الفصل الخامس

الفصل الخامس

10 0

استلقت تاليا على فراشها، تغطي جسدها الملتحف بالشرود، بينما تلتف الذكريات حولها كشبكةٍ من خيوط الماضي التي تأبى أن تترك عقلها لحظة هدوء.

كانت الساعة تقترب من الواحدة ظهرًا، لكنها لم تنم، لم تغلق عينيها حتى للحظة. كانت تقلب بين ملامح الوجوه والأحداث، وكأنها تسير في طريق طويل مظلم لا تعرف نهايته، ولكنها تحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.

تذكّرت جيدًا ذلك اليوم الذي فُرض عليها فيه الذهاب إلى بيت والدي مراد لتناول الطعام، بأمر مباشر من السيد محمود، الذي بدا أنه لا يقبل الرفض كجواب.

كانت تعرف أن الرفض ليس خيارًا، ليس وهي في بداية زواجٍ لم ترغب فيه من الأساس.

كانت لا تزال تحت صدمة فقد والدها، لا تزال تشعر بالوحدة والبرد حتى وهي داخل بيت واسع، تملكه شكليًا، لكنها لا تملك فيه روحها.

لذلك حين أخبرها مراد أن عليهما الذهاب لتناول الطعام عند والده، لم تجادله، لم تناقشه، فقط اكتفت بهز رأسها موافقة، وكأنها تساق إلى واجب عزاء.

دخلت السيارة معه، وجلست بصمتٍ في المقعد المجاور، تشعر أن الهواء بينهما ثقيل، كأن صمتها يصرخ، وصمته يجلدها.

كان يقود بعينين تتجنبان النظر إليها، ويدٍ تمسك المقود بقوة، كأنها تقاوم شيئًا بداخله، شيء لم ترغب هي يومًا في كسره، لكنها وجدت نفسها ضده.

لم ينطق طوال الطريق، ولم تفعل هي.

وحين وصلا، ترجلا من السيارة كغريبين، لا يربط بينهما سوى أوراق رسمية وبيت مشترك لا تسكنه الأرواح.

دخلت تاليا البيت أولاً، فاستقبلتها والدة مراد بوجه حنون، يحمل تلك الحيرة المعتادة في عيني الأم حين ترى شيئًا لا يروق لها.

احتضنتها بلطف وقالت:

"أهلاً ياحبيبتي، وحشتيني والله."

ابتسمت تاليا بخجل، وقالت بصوت خافت:

"حضرتك كمان والله."

أما مراد، فلم يمكث معهم إلا دقائق معدودة، وقف في منتصف الغرفة وقال لوالدته بنبرة حيادية:

"ماما أنا هروح أشوف صاحبي في مشوار صغير وراجع على معاد الغدا."

نظرت إليه أمه بدهشة، كادت تقول شيئًا، لكنها فضلت التريث.

أومأت برأسها وهي تقول:

"ماشي، بس ماتتأخرش."

غادر هو، وترك خلفه فراغًا لا يُحتمل، وكأن وجوده، على ما فيه من جمود، كان يمنح المكان شيئًا من التوازن.

جلست تاليا على الأريكة في صمت، تُحاول جاهدة أن تُخفي شحوب وجهها وإرهاق روحها.

راحت والدة مراد تراقبها بعينين مليئتين بالقلق.

لم تكن هذه الفتاة التي كانت تقفز من السعادة ليلة الزفاف، عيناها الآن خامدتان، وجهها باهت، وكأن الزمن نزف من ملامحها ما لم يُعطه لها.

سألتها برقة، وهي تصب لها كوبًا من العصير:

"أخبارك إيه ياتاليا؟ كل حاجة تمام؟"

رفعت تاليا عينيها إلى السيدة التي كانت ودودة معها، وأجابت مبتسمة ابتسامة شاحبة:

"آه الحمد لله، كل حاجه تمام، احنا كويسين جداً."

رفعت الأم حاجبًا وسألتها برقة أكثر:

"متأكدة؟ شكلك مش مرتاح، وانتي عارفة أنا زي والدتك، تقدري تتكلمي معايا في أي حاجة."

هزت تاليا رأسها سريعًا وهي تقول:

"لا يا طنط، كله تمام بجد، مراد كويس جداً، احنا مبسوطين."

لكن صوتها كان ضعيفًا، ونظرتها كانت تفضحها.

لاحظت الأم أنها لا تنظر في عينيها مباشرة، وكأن الكذب ثقيل على لسانها.

ولم يكن قلب الأم ليُخدع بسهولة.

اقتربت منها، أمسكت بيدها بلطف، وقالت بحنانٍ صادق:

"بصي يا تاليا… أنا مش هلف وأدور معاكي، أنا شايفة إن في حاجه، إنتم مش بتتكلموا مع بعض خالص، وكل واحد فيكم قاعد في حته، وكأنكم مش متجوزين أصلاً… وده مش طبيعي، انتوا بقالكوا أسبوع واحد بس متجوزين."

ابتلعت تاليا ريقها بصعوبة، وارتبكت يداها، لكنها حاولت التماسك:

"أصل هو مراد مشغول اليومين دول… وأنا كمان مش متعودة على كل ده… فممكن أكون متوترة شوية."

جلست تاليا في مقعدها، وسكونٌ ثقيل يسكن ملامحها، عيناها تائهتان في اللاشيء، كأنها تنظر من نافذة مغلقة نحو زمن مضى، لا رغبة فيه للعودة. كان صمتها ليس ضعفًا، بل غليان داخلي يرفض أن ينفجر قبل أن يسمع الحقيقة كاملة.

أما السيدة عايدة، فكانت تجلس إلى جوارها تنظر إليها بحزنٍ عميق، فهي لم تكن تنوي إيذاء هذه الفتاة، ولم تكن تتوقع أن تصل الأمور لهذا الحد من الجفاف بين ابنتها التي لم تلدها، وابنها الذي يعرف كيف يخفي ملامحه خلف جدران من العناد.

قالت الأم بنبرة جادة، تكاد تُخفي عطفًا حاولت ستره كثيرًا:

"مابتعرفيش تكذبي شكلك كده، انتوا الاتنين باين عليكوا مش مبسوطين... مش مرتاحين خالص، هو مراد قالك حاجه؟!"

رفعت تاليا رأسها ببطء، نظرت إليها باستفهام مشوش، وقالت:

"حاجة زي ايه؟!"

نظرت عايدة في عينيها مباشرة، وقررت ألا تتردد أكثر:

"حاجة زي إنه اتجوزك غصب عنه عشان يرضي أبوه... اضطر يوافق لأنه باباه ضغط عليه، ولما أبوه تعب... اضطر يجاريه ويسمع كلامه ويتجوزك... ويتخلى عن البنت اللي بيحبها."

كانت الكلمات كالسكاكين، تقطع في روحها بخشونة غير متعمدة.

لم تنفجر بالبكاء، بل نظرت إلى الأم بعتاب موجع، عتاب من وجد نفسه ضحية مسرحية لم يكن أحد ينوي إخباره بحقيقتها، فقالت بنبرة ممتزجة بين الخيبة والانكسار:

"ولما حضرتك عارفة الكلام ده... ليه ماقولتيش ليا قبل ما نتجوز؟! أو هو ليه ماقاليش... لو كان قالي، كنت رفضته أنا، وساعتها أبوه ماكانش هيزعل منه... لأني هبقى أنا اللي رفضت. ليه... تدمروا حياتنا بالشكل ده؟! فاكرين إننا هنبقى مبسوطين لما نتجوز... وهو مغصوب إنه يتجوزني؟!"

أطرقت عايدة برأسها، وهي تمسك بكف تاليا بين يديها، وقالت بلطفٍ لم يخلُ من الحيرة:

"احنا كان قصدنا مصلحتكم... والله، محمود كان عايزك ماتسافريش عشان ياخد باله منك زي ما أبوكي وصاه، وأنا... أنا قولت لما تعيشوا مع بعض، وتتعرفوا، هتاخدوا على بعض... وهتحبوا بعض، وهيبطل يفكر في البنت اللي كانت معاه دي. ولو على إنه ماقالش، هو ماقدرش يقولك الحقيقة، لأن محمود قاله إنك لو رفضتي هيبقى باين إنه هو اللي حكالك، وإنك رفضتي عشانه ، لأنك أول مامحمود قالك كنتي موافقة مااعترضتيش."

هنا زفرت تاليا نفسًا متقطعًا، وكأن روحها خرجت قليلًا لتتخلص من ثقل الكلام.

قالت بانكسارٍ أكثر مما يحتمل قلبها الصغير:

"ممكن حضرتك... تفهميني هو إيه اللي بيحصل؟! لأني بجد... مش قادرة أستوعب اللي بيحصلي ده، ممكن تحكيلي من الأول... بالراحة؟!"

حركت عايدة رأسها بالإيجاب، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال منذ زمن، ثم بدأت تحكي، تحكي وكأنها تُخرج السر الذي أثقل ضميرها طوال الأيام الماضية.

"بصّي ياتاليا... من أول ما أبوكي اتوفى، وإحنا في حيرة كبيرة، انتي لوحدك ومفيش حد ليكي هنا، وكنتي ناوية تسافري عند أهل مامتك، ومحمود كان وعد أبوكي إنه ياخد باله منك، فخاف تروحي هناك لوحدك وخصوصًا إن جلال الله يرحمه كان دايمًا بيقول إن أهل مراته مش كويسين ومابيحبهوش... وقال إنهم ممكن يستغلوا طيبتك ويسيطروا عليكي وعلى كل اللي سابهولك."

كانت تاليا تستمع بصمتٍ مشوب بالخوف، والخوف هنا لم يكن من الآخرين، بل من كم الألم الذي لا تعرفه بعد.

تابعت عايدة، وهي تنظر إلى البعيد كأنها تسترجع المشهد:

"وقتها محمود قرر إن أفضل حل هو إنك تتجوزي مراد... عشان تفضلي تحت عنينا، ولأنك كمان بقيتي شريكة في الشركة ومينفعش تروحي بعيد، وأي حد غريب يتجوزك يبقى هو كمان شريك وممكن يأثر علينا. مراد رفض في الأول، كان رافض جدًا، وكل يوم كان بيتخانق مع أبوه بسببك، يقول له إنه مش عايز يتجوز، وإنه بيحب بنت تانية اسمها بسنت، بس محمود كان بيضغط عليه أكتر، وكل يوم يتعب أكتر... لحد ما بقى تعبان بجد."

ارتجف قلب تاليا، كأنها ترى الأيام تُعرض أمامها على شاشة شفافة، كانت تظن أن الصمت الذي بينهما كان صمتًا بريئًا... لكنه كان صمت جبر.

"في الآخر، محمود قال لمراد... إنه هو السبب في تعبه، وإنه لو مات هيبقى بسبب رفضه انه يتجوزك . ومراد... مقدرش يشيل الذنب ده، مقدرش يشوف أبوه تعبان ، فوافق، وهو كان مكسور... راح مع أبوه يوم خطوبتك، ووافق على الجواز، لكن من جواه كان متدايق جدًا... وحاسس إنه اتظلم، وحاسس إنه ظلمك كمان."

عند تلك الجملة، تساقطت دموع تاليا دون صوت.

لم تكن دموع ألم فحسب، بل دموع خيانة... خيانة الحلم، خيانة الثقة، خيانة الزواج الذي تمنت أن يكون حبًا وسكينة، فإذا به صفقة معلنة بين وجعَين.

قالت بصوتٍ مبحوح، بالكاد خرج من بين شفتيها:

"هو مجبر، وأنا ضحية... والكل فاكر إنه كده بيحميني... بس الحقيقة إن محدش حماني من الحقيقة نفسها."

مسحت عايدة دموعها، وقبّلت جبينها بلطفٍ وقالت:

"أنا آسفة يا تاليا... آسفة إني ماقولتش ليكي من الأول، بس والله كنا شايفين إن ده في مصلحتك، بس واضح إن كلنا غلطنا... ومحدش حسبها صح."

كانت كلمات السيدة عايدة ترن في أذنيها كما يرن جرس قديم في دير مهجور، كل كلمة كانت كسهم مصوب بدقة نحو قلبها، تقطع فيه ما تبقى من خيوط الأمل. جلست تاليا بغرفتها، تحدّق في فراغ لم يعد يحتويها، تحاول أن تُجبر ذاكرتها أن تغلق أبواب الماضي، لكنها لم تستجب. بل على العكس، انفتحت أبواب الذكرى كأنها دعيت للعرض، فعاد بها الزمن لتلك الليلة... الليلة التي دفنت فيها أحلامها بثوبٍ أبيضٍ كانت تظنه البداية.

كان كل شيء مثاليًا كما تخيلته. فستانها الأبيض الذي انتقته بعناية، شعرها المُصفف بخفة، البريق الذي سكن عينيها وهي تدخل برفقة من ظنّته سيكون شريك عمرها... لم تنتبه لتلك القسوة في عينيه، لم تلاحظ بروده، أو ربما لاحظت... لكنها رفضت التصديق.

عادت بذاكرتها للحظة دخولهما الغرفة. لحظة توقعت فيها أن تسمع كلمات حُب، أو أن ترى دهشة إعجاب على وجهه، لكنها لم تجد سوى جليد قاتل.

تذكر جيدًا ما قاله حينها، بكل برود، بكل عنف مغلف بهدوء متعمد:

"بُصي... من دلوقتي احنا في قوانين هنمشي عليها. لازم تعرفي إني اتجوزتك عشان بابا... مش أكتر. وانتي مش دايبة فيا... أنا عارف، بس عشان نجاريهم هنعمل نفسنا متجوزين بجد قدامهم."

شعرت وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميها.

كأن فستانها الأبيض الذي ظنته رمز بداية جديدة... كان كفناً لحلم مات قبل أن يُولد.

"بس لازم يبقى بينا قواعد.

أولًا: محدش يسأل التاني راح فين ولا جه منين ولا يعرف مين.كل واحد حر يعمل اللي هو عايزه.

ثانيًا: كل واحد فينا ليه أوضه...انتي خدي الأوضة دي، وأنا هاخد الأوضة الصغيرة عشان مش هقعد كتير.

ثالثًا: مالكيش دعوة بأكلي... ولا لبسي... ولا أوضتي،اعتبريني مش موجود، لأني ماباكلش من إيد حد ومابحبش حد يلمس حاجتي.

رابعًا: طول مانا موجود، ياريت تفضلي في أوضتك... أو تخرجي أي مكان.

خامسًا: وده الأهم،ممنوع حد يعرف اللي ما بينا.

وفترة كده ونحاول ننفصل بهدوء ونقول ما اتفقناش مع بعض.

أوراق الشركة اللي هنحتاج توقيعك عليها هاجيبها وأسيبها بره...توقعي وتحطيها مكانها... وأنا هاخدها."

كانت كل جملة منه، خنجرًا يُغرس ببطءٍ في قلبها.

كأن حفل الزفاف كله لم يكن سوى ستار مسرحي لعرض خداع كبير.

لكنها لم تكن طفلة. لم تكن ضعيفة كما توهم الجميع.

نظرت إلى الأسفل حتى لا يرى دموعها التي بدأت تتجمع،قاومت الرجفة في صوتها، وأطلقت العنان لكبريائها،ردّت عليه بابتسامة مصطنعة حاولت أن تجعلها حقيقية:

"ياااه... ريّحت!ريّحت قلبي بجد.انت مش متخيل ريّحتني إزاي.أنا ماكنتش عارفة أقولك كده إزاي،

بس أنا كمان اضطريت أوافق على الجوازة دي عشان...عشان ما أسافرش وافضل هنا.أنا كمان كنت هقولك نفس الكلام...لو ماكنتش انت قلت."

رفعت نظرها إليه وكأنها تُجهز لكذبتها النبيلة التي ستحمي بها كرامتها:

"الحقيقة... أنا بحب واحد تاني.إحنا مرتبطين من فترة،بس ظروفه ما سمحتش إنه يخطبني دلوقتي.

احنا نحاول زي ما انت قلت بسرعة ننفصل... وكل واحد يشوف حياته."

رمقها مراد بنظرة متفاجئة. شيء في عينيها لم يكن منطقيًا...

لكن كبرياءه منعه من السؤال كثيرًا:

"بس انتي شكلك كان مبسوط...ماكانش باين عليكي إنك مغصوبة على الجوازة."

قالت وهي تشيح بوجهها عنه، لكنها أصرت على الثبات:

"لا...ماهو أنا كنت لازم أعمل كده عشان...عشان يعني أصحابي اللي حضروا الفرح، ما ياخدوش بالهم من حاجة...وأهلك انت كمان ما يفهموش اللي بيحصل."

تردد لحظة، ثم قال:

"بس انتي ماقولتليش إنك بتحبي حد تاني ليه قبل كده؟!"

قالت وهي تخفي دموعها:

"انت عارف كل حاجة حصلت بسرعة،ماكانش في وقت أقول،وكنت خايفة من رد فعلك،بس الحمد لله...انت سهّلت عليا الموضوع."

أومأ برأسه بجمود، وقال:

"تمام، كويس إننا اتفقنا."

وخرج... تاركًا خلفه أنثى مكسورة القلب...

لكنها لم تكن منهزمة.

دخلت تاليا إلى الحمام، أغلقت الباب خلفها، وسقطت كل الأقنعة.

بكت بصمتٍ أولًا... ثم بكت بمرارة، ثم انفجرت.

صرخت بداخلها، ثم أمسكت بثوبها الأبيض ومزقته،

كأنها تنتقم من كل لحظة خُدعت فيها.

كأنها تعلن أن هذه الليلة لم تكن زفافًا... بل جنازة لحلمها الكبير.

جلست طويلاً، ثم نهضت أخيرًا، وتقدمت نحو المرآة.

من هذه؟

من تلك التي تنظر إليها بعينين دامعتين، ووجه ملطخ بمساحيق سالت مع دموع الوجع؟

هل هذه تاليا؟

الفتاة القوية، الجميلة، الذكية؟

لا، هذه ليست هي.

وهي لم تكن لتُكسر هكذا.

تنهدت ببطء، ثم غسلت وجهها جيدًا،

مسحت ما تبقى من زيف الحفل،

ووقفت بثبات جديد، وقلبٍ يملؤه التصميم.

"هو مايستاهلش...

مايستاهلش دموعي ولا وجودي...

مايستاهلنيش."

هكذا قررت.

أنها من الآن، ستكون شيئًا آخر...

امرأة لا تُكسر، حتى لو خذلها من ظنت أنهم الأمان.

ثم أغلقت النور، واستلقت على الفراش،

وغابت في نومٍ عميق،

كأن عقلها قرر أن يمنحها هدنة من الحزن...

ولو مؤقتة.

استفاقت تاليا من نومها على رنين متواصل ومتتابع لهاتفها الموضوع إلى جانب الوسادة. حدّقت فيه بعين نصف مغمضة، ثم فتحتها بالكامل مذعورة وهي ترى عشرات الرسائل تنهال تباعًا من أصدقائها.

كانت كلماتهم تنبض بالقلق والدهشة:

"تاليا انتي فين؟!"

"مش قولنا الساعة ٤؟!"

"إحنا مستنيينك!"

شهقت وهي تضرب جبينها براحة يدها بقوة:

يا إلهي! لقد نسيت... كيف نسيت؟!

الساعة الآن تشير إلى الرابعة والنصف! كان من المفترض أن تمر عليهم في الرابعة تمامًا ليتوجهوا إلى الإسكندرية كما خططوا بالصباح!

تنهّدت بعصبية وهي تلقي الهاتف على الفراش، ثم قفزت واقفة وهرعت إلى خزانة ملابسها، تتناول أول ما وقعت عليه يدها دون تفكير أو انتقاء.

ارتدت بنطالًا من الجلد الأسود الضيق، وبلوزة بيضاء فتحت أزرارها الأولى دون اكتراث، ثم وضعت طرف البلوزة في البنطال، بينما تركت الطرف الآخر يتدلّى فوقه.

انتعلت حذاءً ذا كعب عالٍ متوسط الارتفاع، ثم سرّحت شعرها الطويل بأصابعها وأطلقته على ظهرها كما اعتادت دائمًا.

وقفت أمام المرآة لثوانٍ، التقطت أحمر شفاهٍ أحمر صارخ، رسمت به شفتيها بعجلة، ثم ألقته في حقيبة سوداء صغيرة وضعت بها هاتفها ومفاتيح السيارة وبعض الأغراض، وانطلقت كالإعصار خارج الغرفة.

ركضت عبر الرواق، ثم درج الفيلا، متجهة مباشرة نحو سيارتها، لكن لم تكن تعلم أن الطريق للخروج لن يكون سهلًا...

مراد كان يقف بحديقة المنزل، ينظر إليها باستغراب حين لمحها تركض كمن يهرب من مصيبة.

قال وهو يعقد حاجبيه باستفهام:

"إيه؟! في إيه؟ بتجري كده ليه؟ رايحة فين كده؟!"

قالت دون أن تنظر إليه، وهي تتوجه نحو السيارة بخطوات مسرعة:

"مالكش دعوة وماتعطلنيش أكتر من كده، أنا أصلاً متأخرة... بسببك!"

نظر إليها مذهولًا وهو يقترب منها:

"بسببي أنا؟! ليه؟!هو أنا شوفتك أصلاً من ساعة ما دخلتي الكهف بتاعك اللي مابتخرجيش منه ده؟!"

قالت بنفاذ صبر وهي تحاول تشغيل المحرك:

"مراد، اسكت لو سمحت... وابعد عشان أشغل العربية!"

فوجئت به يضع يده على مقدمة السيارة ليمنعها من التقدم، وقال ببرود مستفز:

"أيوه، ماقولتليش رايحة فين؟مش معقول أبقى قاعد في البيت ومراتي خارجة ومش عارف رايحة فين!وبعدين اقفلي زرار البلوزة دي، جسمك باين."

صرخت بانفعال حاد، وقد بلغ غضبها ذروته:

"مرااد... ابعد عن العربية، خليني أمشي، أنا اتأخرت!وبعدين مالكش دعوة بلبسي!قولتلك قبل كده!"

أجابها بابتسامة ساخرة، وما زال يضغط على السيارة بجسده:

"مش هتحرك إلا لما أعرف رايحة فين.براحتك بقى...أنا فاضي، ممكن أقف اليوم كله عادي، ماعنديش أي مشكلة."

صرّت على أسنانها بقوة، وزفرت قائلة:

"رايحة إسكندرية، ارتحت دلوقتي؟!رايحة مع أصحابي... هنتغدى هناك ونرجع.خلاص كده؟ مرتاح؟ابعد بقى لو سمحت."

تراجع خطوة عن السيارة، لكنها لاحظت النظرة الساخرة في عينيه وهو يقول:

"حلو ده والله!مراتي رايحة مع شباب ماعرفهمش إسكندرية...وسايباني في البيت،ماليش لازمة أنا!

مراتي تخرج تسهر وتسافر... وأنا قاعد أحرس لها البيت!جديدة دي والله!الأدوار اتقلبت."

كانت أصابعها على عجلة القيادة، لكنها لم تتمالك نفسها.

نظرت إليه نظرة ممتلئة بالاحتقار والخذلان، وقالت بعنفٍ عاطفي متصاعد:

"من إمتى وانت تعرف عني حاجة أصلاً؟!من إمتى وانت بتسأل؟!وبعدين...انت جايلي بعد ٨ شهور غايب،تسألني رايحة فين وجاية منين؟!أنا بقالي ٨ شهور معرفش عنك حاجة...ولا انت تعرف عني حاجة.مش عارفه انت صاحي ولا ميت، ولا جرى لك إيه!إحنا أرقامنا أصلاً مش مع بعض حتى،

فماتعمليش فيها مهتم!روح يامراد... سافر ولا شوف انت رايح فين،أنا مش نقصاك!"

ثم أردفت وهي تضغط على دواسة الوقود بعصبية:

" وقولتلك قبل كده أنا حرّة!أروح مع اللي أنا عايزاه! وألبس اللي أنا عايزاه ،مالكش دعوة! أقولها لك كام مرّة عشان تفهم؟ومحدش قالك تحرس البيت،أنا دايمًا بسيبه وبرجع ألاقيه في مكانه...ماتقلقش!آه، وماتقولش مراتي دي تاني!أنا مش مرات حد!"

وانطلقت بالسيارة، تترك خلفها الغبار والغضب والخذلان.

أما هو، فظل واقفًا في مكانه...

يتابع السيارة بعينيه المشتعلتين.

كان جسده ثابتًا، لكن عقله يغلي.

تمتم بحدة وهو يشد على أسنانه:

"ماشي يا تاليا...أنا هعرفك إزاي تخرجي كده... وأنا قاعد كيس جوافة في البيت!وماقولش مراتي تاني؟!ماشي...أنا هعرفك، هقول مراتي إزاي!

أنا هعرفك... انتي مرات مين!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة