لم يكن مراد يعلم ما الذي ينبغي عليه فعله في تلك اللحظة، لقد خانه لسانه، أو ربما فضح قلبه الذي لم يعد يحتمل التظاهر. حين نطق باسم تاليا أثناء لحظة حميمية مع بسنت، لم يكن الأمر زلة لسان عابرة، بل كانت الحقيقة التي تقفز من عمق روحه دون استئذان.
بقي صامتًا، لا يحاول التبرير، لا يجد كذبة مناسبة يختبئ خلفها، فقط ينظر إلى بسنت بعينين شاردتين، فيهما ألف سؤال ولا إجابة واحدة.
أما بسنت، فقد كانت تكاد تحترق من الداخل. الغيرة تنهش قلبها، والغضب يتفجر بعينيها، ومع ذلك، كانت تحاول التماسك، تُخفي الغليان المتصاعد في داخلها بوجه وادع، وتحاول، للمرة الألف، ألا تخسره.
قالت بصوت يحمل محاولة مستميتة للفهم:
"خلاص يا مراد، أنا عارفة إنك عشان عايش معاها وبتفكر إزاي تخلص منها اسمها في بالك، وده اللي خلاك تتلخبط... مش كده؟!"
أومأ برأسه إيجابًا دون أن ينطق، وكأن الكلام أصبح عبئًا عليه، ثقيلًا لا يمكن حمله.
اتجهت بسنت إلى إحدى الخزائن، فتحتها وأخرجت زجاجة شفافة، سائلها يتلألأ بلون كهرمانيّ، اقتربت منه وهي تهز الزجاجة بخفة وقالت:
"مراد... إيه رأيك تشرب معايا؟ إحنا من زمان ما شربناش سوا."
نظر إليها بدهشة وشيء من الحذر، ثم أجابها بنبرة حاسمة:
"لا يا بسنت، أنا مش عايز أشرب، وانتي كمان ماتشربيش... وكفاية كده، أنا هروح دلوقتي ونتكلم بعدين."
وقف من مكانه استعدادًا للمغادرة، لكن يدها أمسكت بذراعه فجأة، وقد بدا في ملامحها يأس متوسل:
"بليز يا مراد، إنت ليه كل حاجة بقولك عليها ما بتوافقش؟! ليه من آخر مرة شربت فيها وحصل اللي حصل بينا وإنت ما بقيتش بتشرب معايا، ولا بقيت حتى بترضى تطلع شقتي؟! إنت بتعاقبني؟! هو ذنبي يعني إني بحبك وعايزة أبقى معاك دايمًا؟!"
صمت مراد، بينما أكملت كلماتها التي كانت كالسكاكين:
"وبعدين إنت بتقولي نأجل العلاقة لبعد الجواز... طيب ليه؟! ليه مش دلوقتي؟! إذا أنا محتاجاك وإنت محتاجني، إيه اللي يمنعنا؟! وبعدين هتفرق في إيه لما نستنى للجواز؟! هو إحنا مش هنكون نفس الاتنين دلوقتي أو بعد ما نتجوز؟! إنت ليه بتحسسني إنك جاي من العصر الحجري؟! أمال لو ما كنتش مقضي نص حياتك بره بقى!"
أخذ مراد نفسًا عميقًا، وكأنه يجمع كل ما بقي له من اتزان، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم:
"الفرق إنه حرام وماينفعش... حتى لو قضيت نص حياتي بره، أنا مش زيهم، إحنا ديننا بيمنعنا، وكمان العادات والتقاليد... وبعدين أنا عايز العلاقة اللي أعملها تبقى في إطار شرعي، ما تبقاش كده."
ضاقت ملامحها، وقالت بضيق لا يخلو من قهر:
"كل حاجة ماينفعش! أنا بجد ما بقيتش فاهماك... يعني لا موافق ألمسك من غير ما نتجوز، ولا موافق نتجوز! إنت عاوزني أعمل إيه؟! إنت ليه محسسني إني بشحتك بجد؟! يعني كل ما بقولك حاجة بتقولي مش دلوقتي لما نتجوز... ليه مخليني أحس إني الطرف الأكتر حماسة؟! أنا محتاجاك، إنت ليه مش حاسس بيا؟! إنت ما بقيتش تحبني يا مراد؟!"
كلماتها كانت تحمل من الرجاء أكثر مما تحمل من الاتهام، ولكنها، على الرغم من كل شيء، لم تصل إلى قلبه.
لم يُجب. كيف يمكنه أن يجيب وهو لا يعلم إن كان يحبها فعلًا أم لا؟!
هو فقط يعلم أن روحه ليست هنا، وأنها لم تكن يومًا في هذا المكان، لا مع هذه المرأة، ولا في هذه اللحظة.
وراقبها بعينيه وهي تفتح الزجاجة وتبدأ بالشرب، كأسًا تلو الآخر، حتى بدأت تفقد تماسكها.
بدأت كلماتها تتداخل، وحركتها تتثاقل، ثم فقدت توازنها تمامًا وسقطت على الأريكة، تغفو بثقل وارتباك الثمالة.
اقترب منها مراد، تأكد من نومها، غطاها ببطانية مرمية على حافة الأريكة، ثم وقف لثوانٍ ينظر إلى ملامحها وهي تغط في النوم، لا مشاعر في عينيه... لا شفقة، لا غضب، لا حتى حنين.
ثم استدار، وخرج من الشقة، نزل عبر الدرج بهدوء شديد، كأنما يفر من شيء ما، أو من نفسه، أو من الخطأ الذي كاد يقع فيه.
خرج من العمارة بأكملها، تنفس الهواء العليل الذي لفح وجهه ليلًا، وأحس بهدوء غريب يغمره...
كان يريد شيئًا واحدًا فقط...
يريد تاليا.
يريدها بجانبه، بصوتها الهادئ، بحضورها الطاغي، بطريقتها في سكب القهوة، في ترتيب المنزل، في الحديث عن الطقس أو عن كتاب قرأته.
يريد ذلك النور الذي شعر به حين كانت قريبة... ويريد أن يهرب من الظلمة التي التهمته دونها.
إنها تاليا فقط...
هي من يريدها حقًا.
لم يستطع مراد منع نفسه من إرسال رسالة إليها. كانت أصابعه ترتجف وهو يكتب، كأن كل حرف يُسطره كان يخرج من قلبه لا من عقله، كتب:
"أنا محتاج أكلمك، محتاج أتطمن عليكي، عارف إني بدايقك وإنك قررتي تبدأي حياة جديدة أنا مش فيها، بس أنا بجد مش عايز ننتهي كده. خلينا أصدقاء، انتي قولتيلي قبل كده إننا ننفع نكون أصدقاء بس ماننفعش نكون متجوزين... ليه مانجربش نكون أصدقاء؟ يمكن صداقتنا تنجح عن جوازنا."
ضغط زر الإرسال، وكأن قلبه أُرسل معها، ثم ألقى الهاتف جانبًا وتنهد بقوة، واضعًا وجهه بين كفيه. كانت رسالة يائسة، نعم، لكنها نابعة من أعماق مشوشة، تائهة، لا تعلم ماذا تريد سوى صوتها... وجودها.
في تلك اللحظة، كانت تاليا تجلس في مرسمها الصغير داخل منزل والدها، فرشاة بيدها ولوحة لم تكتمل بعد أمامها، تحاول أن تفرغ ما في داخلها من مشاعر على الورق، ولكن بلا جدوى. منذ عادت إلى هذا البيت، قررت أن ترمم ما بقي منها. كانت البداية صعبة، لكنها أخيرًا شعرت ببعض الهدوء. بعض السلام.
رفرفت شاشة هاتفها بجانبها، وقلبها خفق رغماً عنها، ترددت قبل أن تلتقطه، وما إن قرأت اسم المرسل حتى توقف عقلها لحظة.
مراد...
هو أول تواصل منه منذ أن تركت منزلهما.
فتحت الرسالة، وكل حرف فيها جعل قلبها يتأرجح بين الحنين والألم.
"محتاج أكلمك..."
توقفت عند الجملة طويلاً.
