الفصل التاسع

الفصل التاسع

12 0

كانت خطواتها متسارعة، تكاد تركض لا تمشي، وكأنها تهرب من كل شيء… من المطعم، من نظرات مراد، من صوته المرتفع، من جملته الأخيرة التي ما زالت ترن في أذنيها وتدمي قلبها.

“بييجي هو يونسِك مش كده؟”

يا الله… كم كانت قاسية تلك الكلمات، جارحة، دنيئة، لم تتوقع أن تخرج من فمه، حتى وإن كانت في شجار. لم تكن تتوقع شيئًا أفضل، لكنها لم تظن أنه سيهينها بتلك الطريقة.

الدموع انهمرت من عينيها دون إرادة، لم تكن تبكي فقط لأنّه اتّهمها أو أساء فهمها، بل كانت تبكي على نفسها، على كرامتها التي مرغها هو بتلك الجملة، وكأنها امرأة بلا ماضٍ أو قيمة، وكأنها رخيصة في نظره، مجرد اسم مرتبط به على ورق، لا أكثر.

مرت من بين الناس في الشارع ولم ترَ أحدًا، كل شيء كان ضبابيًا في عينيها، حتى الطريق لم تعد تميّزه، وقلبها يئنّ بين أضلاعها وكأنه يعتذر لها عن سذاجته.

لماذا خرجت معه؟

لماذا وافقت؟

ماذا كانت تنتظر؟ أن يعاملها بلطف؟ أن يُعيد إليها شيئًا مما سلبه منها حين اختفى فجأة وتركها تواجه وحدتها؟

هل كانت تنتظر أن يحبها؟!

ضحكت بسخرية باكية وهي تهمس لنفسها وسط أنفاسها المتقطعة:

"أنا اللي غبية، كنت فاكرة إن يوم معاه هيغير حاجة، بس اللي اتغير إن قلبي بقى مكسور أكتر من الأول."

كانت قد توقفت تحت ظل شجرة، تنفست بعمق وهي تمسح دموعها بطرف كُمّها، تتنفس بين شهقة وأخرى، بينما تردد داخلها حديث مراد...

“واحدة متجوزة وبتحب واحد تاني، والله أعلم بتعملوا إيه تاني”

“بييجي هو يونسِك مش كده؟”

وكأن السكاكين كانت تُغرز في كرامتها بكل حرف.

منذ متى كان لها ذلك التأثير عليه ليتحول فجأة إلى رجل يغار ويفقد أعصابه؟

كانت تعرف الحقيقة جيدًا. لم يكن هناك أحد. لم تحب أحدًا آخر، ولم تدخل حياتها يد رجل سواه.

هي فقط… أرادت أن تخبره أنه لا يملك زمام مشاعرها، أنها ليست ضعيفة بقدر ما تبدو، وأنها يمكنها النهوض والمُضيّ قدمًا بدونه.

لكن الحقيقة؟

الحقيقة أنها أحبّته حد الألم.

أحبت صوته حين يتحدث، حتى وإن كانت كلماته باردة.

أحبت صمته المزعج، وحدته، طريقته في النظر للأشياء.

أحبت مراد… لكنها لم تكن تملك الجرأة للاعتراف بذلك، ولا القسوة الكافية لتنساه.

جلست على مقعد خشبي مهترئ، وضعت حقيبتها إلى جوارها، وأسندت وجهها إلى كفيها، تحاول لملمة شتات مشاعرها.

كم من الوقت مضى وهي تنتظره؟

كم ليلة نامت وفي قلبها سؤال لا يجيب عنه أحد: "ياترى هو فين؟!"

وكم مرة رأت صورة تجمعه بتلك الأخرى؟

كم مرّة شعرت أنها مجرد ذكرى في حياته، شيء يمكن حذفه بمجرد أن يضغط على "مسح" في ذاكرته؟

وفي اللحظة التي قرر أن يقترب منها مجددًا… لم يكن يملك أي فهم حقيقي لما تمر به، لما كسرها، لما جرّحها، لما جعلها تبني كل هذه الجدران.

هو يراها الآن زوجته… لكنه لا يعرفها.

لا يعرف كيف عاشت، ولا كيف تحمّلت، ولا كيف كانت تخبئ دموعها كل ليلة، وتنهض في الصباح بقلب خاوٍ.

لقد خرجت اليوم لتُجرب الشعور بالوجود معه ليومٍ كامل، لتُدرك إن كانت ستشعر بالسعادة قربه، وها هي الآن...

قد علمت الإجابة جيدًا.

هرع مراد خلفها فور مغادرتها، يناديها باسمها بعصبية ممزوجة بالقلق، لم يكن يفكر سوى في اللحاق بها، في إيقافها قبل أن تختفي من أمام عينيه إلى الأبد، وكأن إدراكه لما فعل، لما قال، قد هبط عليه فجأة بثقل لا يُحتمل.

وحين رآها أخيرًا، واقفة في الشارع والدموع لا تزال تبلل خديها، جذبها من ذراعها دون أن ينتبه لقسوته، مدفوعًا بغضبه… لكنه، حين التفتت إليه ونظر في وجهها، تجمّد.

كان وجهها أحمر، وعيناها غارقتين في الدموع، ومهزومتين بوضوح.

ذلك النوع من الحزن الذي لا يمكن إخفاؤه، لا تستطيع تجميله بالكبرياء، ولا ستره بالصمت.

ترَك ذراعها فورًا، وكأنه أذنب فقط بلمسها، وكأن لمسها في تلك اللحظة جريمة أخرى تضاف إلى سجلّه الثقيل في حقها.

قال بندمٍ صادق، وهو لا يكاد يرفع عينيه إليها:

"تاليا، أنا ماكنتش أقصد أزعلك والله... أنا بس اتدايقت، واي حد مكاني كان هيتدايق لما يسمع مراته بتقوله إنها بتحب واحد تاني."

ردّت تاليا بصوت تحاول أن تثبّت فيه ثباتها، بينما تتصارع في داخلها كل المشاعر المؤلمة:

"أي واحد مكانك كان هيتدايق لو العلاقة بينا طبيعية... لو متجوزين بجد وعايشين مع بعض.

إنما إحنا مش زي أي حد يا مراد... أنا مش عارفة أقولك مسمّى لعلاقتنا دي لأني ما مريتِش بحاجة زي دي قبل كده..."

توقفت لحظة، ثم أردفت بعينين دامعتين وصوت يحمل مرارة الشكوى الطويلة:

"انت ليه دايمًا كل حاجة شايفها عادي ليك ومباحة، لكن أنا لو عملتها تبقى مصيبة؟!

يعني لما تجيب البنت الملزقة اللي بتجيبها معاك البيت قدامي، وتخليني أنا أخرج أو أدخل أوضتي... بيبقى الموضوع عادي بالنسبة لك! بحجة إننا مش متجوزين بجد، وإن بينا قوانين ماشيين عليها.إنما أنا، مجرد ما قلت بحب واحد تاني، قلبت الدنيا؟مع إني قلت كده بس عشان أدايقك... زي ما أنت بتدايقني!"

وفور أن سمعت نفسها تقولها… صمتت.

وضعت يدها على فمها بصدمة، وكأنها لم تصدق أن ما كان حبيس قلبها خرج دون قصد…

ثم أسرعت تُصحح، ترتبك وتحاول استرجاع ما لا يعود:

"قصدي يعني… مش بكلمه ولا بنتقابل."

لكن الكلمات كانت قد وصلت.

كانت كافية ليعلم مراد الحقيقة:

أنها لم تحب أحدًا.

وأنها فقط أرادت أن يشعر كما شعرت هي.

أن تنكأ جرحه مثلما نكأ جرحها.

أن تعذبه كما عذبها.

مدّ يده مجددًا نحوها، لكن برفق هذه المرة، نظرة عينيه تغيرت، نبرة صوته لم تعد قاسية، بل حانية، نادمة:

"أنا آسف بجد يا تاليا... أنا عارف إني دايقتك كتير، بس هحاول ماعملش حاجة تاني تزعلك."

لكنها نظرت إليه نظرة ممتلئة بالخذلان، بالحزن العميق الذي لا تداويه كلمات وقالت:

"مراد، انت مش شايف إن من يوم ما بدأنا نتكلم ونشوف بعض، وإحنا بنتخانق كل شوية، وبنقول كلام بندايق بيه بعض؟أنا شايفة إن حياتنا الأول كانت أفضل... كل واحد في حاله، محدش عارف حاجة عن التاني، وما بنتكلمش مع بعض، وما بنزعلش بعض.إحنا مش هينفع يكون بينا فرصة تانية يا مراد، خلينا زي ما اتفقنا... ننفصل.

ولو على باباك، ما تقلقش... أنا هقوله إني أنا السبب، هقوله إني مش مرتاحة."

ثم التفتت، وسارت نحو السيارة بخطى ثابتة لكنها مثقلة، بينما بقي هو واقفًا في مكانه، عاجزًا عن الرد، يشعر أن الكلمات تُسحَب من تحت قدميه.

ركبت السيارة، ولحق بها، وجلس خلف المقود، وقاد السيارة بصمتٍ ثقيل.

داخل السيارة، كانت تاليا تنظر من نافذتها، لا ترى إلا عالمًا رماديًا حزينًا.

الأشجار الخضراء بدت وكأنها ذابلة، الأوراق تتساقط وكأنها دموعها، الهواء ساكن وكأن الحياة قد توقفت في قلبها.

كل ما حولها يشبه حالتها… وكل ما بداخلها مؤلم حد الاختناق.

أما مراد، فكانت عيناه تتسللان إليها بين حين وآخر، كلما ظن أنها لا تراه.

كان يراها تحبس دموعها بصمت، تتظاهر بالتماسك، لكن ملامح وجهها كانت تقول كل شيء.

وقد أدرك الآن… أدرك متأخرًا كم هو شخص قاسٍ، أناني، غير مبالٍ، مؤذٍ دون أن يشعر.

كيف استطاع جرحها طوال تلك السنوات؟

كيف استطاع كسر قلبها، وخذلانها مرة بعد مرة، وهي التي لم تفعل شيئًا سوى أنها… وافقته.

لقد بدت له الآن كفراشة مكسورة الجناحين، تحاول الطيران وسط رياح لا ترحم.

كانت تاليا، تلك الفتاة القوية الصلبة، قد سقطت أمامه… ولم يكن السقوط لأن قلبها ضعيف، بل لأن الجراح أعمق من أن تُحتمل.

وبينما الصمت يخيّم عليهما، كانت داخلهما آلاف الكلمات غير المنطوقة، وآلاف الدموع غير المرئية، وآلاف الأماني التي وُئدت قبل أن تُولد.

عندما توقّفت السيارة أمام المنزل، نزلت تاليا بصمتٍ مثقل بالإرهاق، ولم تلتفت خلفها. لم تُودّع، ولم تنطق بكلمة واحدة، فقط مشت بخطى ثقيلة نحو الداخل، وكأن العالم بأسره قد ثقل على كتفيها، وكأن الحياة سُحبت من ملامحها فجأة.

أما مراد، فقد بقي في مكانه للحظات، ينظر إلى أثرها المتواري عن عينيه خلف جدران ذلك البيت. تنفس بعمق، ثم أدار وجهه إلى المقاعد الخلفية حيث كانت الأكياس التي تحتوي على ملابسه الجديدة.

نادى على أحد الحراس ليساعده في حملها، وكأنه لم يعد يملك طاقة حتى لذلك، وحين انتهى، دخل إلى غرفته بصمت، وأغلق الباب خلفه دون أن يُلقي نظرة على أي شيء حوله.

رغم التعب الذي ينهش جسده، لم يكن يستطيع النوم بسهولة، فقد ظلت صورتها عالقة في ذهنه، ودموعها التي أحرقت قلبه قبل أن تحرق وجنتيها. جلس على حافة السرير، وأراح وجهه بين كفّيه، كمن يحمل ذنوب العالم فوق رأسه.

ومع الوقت… غلبه النعاس.

لكنه لم يكن نومًا هادئًا، بل كان نومًا تتخلله مشاهد مبعثرة، أشبه بأحلامٍ لا يدري إن كانت جزءًا من ذاكرته أم هلوسات عقله المرهق.

رأى نفسه واقفًا أمامها وهي ترتدي فستان زفاف أبيض، جميلًا ومثيرًا للدهشة، كأنها تنتمي لعالمٍ لا يُشبه هذا الواقع، ثم رأى لحظة دخولهما لهذا المنزل ذاته، ورأى نفسه يحدّثها بجمود عن القوانين التي ستُسير حياتهما، قوانين لم تترك لها أي مساحة من الرحمة أو الفهم، فقط قيود.

ثم سمع صوت بكائها… من خلف الباب.

وما لبث أن رأى نفسه يخرج من المنزل في تلك الليلة، يشعر بالندم، بالحزن، ولكن في قلبه حبٌ لفتاةٍ أخرى، فتاة وعدها بالزواج، فتاة لا يتذكر ملامحها الآن.

استفاق من نومه يتصبب عرقًا، يلهث وكأنّه ركض مئة ميل، وكان الألم ينهش رأسه بقسوة، كأن الذاكرة تعود إليه جزءًا بعد جزء، لكن بلا اتساق.

جلس على السرير، يمرر كفّه على وجهه المبلل، وعيناه تتحركان بتوتر في أرجاء الغرفة، يبحث عن الحقيقة بين خيوط الحلم… أيّها كان واقعًا؟ وأيّها كان اختراعًا لدماغه المضطرب؟

هو الآن يتذكر ليلة الزفاف، يتذكر ما قاله لها ببرود، يتذكر صمتها ودموعها، يتذكر نفسه وهو يغلق قلبه تمامًا، لكنه لا يتذكر تلك الفتاة التي قالوا إنه يحبها… من هي؟! من كانت؟!

إنه لا يعرف.

ولكن الآن، وفي هذه اللحظة تحديدًا، لم يشغل تفكيره سوى شيء واحد… كيف يُداوي الجرح الذي سبّبه لتاليا؟

كيف يعتذر من أعماقه دون أن يبدو نادمًا لمجرد الشعور بالذنب، بل نادمًا لأنه أيقن متأخرًا أن تلك الفتاة التي تجاهلها طويلًا كانت الحقيقة الوحيدة في حياته المزيّفة؟

في الصباح الباكر، خرج من غرفته متوقعًا أن يجدها تمارس رياضتها اليومية، كما اعتادت دومًا، لكن البيت كان ساكنًا على غير عادته، خاليًا من صوت حذائها الرياضي، من ضحكتها الرقيقة التي تطلقها أحيانًا، من ظلالها الخفيفة وهي تركض بين الأشجار.

انتظر ساعة، وساعة أخرى، حتى أصبحت الساعة العاشرة صباحًا.

"أين ذهبت؟!"

"هل غادرت؟!"

"هل تركت له رسالة؟!"

"لماذا تأخرت؟!"

راوده القلق شيئًا فشيئًا.

فكّر أن يهاتفها، ثم تذكر أنه لا يعرف رقم هاتفها… كم هو غريب، يعيشان تحت سقف واحد، ولا يملك رقماً لها!

ثم ارتفعت حدة القلق داخله، واندفع نحو غرفتها، على أمل أن يجد أي خيط يدل عليها، رقم، عنوان بريد، أي شيء، لكن… الباب كان مغلقًا من الداخل.

طرق الباب برفق، فلم يُفتح.

طرق مرة أخرى، ثم ثالثة، وفي الرابعة سمع صوتها النائم:

"مين؟!"

شعر بالراحة تسري بداخله وكأن قلبه كان محتجزًا خلف قضبان القلق ثم أُطلق سراحه فجأة.

ردّ بصوت منخفض:

"أنا… يا تاليا، ممكن تفتحي؟"

انتظر لدقيقة أو اثنتين، حتى فُتح الباب أخيرًا.

كانت عائدة لتوّها إلى سريرها، بعينين نصف مغلقتين، ملامح وجهها تشير إلى أنها مازالت نائمة.

جلس هو على الأريكة المقابلة لسريرها، ينظر إليها بصمت.

كانت ترتدي ملابس نوم خفيفة، شعرها مبعثر قليلًا، ووجهها يحمل تعبًا واضحًا.

"إنتي ماخرجتيش النهارده تجري؟ ولا إيه؟!" سألها مراد.

ردّت عليه بتثاؤب، وبصوت أقرب للهمس:

"لا… مش قادرة… أنا عايزة أنام."

مال بجسده قليلًا للأمام وقال:

"شكلك نمتي متأخر امبارح عشان كده ماعرفتيش تصحي بدري زي عادتك."

هزّت كتفيها بلا اهتمام:

"لا… أنا نمت على طول لما جيت من بره… أنا بنام متأخر وبصحى بدري عادي."

ظلّ ينظر إليها، صامتًا، ثم قال:

"أنا كنت فاكرك كل ده بره… قلقت عليكي، لإنك مابتتأخريش أوي كده."

قالت بتثاؤب واضح:

"أنا مش قادرة… أنا عاوزة أنام لسه."

حاول أن يقنعها بلطف:

"تنامي إيه… لا، قومي حتى كلي حاجة وبعدين ابقي نامي تاني."

لكنها أغمضت عينيها وقالت بتعبٍ شديد:

"لا… مش عاوزة آكل حاجة، ماليش نفس… أنا هنام تاني، ابقى اقفل الباب وراك وانت خارج… والنور كمان."

صمت مراد.

حدّق بها للحظات طويلة، لم يعد هناك جدوى من الكلمات الآن.

أغلق الباب من خلفه بهدوء، وأطفأ النور كما طلبت.

استلقت تاليا على فراشها، وغطّت جسدها بلحافٍ ناعم وكأنها تريد أن تختبئ من العالم، أن تختبئ من كل شيء حدث ويحدث، أغمضت عينيها، متمنية أن يبتلعها النوم مرة أخرى ويأخذها إلى عوالم خالية من الجدال، من الخذلان، من الذكريات.

وفي تلك الأثناء، كان مراد قد خرج من غرفتها، يدفع خلفه الباب بهدوء، ثم اتجه إلى غرفته، وجلس على طرف السرير محاولًا أن ينام، ولكنه… لم يفلح. التفكير لا يكف عن صراخه في عقله، القلق، الأسئلة، رغبة لم يفهمها، كلها اجتمعت في صدره لتمنعه من الراحة.

نهض بعد فترة، ارتدى ملابسه وخرج من المنزل، قرر أن يتجول قليلًا في الخارج علّه يُفرغ ذلك الثقل الذي ينهش صدره. ذهب إلى إحدى صالات الرياضة، مارس بعض التمارين بتركيز شارد، وبعدها تجوّل في الشوارع. كلما مر بمكان بدا له مألوفًا، تومض أمام عينيه صور متناثرة، ذكريات مبعثرة تعود إليه دون استئذان، لكنه لا يعرف إن كانت ذاكرته تخدعه أم أنها حقًا أحداث عاشها.

ومع الوقت، بدأ الملل يُهاجمه، فقرر شراء طعام من أحد المطاعم وعاد إلى المنزل، كانت الساعة تقترب من الخامسة مساءً، توقع أن يجدها في إحدى الغرف أو الحديقة، ربما قد استيقظت، لكنه ما إن دخل حتى وجد المنزل ساكنًا تمامًا، ساكنًا حد الغرابة.

"هل ما زالت نائمة؟!"

توجه إلى غرفتها وطرق الباب بخفة، لكن لم يأتِه أي رد.

ضغط مقبض الباب بحذر، فوجده غير مغلق بالمفتاح، ففتحه بهدوء.

ما إن ولج الغرفة حتى وجدها مستلقية كما تركها، ملامحها ما تزال غافية على وسادتها، وجهها الهادئ يشبه ملاكًا نائمًا لا يُدرك ما حوله، وأنفاسها تتصاعد بانتظامٍ عذب.

جلس بهدوء على حافة السرير، نظر إليها بشيء من الشجن، ثم أبعد خصلة من شعرها كانت تغطي جزءًا من وجهها، لم تتحرك.

مد يده ببطء، ليلمس وجنتها برفقٍ شديد، كأنه يعتذر عن كل الألم الذي سبّبه لها.

تململت قليلًا في نومها، فابتسم، ثم أعاد الكرة من جديد.

وفي كل مرة كانت تتأفف بنعاس طفولي، يعيد لمستها كأن لم يتعلّم.

وأخيرًا، فتحت عينيها ببطء، أول ما رأته كان وجهه القريب منها، يبتسم بنعومة.

ابتسمت له تلقائيًا، لكن ثوانٍ قليلة فقط كانت كفيلة بأن تُعيد لها ذاكرتها.

جلست في مكانها فجأة، وقد أمسكت باللحاف لتغطي جسدها، وقالت بدهشة وصدمة:

"انت بتعمل إيه هنا؟!"

أجابها بابتسامة هادئة:

"كنت بصحيكي وانتي مش راضية تقومي."

نظرت حولها باستغراب، ثم عادت إليه قائلة:

"بتصحيني ليه؟! وبعدين انت فتحت الباب إزاي؟! أنا كنت قفلاه."

ضحك مراد وقال:

"ما أنا لما خرجت من عندك أول مرة، قفلته كده من غير مفتاح، وانتي شكلك ماصحتيش من ساعتها."

تجمدت نظرتها، ثم تمتمت:

"أول مرة؟! انت كنت هنا قبل كده؟!"

ضحك أكثر، ورد بنبرة مرحة:

"تاليا، انتي صاحية ولا لسه نايمة؟! أنا مش جيت لك الساعة ١٢، صحيتك، وقولتي عايزة تنامي تاني، وقولتيلي اقفل الباب ورايا وأنا خارج… انتي بتمشي وانتي نايمة ولا إيه؟!"

وضعت يدها على جبهتها ثم همست:

"أنا كنت فاكرة بحلم…"

رمقها بنظرة خفيفة وقال بمكر:

"انتي متعودة تحلمي بيا ولا إيه؟! قومي يلا بقى، الساعة داخلة على ٦، كفاية نوم، وبعدين أنا جبت أكل، قومي عشان ناكل، لأني جعان أوي."

تمتمت بتعب:

"لا… أنا ماليش نفس، كُل انت… أنا عايزة أنام."

قال بإصرار:

"لا مفيش الكلام ده هتقومي."

مد يده ليجذب الغطاء، فأمسكته بسرعة قائلة:

"طيب اخرج، وأنا هقوم وراك."

رد بعناد واضح:

"والله ما هسيبك إلا لما تقومي تاكلي معايا، أنا قاعد هنا أهو."

قالت بنفاد صبر:

"يا مراد، اخرج على ما أغير هدومي."

رد وهو يضع يده خلف رأسه مستندًا إلى الأريكة:

"قومي غيري في الحمام، وأنا هستناكي هنا برده، على ما تخلصي."

نظرت إلى نفسها بسرعة، ثم صاحت بانزعاج وحرج:

"هقوم إزاي يعني كده… مش هينفع أقوم!"

مراد باستهزاء ساخر:

"ليه؟! ما انتي فتحتيلي أول مرة وانتي لابسة كده، وشوفت لبسك على فكرة، تحبي أوصفهولك؟!"

صرخت تاليا بعصبية وهي تمسك بالغطاء أقوى:

"انت مش محترم على فكرة! وقوم اخرج بقى، والله هقوم وراك!"

ابتسم بخفة وقال:

"خلاص، هخرج… بس هما عشر دقايق، لو ما خرجتيش، هجيلك تاني، وانتي حرة بقى."

خرج مراد ضاحكًا، أما هي، فجلست تنظر إلى الباب المغلق، ثم نظرت إلى نفسها وقالت بصوت خافت:

"غبية… أنا غبية!"

كانت ترتدي منامة مكوّنة من شورت قصير وبلوزة بحمالات رفيعة تكشف أكثر مما تخفي، كيف سمحت لنفسها أن تفتح له وهي هكذا؟! لعنت سذاجتها، ثم نهضت مسرعة نحو الحمام، تنوي أن تُغيّر ثيابها فورًا.

مرّت عشر دقائق، وما إن انتهت من تغيير ملابسها، حتى جاء صوته من خلف الباب:

"العشر دقايق خلصوا… أجيلك يعني؟!"

صرخت وهي تركض نحو الباب:

"جايه! دقيقة وجايه والله!"

كان قلبها يدق بخجل خافت.

لا تدري لماذا، لكن رغم كل شيء…

رغم الحرج، والغضب، والسنوات المهدورة…

كان في هذا اليوم شيء جديد،

شيء يشبه البداية،

أو على الأقل… المحاولة الأخيرة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة