وصلت السيارة أخيرًا إلى الإسكندرية، بعد رحلة مليئة بالصراخ والضحك والانفعالات المتداخلة.
كان وجه تاليا يعلوه خليط من الضيق والامتنان، فقد نالت من أصدقائها سيلاً من العتاب الممزوج بالشتائم الخفيفة والضربات الودية على كتفيها ورأسها، كل ذلك بسبب تأخرها عن الموعد الذي حددوه.
لكنها كانت تعلم أن ذلك هو طريقتهم في التعبير عن قلقهم وارتباطهم بها، لذلك ضحكت معهم بصدق، معتذرة وهي تضع يديها على أذنيها:
"حقكم عليا والله... غصب عني، نمت ونسيت الدنيا!"
وبالرغم من ذلك، سرعان ما سامحوها كعادتهم، لا يستطيعون البقاء غاضبين منها طويلًا، فوجودها بينهم كان بمثابة الخيط الذي يربطهم ببعضهم البعض دون أن يشعروا.
قاد حسن السيارة وهو يردد بفرح واضح:
"النهارده يوم تاريخي، أخيرًا رايح آكل في المطعم اللي بحلم بيه بقالي سنة!"
ضحكت رنا من المقعد الخلفي وقالت:
"ده لو طلع الأكل وحش هقطعك بإيدي!"
ردّ ضاحكًا وهو ينظر لها من المرآة:
"مستحيل! ده المكان ده واخد ٥ نجوم في كل حتة، ده أنا حافظ الريفيوهات بتاعته أكتر من اسمي."
وصلوا إلى المطعم أخيرًا، وتوجهوا جميعًا إلى طاولة طويلة بجوار نافذة تُطل على البحر الذي كان يعانق الأفق بأمواجه الرقيقة.
طلبوا الطعام وهم يتجادلون حول الأصناف كعادتهم، وبدأت الأحاديث تتشعب، تارة عن العمل، وتارة عن فيلم جديد، وتارة عن مغامرة طائشة خططوا لها ولم ينفذوها بعد.
أما تاليا...
فكانت تجلس بصمت نسبي، تتابع الوجوه من حولها، وعينيها تمتلئان بذكريات لا يمكن للكلمات أن تصفها تمامًا.
كانت نظرتها غير مثبتة على شيء محدد، بل تائهة، كما لو أنها تُعيد شريطًا قديمًا في رأسها... شريطًا كانت هي بطلته الوحيدة في عالم رمادي.
تذكّرت حياتها قبل أن تتعرف عليهم...
يا لها من حياة!
كان كل شيء رتيبًا، كئيبًا يفتقر إلى الدفء، بلا صوت بشري يشاركها وجباتها أو يواسيها إن مرضت.
مراد لم يكن موجودًا أغلب الوقت، كان في ألمانيا، يسافر دائمًا بحجة العمل.
وكانت هي... تقضي وقتها وحدها، تتحدث مع الجدران، تتناول طعامها بصمت ثقيل، تمشي في الشوارع بلا هدف، وتعود للمنزل لتجد الصمت ينتظرها مجددًا.
كل هذا تغيّر منذ ثلاثة أعوام...
تذكّرت المقهى، ذاك المكان المفتوح للهواء، المحاط بالأشجار والزهور، حيث كانت تحب الجلوس لتقرأ، لتهرب من ضوضاء وحدتها، وإن كان هناك ما يزعجها دائمًا فيه، فهو... أصواتهم!
نعم، أصواتهم!
كانوا يجلسون دومًا في الركن المقابل، يتشاجرون، ثم يضحكون، ثم يهمسون بأسرار لا يفهمها سواهم.
حسن وياسمين ورنا ومها... كانوا دائمًا هناك.
كانت تنزعج منهم بالبداية، ترفع عينيها إليهم بانزعاج كلما ضحك أحدهم بصوت عالٍ.
لكن... هؤلاء المزعجون كانوا سيصبحون قريبًا أغلى ما في حياتها.
تذكّرت ذلك اليوم تحديدًا، حين شعرت فجأة بدوارٍ شديد أثناء قراءتها.
أرادت أن تنهض وتعود إلى منزلها، لكن قدماها خذلتاها، وسقطت على الأرض.
أحاط بها الجميع فورًا.
حسن صرخ:
"لازم نروح بيها المستشفى فورًا!"