أي قسوة هذه؟ أن تشتاق لمن أوجعك. أن تتمنى صوته رغم أنك أقسمت ألا تعود.
هي لا تكرهه. بل ربما، للأسف، ما زالت تحبه.
لكنها تعبت. تعبت من أن تكون الطرف الذي يتحمل، الطرف الذي يُؤذى ويصمت، الطرف الذي يُغفر دائمًا دون أن يُفهم.
رسالة مراد أشعلت داخلها بركاناً من المشاعر المختلطة: الضعف، الاشتياق، الغضب، والحيرة.
هل يمكن فعلاً أن ينجحا كصديقين بعدما فشلا كزوجين؟
هل يمكنها أن ترى عينيه دون أن تستعيد كل الخذلان الذي عاشته؟
هل تستطيع أن تنسى؟
تركت الهاتف، وحاولت أن تعود إلى لوحتها.
لكن اللون فقد معناه، والفرشاة أصبحت ثقيلة في يدها، كأنها لا تريد سوى الكتابة له، والرد عليه.
فنهضت، وخرجت إلى حديقة المنزل، تستنشق بعض الهواء البارد الذي لامس وجهها كصفعة رقيقة أيقظتها أكثر. مشت قليلاً وسط الزهور، تنظر للسماء، كأنها تبحث عن إشارة، عن إجابة.
وبعد دقائق من التفكير، قررت أن تكتب له. كتبت بقلبٍ متردد، وصوتٍ حازم، ورغبة في حماية نفسها أخيرًا:
"أنا كويسة يا مراد الحمد لله، وحياتي أحسن ومبسوطة بالقرار اللي أخدته الحقيقة.
أنا فعلاً كنت قولتلك إننا ممكن ننجح كأصدقاء، بس أنا بحاول دلوقتي أتخطى اللي فات، ووجودك في حياتي مش هيخليني أعرف أعمل ده.
أرجوك ماتزعلش مني، بس أنا محتاجة أكون لوحدي. ووجودنا دلوقتي مع بعض هيلخبطني، وأنا ماصدقت حسيت إني مبسوطة وقادرة آخد قرار.يمكن في المستقبل نكون فعلاً أصدقاء...
سيب كل حاجة للزمن، يمكن يقدر ينسينا."
ضغطت "إرسال" ووضعت الهاتف جانبًا، ثم أغلقت عينيها، تنفست بعمق، وكأنها أفرغت حملًا كان يجثم فوق صدرها.
أما مراد، فحين وصلته الرسالة، قرأها بصمتٍ طويل، عيناه تائهتان في كلماتها.
لم يكن غاضبًا، بل شعر بخيبة أملٍ هادئة، أشبه بالحزن النبيل الذي يعرف أنه لا يملك حق الاعتراض.
أدرك حينها أن تاليا لم تعد له، وربما لن تعود أبدًا.
لكنها على الأقل... ما زالت صادقة.
وهو، رغم كل شيء، كان ما يزال يريدها... بكل الطرق الممكنة.
مرت الأيام كأنها تسير في طريقين متوازيين، لا يلتقيان.
كلٌّ منهما كان ينغمس في عالمه، يحاول أن يبدو مشغولًا كفاية كي لا يفكر، كي لا يتألم، وكي لا يشتاق.
مراد كان يذهب إلى الشركة يوميًا، يدفن نفسه بين الملفات والمعاملات، يستمع لتوجيهات والده الذي أخبره بوضوح أن العمل تراكم كثيرًا، وأن الوقت قد حان ليتحمل مسؤوليته بجدية.
في البداية، كان عقله مشوشًا، ما يزال يحمل آثار تاليا، لكن مع مرور الوقت بدأ التركيز يأخذ حيّزًا من أفكاره، ليس لأنه تعافى، بل لأن الانشغال صار ضرورة للبقاء.
أما بسنت، فلم تكن تترك له لحظة هدنة.
كانت تقتحم يومه في كل فرصة، تحادثه كل صباح، تزوره إن رفض اللقاء، وتلحّ على الخروج معه وحتى لا تأتي إلى منزله، كان يرضخ أحيانًا مضطرًا.
لكن كل نزهة معها كانت تُثقله.
هي لا تشعر، أو لا تريد أن تشعر، أنه بات شخصًا آخر.
هو لا يرتاح معها... ولا مع أصدقائها، الذين بدوا له غرباء أكثر من اللازم.
كل ابتسامة بينهم كانت ثقيلة، وكل ضحكة زائفة.
كان يتذكر جلساته مع تاليا وأصدقائها، تلك الراحة العجيبة، السكينة التي تملأ الجلسة، النظرات التي لا تحمل إلا الألفة.
أين ذهبت كل تلك التفاصيل؟ ولماذا تشعره الآن بالخسارة أكثر من أي وقت مضى؟
وعلى الجانب الآخر، كانت تاليا تبدأ رحلة جديدة من حياتها... رحلة سلام.
أيّامها كانت هادئة، تسير وفق وتيرتها التي تختارها.
تستيقظ صباحًا، تمارس التمارين الرياضية، تنظف غرفتها وتعدّ طعامها بنفسها، ثم تجلس إما على كتاب، أو لوحتها التي بدأت ترسمها منذ أيام.
كانت تتواصل مع أصدقائها كلما استطاعت، وتحادث الجدة صفية من وقتٍ لآخر لتطمئن عليها، خاصة بعدما أخبرتها بانفصالها عن مراد.
تذكرت جيدًا ذلك اليوم، عندما سألتها الجدة عن غيابها، فقالت لها بهدوء:
"سيبته يا تيتة، مقدرتش أكمل."
فنظرت إليها الجدة برفق وربتت على يدها قائلة:
"اعملي اللي يريحك يا بنتي... السعادة مش في التمسك، أحيانًا بتكون في الخلاص."
كلماتها كانت بلسمًا على قلبها.
لكن رغم سكون الأيام، بقي هناك فراغ لم تستطع سده.
أصدقاؤها مشغولون بأعمالهم، والنهارات الطويلة تخلو من المهام...
هي لم تعمل يومًا، لا تعرف ماذا يمكن أن تفعل، لكن داخلها شغفٌ للبدء، للرغبة في أن تُنتج شيئًا، أن تملأ هذا الفراغ بشيء تحبه.
وذات صباح، وبينما كانت تتجول داخل مكتبتها القديمة المفضلة، والتي اعتادت زيارتها منذ كانت طفلة صغيرة، وقعت عيناها على لافتة بسيطة معلقة في زاوية الواجهة الزجاجية:
"مطلوب موظف بدوام جزئي."
وقفت لحظة، قلبها يخفق.
هل هذا هو ما كانت تبحث عنه؟
مكتبة؟ كتب؟
ألم تكن تقول دومًا أن راحتها تبدأ بين الرفوف والكلمات؟
دون تفكير، اتجهت إلى الموظف المسؤول وسألته عن العمل.
كان رجلًا كبيرًا ببسمة طيبة، نظر إليها وقال:
- "كل اللي عايزينه منك إنك تكتبي الكتب اللي بتخرج ومين أخدها ولمدة أد إيه، وتاخدي رقم تليفونه وعنوانه، وكمان تعرفي مكان كل نوع من الكتب عشان تسهلي على الناس تدور. ومتقلقيش، إحنا هنعلمك كل حاجة قبل ما تستلمي الشغل."
لم تنتظر لحظة، وأجابت بلهفة صادقة:
- "أنا موافقة! أبدأ من إمتى؟!"
ابتسم الرجل بحرارة وقال:
- "من بكره لو حبيتي... بس المرتب بسيط، واللي قبلك ساب الشغل عشانه."
نظرت إليه بعينين لامعتين وقالت:
- "أنا مش عايزة أعرف المرتب كام، ومش هاممني. أنا عايزة أشتغل هنا... دي أمنيتي من زمان، أنا بكون مرتاحة وأنا وسط الكتب."
هزّ الرجل رأسه بإعجاب وهو يقول:
- "يبقى على الساعة عشرة الصبح بكرة، لحد الساعة أربعة العصر."
- "هكون موجودة، إن شاء الله." أجابته بابتسامة واسعة، قلبها يكاد يقفز من مكانه.
خرجت تاليا من المكتبة وهي تكاد تطير من الفرح.
لأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت بالحماس، بالانتماء، وبأن هناك شيئًا بانتظارها.
أما مراد، فكان في مكانٍ آخر من هذا العالم...
يعيش حياة لا تُشبهه، وسط أشخاص لا يشعر معهم بشيء، سوى أنه... ليس حيث يجب أن يكون.
في اليوم التالي، وكما وعدت، ذهبت تاليا إلى المكتبة في تمام العاشرة صباحًا، مرتديةً ثيابًا بسيطة ومريحة، وجهها يحمل حماسًا صادقًا، وعينيها تلتمعان ببريقٍ غريب لم تره في نفسها من قبل.
استقبلها المسؤول بترحيب دافئ، وبدأ يشرح لها كل ما تحتاجه: طريقة تسجيل الكتب، تنظيم الاستعارات، كيفية التوجيه داخل المكتبة، وما يجب عليها فعله عند تأخر أحدهم في إعادة كتابٍ ما.
كانت تتابعه بكل انتباه، تسجّل في عقلها كل كلمة، وتتعلّم بسرعة، حتى أنه ابتسم وقال لها في نهاية اليوم:
- "إنتي هتحبي الشغل ده فعلًا، أنا شايفك فرحانة بيه كأنه حلم اتحقق."
وقد كان بالفعل حلمًا يتحقق.
ما إن بدأ الزوّار في التوافد حتى اندمجت تاليا في مهامها.
تتحرك بين أرفف الكتب القديمة والحديثة، تلمسها بأنامل عاشقة، تقرأ عناوينها، وتعرف أماكنها، تتنقل بخفة وسرعة بين الأقسام، تساعد هذا في إيجاد رواية تبحث عنها ابنته، وتدلّ ذاك على كتابٍ فلسفيٍّ نادر.
كانت المكتبة عريقة، تفوح منها رائحة الورق المصفّر والحبر العتيق، وكأن الزمن توقف عند عتبتها.
كل ركن فيها يحكي قصة، وكل رفّ يحمل عمرًا من المعرفة.
لقد وجدت نفسها... أخيرًا.
وجدت الجزء الضائع منها في هذا المكان.
ومع مرور الأيام، لم تكن تذهب للعمل فقط، بل كانت تذهب لتحيا.
كانت تصل قبل موعدها بدقائق، وتظل حتى ما بعد موعد انصرافها أحيانًا، فقط لتعيد الكتب مكانها، وتنظّم الأرفف بحرصٍ وكأنها تُرتّب مشاعرها في الداخل.
في كل مرة كانت ترفع كتابًا وتضعه في مكانه الصحيح، كانت تشعر وكأنها تُعيد ترتيب روحها.
المسؤول عن المكتبة لاحظ ذلك، لم يكن يندهش من حماسها، بل كان يشعر بالامتنان لوجود شخص يحب هذا المكان كما يحبه هو.
قال لها في إحدى المرات:
- "المكتبة دي بقالها سنين طويلة، بس أول مرة أحس إنها عايشة كده... يمكن عشان انتي بقيتي فيها."
أما هي، فكانت لا تفكر سوى في لحظتها...
لا تشتكي، لا تتذمر، لا تبحث عن راتب، ولا تفتقد ما لم يعد في حياتها.
لقد وجدت شغفها.
السعادة لم تأتِها من الخارج، لم تطرق بابها من دون استئذان، بل هي من خرجت بحثًا عنها، وتمسكت بها حين وجدتها.
لأن السعادة ليست وعدًا، بل قرار.
السعادة لا تطرق باب الكسالى، ولا تسكن القلوب التي تنتظر أن يُقدّم لها كل شيء بلا جهد.
هي رحلة، والبدء فيها هو الجزء الأصعب.
لكن حين تبدأ، لن تعود كما كنت أبدًا.
لقد أدركت تاليا هذا...
أن العمر قد يمضي، والفرص قد تفوت، لكن مَن يعرف طريقه لا يضيع.
وها هي... وجدت طريقها، بين أرفف الكتب، وفي قلب حكايات الآخرين...
وجدت نفسها.
sara ahmed