الفصل التاسع والثلاثون

الفصل التاسع والثلاثون

11 0

لم يكن مراد يعلم كيف وصل به الحال إلى هذه المرحلة من التعلّق، لقد خرج من منزله دون أن يملك هدفًا واضحًا، سوى حاجته لرؤيتها، لسماع صوتها، للشعور بقربها.

كان كالغريق الذي لا يجيد السباحة، ولا يرى شاطئًا أمامه سوى تلك العينين التي تسكن ذاكرته.

وعلى الطريق، قرر أن يشتري بعض الطعام، لم يكن جائعًا، ولكنها كانت حجة لزيارته، مبررًا قد يلقيه على عتبة تساؤلاتها إن هي فتحت له الباب وسألته عن سبب قدومه في هذا الوقت المتأخر من الليل.

الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحًا، وهو لا يملك تفسيرًا عقلانيًا لذلك، لكنه لم يعد يستطيع المكوث بمفرده.

كل ما أراده أن يراها… أن يطمئن لوجودها… أن يشعر بطمأنينة قربها.

لم يعد يعنيه إن تحدّثا أو لا، إن عاتبته أو حتى طردته، كل ما يعنيه أن تكون أمامه، أن يتنفس رائحتها التي أضحت إدمانًا لا سبيل للشفاء منه.

لا يعلم متى بدأ يحبها بهذا الشكل… لا يدري كيف تسلّلت إليه، أسرته، وتربّعت على عرشه دون إذن.

يعلم جيدًا أن تصرفه الآن لا يليق برجلٍ ناضج، هو أشبه بمراهق يدقّ قلبه للمرة الأولى، يرتجف، يحترق، يضيع في بوصلة مشاعره.

لكن لا يهم… لقد أدرك متأخرًا ما يعنيه أن تحبّ بصدق، أن ترى في أحدهم الحياة بأكملها.

ليته أفاق منذ زواجه بها، ليت حياته كلها كانت تبدأ من اللحظة التي رآها فيها… ولكن لا بأس، فالبداية الحقيقية ليست دائمًا في أول الطريق، أحيانًا تأتي بعد أن نُصاب، نُخذل، ونفقد أنفسنا لنجدها عند الشخص الصحيح.

سيمنحها ما تستحقه… سيسقي روحها حبًا، سيغمر أيامها بأمانٍ وسكينةٍ تليق بها، سيمسح كل وجعٍ خلّفه، كل ليلة بكاءٍ مرّت بها بسببه، سيُهديها ابتسامةً جديدة عن كل دمعةٍ سقطت.

فهي تستحق.

وصل إلى منزلها، أوقف السيارة بهدوء، وأمسك بكيس الطعام بيده كمن يتشبّث بأمل صغير،

تجاوز حديقة المنزل بخطوات متوجسة… الغريب أنه لم يوقفه أحد.

لم يكن هناك حارس، ولا حتى مساعد يطل من نافذة أو يستفسر عن القادم،

أيعقل أن تكون بمفردها تمامًا؟

تسلّل إليه القلق كسمٍّ بطيء،

أيعقل أن تعيش هنا وحدها، في هذا المكان المعزول، دون حراسة أو حماية؟

ماذا لو حاول أحد الدخول إليها؟

لقد دخل هو لتوّه دون أن يوقفه أحد،

هذا لا يطمئنه… بل يدفعه لأن يلوم نفسه على موافقته في أن تظل هنا وحدها.

وقف أمام الباب، ومدّ يده إلى الجرس،

ضغطه مرتين، ثم انتظر…

لم تفتح.

ضغطه مرة أخرى،

ثم سمع صوتًا مذعورًا يصله من خلف الباب، جعل قلبه يضرب بقوة:

"مين؟!"

أجابه بسرعة، بصوت خافت لكنه مطمئن، كمن يحاول احتواء خوفها:

"أنا مراد ياتاليا."

لم تكد تمر ثوانٍ على إخبارها بأنه من يقف خلف الباب حتى سمع تلك الأصوات المتتالية التي تصدرها مفاتيح تُدار بتعجّل، وأقفال تُغلق أو تُفتح، ولم يكن يدري تحديدًا إن كانت تحرص على فتح الباب له، أم أنها تحرص على أن لا يُفتح لغيره.

