب، لا يسكن المكان، بل يمرّ عليه كعابر لا يترك أثرًا.
ودائما، حين تخرج من غرفتها في الصباح، تجد بعض الأوراق موضوعة عند الباب، أوراق تتطلب توقيعها.
تتذكر جيدًا أنها كانت توقّعها في صمت، ثم تتركها حيث وجدتها،
وعندما تعود بعد قليل، تجدها قد اختفت.
هو لم يكن يراها، ولم تكن تراه.
كانت تلك الأوراق تتعلّق بالشركة، شراكة والدها مع والده، والتي تولى هو إدارتها بعد وفاة أبيها.
لكن بما أن الأموال جميعها أصبحت تحت اسمها، لعدم وجود إخوة أو أم على قيد الحياة، فقد كان من اللازم توقيعها على كل اتفاقية، وكل صفقة.
وكان هذا الاتفاق، أن يُدير هو العمل، وأن توقّع هي على ما يطلبه منها… دون نقاش.
وتاليا… لم تكن تملك الاعتراض.
حياتهما كلها كانت تقوم على ذلك الترتيب الصامت:
هو يأتي، لا تراه.
يترك أوراقًا، توقعها.
يغادر، وتبدأ يومها.
لا تتذكر متى كانت آخر مرة رأته فيها.
لا تتذكر متى تبادلا الحديث آخر مرة.
لقد كانت ليلة زفافهما، على الأرجح.
نعم، تلك الليلة التي وضع فيها حدوده، وقوانينه، وبنى بها بينه وبينها جدارًا لا يُخترق.
ومنذ ذلك الحين، صار كل شيء باردًا، معدنيًا، روتينيًا، بلا دفء، بلا صوت.
حتى هذه المرة… كانت أطول غيبة له.
ثمانية أشهر كاملة لم يأتِ خلالها إلى الفيلا.
ثمانية أشهر جعلتها تظن أنه نسي أمرها تمامًا، أو أنه اكتفى بتلك الحياة المتباعدة، وقرر ألا يعود.
لكنّه عاد.
لا لشيء، بل ليطلب منها الطعام.
"طعام؟!"
"منّي أنا؟!"
"بعد كل هذه السنوات؟!"
لقد ظنّت أنها أصبحت جزءًا من الأثاث، شيئًا لا يُرى ولا يُشعر به.
لم تكن تتوقع أن يراها، فضلاً عن أن يُحادثها… أو يطلب منها شيئًا.
كانت واقفة أمامه، وكل تلك الأفكار تضرب صدرها كالمطارق،
وفي عينيها دهشة، وفي صدرها ارتباك، وفي قلبها… شيء غريب لا تدري ما هو.
هي لا تفهم ما يجري.
ولكن ما تفهمه يقينًا… أن هناك شيئًا تغيّر.
وأن مراد، الذي أمامها الآن، ليس هو نفسه مراد الذي تزوجته قبل خمس سنوات.
استفاقت تاليا من طوفان أفكارها على صوته وهو يجيبها، بنبرة لم تستطع تفسيرها، مزيج من الهدوء والاستغراب واللامبالاة:
– "أيوه انتي، هو في حد هنا غيرنا؟! مالك مستغربة كده ليه؟ هو طلب صعب كده؟ وبعدين بصي… لو ما بتعرفيش تطبخي مفيش مشكلة، أي أكل موجود هنا وخلاص."
كأن صوته سحبها من أعماق بئرٍ كانت تغرق فيه.
حدّقت فيه لحظة، لا تعلم كيف يجب أن ترد، ففكّرت للحظة أن تتهرب، أن تتحجّج، أن تصمت، لكنها وجدت لسانها يسبق عقلها، يجيب بتلعثم ظاهر:
– "لا هو… الفكرة بس إن أنا مش عارفة انت بتاكل إيه؟!"
رفع حاجبيه، ونظر إليها بشيء من السخرية الخفيفة التي لم تخفَ عنها، وقال:
– "باكل إيه إزاي؟ هو أنا زومبي؟! باكل أكل زي اللي الناس بتاكله!"
هنا، شعرت تاليا بارتباك مضاعف.
أرادت توضيح مقصدها، لكنها كلما تحدثت ازداد ارتباكها، كأن الكلمات تفرّ منها.
فقالت على عجل، محاوِلة ترتيب أفكارها وسط فوضى قلبها:
– "لا مقصدش… أنا أقصد يعني بتحب إيه، نوع الأكل؟ أقصد يعني… انت مثلًا vegetarian ولا بتاكل اللحوم عادي؟ بتاكل حار ولا لأ؟… أنا مش عارفة."