مها وياسمين أمسكتا بها، ورنا أزاحت الكرسي بعيدًا لتسهل الطريق، وسرعان ما تم حملها إلى سيارتهم دون أن يسألوها من تكون.
لم يتركوها لحظة، كانوا بجوارها وهي لا تكاد تقوى على الحديث، وعندما أخبرهم الطبيب أنها تعاني من انخفاض شديد في ضغط الدم، لم يذهبوا كما توقعت، بل ظلوا بجوارها حتى تناولت أدويتها، ثم أصرّوا على إيصالها إلى منزلها.
تذكّرت كم شكرتهم في ذلك اليوم، كم شعرت أنها مدينة لهم بشيء عظيم، شيء أكبر من مجرد معروف... شعرت للمرة الأولى منذ سنوات أنها ليست وحدها في هذا العالم.
ومنذ ذلك الحين، صاروا يجلسون معها كلما ذهبت إلى المقهى، وصاروا يسألون عنها إن غابت.
تبادلت أرقام الهواتف معهم، وبدأوا يتصلون بها يوميًا، خاصة بعدما علموا بأنها تعيش وحدها، وأن زوجها لا يمكث معها كثيرًا.
مع كل يوم كانت تاليا تتعلّق بهم أكثر، تشعر أنهم عائلتها التي لم تُولد منها، أنهم السند الذي لم تطلبه لكنه جاء حين كانت في أمسّ الحاجة إليه.
تذكرت الليالي التي كانوا يقضونها معها حين تكون مريضة، الفتيات اللواتي يَبِتن معها حتى الصباح لا يطمئنّ إلا إذا شاهدن ابتسامتها تعود من جديد.
نظرت إليهم الآن...
يضحكون من نكتة قالها عادل، الذي انضم إليهم قبل عام فقط لكنه صار فردًا لا غنى عنه.
كانوا يمررون الأطباق لبعضهم ويشكون من حرارة الجو، ثم يعودون للضحك... والضحك...
أما هي، فجلست وسطهم، هادئة، ممتنة، تنظر إليهم كما تنظر طفلة إلى شمعة أشعلت في ظلامٍ دامسٍ ظلّ يلتهمها لسنوات.
قطعت أفكار تاليا قطرات الماء الباردة التي نثرتها ياسمين على وجهها فجأة، وهي تضحك قائلة:
"تااااليا! إييييه يا بنتي سرحانة أوي كده ليه؟!"
هزّت تاليا رأسها سريعًا كمن استيقظ من حلم طويل، بينما سبقتها رنا بالرد وهي تضحك بمكر خفيف:
"أكيد سرحانة في القمر اللي سايباه في البيت وجايه تقعد في وشّنا إحنا!"
قالت مها بمرح مفتعل وهي تعقد ذراعيها:
"عارفين، لو أنا، والله ما بصّ في وشكوا ولا أعبركوا، حد يسيب القمر ده ويبص في وشكم!"
ضحك حسن وقال موجهًا حديثه لمها:
"عشان إنتي ندلة معروفة يعني، إنما هي... لا، مش زيك، مش كده يا تُوتا؟"
رفعت تاليا عينيها إليهم وابتسامة دافئة تلوّن ملامحها المرهقة وقالت بصوت مائل للامتنان:
"أنا والله كنت بفكر فيكم... بفكر لو إنتوا مش في حياتي، أنا كنت هعيش إزاي... إنتوا أجمل صدفة حصلت في حياتي، إنتوا ما تعرفوش أنا بحبكم قد إيه."
ردّ عادل بصوته الهادئ الذي يحمل دائمًا صدقًا عميقًا:
"وإنتي ما تعرفيش إنتي مهمة عندنا قد إيه."
لم تحتمل الفتيات هذا الكم من المشاعر دون أن يعبرن عن حبهن، فاحتضنّها جميعًا، ضاحكات وهنّ يربتن على ظهرها ويقلن كلمات عفوية دافئة.
بعد تناولهم الطعام، أشاد الجميع باختيار حسن، فقد كان الطعام لذيذًا والمنظر الذي يُطلّ على البحر أشبه بلقطةٍ من فيلمٍ هادئ...
الموج كان يتراقص أمامهم، والسكون الساحر يتسلل إلى أرواحهم، حتى أن تاليا نفسها شعرت بشيء من السلام، شيء كانت تفتقده كثيرًا.
خرجوا جميعًا للتنزه على الشاطئ، ضحكوا وتراشقوا بالماء، خلع كلٌ منهم حذاءه ووضع قدميه في الماء البارد، كان البحر في تلك الليلة أشبه بحضن أم...
هادئ، حنون، ومليء بالحكايات.
وبعد يومٍ طويل مليء بالضحك والراحة، قرروا العودة عندما دقّت الساعة الحادية عشر، فقد كان البعض مرتبطًا بأعمال صباحية، وبعضهم خشي غضب أهله.
كانت تاليا تقود السيارة، تُوصِل كل منهم إلى بيته،
واحدًا تلو الآخر، غادروا السيارة وهم يشكرونها على اليوم الرائع.
لم يتبقَ سوى عادل، فقد كان منزله يبعد كثيرًا عن الآخرين.
ساد الصمت قليلًا داخل السيارة، لم يكن صمتًا مريحًا، بل ذلك الصمت المُثقل بالأسئلة التي تنتظر لحظة الانفجار.
قطع عادل ذلك الصمت أخيرًا بصوت يحمل شيئًا من الحذر:
"هو جوزك جه إمتى؟!"
رفّت عينا تاليا بسرعة، وكأنها لم تتوقع هذا السؤال الآن تحديدًا، فأجابت:
"جِه إمبارح، بس ما لحقتش أقولكم، لأني ماكلمتش حد منكم بالليل."
قال عادل، بنبرة أقل دهشة وأكثر استنكارًا:
"بس مش شايفه إنها غريبة أوي؟! جوزك لسه جاي إمبارح... وانتي خارجة معانا النهارده، والساعة بقت واحدة ونص وانتي لسه ما رجعتيش البيت؟!"
ارتبكت تاليا، التقطت أنفاسها سريعًا قبل أن ترد:
"لأ، أصل هو كمان عنده شغل وهيتأخر، فـ أنا قولتله يعني... عشان ما أقعدش لوحدي، أخرج معاكم."
ردّ عادل، وقد اختفى من نبرته ذلك اللطف المعتاد، وحل محله مزيج من القلق والغضب المكتوم:
"يعني هو جاي عشان يشتغل، مش يقعد معاكي حتى شوية؟ ده بيسافر أكتر ما بيجي!"
حاولت تاليا أن تحافظ على ابتسامتها لكنها لم تُفلح تمامًا، فقالت:
"عادي يا عادل، هو عنده شغل هنا، ما تنساش إنه شركة باباه هنا بردو، ولازم يتطمن عالشغل."
صمت عادل للحظة، ثم سألها بصراحة لم تعتدها منه من قبل:
"تاليا... إنتي مبسوطة بحياتك دي؟ مبسوطة بجوازك؟! إنتي عايشة لوحدك أكتر الوقت، يعني ليه ما بتسافريش معاه؟ أو ليه هو ما يقعدش معاكي؟"
تسللت الكذبة من بين شفتيها كما اعتادت، محاولة أن تصنع لنفسها عالمًا لا أحد يُشكك فيه:
"أنا مبسوطة في حياتي... عشان هو بيعوّضني، لما بييجي بيعوّضني عن فترة غيابه، ما تقلقش... أنا مبسوطة جدًا."
لكن عادل، الذي كان يعرفها جيدًا، نظر إليها طويلًا وقال:
"إنتي بتضحكي عليّا... ولا على نفسك يا تاليا؟! مبسوطة فين الانبساط ده؟! إنتي لو بيعوّضك زي ما بتقولي، ولا مبسوطة، كنتي هتسيبيه وتخرجي معانا ليه؟! وما تقوليش أصله عنده شغل... حتى لو عنده، مش هتبقي عايزة تخرجي وتسيبيه.
إنتي في الأيام اللي ما بيكونش فيها، بتخرجي معانا بالعافية... ومرات كتير بتقولي نقعد سوا في البيت.إنتي أصلاً ما بتحبيش الخروج... ما بتحبيهوش إلا لو هو موجود، وده معناه إنك مش بترتاحي معاه، وبتخرجي عشان ما تفضليش معاه."
لم تعرف تاليا بماذا ترد.
كانت كلماته كالسكاكين تنغرس في صدرها، ليس لأنها جارحة، بل لأنها صادقة أكثر مما يجب.
ما الذي يمكنها أن تقوله الآن؟
أي كذبة جديدة يمكنها أن تفتعلها حتى تنجو من هذا الموقف؟
أي حكاية يمكنها أن تنسجها لتخفي بها جرحًا لم يعد يسعها؟!
لكن لحسن حظها... أو ربما لسوئه، كانوا قد وصلوا إلى منزل عادل.
أوقف السيارة وقال بهدوء:
"أنا وصلت... بس بلاش تروحي لوحدك، هوصلك أنا؟!"
هزّت رأسها بسرعة، محاولة استعادة توازنها:
"لأ، متشكره... أنا هروح على طول، ما تقلقش."
قال بإصرار وهو ينزل:
"طيب على الأقل طمنيني إنك وصلتي، هكلّمك أول ما توصلي."
أومأت له، وهو يغلق الباب، وقفت لدقائق قبل أن تتحرك.
تساءلت: لماذا دائمًا تُجبر على ارتداء قناع؟ لماذا يبدو العالم كأنه لا يتقبل ألمها؟ لماذا كل من حولها يراها قوية، بينما هي تنهار من الداخل؟
انطلقت بالسيارة نحو بيتٍ لا تشعر فيه بأنها تنتمي إليه...
بيت يحمل اسمها على ورقة، لكنه لا يحمل الدفء في أركانه...
ولا يحمل أحدًا في انتظارها... سوى الجدران.
عادت "تاليا" إلى المنزل بعد خمس دقائق فقط من وداعها لعادل، إلا أن دقائق الطريق لم تكن كافية لمحو الأسئلة التي أثارها حديثه داخل عقلها.
كانت كلمات عادل كالسياط، تضرب وعيها بشراسة:
هل هي حقًا مكشوفة إلى هذا الحد؟
هل يراها الجميع على حقيقتها؟
هل يعرفون أنها ليست سعيدة...؟ أنها مجرد ظل لامرأة كانت تحلم بالحب، فاستيقظت على قيد؟
دخلت منزلها بصمت ثقيل، تعب السفر يتسلل إلى أطرافها، وإرهاق الأيام الماضية يُثقل جفونها.
لكن قلبها... قلبها وحده كان مستيقظًا، ممتلئًا بحياة جديدة ومرارة قديمة.
رنّ هاتفها برسالة جديدة، كانت من عادل يطمئن إن كانت قد وصلت بسلام.
أجابت بسرعة:
"أنا وصلت، ماتقلقش، تصبح على خير."
وما إن رفعت عينيها من شاشة الهاتف، حتى فوجئت به...
"مراد"... جالس على الأريكة، ينظر إليها بنظرات قاسية، مليئة بالغضب والتهكم، كأنه ينتظر لحظة العودة لينقض عليها.
لم تلقي التحية، فقط خلعت حذاءها وأمسكته بيدها وهي تتألم بصمت.
لم تكن في مزاج يسمح بأي مواجهة، ولكن مراد لم يكن ليسمح بالمرور هكذا.
قال بصوت يحمل سخرية لاذعة:
"حمد الله ع السلامة يا مدام... كويس إنك لسه فاكرة مكان البيت. افتكرتك هتباتي بره والله. وبعدين جاية بدري كده ليه؟! كنتي اتأخري كمان شوية."
نظرت إليه نظرة جليدية، وقالت ببرود:
"آنسة لو سمحت."
رفع حاجبيه باستغراب ساخر وقال:
"إيه؟!"
أجابت بنفس البرود:
"انت قلت حمد الله ع السلامة يا مدام... التعبير الصحيح هو حمد الله ع السلامة يا آنسة. أنا مش مدام."
ضحك بسخرية، ثم قال:
"والله؟! يعني انتي سيبتي كل اللي قولته وماخدتيش بالك إلا من (مدام)؟!"
ردّت بجمودٍ مقصود:
"آه، لازم تنتقي تعبيراتك وانت بتتكلم معايا."
نفد صبره، وانفجر صوته بنبرة عصبية متوترة:
"المرة الجاية هبقى أكتب لك الكلمات وانتي انتقي منها براحتك يا آنسة."
ثم نهض واقترب منها بسرعة مباغتة جعلتها تتراجع للخلف بخطوة لا إرادية، فتابع بصوتٍ يشتعل غيظًا:
"انتي عايزة تجننيني؟! جاية من بره الساعة ٢، وكل اللي هامك إني قلتلك (يا مدام)؟! انتي كنتي فين كل ده؟!"