اطمأن قليلًا وهو يسمع حركة الباب تئنّ تحت يدها، إلى أن أدارت المقبض ببطء، وفتحته بحذرٍ ظاهر.

ظهرت أمامه، تقف إلى جوار الباب، لم تتقدم ولا حتى خطوة واحدة، وجهها يشع قلقًا واضحًا رغم ملامحها التي لم تفقد أنوثتها حتى في أكثر اللحظات ارتباكًا، ثم همست بنبرة مرتجفة قليلًا:

"مراد، في حاجه حصلت ولا ايه؟ انت كويس؟!"

كان بإمكانه أن يُباغتها بالحقيقة، أن يقول إنه لم يعد يطيق بعدًا عنها، لكنه آثر التخفيف عنها، فرسم ابتسامة واسعة على وجهه، وقال ساخرًا:

"ماتقلقيش، كله تمام. انتي كل ماتشوفي وشي تتخضي وتقوليلي ايه اللي حصل، هو انا مابجيش الا ف المصايب ولا ايه؟ انتي بتحرجيني على فكرة، وأنا مشاعري رهيفة وبتحرج بسرعة."

ضحكت تاليا، تلك الضحكة العذبة التي تشبه رنين الأجراس الصغيرة، وقالت معتذرة بخجل:

"لا والله مش قصدي، بس عشان الوقت متأخر… افتكرت في حاجه حصلت."

رفع الأكياس التي كانت بيديه كمن يرفع حجة دامغة، وقال بنبرة خفيفة:

"لا يا ستي محصلش حاجه، أنا بس لاقيت نفسي جعان ومش عايز آكل لوحدي، قولت أروح لحد يفتح نفسي، وبصراحة مالقتش حد أجمل منك يفتح نفسي،وبالمرة ناكل سوا عشان انا مابحبش آكل لوحدي."

رمقت الأكياس بنظرة متفحصة، ثم نظرت إليه باستغراب طفولي وقالت:

"أنت هتاكل بيتزا الساعة اتنين بالليل؟"

أسند كتفه إلى إطار الباب، وردّ بجديّة مصطنعة:

"وايه المشكلة مش فاهم، هي البيتزا محددين لها مواعيد وأنا معرفش؟!"

ترددت للحظة ثم قالت بنبرة فيها شيء من المنطق القلق:

"لا… بس بيتزا بالليل ازاي؟ مش هتعرف تنام… بطنك هتوجعك."

ابتسم، اقترب قليلًا وأخفض صوته وهو يقول:

"لا ماتقلقيش، احنا مش هنقولها ان احنا بالليل عشان ماتوجعش بطننا."

نظرت إليه بتعجّب حقيقي وقالت:

"هي مين دي اللي مش هنقولها؟!"

ضحك بخفة وقال وهو يشير إلى الأكياس:

"البيتزا يا تاليا، انتي مش قولتي هاكلها ازاي بالليل وهتوجع بطني، على أساس انه بالنهار عادي مش هتوجع بطننا، هي البيتزا هتعرف منين اننا هناكلها بالليل؟!"

وضعت يدها على رأسها بتفكير، ثم قالت ببراءة خالصة:

"أيوه صح… هتعرف منين؟!"

حدّق بها بدهشة ممتزجة بعشق، ثم قال متمالكًا نفسه:

"طيب إيه؟!"

رمقته بلا فهم وقالت:

"إيه؟!"

أجاب وهو يشير إلى وضعهما الساكن:

"هنفصل واقفين على الباب طول الليل يعني؟

ولا ناكلها هنا قدام الباب؟ ولا أروح؟ ولا أعمل ايه؟!"

توردت وجنتاها خجلًا، وتراجعت إلى الداخل وهي تقول:

"أنا آسفه والله نسيت… اتفضل، ادخل."

سبقته تاليا إلى الداخل، تمشي بخفة لم تقصدها، لكن مراد تبعها بخطواتٍ هادئة، لا يدري أين ينظر، ولا كيف يوقف عينيه عن التحديق في جسدها الذي أرهقه الشوق إليه.