ابتسم مراد – لأول مرة منذ وطأت قدماه هذا المنزل – ابتسامة خفيفة، لا تسخر ولا تستهزئ، بل كأنها امتزجت بدهشة داخلية لم يحاول إخفاءها، وقال:
– "باكل أي حاجة، باكل لحوم عادي، وبحب الحار جدًا، بحب تقريبًا كل أنواع الأكل… مادام معمول بطريقة حلوة."
ثم أضاف، وهو يحدّق فيها بنظرة متفحصة، ربما لم يقصد بها أن يؤذيها، لكنها آلمتها على أي حال:
– "بس مش شايفة إنها غريبة؟ إننا متجوزين من خمس سنين وما تعرفيش أنا بحب إيه أو ما بحبش إيه؟!"
كلماته سقطت عليها كصفعة هادئة… لكنها موجعة.
شعرت كأن روحها اهتزت لحظة، كأن شيئًا نائمًا بداخلها استيقظ فجأة.
رفعت عينيها إليه، نظرة غير متحدية، لكنها مكسوة بمرارة دفينة، وقالت بصدق جاف، يشبه اعترافًا ثقيلًا:
– "وأنا هعرف منين مثلًا؟ أنا شوفتك قبل كده بتاكل عشان أعرف؟!"
كلمتها هذه جعلته يصمت للحظة، يتأمل ما قيل، كأنه يسمعه للمرة الأولى.
ردّد ما قالته في ذهنه ببطء:
"ما شافتنيش قبل كده باكل…"
"يعني ماكلناش مع بعض ولا مرة…"
"ما عزمتهاش حتى بره وكلنا سوا…"
"هي إيه الجوازة الغريبة دي؟!"
تلك الأفكار لم تكن مجرد تأملات، بل كانت صدمات صغيرة تتوالى داخله، كأن أحدهم يضع أمامه مرآة للمرة الأولى منذ سنوات، ويُجبره على أن ينظر… حقًا ينظر.
تاليا، من جهتها، لم تنتظر أكثر، استدارت في صمت إلى المطبخ، تمشي بخطوات ثابتة وإن خذلتها ثقل الخطوات بداخلها.
كان المطبخ امتدادًا مفتوحًا للصالة، يفصل بينه وبينها حاجز رخامي بسيط.
وقفت خلفه، تفتح الثلاجة، تبحث عن شيء يصلح للطهي، تحاول أن تستجمع شتات عقلها الذي تبعثر منذ لحظة وصوله.
وفجأة، من بين كل هذا، شعرت به.
نظرت من طرف عينها لتجده يتحرك ببطء، ويتجه نحو أحد المقاعد القريبة من المطبخ، ثم يجلس بهدوء، واضعًا كوعيه على الطاولة، كما لو كان يجلس ببيته، لا يستعجل شيئًا، ولا ينوي الرحيل.
توقفت للحظة عن تحريك يديها، ونظرت إليه من جديد، بدهشة خفية.
"هل… هل سيبقى هنا؟!"
"هل سينتظرني حتى أنتهي؟!"
"منذ متى؟!"
"منذ متى صار وجوده طبيعيًا لهذا الحد؟!"
عادت بنظرها إلى أدوات المطبخ، إلى المقلاة الفارغة التي تنتظر الزيت، إلى الخضروات التي تحتاج تقطيعًا،
لكن عقلها لم يكن هناك…
كان عالقًا عند الرجل الجالس خلفها، ذاك الذي كانت تراه غريبًا لسنوات، فجأة… أصبح قريبًا، حاضرًا، ومربكًا حدّ الرجفة.
"يا إلهي… اجعل هذا اليوم يمر سريعًا…"
همست بها في قلبها، ثم تنفّست ببطء، وأعادت يديها إلى العمل، تُعدّ له وجبة لا تعرف إن كان سيحبها، لكنها، للمرة الأولى… تفعلها بيدها.
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل، كأن بينهما جبالًا من الكلمات غير المنطوقة، وأسطُرًا من الذكريات المبتورة والسنوات الصامتة.
كان صوت الطهو الهادئ وحده هو ما يملأ الفراغ بينهما… إلى أن قُطع هذا الصمت بصوته، بصوته الذي بدا مترددًا، كأن السؤال خرج منه دون ترتيب:
– "تاليا، انتي بتعملي إيه لما بكون مش موجود؟ يعني بتقضي يومك إزاي؟"
سؤال بسيط ظاهريًا، لكنّه نزل على قلبها كغصة، جعل يدها تتباطأ وهي تقطع الخضار، قبل أن تجيبه دون أن تنظر إليه، بصوت بارد وحذر:
– "ليه؟"
رفع رأسه، مستغربًا من طريقة ردّها، وقال:
– "ليه إيه؟!"
قالت:
– "ليه بتسأل؟!"
توقفت يده التي كان يُمسك بها كوب الماء، وضعه بهدوء، وأجاب كأنما يحاول أن يخفي ارتباكه:
– "عادي… فضول."
ضحكت بخفة خالية من الضحك، وابتسامة سخرية مرّت على وجهها، ثم عادت تقول:
– "واشمعنا الفضول ده ماجاش ليك إلا دلوقتي؟ يعني أنا هنا من خمس سنين، ماكانش عندك فضول قبل كده تعرف أنا عايشة إزاي ولا بعمل إيه؟ اشمعنا النهارده جالك الفضول ده؟"
كان السؤال كالسهم، طعن روحه قبل أن يجد له إجابة.
ظلّ صامتًا لثوانٍ، ثم قال أخيرًا، بنبرة حاول أن يجعلها صادقة قدر الإمكان:
– "الحقيقة… أنا حاسس إني عاوز أعرفك. يعني… عاوز أعرف عنك كل حاجة. الطبيعي إننا نبقى عارفين عن بعض كل حاجة. إحنا متجوزين، وحياتنا كده غريبة أوي."
رفعت رأسها إليه، نظرة مشتعلة، ضحكت باستهزاءٍ مرّ، ثم قالت:
– "مش عارفة أقولك إيه والله… بس انت لسه واخد بالك إننا متجوزين؟ فجأة كده حسيت إنه إيه ده… إحنا لازم نعرف بعض؟ بجد، انت واعي للي بتقوله؟ ولا انت شارب حاجة النهارده؟!"
لم يبتسم. لم يغضب. بل نظر إليها طويلًا، بعينين تقرآن الألم في كلماتها، وقال بهدوء:
– "بصي، إيه رأيك ننسى كل اللي فات، ونعتبر نفسنا لسه بنتعرف على بعض؟ خلينا نبدأ صفحة جديدة."
لكنها لم تحتمل كلماته… لم تستطع أن تتلقى دعوته ببساطة.
كانت تلك الكلمات كمن يفتح جرحًا اندمل بالقوة، بقوة التعايش.
فقالت بعصبية بدأ صوتها يعجز عن إخفائها:
– "لا! أنا مش عاوزة أعرف عنك حاجة، ولا تعرف عني حاجة. مابقاش فيه ورق نبدأ فيه صفحة جديدة! إحنا الورق الوحيد اللي ما بينا هو ورقة جوازنا وورق الشغل. غير كده… مافيش بينا حاجة، ومش هيبقى فيه."
نهض من مكانه، شعوره بالإحباط كان واضحًا على ملامحه، واقترب منها ببطء، لكن ما إن رأت اقترابه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، فوقف في مكانه وقال بصوت منخفض، فيه نبرة رجاء:
– "ليه؟ ليه بتقفلي الأبواب كده؟ مش يمكن… لو عرفنا بعض… الدنيا تبقى تمام؟! انتي عاجبك الحياة كده يعني؟ عايشين في نفس البيت وما نعرفش حاجة عن بعض؟ انتي حتى مش عارفة أنا باكل إيه ولا ماباكلش إيه، وأنا معرفش عنك أي حاجة."
كان في صوته صدق مؤلم، لكنها لم تشأ أن تستمع إليه، لم تسمح لقلبها بأن يلين الآن.
فأجابته، وهي تستدير نحوه بكامل جسدها، وقد اشتعل وجهها غضبًا:
– "والله انت اللي طلبت كده من الأول! انت اللي حطيت القوانين اللي هنمشي عليها، انت اللي قلت كل واحد في حاله، لا تسألني ولا أسألك، وأنا عجباني حياتي كده."
قال بانفعال واضح:
– "عاجبك إيه في حياتك كده؟! ما بتحسيش بملل أو خوف وانتي لوحدك هنا؟ إيه الجميل في إنك تقعدي لوحدك بالشهور؟!"
عندها لم تعد تقدر على كبح ثورتها، صوتها ارتفع، يفيض بالقهر المكبوت:
– "والله أنا بقالي خمس سنين عايشة في الملل اللي انت بتقول عليه، واتعودت عليه خلاص! ومش بعد ما اتعودت خلاص، جاي دلوقتي تقولي نعرف بعض؟! وبعدين أنا مش تحت أمرك! يوم تقول كل واحد في حاله ومايسألش التاني، ويوم تقول أنا عاوز أعرفك! أنا مش عاوزة! مش عاوزة أعرفك ولا عاوزة أشوفك، ولا عاوزاك تتكلم معايا تاني… تمام كده؟!"
صمت، لم يجادل، فقط قال، بصوت مكسور، فيه هدوء غريب:
– "أنا عارف إني كنت غلطان… بس إدينا فرصة."
في تلك اللحظة، كانت قد أنهت إعداد الطعام.
لم تنطق بكلمة.
تقدّمت نحوه، وضعت الأطباق أمامه بعنف خفيف، لا عنف الجسد… بل عنف الانفعال المكبوت،
ثم استدارت فورًا، تتحرك مسرعة نحو غرفتها.
لكنه، عندما مرّت بجواره، مدّ يده، وأمسك بمعصمها.
وقفت، متجمّدة في مكانها، لا تنظر إليه.
لكنها حرّكت يدها بقوة، حرّرتها من قبضته، فأسرع يقول برجاء:
– "تاليا… استني، لو سمحتي… نكمّل كلامنا."
كانت عيناها، منذ بداية الحديث، تقاومان شيئًا أعمق من الغضب…
كانت تقاومان دموعًا، مرّت على جفونها، ثم تراجعت.
لكن في هذه اللحظة، كانت على وشك الهزيمة.
لم يكن يُفترض بها أن تبكي، لم يكن يُفترض أن يراها هكذا،
ضعيفة، مهزوزة، مكسورة.
لا…
هي قوية.
هكذا همست لنفسها
كانت خطواتها تتسارع، لا في جسدها فقط، بل في صدرها أيضًا. نبضها يتلاحق، وكأن شيئًا ما يدفعها للانفجار، للبوح، أو ربما لخلع القناع الذي ارتدته طويلًا. توقفت أخيرًا واستدارت نحوه، وصوتها خرج... ثابتًا في ظاهره، لكنه يغلي في داخله:
– "مراد، انت عايز مني إيه؟ عاوز إيه بجد؟ ماتقوليش عاوز تعرفني وأعرفك والكلام الغريب اللي مش لايق عليك ده… قول… انت عاوز إيه مني؟"
كان ينظر إليها في صمت، مذهولًا من حدّة كلمتها، ومن النار التي اشتعلت فجأة في عينيها.
أردفت وهي تنظر إليه:
– "عاوزني أمضي على ورق مثلًا؟! وفاكر إني مش هوافق عليه؟!"
خطت نحوه خطوة، والنبرة في صوتها أصبحت أكثر مرارة:
– "لو الموضوع كده، اتطمن… أي ورق عندك هاته وانا همضي لك عليه دلوقتي."
ضحكة قصيرة، مُرة، خرجت من شفتيها قبل أن تُكمل:
– "أصل مش معقول فجأة كده ضميرك أنبّك وقالك: ياعيني… انت سايبها قاعدة لوحدها!"
رفعت حاجبيها، ثم تابعت:
– "فجأة كده حسيت إنه: إيه ده! دي طلعت إنسانة زينا… بتملّ لوحدها… وبتخاف!"
زفرت بقوة، كأنها تطرد كل الذكريات التي انغرست في قلبها سنين:
– "سيبني في حالي… وخلينا زي ماحنا… عشان أنا اتعوّدت على حياتي دي، وعندي اللي يملاها… ماتقلقش… أنا لا بمل ولا بخاف… عشان أنا… مش لوحدي."
كانت الكلمات كالصفعات، يتلقاها واحدة تلو الأخرى، لم يكن يتوقع منها كل ذلك… أو ربما لم يتوقع أن تصمد كل هذه السنوات دون أن تنكسر.
ومع ذلك، لم يترك الأمر يمرّ. الغضب كان يغلي في صدره، وحين لفظت آخر كلماتها، كان قد اشتعل بالكامل. ارتفع صوته وهو يقترب منها:
– "إزاي يعني عندك اللي يملَى حياتك؟! ومش لوحدك إزاي يعني؟! ماتنسيش إنك متجوزة!"
كلماته خرجت حادة، مشتعلة، فيها أكثر من غيرة… فيها رجفة كأن كرامته تئنّ تحت وطأة جُملة.
لكنها… بعكس توقعاته، أجابته بهدوءٍ قاتل، كأنما أفرغت كل ما بجوفها لتوّها:
– "والله… دي حاجة تخصّني أنا لوحدي."
نظرت إليه بعينين جامدتين، تُخفي خلفهما دموعًا كثيرة لم تُذرف:
– "أنت من الأول قلت: كل واحد حر في حياته… يكلم اللي هو عاوزه، ويعمل اللي هو عاوزه… لا أحاسبك، ولا تحاسبني."
وتابعت، والنبرة تزداد برودًا:
– "وأنا ماشية على قوانينك… ماتقلقش."
كان يريد أن يُمسك بها، أن يوقفها، أن يُخبرها أن كل تلك القوانين كانت دفاعًا لا هجومًا، لكن الوقت تأخّر، والشتات بات سيّد اللحظة.
استدارت وغادرت، مشتعلة بالصمت، تُغلق بابها خلفها بقوة، وكأنها بذلك تغلق بابًا في قلبها أيضًا.
أما هو… فقد ظلّ واقفًا، لا يتحرك، لا يتنفس بانتظام.
جلس على الكرسي القريب، يحدّق في الفراغ، شهيته إلى الطعام قد تبخّرت كليًا.
لم يكن هناك جوع أقوى من جوعه للوضوح… للفهم… للحقيقة.
وانسحب إلى غرفته، غارقًا في العتمة أكثر من النور.
كان صوتها لا يزال يتردد في أذنيه… " حياتي فيها اللي يملاها أنا مش لوحدي".
"أنا مش لوحدي؟!"
ظلّ يُرددها بينه وبين نفسه…
تضرب في أعماقه كالسكاكين.
كان يحترق من الداخل…
هل كانت تقصد شخصًا آخر؟!
رجلًا آخر؟!
هل كان بهذا الغباء؟!
هل ظنّ أنه حين قال لها "اعملي اللي يعجبك" كانت ستظل أسيرة له… صامتة؟
هل كان واثقًا من نفسه لهذا الحد؟
أم أنه ببساطة… كان ساذجًا؟
رفع يديه إلى رأسه، ضاغطًا عليه بقوة.
صوتها، شكلها، وقفتها، كل شيء عاد إليه كطعنات.
"كيف كنت بهذا الغباء؟!"
"كيف تركت امرأة بهذا الجمال، بهذه الفتنة، وحدها طوال تلك السنوات؟!"
"كنت أظنها ستنتظر؟!"
"كنت أظنها لا تشعر؟! لا تحتاج؟!"
شدّ على قبضته، ثم نهض فجأة، دار في الغرفة ذهابًا وإيابًا، لم يكن يستطيع أن يهدأ.
عليه أن يعرف.
يجب أن يعرف كل شيء عنها.
من الذي "يملأ حياتها"؟
من؟
ومنذ متى؟
وكيف؟
ومتى بدأ كل شيء يخرج من يده دون أن يدري؟!
أما تاليا، فقد دخلت غرفتها وأغلقت الباب، لكن باب القلب… لم يغلق.
بمجرد أن جلست على السرير، سقط قناعها.
وضعت يدها على صدرها، على موضع القلب تحديدًا، ذلك القلب الذي ظنّت أنها قتلت شعوره منذ سنوات، فإذا به ينبض بالحزن والغضب والخذلان في اللحظة ذاتها.
وجلست… تبكي.
بصمت.
وضعت يدها الأخرى على فمها، حتى لا يصدر عنها صوت،
لا يجب أن يسمعها، لا يجب أن يراها ضعيفة.
"أنا قوية… أنا قوية…"
همستها في نفسها مرارًا،
لكن الحقيقة، أن القويّ قد يبكي أحيانًا
حين تنهار كل جدرانه دفعة واحدة.
كانت دموعها ليست على مراد،
بل على ذلك الحلم الذي خذلته الحياة منذ البداية.
لقد كان يوم زفافها… يومًا أسود.
جعلها ذلك اليوم، الذي تنتظره كل فتاة، يتحول إلى لعنة،
ومنذها… لم تعش.
بل كانت فقط… "تُكمل الأيام".
والآن…
بعد كل هذا…
يطلب أن "يتعرف عليها"؟!
ياله من طلب.
sara ahmed