كانا يجلسان سويًا، متلاصقين في ظلمة الليل الملبدة بالأطماع والخيانة، يتناجيان في همسٍ أشبه بوشوشات الشياطين، يخبرها هو بما يريد سماعه، وتخبره هي بما يُشعل ناره ويُغذّي رغباته الدفينة.
عيناه تلمعان بالدهاء وهي تحدّثه بسعادة غامرة، وقد بدا عليها النشوة وهي تروي له ما أخبرها به مراد. لقد أصبح الحلم قاب قوسين أو أدنى من التحقق، لقد قرر – وأخيرًا – أن يتنازل لها عن كل ما يملك، بكل ما أوتي من طيبة، عن طيب خاطر، دون إجبار، دون خطط تُحاك في الخفاء أو أوراق تُزَوّر أو زواجٍ يُستكمل بالخداع ثم يُنهيه الموت…
لم تعد في حاجة إلى التورط في جريمة أو الزواج منه لتستولي على ثروته، لقد سهل الطريق بنفسه، وهو لا يدري أنه يكتب نهايته بيده.
كان كلاهما – هي ورامي – يبتسمان، يتبادلان الكلمات وكأنهما عاشقان… ولكن لا الحب يُحرّكهما ولا الرحمة تقف في طريقهما. كلاهما يحمل داخله من الخيانة والطمع ما يكفي لهدم عشرة رجال.
رامي كان ينظر إلى بسنت بنظراتٍ يعرف تمامًا كيف يُخفي نواياه من خلفها. لم يكن ينوي أن يمنحها ما تريد، بل كان يخطط منذ البداية أن يوقِع بها كما فعلت هي بمراد. كانت ألعوبة طيعة، يدفعها بكلمة حب فتتبعه، ثم يسلبها كل شيء، وعندما تنتهي فائدتها، سيتركها كما ترك غيرها، وربما يُسلمها لمصيرٍ أسوأ.
أما بسنت، فقد كانت تُفكر في شيءٍ واحد: المال…
المال الذي سيمنحها الحرية، الذي سيشتري لها سعادة زائفة، الذي سيمكنها من العودة إلى الخمر والمخدرات، كما كانت تفعل دائمًا…
تريد أن تعاقر كأسها دون أن تمد يدها لأحد…
تريد أن تنغمس في ظلامها دون أن تُقيَّد بقيود رجلٍ يتحكم بها أو يمنعها مما تشتهي.
لم تكن تريد صدقة شهرية من مراد، لم يكن يعنيها كم يُنفق عليها…
هي تريد كله، كل ما يملكه… البيت، الشركة، السيارة، الحسابات البنكية، حتى اسمه لو أمكن.
لم يُحرّكها حبه لها، ولا وفاؤه الذي بات نادرًا في هذا الزمان.
لم يمس زوجته احترامًا لها، لم يُحادث امرأةً غيرها حتى لا يُحزنها، لم يكن يومًا أنانيًا معها…
أحبها بكل ما فيه، وظل وفيًا رغم كل ما بدر منها، ولكن…
كل ذلك لم يكن كافيًا، لأن قلبها لم يكن يومًا له، بل كان محجوزًا للشر والجشع.
ورامي؟
آهٍ من رامي…
ذاك الذي ادّعى الصداقة والوفاء، لم يكن أكثر من ثعبان يزحف تحت التراب، يُخرج لسانه كلما سنحت الفرصة ليبث سمّه، يتحرك في الظلام، ينتظر سقطة من صديقه لينهشه.
نسي كل يدٍ مُدت له، كل مرة أنقذه فيها مراد من الضياع، كل مرة سانده ووقف إلى جواره حين لم يجد آخر يفعل.
نسي أن المقهى الذي يتفاخر اليوم بامتلاكه، لم يكن له لولا مراد…
نسي النُبل والرجولة، وخان صديقه دون أن يرمش له جفن.
حتى تحذيرات ياسين – الصديق الحقيقي – لم تُجدِ، لأن قلب مراد كان كبيرًا بما يكفي ليمنح الجميع فرصة، وللأسف… لم يدرك أن البعض لا يستحق حتى السلام.
جلسا معًا، ينظران لبعضهما البعض، وكلٌ منهما يبتسم بفم ويُخفي سكينًا في الآخر.
إنهما متشابهان… كلاهما يرى في الآخر وسيلة، لا غاية.
وكلاهما – رغم اتفاقهما – يبيت نية الخيانة للطرف الآخر.
إنهما متوافقان حقًا، فكلٌّ منهما خائن بطريقته، وكلٌّ منهما طامع بطريقته…
لكن الأيام لن تنسى ما فعلاه…
والثمن، دومًا، يكون أغلى مما يتصوران.
كانت بسنت غارقة في فرحة عارمة منذ أن علمت أن مراد على وشك أن يتنازل لها عن كل ما يملكه، تلك اللحظة التي طالما انتظرتها، وتخيلتها مرارًا وهي تعيش حياة الترف بلا قيد، بلا حساب، بلا أحد يملي عليها ما تفعل أو كيف تتصرف. ومع ذلك، كانت هناك غصة خفية في قلبها، لم تستطع أن تتجاهلها.
رغم سعادتها، فإن القلق بدأ يتسلل إلى قلبها شيئًا فشيئًا…
أتبيع شقتها وسيارتها وكل ما تملك من أجل رجل؟ حتى وإن وعدها بكل شيء؟
أتقفز من جبل الأمل دون أن تعرف إن كان سيسندها جناح الثقة أم ستهوي نحو هاوية الخديعة؟
ترددت، وبدت تلك الحيرة على ملامحها، حتى باغتها صوت رامي بنبرة غاضبة يوبخها باحتقار:
– "انتي عبيطة؟ بتفكري في شوية ملاليم لا طلعت ولا نزلت؟ شقة إيه وعربية إيه اللي بتفكري فيهم! دول مقابل إنك بعد كده هتملكي شركة بالملايين وفلوس مالهاش أول من آخر!"
نظرت إليه بسنت وقد بدا عليها الاضطراب، تحدثت بخوفٍ لم تستطع إخفاءه:
– "ايوه يا رامي، بس لما أبيع كل ده، أنا هقعد فين؟ الفترة اللي هيقنع فيها الست تاليا تتنازل له فيها، وكمان أنا كده مش هيبقى معايا حاجه خالص، انت عارف إن الفلوس اللي باخدها منه كل شهر بتخلص أول بأول… أنا قلقانة من الموضوع، وكمان اللي قلقني أكتر إنه بيطلب منك انت كمان تبيع الكافيه والعربية عشان تساعده! احنا كده مش هيبقى معانا حاجه، هنبقى ع الأبيض! هنعمل إيه ف الفترة دي؟"
قهقه رامي ساخرًا، وهزّ رأسه كمن يسمع شيئًا لا يصدقه:
– "أول مرة أعرف إنك غبية بالشكل ده! يا بنتي إحنا لما نقف جنبه ونساعده، لا وكمان نبيع له اللي حيلتنا، تفتكري هيعمل إيه عشان يردلنا الجميل؟!
انتي يعني مش عارفة مراد بيفكر ازاي؟
مراد كل همه سعادتك، وأي حاجة عايزاها هيحارب لحد ما يعملها لك!ده اشترى لك كل ده من غير ما نقدمله حاجة!ما بالك بقى لما يلاقي إننا الوحيدين اللي جمبه!وكمان وعدك إنه هيكتبلك كل حاجه…
انتي متخيلة هو يملك قد إيه؟متخيلة الفلوس اللي هنلعب بيها كام؟!"
بدأت كلمات رامي تتسلل إلى أعماقها، تدغدغ أطماعها القديمة، ترسم في ذهنها صورة مستقبل مشرق مغمور بالذهب والمجوهرات، حياة لم تعشها يومًا، لكنها طالما حلمت بها، فهزّت رأسها ببطء وقالت وقد زال عنها التردد:
– "طيب، مادام إنت شايف كده… خلاص نبيع ونكلمه ونعرفه إن إحنا معاه ومش هنسيبه."
ابتسم رامي بخبث وقد شعر بانتصاره:
– "أيوه… هي دي قطتي الجميلة اللي بتفكر صح.
إحنا من الصبح نشوف مشتري لشقتك والكافيه والعربيات بتاعتنا، ونروح نديله الفلوس عشان يتأكد إن إحنا حتى ما فكرناش مرتين!
ولو على هتعيشي فين، هو أكيد هيتصرف… مش هيسيبك في الشارع يعني."
لم تستطع بسنت كتمان فرحتها، شعرت أن ما كانت تظنه حلمًا أصبح أخيرًا في متناول يدها، نظرت في عينيه وابتسمت، ثم أمسكت يديه بشغفٍ وهي تقول:
– "مش مصدقة إننا خلاص قربنا نوصل للي عاوزينه!إحنا بقالنا سنين بنحارب عشان نوصل لهدفنا…ما كنتش فاكرة أبدًا إن الموضوع هييجي بسهولة كده، وهو اللي يتنازل بنفسه كمان وبكامل قواه العقلية!"
ضحكت، وضحك معها رامي ضحكة شيطانية خافتة، لكن لم يكن هناك من يُشاركهما الاحتفال…
إلا ذاك الذي كان يراقبهما عن بُعد.
كان يقف هناك، خلف ظلٍ منسيٍّ في أحد الأركان، لم يره أحد، ولم يشعر به أحد، لكن عينيه كانتا تشتعلان بنيرانٍ مكتومة.
مراد…
هو من كان يتابع ما يحدث، هو من زرع الطعم وهم ابتلعوه، وهو من سيقطف قريبًا ثمار خطته، التي نسج خيوطها بصبرٍ وذكاء.
لم يكن الانتقام بالنسبة له لحظة غضب، بل كان عدالة مؤجلة، انتظر اللحظة المناسبة ليرى فيهما الذعر والخسارة وهما يكتشفان كم كانا تافهين وسطحيين…
هو لم يعد يريد أن يؤذيهما جسديًا…
كلا، فذاك عقاب سهل.
بل أراد أن يُذيقهما الخوف، ثم الخسارة، ثم الشعور بالخذلان المطلق.
وكيف لا، وقد خانا تاليا…
ذاك الكائن النقيّ الذي ما زال يرمم نفسه بعدما تهشمت على يد من وثقت بهم؟!
كان مراد يعرف أن لا شيء سيؤلمهما أكثر من المال…
فليكن المال إذن هو السلاح، وهو العقاب.
كان قلب مراد مضطربًا وهو يقود سيارته في الطريق المؤدي إلى المكتبة التي تعمل بها تاليا.
لم يرها منذ تلك الليلة التي اعترف لها فيها بحبه الصريح، ورغم أنها لم تمنحه ردًّا حاسمًا، إلا أنه كان واثقًا بأنها لا تزال تحبه. كان يعلم أن خوفها الوحيد هو أن تكون حجر عثرة في طريقه نحو بسنت، ذلك الوهم الذي سقط من قلبه منذ زمن، ولم يكن في يوم سوى ظلٍّ عابر لما تمنّاه يومًا.
لقد أخبرها بصدق، رغم أن ذاكرته استعادت كل شيء، ورغم أنه تذكّر بسنت وعلاقتهما بكل تفاصيلها، إلا أن قلبه كان قد اختار بالفعل، وكان الاختيار تاليا. هي من أحبّها بكل جوارحه، هي التي كان يهرب من قربها لأنه كان يشعر بضعف لا يستطيع تفسيره كلما اقترب منها، يضعف أمام سحرها، أمام ذلك البريق في عينيها الذي لا تخبو نيرانه.
استعاد لحظات من الماضي وهو يقود…
كان يرفض أن يمكث معها في بيت واحد، فقط حتى لا يظلم بسنت، أو لئلا يضعف أمام نفسه.
لقد رآها أول مرة في مولدها… ومنذ تلك اللحظة، لم تخرج من عقله أبدًا.
كان يراها تمرُّ بجانبه حين يكون جالسًا مع بسنت وأصدقائه، فتتعلق عيناه بها، بجمالها الهادئ، بأنوثتها التي تفوح دون تكلّف.
كان يحاول جاهدًا ألا ينظر، ألا يتبع خطواتها بعينيه، ولكن قلبه كان أضعف من أن يشيح بوجهه عنها.
ولم تكن تلك المشاعر مبنية على هوى فارغ…
لقد كان هناك من يطلعه على كل تحركاتها.
كان يعرف أنها لا تخرج سوى مع صديقاتها، وأنه لا يوجد رجل في حياتها كما زعمت ذات يوم.
لم يفهم حينها سبب كذبها… لكنّه فهم مؤخرًا أنها فعلت ذلك فقط لتحفظ كرامتها أمامه، لتردّ له الصفعة التي وجّهها لها حين رفضها يوماً كزوجة.
لم يكن الأمر إلا كبرياء أنثى جُرحت، لا أكثر.
وصل إلى المكتبة، قلبه يخفق في صدره كطبول حربٍ معلنة، ونظراته تفتّش عنها بين الرفوف والمكاتب.
ثم وجدها…
وهنا توقف الزمن.
كانت تاليا قد استعادت جزءًا كبيرًا من روحها، عادت تلك الفتاة التي تشع حماسة وحياة، تتنقّل بين الزوار بخفة عذبة، وابتسامة تنير وجهها وتزيد من جماله.
يا ليتها لم تبتسم، ليتها أخفت هذا النور الذي يخرج من ثغرها، ليت تلك الألوان التي ترتديها لم تُبرز جمال عينيها الساحرتين، ليتها لم تكن جميلة بهذا الحدّ اللا معقول.
نظر إليها وكأنّه يراها لأول مرة… بل كأنه لم يكتفِ من النظر أبدًا.
وقد شعرت بنظراته، فرفعت عينيها نحوه، وما إن التقت نظراتهما حتى اشتعل الخجل في وجهها فصار قرمزيًّا.
لم تكن بحاجة إلى أن تقول شيئًا، فقد قالت ملامحها كل شيء.
وجد نفسه يسير نحوها بلا إرادة منه، كأن شيئًا بداخله كان يدفعه إليها، لا يهتم بمن حوله من القراء أو الموظفين.
وهي، من جانبها، حين رأته يقترب، تراجعت بخفة إلى الركن الذي اعتادت الجلوس فيه، محاولة أن تهرب من نظرات الفضول التي بدأت تلاحقها.
لكنه تبعها، وقف أمام مكتبها، يحدّق فيها كأنها آية يتلوها بقلبه.
ثم دون مقدمات، وبلا أي وعي سوى نداء قلبه، أمسك بيديها، واقترب منها، وطبع قبلة خفيفة على خدها أمام الجميع.
تراجعت تاليا خطوة إلى الوراء، دفعت يده بخفة، وهمست بصوت خجول بالكاد يُسمع:
– "مراد… إيه اللي بتعمله ده؟ الناس بتتفرج علينا."
لكن مراد لم يبدُ عليه أي ارتباك، بل ظل ممسكًا بيديها، يحدق فيها بعينين مشتعلتين، وقال بصوتٍ فيه من التحدي والدفء ما يكفي لإذابة الجليد:
– "بيتفرجوا على إيه؟ دي بوسة بريئة من خدك! وبعدين مراتي أنا حر، هما المفروض يحترموا نفسهم ويغضوا بصرهم."
كانت كلماته بسيطة… لكنها جاءت كطلقة مباشرة إلى قلبها.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدهشة والخجل… وربما بشيء آخر لم تستطع تسميته…
ولكن ما كانت تعلمه يقينًا، أن مراد ما عاد كما كان…
فهو الآن رجل لا يتردد، لا يخبئ مشاعره، ولا يعبأ بالناس من أجلها.
لقد بدأ فصل جديد…
فصل تقوده مشاعر صادقة، وقلوب أنهكها الكتمان، آن لها أن تتحرر.
ضحكت تاليا بعذوبة تحمل شيئًا من الخجل وشيئًا من الاستسلام، ثم ابتعدت عنه خطوات قليلة محاولة أن تُقلّل من نظرات القراء الموجهة إليهما بدلاً من الكتب الموضوعة أمامهم. نظرت إليه وهي تضع يديها خلف ظهرها كطفلة تهمُّ بالاعتذار، وقالت بمرح خافت:
– "ماقولتليش انت جاي تعمل ايه هنا؟!"
قطب مراد حاجبيه، وادّعى الحزن بمهارة جعلت ملامحه توحي بطفل تم انتزاع لعبته من يده، ثم قال بنبرة صوت منخفضة ومفتعلة لكنها لم تخلُ من دفء حقيقي:
– "حد يقول كده لجوزه، قرة عينه، ده بدل ما تاخديني حضن مطارات وتقوليلي وحشتني يابيبي! اخص عليكي زعلتيني خالص يا توته. وشكلي هروح لتيتة صفية وأقولها تشوفك بتعامليني بجفاء إزاي… وانتي عارفة قرصتها عاملة إزاي… مع إنك مش هتهوني عليا، عشان أنا قلبي حنين… أوي."
لم تستطع تاليا كبح ابتسامتها، حاولت، لكنها خانتها فظهرت جليّة على وجهها كزهرة نبتت رغمًا عن الأرض الجافة. رفعت حاجبيها بمزاح قائلة:
– "واخدك حضن مطارات ليه؟ انت مش كنت معايا من يومين! ما لحقتش توحشني يعني… آه، وكنت بتقول هتموت يا كذّاب."
ضحك مراد بصوت رجولي جهوري، ضحكة خرجت من قلبه لا مجرّد ردة فعل. لفت صوته المرتفع انتباه كل من حولهما، فما كان من تاليا إلا أن وضعت يدها بتلقائية على فمه محاولة أن تُسكت ضحكته. ولكنه، بعفويته المعهودة، أمسك بيدها وقبّلها بخفة على راحة كفها.
انسحبت يدها منه سريعًا وهي تجرّ خجلها خلفها كذيل فستان طويل، فقال مراد وهو لا يزال يحمل نظرات العشق في عينيه:
– "أنا كذّاب يا توته؟ يعني كنتي عايزاني أموت بجد عشان ماكنش بكدب عليكي؟! وبعدين أنا فعلاً كنت هموت… بس من رقتك… وبراءتك… وجمالك اللي هيكون سبب ف موتي بجد يوم من الأيام."
لم تجبه تاليا. لم تكن قادرة على مجاراته في كل هذه المشاعر المتدفقة دفعة واحدة. قلبها أخذ يدق بسرعةٍ لا عهد لها بها، قدماها صارَتا هلاميّتين بالكاد تحملان جسدها، ووجنتاها توهّجتا بلونٍ قانٍ، كأن دماءها كلها اجتمعت هناك.
رآها مراد على تلك الهيئة، فَرَقَّ لها قلبه، وشعر أنها لا تحتمل المزيد من الضغط العاطفي، فقال بنبرة خافتة وهو يراقب وجهها بلطافة:
– "خلاص، أنا هسكت ياستي… بس عشان شكلك دلوقتي ووشك اللي بقى شبه الطماطمّاية ده مخليكي عايزة تتاكلي، وبصراحة أنا مش هستحمل أكتر، ومش هيهمني لا ناس ولا غيره."
قالت تاليا بخجلٍ واضح جعل حروفها تتبعثر على شفتيها:
– "خلاص بقى يامراد… روح يلا، امشي لو مش عايز حاجه."
أعجبه خجلها، أعجبه كيف تُحاول أن تخفي ارتباكها، كيف تهرب منه بنظراتها، فتقدّم بخطوة صغيرة، ومال عليها قليلًا وقال:
– "مين قالك إني مش عايز حاجه؟ أمال أنا جاي هنا ليه؟!"
نظرت إليه تاليا باهتمامٍ ، لم تستطع إخفاء قلقها وسألت بصوتٍ خافت:
– "عايز إيه؟ في حاجه حصلت؟!"
كان جوابه صاعقًا بالنسبة لقلبها، إذ قال بنبرةٍ دافئة متدفقة جعلت الدم يتدفّق إلى وجهها من جديد بقوة:
– "عايزك إنتي… مفيش حاجه حصلت غير إنك وحشتيني أوي ومش قادر أتحمل بعدك عني أكتر من كده. عشان خاطري يا تاليا، ارجعي معايا لبيتنا… مش كفاية كده؟! لسه ما ارتحتيش لحد دلوقتي رغم كل اللي قولتهولك؟"
نظر إليها بعينين يتوسّلان أكثر مما يتحدثان… وكأن العالم بأسره تلاشى من حوله ولم يبقَ سوى نظراتها، ورد فعلها، ونبضها المتسارع.
كانت هي واقفة في منتصف رياحٍ من المشاعر، لا تدري إلى أي اتجاهٍ ستذهب…
لكنها كانت تشعر أنها على وشك أن تنهار… انهيارًا جميلاً، دافئًا، يُشبه الاستسلام بعد حرب طويلة جدًا.
توقف الزمن للحظة، وانسحبت كل الأصوات من حولهما، كأن المكتبة بكل من فيها اختفت من الوجود، ولم يتبقَ سوى مراد وتاليا... وحدهما وسط زحام من الذكريات والقلق، والحب الذي يتأرجح على حافة القرار.
كانت نظراته مفعمة بالرجاء، ويده ما تزال ممدودة كأنها تريد الإمساك ببقايا الحنين داخل قلبها، لكنها لم تتحرك. وقفت تاليا أمامه، بقلبٍ يئنّ شوقًا إليه، ولكن بعقلٍ يرتجف من خوض التجربة ذاتها مرةً أخرى… تجربة أن تكون ظلًا في حياة رجلٍ لا تزال امرأةٌ أخرى تسكنه، أو على الأقل... تسكن تفاصيل يومه.
لم تكن كلماته كافية، ولا حتى نظراته، كي تمحو ما تراه وتعلمه.
لقد قال إنه لم يعد يحب بسنت، وأخبرها أنها خانته، بل وأكد أنها كانت سببًا في حادثه.
لكن ما زالت هناك… ما زالت في حياته…
فلماذا؟ لمَ لم يطردها؟
لمَ لم يغلق الباب في وجه من خذلته؟
نظرت إليه بنظراتٍ ملؤها الأسى والضعف، كأنها على وشك البكاء، لكن صوتها خرج ثابتًا، حازمًا رغم كل ما يدور داخلها:
– "مش هينفع يا مراد أرجع… وبعدين أنا مرتاحة كده."
تجمدت ملامحه للحظة، قبل أن يعقد حاجبيه في ضيقٍ ظاهر، وقال بصوتٍ مكسور امتزج فيه الألم بالغضب:
– "يعني إنتي مرتاحة وانتي بعيدة عني؟! لو انتي مرتاحة زي ما بتقولي – مع إني مش مصدقك – أنا لأ، أنا مش مرتاح… أنا عايزك ترجعي."
لم تُخفض عينيها أمام صراحته، لكنها كانت تُخفي زلزالًا من المشاعر خلف ابتسامتها الخافتة. قالت بنبرة هادئة ولكنها تحمل في طيّاتها قرارًا نهائيًا:
– "مش هينفع يا مراد، صدقني…
أنا مش هرجع، لأنك لسه بردو عايزنا إحنا الاتنين.
وأنا مش هقبل بحاجة زي دي.
لو لسه بتحبها أو ناوي تسامحها، روح لها… وحاول تكون مبسوط معاها، وأنا… أنا هبقى سعيدة لسعادتك."
ثم صمتت لحظة، لتسمح لنفسها بأن تلتقط أنفاسها، كأن الاعتراف القادم مؤلم حد الإنهاك، ثم أكملت بنبرة خافتة:
– "لكن… إني أكون طرف تالت في العلاقة دي؟
أنا مش هقبله تاني…
كفاية عليا كده، أنا مش هقدر أتحمل أكتر… صدقني."
شعر مراد كأن الهواء قد سُحب من رئتيه.
كلماتها لم تكن مجرد رفض، بل كانت صفعة مؤلمة على قلبٍ ظن أنه استعاد محبوبته… فإذا بها تبتعد أكثر.
لم يكن يعلم ما الذي يمكنه قوله كي يعيدها…
ولأول مرة منذ زمن، شعر أنه قد يفقدها… فعلًا.
sara ahmed