كانت ترتدي منامة قصيرة، قصيرة حدّ الخطر، تنساب على جسدها الناعم فتزيده فتنة، بدا له المشهد وكأنه لوحة شهية، لا مجرد امرأة ترتدي ثيابًا للنوم.

كتم أنفاسه وهو يحاول كبح جماح أفكاره، نهر نفسه بقسوة: "عيب يامراد ، امسك نفسك كده وخليك قوي زي ماكنت."

لكنه لم يكن يستطيع السيطرة على قلبه، أو على نظره الذي ظل يتبع حركة خصرها الرشيق وانسياب قدميها على الأرضية الباردة.

جلست تشير إليه أن يجلس، فجلس قبالتها محاولًا التشاغل بشيء آخر، ولكنها حين جلست، ارتفعت منامتها أكثر دون قصد، لتكشف عن فخذيها الأبيضين، المتناسقين، الجميلين بطريقة لم يظن أن جسدًا بشريًا قد يملكها.

تعلقت أنظاره بهما دون وعي، عيناه تائهتان في تفاصيل لا يُفترض أن يراها الآن، ولكن عقله خذله، وقلبه كذلك.

أما هي، فما إن التفتت إليه، حتى ضبطت نظراته ساكنة على موضعٍ لا يجب التحديق به، رفعت عينيها إليه فارتبك، ارتبكت هي أكثر، خجلت، شعرت أن الوجنتين ستنفجران من فرط الاحمرار، فقفزت من مقعدها في حركةٍ حادة وهي تلعن غبائها الذي جعلها تظهر أمامه بهذا الشكل.

قالت بتوتر وهي تحاول تصنع الهدوء:

"ثواني بس هعمل حاجه وجايه."

لكن مراد لم يكن ساذجًا، كان يقرأها مثل كتاب مفتوح.

وقف أمامها وسد طريقها بصدره العريض، وحدجها بعينيه مباشرة قائلاً:

"رايحه فين؟!"

أجابت باضطراب:

"هغير هدومي بس وجايه."

ابتسم ابتسامة تحمل من الدلال قدرًا لا يُحتمل، وقال:

"وتغيريها ليه؟ دي جميلة أوي، وكمان أنا جوزك يا تاليا، عادي يعني… تلبسي، ماتلبسيش… خالص، عادي يا توتي، وبعدين أنا جعاااااان، مش قادر استحمل أكتر من كده، يلا ناكل. والا هاكلك انتي، وأنا بصراحة بتلكك."

كلماته أربكتها، فحاولت الفرار منه باتجاه المطبخ، علّها تسيطر على ارتباكها، وأخذت الأكياس بيديها وتحدثت سريعًا لتتجنب عينيه:

"ماشي… هحط الأكل ف أطباق."

دخلت إلى المطبخ، تنفست الصعداء، وألقت بالأكياس على الرخامة، ثم التفتت مسرعة إلى الغرفة كي تبدّل ملابسها، لكن صوته باغتها فجأة من خلفها، مما جعل قلبها يقفز من مكانه:

"تحبي أساعدك في حاجه؟!"

صرخت من الفزع، ووضعت يدها على صدرها وكأنها تمنع قلبها من الهروب من بين ضلوعها، وقالت بتوتر:

"خضتني يا مراد… حرام عليك!"

ضحك بخفة، ثم اقترب منها وقال:

"أنا عملت حاجه يا بنتي؟ انتي من يوم ما جيت من السفر، وانتي كل ما تشوفيني تصرخي…

بتحسسيني اني عفريت بجد."

أرادت أن ترد عليه ولكنها كانت مرتبكة للغاية، أخذت تتحرك كالمضطربة بين الصحون، تبحث عن طبق هنا وكوب هناك، وهي ترد بعصبية خفيفة:

"انت اللي مش بتعمل صوت وبتخضني، أنا افتكرتك لسه قاعد هناك…أنا قلبي هيقف بسببك في يوم."

اقترب منها، وهو يُنقص المسافة بينهما بسلاسة:

"سلامة قلبك…قلبي أنا اللي يقف وانتي لأ."

ارتبكت أكثر، تراجعت خطوة إلى الخلف وغمغمت وهي تحاول التخلص من قربه:

"طيب… روح انت اقعد، وأنا هجيب الأكل وجايه."

ولكنه أصر، نبرة صوته لم تكن قابلة للنقاش:

"لأ، أنا هفضل هنا، عشان يعني لو احتجتي مساعدة ولا حاجه."

بدأ يساعدها في وضع الطعام والأطباق على المائدة، لم يُبعد عينيه عنها ولو لثانية، وكأنه يخشى أن تختفي فجأة.

كان يعلم أنها تحاول الهرب إلى أي زاوية لتبدّل ملابسها، لكنه لم يعطها الفرصة.

أما هي، فقد كانت تذوب خجلًا.

شعرت أن جسدها كله مُراقب، أن نظراته تلفّها كعباءة من نار، فلم تجد سبيلًا إلا أن تجلس معه على المائدة، حمدت الله أن الطاولة تخفي الجزء الأسفل من جسدها، ولكنّ كتفي منامتها لم يرحماها، كانا ينزلان عن كتفيها بخفة لتظهر منهما مساحات لا يُفترض أن تُرى، وكانت كلما حاولت رفعهما، يعودان للسقوط.

حاولت المقاومة، حاولت السيطرة… ثم استسلمت.

جلست تحاول ألا تنظر إليه، أن تركز على طبق الطعام، على أي شيء سوى عينيه، ولكنها فشلت.

أما مراد، فقد كان يبتسم في داخله، لا لشيء إلا لأنها تُربكه كما لم تُربكه امرأة من قبل، تُثيره وتُغضبه وتُسعده في اللحظة ذاتها.

كان خجلها هذا أحد أجمل ما فيها، وهذا الخجل بالذات… يأسره.

بعدما تناول مراد بضع لقيمات، التفت إلى تاليا وقال، وعيناه تتأملان وجهها المتردد:

"انتي مابتاكليش ليه؟!"

رفعت تاليا حاجبيها وقالت بنبرة دفاعية:

"انت عايزني آكل بيتزا بالليل؟! لا طبعًا، انت عايز تبوظ التمارين والنظام اللي ماشية عليه!"

ابتسم مراد ابتسامة دافئة، تلك الابتسامة التي تحمل مزيجًا من الحب والسخرية، وقال وهو يتكئ على ذراعه:

"تمارين إيه ونظام إيه؟! انتي مش محتاجة حاجة خالص… انتي حلوة في كل حالاتك. كلي معايا، أمال أنا جايلك ليه؟! ولا انتي بتحرجيني يعني…

بتقوليلي إنك عايزاني أمشي؟ طيب ياستي، أنا آسف إني جيت وأزعجتك… أنا همشي."

ونهض بمكانه وكأنه يستعد للانصراف، فتعلقت نظراتها به، وسارعت بالرد، محاولة تدارك الموقف:

"لا والله مش قصدي يا مراد صدقني… أنا بس خايفة، عشان هتخليني أتخن، بس خلاص اقعد… وأنا هاكل معاك."

عاد إلى جلسته وهو يخفي ابتسامة انتصاره، بينما أخذت هي قطعة بيتزا صغيرة وقضمتها على مضض، ولكن ما إن لامس طعمها لسانها حتى تحوّل المضض إلى نشوة، فأصدرت صوتًا تلقائيًا يدل على لذتها بما تتذوقه، دون أن تنتبه لما تفعله.

كان مراد يحدّق بها، يستمع لذلك الصوت الذي خرج منها، ذلك الصوت الصغير البريء الذي أحدث في نفسه اضطرابًا عنيفًا، جعله يزداد رغبة في شيءٍ لم يكن يخطط له… على الأقل ليس الآن.

قال بصوتٍ منخفض، مليء برغبة حاول السيطرة عليها دون جدوى:

"تاليا… صوتك… هي… هي عجبتك أوي كده؟"

لم تلاحظ ما يمر به، وأجابت بعفوية شديدة وهي تمضغ:

"أوي! عجبتني أوي، طعمها تحفة، تقريبًا دي أحلى بيتزا أكلتها."

ابتلع مراد ريقه، وشعر بحلقه يضيق فقال وهو يجاهد لأخذ نفس هادئ:

"طيب… ممكن بلاش تعملي الصوت ده تاني؟"

نظرت إليه بدهشة، غير مستوعبة طلبه، وسألته:

"ليه؟! انت بتقرف؟! سوري بجد، بس الصوت بيطلع غصب عني لما حاجه بتعجبني."

ضحك بمرارة خفيفة وهو يقول:

"أنا عارف إنه غصب عنك، بس راعي مشاعر الإنسان الضعيف اللي قاعد قدامك، أنا إنسان بردو!"

علّقت تاليا باستغرابٍ وارتباك:

"مش فاهمة… انت تقصد إيه؟!"

مراد، وقد بدأ يضيع تماسكه أمامها، قال بنبرة غير مستقرة:

"ماقصدش حاجة، ماتحطيش في بالك، المهم… الصوت ده مايتعملش وانتي بره، وماتسأليش ليه، لو سمحتي."

ولكنها لم تقتنع، ألحّت بنبرة طفولية:

"لا… ماهو أنا لازم أفهم ليه يعني! انت المرة اللي فاتت بردو وانا باكل شوكولاتة في السوبر ماركت قولتلي كده، وأنا عايزه أفهم… في إيه بجد؟!"

ابتسم مراد بتلك الابتسامة التي تعرفها، تلك التي تسبق اعترافًا لا يمكن تجاهله، وقال:

"افتكري إنك إنتي اللي صممتي تعرفي… عموماً… صوتك ده بيخليني أحس بمشاعر كده… بحاول أسيطر عليها، وانتي مش مساعداني خالص."

نظرت إليه بعينين مملوءتين بالدهشة:

"إيه اللي دخل صوتي في مشاعرك؟! مش فاهمة."

قال بصوتٍ خافت، يحمل من الشغف أكثر مما يُقال بالكلمات:

"مش هينفع أفهمك أكتر من كده."

أصرت وهي تعض على شفتها:

"ليه يعني بردو؟!"

نظرة واحدة منه، نظرة واحدة فقط، كفيلة بأن تذيب كل تساؤلاتها، وتتركها أمامه ككتاب مفتوح، قال:

"يعني بتخليني… عايز آكلك انتي. كده… فهمتي؟"

انخفضت عيناها إلى طبقها، لم تستطع الرد، لم تستطع حتى التفكير، أما هو فتابع حديثه وهو يدرك مدى خجلها:

"صوتك بيبقى حلو أوي… بيخليني عايز حاجات كتير… ممكن نختصرها بأني ببقى عايز آكلك. لو حابه إني آكلك… أنا مستعد جدًا، بس ده آخر تحذير ليكي، بعد كده… مش هقدر أتحكم في مشاعري أكتر من كده… انتي حرة بقى."

ابتلعت ما بفمها بصعوبة، وكأنها ابتلعت قلبها معه، بينما هو لم يرحم ارتباكها، أصر عليها:

"ما قولتليش… فهمتي؟! ولا أفهمك عملي؟!

حاسس إن الشفوي مش واضح."

قالت بتوتر وهي تتراجع بعينيها:

"خلاص… فهمت، اسكت بقى!"

ضحك مراد، ولكن بدا أنه لا يزال مصممًا، قال:

"لا والله… حاسس إنك مش فاهمة قصدي،

أنا لازم أفهمك!"

وقف بمكانه فنهضت تاليا بسرعة، مما أسقط المقعد خلفها، وقالت بتوتر:

"فهمت والله، خلاص فهمت!"

ضحك مراد بشدة من رد فعلها الصادق، وجلس مجددًا وهو يقول:

"متأكدة إنك فهمتي كويس؟ آخر فرصة ليكي… لو عايزة أفهمك!"

كان قلبها يغلي من الغيظ، قالت بانفعال:

"على فكره… انت حد قليل الأدب، ورخم جدًا يعني!"

تظاهر مراد بالحزن وقال بصوت مكسور:

"كده يا تاليا؟! تقولي عني كده؟ بجد… أنا زعلت أوي."

شعرت بالندم، فقد كان في بيتها، ولم تكن تلك الطريقة اللائقة للرد، فقالت معتذرة:

"سوري يا مراد بجد، ماكانش قصدي، بس انت اللي نرفزتني."

قال مراد:

"لا بجد مصدوم…بتقولي عني حد؟! أنا حد؟!"

قالت تاليا باستغراب:

"يعني انت كل اللي مزعلك إني قولتلك (حد)؟

بالنسبة لـ (قليل الأدب ورخم) ده عادي؟!"

استغل دهشتها واقترب منها فجأة، حتى وقف أمامها مباشرة، ثم قال:

"أيوه، عشان أنا مش (حد)… أنا جوزك يا توتي…

مش عارف انتي ليه المعلومة دي واقعة منك؟!"

قالت تاليا بتوتر شديد من هذا القرب:

"احنا متجوزين على الورق بس، انت اللي واقعة منك المعلومة دي!"

اقترب أكثر، وصوته يذوب رغبة:

"لا…أنا جوزك على الورق، وفي الواقع،وفي كل وقت.انتي اللي مش موافقة نخليه جواز حقيقي.

تاليا… أنا بحبك، وعايزك ترجعي معايا.

ولو ما وافقتيش…أنا هقعد أنا هنا معاكي."

اقتربت شفتيه حتى كادتا تلامسانها، فتراجعت تاليا للخلف، فتقدم خطوة، ظلت تتراجع وهو يتبعها، حتى ركضت لتبتعد، فضحك مراد بقوة وقال وهو يركض خلفها:

"فاكرة إنك كده هتهربي مني يعني؟! ماشي…

انتي اللي جبتيه لنفسك بقى!"

صرخت تاليا وهي تضحك:

"خلاص بقى يا مراد! انت مالك النهارده؟!

انت شارب إيه ولا فيك إيه بالظبط؟!"

أمسكها مراد من خصرها في لحظة، فأخذت تتنفس بسرعة من الركض، حاولت التملص، ولكن دون جدوى.

توسلت إليه بضحك وخجل:

"خلاص… عشان خاطري، أنا آسفة، مش هعمل كده تاني!"

ضحك وهو يقول:

"آسفة على إيه يا عبيطة؟انتي عملتي حاجة؟!"

قالت بتوتر وهي تحاول الهرب:

"مش عارفة… بس سيبني ونبي!"

فباغتها بدغدغة جعلتها تضحك بقوة، قالت وهي تضحك بشدة:

"مرااااد… خلاص!"

تعثرت بالأريكة وسقطت، وسقط هو بجوارها، وضحكا معًا طويلاً، ضحكًا نقيًا، صافياً، يشبه ما يتمنونه من حياةٍ معًا.

وبينما ما تزال آثار الضحك على وجهيهما، نظر مراد إليها بعينين ممتلئتين بحبٍ واضح، وأسند ذراعه خلفه وقال:

"ارجعي بقى…أنا هعملك كل اللي انتي عايزاه…

بس ارجعي."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لقد بلغت مرادي

المؤلف sara ahmed
2025/11/12 مكتملة
قائمة الفصول (46)
الفصل 1: الفصل الاول
2025/11/12
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/11/12
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/11/12
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/11/12
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/11/12
الفصل 6: الفصل السادس
2025/11/12
الفصل 7: الفصل السابع
2025/11/12
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/11/12
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/11/12
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/11/12
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/11/12
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/11/12
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/11/12
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/11/12
الفصل 15: الفصل الخامس عشر
2025/11/12
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/11/12
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/11/12
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/11/12
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/11/12
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/11/12
الفصل 21: الفصل الواحد والعشرون
2025/11/12
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/11/12
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/11/12
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/11/12
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/11/12
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/11/12
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/11/12
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/11/12
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/11/12
الفصل 31: الفصل الواحد والثلاثون
2025/11/12
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/11/12
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/11/12
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/11/12
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/11/12
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/11/12
الفصل 40: الفصل الاربعون
2025/11/12
الفصل 41: الفصل الواحد والاربعون
2025/11/12
الفصل 42: الفصل الثاني والاربعون
2025/11/12
الفصل 43: الفصل الثالث والاربعون
2025/11/12
الفصل 44: الفصل الرابع والاربعون
2025/11/12
الفصل 45: الفصل الخامس والاربعون
2025/11/12
الفصل 46: الفصل الاخير
2025/11/12

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة