تركت تاليا خلفها كل شيء: الجدران التي خنقتها، والذكريات التي أدمت قلبها، والأمل الزائف الذي ظلت تتشبث به طيلة خمس سنوات من الحزن والانكسار. وللمرة الأولى منذ زمنٍ بعيد، شعرت بخفةٍ في صدرها، وكأن قرار الرحيل حرّرها من قيدٍ كان يخنق أنفاسها.
كانت خطواتها لا تزال واهنة، جسدها منهك، لكن قلبها... قلبها ينبض براحةٍ غريبة، لأول مرة تتخذ قرارًا لأجل نفسها، لأجل راحتها لا لأجل أحدٍ آخر. شعرت أنها تترك خلفها بئرًا عميقًا من البؤس، وتخرج إلى الضوء، ولو لم تكن ترى وجهتها بعد، لكنها على الأقل تتحرك.
تابعت السير بهدوء، حتى أحسّت بألم في قدميها، وبوهنٍ في ساقيها يمنعها عن التقدم أكثر، فرأت مقعدًا خشبيًا بجوار طريق الكورنيش، فجلست عليه تستريح. أمامها كان النيل يمضي في سكون، يشبه سكون قلبها بعد عاصفة طويلة. أغمضت عينيها لحظات، تحاول أن تلتقط أنفاسها، ثم فتحتهما لتنظر حولها، لا وجهة واضحة، لا خطط مقررة، ولا أحد بانتظارها.
فكرت في بيت والدها... ذلك المنزل القديم المغلق منذ أعوام، والذي لم تطأه قدم منذ فترة طويلة. كانت قد حاولت منذ خروجها من المشفى أن تجد له من يعيد الحياة إليه، فاتصلت بمنظّفين لترتيبه، لكنهم أخبروها أن الأمر سيأخذ وقتًا، ولن ينتهوا قبل يومٍ أو اثنين. إذًا، أين تذهب؟ أين تقضي ليلتها الأولى بعد كل هذا الفراق؟!
فتحت هاتفها، علّها تجد حلاً. كانت رسائل أصدقائها حاضرة، بعضهم يسأل عن حالها، وآخرون يطلبون أن يخرجوا للتنزه قليلاً، لكنها لم تشعر برغبة في إقحام نفسها وسط ضوضاء البيوت والعائلات. أرادت مكانًا هادئًا، مألوفًا، تشعر فيه بالأمان، ولا يكون به أي رجل ،لذا لم تفكر كثيرًا قبل أن ترسل رسالة قصيرة إلى ياسمين لأن والدها وأخيها قد سافرا منذ فترة لا بأس بها ، لذا كانت هي الوحيدة التي فكرت بها وأرسلت لها رسالة تقول:
"ينفع آجي أبات عندك النهارده؟!"
ما إن ضغطت زر الإرسال، حتى أضاء الهاتف باسم ياسمين.
ردّت تاليا بسرعة، وما إن فتحت الخط حتى جاءها صوت صديقتها القلق:
"انتي فين؟!"
أجابت تاليا بنبرة خافتة منهكة:
"أنا ف الشارع ع الكورنيش."
سارعت ياسمين بالرد، صوتها ملئه الحرص والانفعال:
"ابعتيلي اللوكيشن اللي انتي فيه دلوقتي وأنا هجيلك حالا."
لكن تاليا كانت لا ترغب بإزعاج أحد، فقالت بلطف:
"لا خليكي، أنا هاخد تاكسي وأجيلك."
جاءها صوت ياسمين أكثر صرامة هذه المرة:
"خليكي مكانك ماتتحركيش، ماتركبيش تاكسي لوحدك، أنا جاية لك أنا وحسن، إحنا قريبين منك أصلًا."
استسلمت تاليا لإصرارها، وأرسلت الموقع الجغرافي لمكانها، ثم أعادت هاتفها إلى حقيبتها وجلست تنتظر. كانت تمسح على ذراعيها كأنما تحاول بث بعض الدفء إلى جسدها المتعب.
لم تمر خمس دقائق وهبطت ياسمين من السيارة مسرعة، تكاد تُسابق الريح، وكأن قلبها يسبقها إلى صديقتها التي كانت تجلس وحدها على مقعد خشبي بارد، في مواجهة النيل، بينما الليل يُسدل أستاره الثقيلة. بدا القلق جليًّا في ملامح ياسمين، أما حسن، فقد صفّ السيارة بسرعة، ثم تبعها بخطوات عجلى، لم يكن يدري ما الذي يحدث لكنه شعر بخطورة الأمر.
وقفت ياسمين أمام تاليا، تتأمل ملامحها المرهقة، بشرتها الشاحبة، وعيناها الذابلتان، ثم سألتها بلهفة وقد أمسكت بيدها:
"مالك؟! انتي كويسة؟! ايه اللي مقعدك كده لوحدك؟! وفين عربيتك؟! ووشك أصفر كده ليه؟!"
ابتسمت تاليا بتعب، لكن ابتسامتها لم تكن سوى غطاء هشّ يخفي كل ما بها من وجع، وقالت برقة:
"اديني فرصة ارد طيب، ايه كل الأسئلة دي؟!"
جلست ياسمين بجوارها فورًا، بينما وقف حسن أمامهما، عابس الوجه، متوجس القلب، وقال بصوت مشبع بالقلق:
"انتي تعبانة؟! ياسمين قالتلي نيجي اللوكيشن ده واتفاجئت انك هنا، قاعدة لوحدك ليه هنا؟! في حد زعلك؟! مراد مدايقك ف حاجه؟!"
هزّت تاليا رأسها ببطء، محاولة تهدئتهما، فقالت:
"مفيش حاجه يا جماعة اهدوا، أنا كانت درجة حرارتي عالية شوية، بس بقيت كويسة الحمد لله. أنا آسفة اني جبتكم كده، شكلكوا كنتوا خارجين."
نظرت إليها ياسمين بعينين دامعتين من العتاب، وقالت:
"ايه اللي بتقوليه ده من امتى بينا أسف؟! وبعدين ولا كنا خارجين ولا حاجه، احنا كنا ف الشغل ومروحين، ويلا قومي تعالي معايا البيت عشان عايزاكي ف موضوع."
رفعت تاليا حاجبًا باستفهام، لكن ياسمين غمزت لها بعفوية، فهمت منها أنها لم تُخبر حسن برسالتها، كانت ممتنّة لها حقًا، فهي لا ترغب الآن في الحديث أمام أحد، وحسن كان سيُصرّ على معرفة ما بها، وسيُثقلها بأسئلة لا تملك لها جوابًا بعد.
اتجه الثلاثة إلى السيارة، وجلست تاليا في الخلف، ولحقت بها ياسمين، ثم جذبت رأسها المستندة إلى زجاج النافذة، وأراحتها على صدرها بحنان عميق وهي تربت على شعرها بلطف. تلك اليد الحانية كانت كأنها تعيد لـتاليا شعور الأمان المفقود. أغمضت عينيها براحة، وسرعان ما غلبها النعاس، فقد كانت الأدوية لا تزال تؤثر عليها، إلى جانب الإرهاق النفسي الذي نال من كل خلية في جسدها.
لم تستيقظ إلا عندما شعرت بكف ناعمة تربت على كتفها برقة، وصوت ياسمين يقول:
"يلا ياتاليا، إحنا وصلنا."
ودّعهما حسن بعدما تأكّد من صعودهما إلى الطابق الثالث حيث تسكن ياسمين، وحين دلفتا إلى الشقة، استقبلتهما والدتها بحرارة بالغة، فهي تحب تاليا كثيرًا، ودائمًا ما كانت تسأل عنها في كل مناسبة.
أخذتها ياسمين من يدها إلى غرفتها فورًا، أغلقت الباب، ثم التفتت إليها بعينين تمتلئان بالتساؤل والقلق، وقالت:
"قوليلي حالا مالك، وليه لما تعبتي امبارح ماقولتليش؟! وازاي مراد سايبك كده تخرجي لوحدك وانتي تعبانة كده؟!"
جلست تاليا على السرير، ثم بدأت تسرد لها ما حدث، بينما ياسمين تجلس أمامها، تنتظر التفاصيل.
أخبرتها تاليا بذهابها الى المشفى ولكن ياسمين قالت: طيب ايه اللي حصل بعد ماخرجتي من المستشفى ؟! انتي ومراد زعلتوا مع بعض ؟! انا مش هسيبك الا لما تقولي ، انتي عمرك ماوافقتي تيجي تباتي معايا أبدا حتى وهو مسافر ، دلوقتي انتي اللي بتقولي أبات معاكي يبقى أكيد ف حاجه .
شعرت تاليا بأنها تريد أن تفرغ مكنونات صدرها ، هي لم تخبرهم أبدا بطبيعة علاقتها مع مراد ولا بما يفعله ، ولكنها الآن تريد أن تخبرها بكل شيء لذا قالت لها :
"في حاجات كتير حصلت، وكانت بتحصل، بس أنا ماكنتش قولتلكوا عليها."
قالت ياسمين بإصرار:
"فضفضي ياتاليا، انتي ليه دايمًا بتكتمي جواكي؟! كلنا بنفضفض وبنقول على اللي مزعلنا، بس انتي دايمًا بتقولي أسباب مش مقنعة وبعمل نفسي مصدقاكي، بقول هي مش عايزة تتكلم، بلاش أجبرها على حاجه، بس انتي بتضغطي على نفسك وعلى أعصابك، أنا عارفه إنك بتعتبريني أختك زي ما أنا بعتبرك أختي بالظبط، قوليلي ايه اللي مدايقك وانا صدقيني مش هقول لأي حد، ولا حتى حسن، أنا ماقولتلوش انك بعتيلي رسالة عشان لو مش حابه تتكلمي قدامه، قوليلي يا تاليا يمكن أعرف أساعدك."
تنهّدت تاليا، وكأنها تفرغ صدرها من حزنٍ ظلّ محبوسًا طويلًا، ثم راحت تحكي... من البداية، من لحظة لقائها الأول بـمراد في عيد ميلادها، مرورًا بكل التفاصيل، زواجها، وحدتها، كل تصرف كان يؤلمها وتصمت عنه، حتى اللحظة التي رأته فيها يحتضن بسنت، وتركته.
كانت ياسمين تستمع بشغفٍ وحزنٍ ووجعٍ صامت، ملامح وجهها تتغير مع كل كلمة، حتى إذا انتهت تاليا من حكايتها، قالت ياسمين وهي تكاد تختنق من الغيظ:
"أنا كنت حاسه انك انتي ومراد علاقتكم مش طبيعيه، بس الفترة الأخيرة لما خرجنا مع بعض حسيته بيحبك ومهتم بيكي، عشان كده قولت كان بيتهيألي، وفرحت إنك مبسوطة، بس انتي ازاي شايلة ف قلبك كل ده لوحدك؟! بجد أنا متدايقة منه أوي، ولو شوفته دلوقتي قدامي هخنقه!"
قالت تاليا بابتسامة ممتنة:
"أنا قولتلك إني أنا الغلطانة، هو من الأول قالي إنه مابيحبنيش، وبيحب واحدة تانيه."
قالت ياسمين بانفعال أشد:
"هو يطول أصلاً إنه يحبك؟! والبت الملزقة بتاعته دي ليه ماكنتيش بتقوليلي إنها بتدايقك؟! وانا كنت وقفتها عند حدها، وعرفتها مقامها!"
قالت تاليا بحزن عميق:
"هي كمان عندها حق، غيرانه على حبيبها."
قالت ياسمين بغيظ لا يوصف:
"تاليا ماتعصبنيش! سيبك من طيبتك دي، هي لو عندها دم كانت سابته من أول ما اتجوز واحدة تانيه غيرها، بس الظاهر إنها زيرو كرامة، بس أنا متغاظة منك أوي بردو، يعني تدخلي تلاقيها حضناه وبتبوسه وانتي تسيبي لهم البيت وتمشي عشان يعملوا اللي هما عايزينه؟! ده لو أنا والله كنت مسكتهم كده من راسهم خبطهم ف بعض زي البيض الأومليت، آه منك حاسه إني متغاظة أوي، ونفسي أضربهم!"
ضحكت تاليا بصوت عالٍ وقالت:
"خلاص اهدي يا ياسمين، أنا سيبتهولها خالص، يعملوا اللي هما عايزينه بقى."
قالت ياسمين باحتقان:
"أنا متغاظة منك انتي، اسكتي! ازاي تحضنه وتبوسه؟! هي مراته؟! وبعدين صحيح، لما هما عاشقين بعض أوي كده ليه ما اتجوزهاش عليكي؟!"
قالت تاليا بهدوء وعدم معرفة:
"معرفش، يمكن قالتله يطلقني الأول."
قالت ياسمين بغيظ:
"طلقة تجيلها بنت ال..."
أسرعت تاليا لتضع يدها على فمها وقالت:
"خلاص أرجوكي، ربنا يسهلهم بقى، المهم أنا هبات معاكي النهارده، بس على مايخلصوا تنضيف بيتي بكره إن شاء الله."
ياسمين بدلع وهي تدغدغها:
"هو أنا أطول القمر ده ينام ف أوضتي؟! ده أنا بصي، لو عايزة أغيرلك الأوضة كلها أغيرهالك، ده هيبقى أحسن يوم! أنا كام مرة يا ندلة قولتلك تعالي باتي عندي ومرضتيش؟! مش مصدقة إننا هنبات مع بعض ونفضل نتكلم طول الليل، ياااه! بقولك ايه بقى، إيه رأيك أتصل على مها ورنا يجوا يباتوا معانا؟ كده كده بكره أجازة، ده هيبقى يانهار جمدااان!"
ضحكت تاليا وقالت:
"ماشي كلميهم، بس بلاش نقولهم حاجه."
ياسمين:
"ماشي زي ما تحبي، بس هما لما يلاقوكي قاعدة ف بيت تاني غير بيتك ماهما هيعرفوا."
تاليا:
"هبقى أقولهم إننا زعلنا مع بعض وهننفصل، بس بلاش التفاصيل، عشان بحس إني ماعنديش كرامة أوي."
ياسمين:
"ياباشا انت أبو الكرامة، واللي يقول غير كده نخلع عنيه!"
احتضنتها تاليا بامتنان:
"مش عارفه من غيرك أنا كنت هعمل ايه، ميرسي أوي يا ياسمين على كل حاجه بتعمليها معايا، أنا لو عندي أخت ماكنتش هحبها زيك كده، وماكانتش هتساعدني كده."
ياسمين بعين دامعة:
"وانا كمان والله يا تاليا، لو عندي أخت ماكنتش هحبها زيك، أنا بعتبرك انتي أختي، وبعدين كفايه أحضان كده، أمي تدخل علينا تقول بنعمل إيه!"
تاليا ببراءة:
"هتقول إيه؟ بنتين حاضنين بعض، إيه اللي فيها؟!"
ياسمين:
"لا ياختي، هتقول علينا ألوان!"
تاليا:
"يعني إيه ألوان؟!"
ياسمين:
"مايعنيش يا ستي، أنا غلطانة إني بكلم واحدة جاية من عالم زمردة، انتي كنتي بتتفرجي على سبيس تون كتير وانتي صغيرة."
تاليا:
"انتي اللي بتقولي كلام مش مفهوم يا ياسمين."
ياسمين بخبث:
"اسكتي يابت وانتي حلوة كده، يخربيتك! هو مراد ده كان أعمى ولا إيه بالظبط؟! ده أنا بنت وبتحمرش بيكي."
ضحكت تاليا بشدة، ثم دفعتها بعيدًا عنها وهي تقول:
"أنا شاكة فيكي، والله أنادي مامتك دلوقتي وأقولها بنتك لازم نتأكد إنها أنثى."
ياسمين بدلال مبالغ فيه:
"لا يابيبي، ده أنا أبو الأنوثة والدلع، حتى اسألي حسوني ماي هارت، هيقولك دي أجمل أنثى في المجموعة الشمسية كلها."
تاليا وهي تحاول التماسك من الضحك:
"طب يلا يا أنثى السنجاب... قصدي يا هارت حسونك، اتصلي على البنات عشان أنا مش هبات معاكي لوحدي."
ياسمين:
"انتي تطولي تنامي جنبي انتي؟! ده حسوني قلب ياسو هيموت كده عشان ينول رضايا!"
تاليا:
"ده حسونك لو سمعك وانتي بتتكلمي دلوقتي هيموت من القرف."
ضربتها ياسمين وهما يضحكان بجنون، ثم اتصلت بـمها ورنا، اللتين حضرتا سريعًا، وظلوا طوال الليل يضحكون على نكات ياسمين، ومشاغبات رنا التي كانت تغيظها دائمًا، خاصة عندما اتصل حسن ليطمئن عليها، فبدأت تُحدثه برقة لم يعتدنها، وعندما أنهت المكالمة، ألقت عليهن الوسادة، فانهاروا جميعًا من الضحك.
كانت ليلة مليئة بالدفء، والصخب الجميل، والسعادة الحقيقية التي لم تشعر بها تاليا منذ زمن. كانوا أصدقاء... لكنهم كانوا أكثر من ذلك، كانوا العائلة التي لم تُولد منها، السند الذي أعاد إليها الحياة.
sara ahmed