ردت بتصنّع القوة:
"مالكش دعوة... انت مالك أكون فين؟ انت بتسأل ليه؟ بصفتك مين؟!"
أمسك مراد بمعصمها بقوة، والغضب يشتعل في عينيه:
"بصفتي مين؟! بصفتي جوزك يا آنسة... بصفتي كيس جوافة قاعد في البيت مستني مراته تيجي من بره عشان سهرانة مع شباب... آه، سوري، أصدقائها!بنتقي تعبيراتي أهو... عرفتي بقى بصفتي مين بسأل؟!"
حاولت تاليا أن تحرر يدها، ونبرة التحدي لا تزال تخرج من بين دموعها المحبوسة:
"انت ليه ناسي إن ده جواز على الورق؟! إحنا متجوزين قدام الناس بس، ومفيش ناس هنا عشان تمثل إنك مهتم...انت اندمجت في الدور أوي شكلك!"
صمت مراد للحظة، كأنه تلقى صفعة على وجهه، لكنها لم تمنعه من الرد:
"حتى لو جوزك على الورق... المفروض تحترمي وجودي! تحترمي شكلي قدام الناس.
الناس تقول عليكي إيه وانتي راجعة دلوقتي كده؟!"
كانت كلماتها التالية أشبه بانفجار...
كانت تحاول المقاومة، لكنها انكسرت أخيرًا، كسرها السؤال، كسرها الصراخ، كسرها ما لا يُحتمل.
صرخت بصوتٍ مختنق بالبكاء، والدموع تتساقط على وجنتيها بلا توقف:
"يقولوا اللي يقولوه!الناس دي مش بتبقى معايا وأنا قاعدة لوحدي ليل ونهار!الناس دي ما بتجيش تتطمن عليّا لما بتعب، ما بيقعدوش جنبي وأنا حرارتي عالية!ما بيطّمنوش عليّا... عايشة ولا ميتة!
هو أنا لو مت هنا، انت هتعرف؟! مش هتعرف غير لو جيت بعد شهور عشان أمضيلك ورقة!
ساعتها... ساعتها يمكن تحس بغيابي! يمكن... مش أكيد."
ارتجف صوتها، وانهارت الكلمات منها واحدة تلو الأخرى، كأنها تُفرغ وجع السنوات:
"أنا قبل ما أعرفهم... كنت بقعد بالأسابيع في البيت ده، محدش بيسأل عليّا!كنت بتعب وبقوم لوحدي...
كنت بخاف... وأقفل كل الأبواب عليّا، وأقعد أطمن نفسي بنفسي!هما من ساعة ما عرفتهم... وأنا بنام مطمنة.عارفة إني لو مت... هيعرفوا! لو حصلي حاجة... هيبقوا معايا! لو طلبتهم في أي وقت... هيبقوا قدامي، حتى لو الساعة ٥ الفجر! إنما انت؟! انت إيه في حياتي؟! انت مالكش أي وجود!
انت اسم مكتوب في بطاقتي... بس."
سكتت لحظة، التقطت أنفاسها، ثم نظرت إليه بعينين فارغتين من الأمل، وقالت:
"لسه فاكر بعد خمس سنين... تقولي كنتي فين واتأخرتي ليه والناس هتقول إيه؟! ضحكتني بجد... فعلاً."
ثم تركته واقفًا هناك، ودلفت إلى غرفتها، تُغلق الباب خلفها بصوتٍ بدا وكأنه يُغلق قلبها أيضًا.
أما هو، فلم يتحرك.
لم ينبس ببنت شفة.
بقي مكانه، كأنها جمدته بكلماتها.
كانت كلماته قاسية... نعم.
لكنه لم يكن يعلم أن صمته هو الأقسى.
صمته لسنوات، غيابه الطويل، نظرته لها ككائن غير مرئي،كلها طعنات متتالية... لم تشفَ منها قط.
جلس على الأريكة، يُحدق في الأرض بذهول، لا يعلم ما يقول،
كل ما قالته حقيقي...
مؤلم... لكنه حقيقي.
كيف؟ كيف سمح لنفسه أن يهملها بهذا الشكل؟
حتى وإن كان زواجهما شكليًا...
حتى وإن لم يحبها يومًا...
ألم تكن إنسانة؟!
ظلّ جالسًا في مكانه، يده لا تزال ترتجف، وداخله صراع جديد بدأ للتو...
صراع بين ما فعله، وما لم يعد يُصلح فعله.
sara ahmed